موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٢٠ مارس / آذار ٢٠٢٦

الأمور بحاجة إلى أن تتحسّن: وصيّة هابرماس الأخيرة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

الأب رفعت بدر :

 

يضعنا رحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس Jürgen Habermas، قبل أيام، أمام وصيّة فكرية عميقة تختصر مسيرة عمر كامل من التأمل والنقد: العالم يمكن أن يكون أفضل… بل يجب أن يصبح أفضل. هي ليست عبارة تفاؤل ساذج، بل موقف فلسفي وأخلاقي في وجه اليأس الذي يخيّم على إنسان هذا العصر.

 

عاش هابرماس قرابة 96 عامًا (1929–2026)، عاصر خلالها آثار الحرب العالمية الثانية، وشهد تحولات العالم من صراعات أيديولوجية إلى عولمة مضطربة، وظلّ حتى آخر أيامه صوتًا مدافعًا عن العقل والحوار. وفي عمله الأخير الذي نُشر في ديسمبر 2025 بعنوان "الأمور بحاجة إلى أن تتحسن"Things Needed to Get Better ، رفض الاستسلام لمنطق الانهيار، مؤكدًا أن أزمات الحاضر -مهما تعاظمت- يمكن مواجهتها والتغلب عليها.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا نحتاج إلى "أمور أحسن"؟

 

نحتاج إليها لأن عالمنا الحالي، رغم تقدّمه التكنولوجي، ما زال يعاني من اختلالات عميقة. في السياسة، ما تزال لغة القوة هي السائدة، حيث تُفرض الإرادات بدل أن تُبنى التوافقات. وكما قال السيد المسيح: "حكّام الأمم يسودونها، وأكابرها يتسلطون عليها"، وهو وصف لا يزال يلامس واقعنا اليوم. ملايين البشر، من مهاجرين ولاجئين ومستضعفين، يعيشون على هامش العدالة، بلا صوت حقيقي ولا قدرة على التأثير ولا حتى التعبير.

 

لذلك، فإن أوّل التحوّلات الجذرية المطلوبة هي إصلاح السياسة، بحيث تنتقل من منطق الهيمنة إلى منطق الخدمة، ومن فرض الواقع إلى صناعة العدالة. عالم أفضل لا يمكن أن يقوم دون كرامة إنسانية مصانة للجميع، بلا استثناء.

 

ثانيًا، نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للعقل. هابرماس بنى مشروعه كله على فكرة أن الحوار العقلاني قادر على خلق التفاهم. لكنّ واقعنا اليوم يُظهر العكس: السلاح يعلو، والعنف يتكلم، والضجيج يطغى على التفكير. لا يمكن لعالم أن يتحسّن ما دامت الشعوب تئن تحت وطأة القمع والخوف. البديل هو واضح، وإن كان صعبًا: لغة الحوار بدل لغة الرصاص.

 

ثم تأتي التحولات الأخرى التي لا تقل أهمية: إصلاح اقتصادي يضع الإنسان قبل الربح، إصلاح إداري يحقق الشفافية والمساءلة، إصلاح أخلاقي يعيد الاعتبار للصدق والنزاهة، وإصلاح فكري وثقافي وإعلامي يحرّر الإنسان من التبعية والسطحية.

 

وفي المجال الثقافي والفني والإعلامي تحديدًا، نواجه تحديًا جديدًا: عالم تملؤه "الصور" أكثر من الحقيقة. لقد أصبح من السهل، عبر وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، صناعة حضور وهمي، وفرض "أشباه فنانين" على حساب الإبداع الحقيقي. وهنا لا تكمن المشكلة في الأدوات، بل في غياب المعايير. عالم أفضل يحتاج إلى ثقافة أصيلة، لا إلى ضجيج بصري عابر.

 

إن وصية هابرماس ليست حلمًا مثاليًا، بل دعوة إلى مسؤولية. الأمور –أو العالم- لا يتحسن تلقائيًا، بل يتحسّن عندما يقرّر الإنسان أن يكون جزءًا من هذا التحسن. لذلك، فإنّ التحدي الحقيقي ليس أن نقول: "ليت الأمور تتحسّن قليلا"، بل أن نسأل: ماذا نفعل نحن، هنا والآن، لتصبح الأمور أو الحياة أفضل وأحسن؟

 

رحل هابرماس، أحد أبرز المثقفين في عصرنا، لكنّ فكرته بقيت حيّة: "أرى أنّ محاولة جعل العالم ولو قليلاً أفضل، أو حتى مجرّد أن تكون جزءًا من الجهد لدرء التهديدات المستمرة للتراجع التي نواجهها، دافعٌ يستحق الإعجاب تمامًا".