موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لم تكن كلمات السيد المسيح في إنجيل متى (28:20) مجرد وداعٍ أخير لتلاميذه، بل إعلانًا عن تحوّل جذري في معنى الحضور الإلهي. فهي لا تُغلق قصة، بل تفتح أفقًا جديدًا لفهم العلاقة بين السماء والأرض، وبين الغياب الظاهري والحضور الحقيقي.
حين يقول المسيح: “ها أنا معكم”، فهو لا يشير إلى استمرار وجوده الجسدي، لأن الصعود إلى الآب في سفر أعمال الرسل يعني انتقالًا إلى مجدٍ مختلف. لكن هذا الانتقال لم يكن انسحابًا، بل تحوّلًا في نمط الحضور؛ من حضور يُرى بالعين إلى حضور يُدرك بالإيمان، ومن حدود الجسد إلى اتساع الروح.
ومن هنا، فهمت الكنيسة الأولى أن هذا الوعد لا يتحقق في بُعد واحد، بل في أبعاد متعددة متداخلة تشكّل معًا نسيج الحضور المسيحي في العالم.
ففي الحضور السرائري، كما عبّر عنه التقليد الكنسي، وخاصة عند أوغسطينوس، يُفهم أن المسيح حاضر في الأسرار، وبشكل خاص في الإفخارستيا، حيث لا يكون اللقاء به رمزًا مجردًا، بل خبرة حقيقية يتحد فيها المؤمن مع المسيح بطريقة تفوق الإدراك الحسي، لكنها تمس جوهر الحياة الروحية.
وفي الحضور الكنسي، يؤكد يوحنا الذهبي الفم أن المسيح حاضر في جماعة المؤمنين، لأن الكنيسة هي جسده الحي. لذلك، فإن وعده يتحقق حيثما اجتمع المؤمنون باسمه، لا كمجاز بل كحقيقة روحية تجعل من الجماعة موضعًا حيًا لوجوده.
أما في الحضور الكوني، فيرى توما الأكويني أن المسيح، بصفته الكلمة المتجسد، حاضر في الكون كله بسلطانه الإلهي، بحيث لا يقتصر حضوره على الكنيسة أو الفرد، بل يمتد ليشمل التاريخ كله، موجّهًا الخليقة نحو غايتها النهائية.
وفي الحضور الشخصي الداخلي، يؤكد اللاهوت المعاصر أن هذا الوعد يتجلى في عمق الإنسان ذاته، في الضمير والحياة اليومية، حيث يُختبر المسيح كقوة إرشاد وتعزية وحضور داخلي يرافق الإنسان في قراراته وصراعاته وتطلعاته.
وهكذا يتضح أن قول المسيح: “أنا معكم” ليس وعدًا عابرًا، بل بنية شاملة للحضور الإلهي: في السرّ، وفي الجماعة، وفي الكون، وفي الداخل الإنساني.
واللافت أن هذا الوعد جاء في سياق الإرسالية: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم”، وكأن المسيح يربط الحضور بالفعل، ويجعل من وجوده ضمانة للمسؤولية التاريخية. فالتلاميذ لا ينطلقون وحدهم، بل في شراكة مستمرة مع حضور إلهي لا يغيب.
إن المفارقة اللاهوتية العميقة هنا أن ما يبدو غيابًا هو في الحقيقة اتساع للحضور. فالصعود لم يُنهِ العلاقة، بل حرّرها من حدود المكان، وجعلها أكثر شمولًا وعمقًا واستمرارية.
وهكذا، لم تكن كلمات يسوع نهاية الطريق، بل بدايته؛ لأن الذي كان معهم في الجسد، صار معهم بالروح، وفيهم بالنعمة، وحاضرًا في التاريخ حتى انقضائه.
وما بين البداية والنهاية، يبقى الوعد قائمًا:
“ها أنا معكم كل الأيام”…
ليس كذكرى، بل كحياة تُعاش.