موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ١٣ ابريل / نيسان ٢٠٢٦

حين يحترم الدين دور السياسة ويبقى حرًا في قول كلمة الحق

الأب د. رفعت بدر

الأب د. رفعت بدر

الأب رفعت بدر :

 

في رحلة البابا لاون الرابع عشر إلى إفريقيا، وبينما كان يستقل الطائرة متوجّهًا إلى الجزائر، وجّه كلمة أرادت أن تذكّر العالم بموقع الكنيسة: ليست حزبًا سياسياً ولا مرشحًا لمناصب؛ بل صوت إنجيلي يرفع من أجل الكرامة والسلام. هذه الرسالة تكتسب اليوم بُعدًا حساسًا ومثيرًا حين تتقاطع مع تصريحات زعماء عالميين، كما جرى بين مواقف الرئيس الأميركي وبعض مواقف البابا المدافعة عن قيم إنسانية كالمحافظة على المدنيين ووقف الحروب.

 

الثابت أن الدين، عندما يحترم دوره الصحيح، لا يتدخل في صيرورة السياسات بديلاً عن الفاعلين السياسيين، لكنه يظل حرًا في أن يقول كلمة الحق: ينادي بالعدالة، يحمّل الضمير الجماعي مسؤولية حماية الضعفاء، ويدعو إلى وقف العنف والاعتناء باللاجئين والمشردين والأطفال المتضررين بسبب الحروب. الكنيسة لا يمكنها، ولا ينبغي لها، أن تستبدل حلولًا إنسانية بالحلول الأخلاقية؛ كذلك لا تقبل أن تتحوّل المعتقدات إلى ذرائع لتسفك الدماء أو تبرّر التهجير.

 

في الماضي تحدث الفقه السياسي أحيانًا عن «الحرب العادلة» كإطار نظري، لكن مصطلحات مثل «الحرب المقدسة» فقدت شرعيتها الأخلاقية والسياسية في عصرنا. لا حرب مقدسة تبرّر قتل الأبرياء، ولا حروب باسم الله يمكن أن تكون مسوِّغة لانتهاك كرامة الإنسان. الواقع المعاصر أعطانا دروسًا قاسية: مآسي غزة، والجرح الدائم في أوكرانيا، والصراع المتصاعد بين دول كبرى، كل ذلك يذكّرنا بأن المبررات الدينية أو الوطنية التي تلجأ إلى العنف لا تولّد سوى مزيد من المعاناة والفرقة.

 

من هنا ينبع نداء البابا المتكرر: الوقوف «بصوت عالٍ» ضد الحروب، والدعوة إلى السبل السلمية، والحوار متعدد الأطراف لإيجاد حلول تحمي المدنيين وتقيم العدالة. ليس هذا موقفًا سياسيًا بمعناه الضيق، بل صرخة أخلاقية ورسالة إنسانية. فحين يعلو صوت الدين ليدافع عن الكرامة والحق، فهو يؤكد أن لا خلاص يمكن أن يأتي عبر العنف، وأن واجب الضمير الإنساني أن يرفض أن تتحوّل المذاهب أو الأيديولوجيات إلى مبررات للقتل والتهجير.

 

في خضم الأزمات، تبقى مسؤوليتنا مشتركة: أن نعزز ثقافة السلام، أن نساند مبادرات المصالحة، وأن نرفض منطق الانتقام. الدين، عندما يقف في موقعه الحقيقي -مرشد ضمائر وليس حاكمًا- يمكنه أن يكون قوة تغيير حقيقية، تُنقِذ الأرواح وتبني مستقبلًا أقل عنفًا وأكثر عدلاً وإنسانية.

 

تذكرنا مواقف البابا لاون، بموقف البابا يوحنا بولس الثاني، عشية الحرب الأمريكية على العراق 2003، حين كان الرئيس الأسبق بوش يقول بأنّه رأى حلمًا مقدّسًا، تأمره السماء فيه بشن الحرب على العراق. وكان البابا يصرخ من وسط الفاتيكان للعالم أجمع: الحرب مغامرة لا رجعة عنها، رغم تأييد المجتمع الأوروبي آنذاك لتلك الحرب، لكنّ البابا المعلن قديسًا اليوم، قد استمر على مبدأ رفض الحرب التي تبيّن فيما بعد أنّها أقيمت على أسس كاذبة وباطلة. المهم أنّه أرسل الكاردينال بيو لاغي، وكان من أكبر دبلوماسيي الفاتيكان، والتقى ببوش محاولاً إقناعه بالعدول عن الحرب، وحين رفض، قال له: أخرج اسم الله من حربك إذًا... لا حروب باسم الله!

 

ما أشبه الأمس باليوم... وتستمر سفينة الكنيسة داعية للسلام ونبذ الحروب.