موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في ندوة إحياء يوم الأخوّة الإنسانية وأسبوع الوئام بين الأديان، التي دعا إليها المعهد الملكي للدراسات الدينية، قدّمت كلمة تناولت رؤية البابا الراحل فرنسيس للأخوّة الإنسانية، منطلقًا من تجربتي ومتابعتي لشؤون الكنيسة في عالم اليوم، وانفتاحها نحو أبناء الأديان الأخرى، وبالأخص أتباع الديانة المسلمة.
افتتحت الندوة بكلمة ترحيب من مديرة المعهد الدكتورة تغريد عودة، وحيّت حضور الأساقفة والكهنة ورجال الدين والعلماء المسلمين ومهتمين بشؤون الحوار، وإلى جواري تحدّث الدكتور عامر الحافي الذي تناول الأخوّة في فكر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب.
أوضحت في كلمتي أن مفهوم الأخوّة عند البابا فرنسيس يقوم على قناعة جوهرية بأن البشر يشتركون في أصل وكرامة واحدة، تجعل من قيمة الإنسان فوق الانتماءات الدينية أو القومية أو الثقافية. هذه الأخوّة ليست مجرد شعور أخلاقي، بل التزام عملي يتطلب ترجمتها إلى سياسات واقتصاد وثقافة تعزز العدالة والكرامة للجميع. عرضت ذلك من خلال وثيقتين محوريتين: وثيقة الأخوّة الإنسانية (أبوظبي 2019) والرسالة العامة «كلّنا إخوة» FratelliTutti 2020)).
تطرّقت إلى السياق الذي بُنيت فيه هذه المبادرات: عالم مزقته الحروب، نشوء الجماعات الإرهابية، موجات الهجرة، والفجوات الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى فترات جفاء في الحوار بين الفاتيكان والأزهر أعقبت تصريحات وُصفت بتدخّل في الشؤون الداخلية، ثم تجدد الحوار في 2017 وما تلاه من تعمق للعلاقة بين فرنسيس وشيخ الأزهر أحمد الطيب. نقلت قولًا مهمًا عن الكاردينال جان لويس توران، رائد حوار الأديان: "كل مرة نجمّد فيها الحوار، نُقدّم هدية للإرهاب؛ وكل مرة نواصل الحوار، نقدّم هدية للإنسانية".
تحلّل الوثيقة حول الأخوّة الانسانية كمشروع أخلاقي وديني يؤكد قدسية الحياة، رفض العنف المبرر بالدين، وتعزيز ثقافة الحوار والعيش المشترك، مع ربط الأخوّة بملفات التعليم والهجرة والبيئة. أما «كلّنا إخوة» فتنقل الفكرة إلى أفق اجتماعي وسياسي، حيث تُدين فردانية العولمة واللامبالاة، وتدعو إلى اقتصاد إنساني يضع الشخص في مركز الاهتمام ويصون الفقراء والمهاجرين والمهمشين.
ناقشت أيضًا البعد السياسي للأخوّة، معتبرًا أن السياسة حين تكون في خدمة الخير العام تصبح أسمى أشكال المحبة، وأن معيار الأخوّة يجب أن يقوّم السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وأبرزت دور الحوار الصادق في نزع فتيل النزاعات عبر احترام الاختلاف والبحث عن القواسم المشتركة، لا بإلغائه.
أكدت في الندوة أنّ إرث البابا الراحل فرنسيس حيّ يستمر عبر من يبنون عليه من قادة دينيين ومدنيين، وأن الأخوّة الإنسانية ليست حلمًا رومانسيًا بل خيار عملي وضرورة عالمية. دعت الندوة إلى حماية هذا المشروع عبر التعليم، إعلامٍ منسجم مع الكرامة الإنسانية، وسياسات تضع العدالة والشفقة في صلب العمل العام. ومن الجميل القول بأنّ ذكرى الأخوّة الانسانية، تحوّلت إلى يوم عالمي، يأتي في أسبوع الوئام بين الأديان، أي الأسبوع الأول من شباط الأمر الذي تقدّم به الأردن بشخص جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وتبنته جميع دول الأم المتحدة، ويحتفل به هذا العام للمرة الخامسة عشرة على التوالي، إنّه هدية للإنسانية، اختار الأردن أن يقدّمها تعزيزًا للحوار والأخوة بين جميع البشر.
أسجل إعجابي بما قاله أخي الدكتور عامر الحافي، أستاذ كلية الشريعة في جامعة آل البيت، وكبير مستشاري المعهد الملكي، حين تكلم عن الموقف المشرّف والحضاري لشيخ الأزهر مع وثيقة الأخوّة الانسانية، فقال: يرى الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، أنَّ وثيقة الأخوة الإنسانية التاريخية أضحت نموذجًا ونهجًا يمثّل أساسًا للبناء من أجل السلام والوئام، والاحترام المتبادل والتسامح بين الناس. وأقتبس أيضًا من الإمام قوله بأنّ "وثيقة الاخوة الانسانية مشروع إنساني متكامل ومظلة جامعة لكل البشر"، وكم هو كبير وصف الشيخ للبابا بأنّه "أخ عزيز وشريك قوي في صناعة الأخوة ورجل سلام بامتياز".
حقًا، إنّ وثيقة الأخوّة تؤكد لنا بأنّ "يدًا واحدة لا تصفق لوحدها"، ولذلك اختار البابا فرنسيس شيخ الأزهر لكي يكون اليد الثانية للتصفيق، وهكذا.. تكمل الإنسانية أخوّتها الحضارية.