موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٢ ابريل / نيسان ٢٠٢٦

صليب القدس ثقيل أيها البطريرك

صليب القدس ثقيل… أيها البطريرك

صليب القدس ثقيل… أيها البطريرك

الأب رفعت بدر :

 

هل كانت ردود الفعل الدولية بحجم ثقل المسؤولية في القدس الشريف، حين مُنع بطريرك القدس للاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، وحارس الأراضي المقدسة الأب فرانشيسكو باتون، من الوصول إلى كنيسة القيامة في واحد من أقدس الأيام في التاريخ المسيحي، يوم دخول السيد المسيح إلى القدس، أحد الشعانين وكما يسمّى باللغة العربية القديمة "يوم السباسب"؟

 

ما حدث ليس حدثا عابرًا، بل مشهد صادم يمسّ جوهر الحرية الدينية وكرامة الإنسان. ورغم ذلك، فقد شهد العالم ردود فعل واسعة، حتى من دول طالما عرّفت نفسها بأنها علمانية. فجاء الموقف الفرنسي واضحًا بإدانة صريحة من الرئيس، فيما ذهبت إيطاليا خطوة أبعد باستدعاء السفير، لا فقط لأنّ الشخصيتين تحملان جنسية إيطاليّة، بل لأنّ ما جرى يُعدّ انتهاكًا صارخًا لحق أساسي من حقوق الإنسان: حرية الوصول إلى أماكن العبادة وإقامة الشعائر الدينية. وهذا الحق لا تمنحه سلطة، ولا يُستجدى من أحد، بل هو حق أصيل تكفله القوانين الدولية والشرائع الإنسانية.

 

نُقدّر كل المواقف الدولية، من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وسائر الجهات الرسمية والدينية والشعبية. إلا أنّ الصوت الشاجب الأقوى والأعز، الذي انطلق من الأردن، وجاء صوتًا واضحًا وصريحًا من بلد الوصاية الهاشمية على المقدسات، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، مؤكدًا أن ما جرى هو انتهاك مرفوض، ومربوط بما حدث قبل أسابيع من إغلاق المسجد الأقصى في وجه المصلين خلال عيد الفطر - في مشهد لا يقل خطورة.

 

لكن الأخطر من كل ذلك هو منطق "السماح"، حين يُقال إن بطريرك القدس "سيُسمح له" بالدخول، فذلك ليس منّةً ولا تكرّمًا، بل اعتداء على حق طبيعي. لا يحتاج الإنسان إلى إذن ليصلي. ولا تحتاج الكنيسة إلى تصريح لتفتح أبوابها. إنها غطرسة السيطرة على الحجر والبشر، وهي عقلية لا تقف عند حادثة واحدة، بل تنبئ باستمرار الانتهاكات تجاه المقدّسات في القدس.

 

وما يجري في كنيسة القيامة ليس معزولًا عما يجري في المسجد الأقصى، ولا عما يحدث في غزة والضفة الغربية. الجذر واحد: الاحتلال. ولن يكون هناك حل حقيقي إلا بمعالجة هذا الجذر، لتبقى القدس مدينة مفتوحة، كما كانت عبر التاريخ، لأبناء جميع الديانات.

 

أعرف البطريرك بيتسابالا منذ عدة سنوات منذ كان رئيسًا أو حارسًا للأراضي المقدسة لدى رهبنة الفرنسسكان، ثم مدبّرًا رسوليًا في القدس، ثم بطريركًا للاتين، وأضيف إليه رتبة الكاردينال، أي المساعد المباشر لقداسة البابا في الفاتيكان، وقد عانى مع شعبه في القدس وفي غزة التي زارها ثلاث مرات في وقت الحرب. ولكني أظن بأن من أصعب البيانات التي كان عليه أن يكتبها هو البيان يوم أمس، إذ كان يمثل حضارة وتاريخًا مسيحيًا عريقًا، ويمثل عروبة القدس ويمثل حجاج القدس، ويمثل الإيمان المسيحي في القدس الشريف والذي تتحدث عنه كل ذرة تراب وكل حجر في شوارع القدس.. لأنه يتحدث عن تاريخ وعن يسوع المسيح الذي مر على هذه الارض حاملاً صليبه، نحو جلجلة الآلام والموت والقيامة.

 

ونقول اليوم للبطريرك: "الله يقويك سيدنا البطريرك الكاردينال.. فالصليب ثقيل في القدس، ليس على كاهلك فقط بل على كاهل كل إنسان يعيش في هذه المدينة المقدسة، ولا يريد منها خروجًا. تحية لكم وقيامة مجيدة نتمناها لكم ليس فقط باحتفال في يوم واحد، ولكن بعزة شعب يريد، مع مطلع كلّ شمس، الاستقلال والحرية."

 

أحد شعانينٍ مباركًا لإخوتنا الكاثوليك في العالم، وأحد فصح مجيد مباركًا، والذي سيكون أحد الشعانين للكنائس التي تتبع التقويم الشرق، ومنها كنائس الأردن كافة. ولتكن قلوبنا مفتوحة… مع أبواب الكنائس التي بإذن الله، لن تغلق في وجه عابد مصلّ من الآن وصاعدًا...