موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الجمعة، ٢٧ مارس / آذار ٢٠٢٦
ماذا يعني أن تحمل صليبك في عالم لا يحتمل ذلك

رافي سايغ :

 

في زمن الحروب والصراعات التي يعيشها عالمنا اليوم، يجد الإنسان نفسه أمام واقع يزداد قسوة وتعقيدًا، فيبدأ بالبحث عن معنى لما يحدث حوله. وبين صور الألم والخسارة التي تملأ الأخبار والبيوت، يكبر في داخلنا سؤال صعب: كيف يمكن للإنسان أن يستمر في الحياة عندما يصبح العالم أثقل مما يحتمل قلبه؟

 

بطبيعتنا البشرية نحاول غالبًا الهروب من كل ما يجرحنا أو يرهقنا، فنبحث عن طرق لتجنب الألم أو لنسيانه، وكأن خلاص الإنسان يكمن في التخلص من كل ما يثقله. لكن الإنجيل يقدم لنا رؤية مختلفة تمامًا، رؤية قد تبدو صادمة في عالم يسعى باستمرار إلى الهروب من الصعوبات.

 

يقول لنا المسيح في كلمات نقلها لوقا البشير: "مَن أراد أن يتبعني، فليزهد في نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني". في هذه الدعوة تنقلب الكثير من معاييرنا البشرية. فالعالم يعلمنا أن نسعى إلى الراحة وأن نتجنب كل ما قد يسبب لنا الثقل أو الألم، بينما يدعونا المسيح إلى طريق يبدو في ظاهره معاكسًا تمامًا: أن نحمل صليبنا كل يوم! . وقد تبدو هذه الكلمات صعبة الفهم للإنسان، لأننا اعتدنا أن نرى الصليب كرمز للألم أو للخسارة. لكن المسيح لم يضع الصليب أمامنا كعبء بلا معنى، بل كطريق يفتح أمام الإنسان أفقًا جديدًا لفهم حياته  وهو الذي حوله الى علامة مجد وانتصار على الموت والخطيئة.

 

إن حمل الصليب كل يوم لا يعني البحث عن الألم أو تمجيده، بل يعني أن يختار الإنسان أن يعيش حياته في علاقة حقيقية مع الله. فاتباع المسيح لا يقود إلى الهروب من ضيقات الحياة، بل إلى مواجهتها بروح مختلفة، روح الثقة والتسليم. وهذا التسليم لا يلغي حرية الإنسان، بل يكشف معناها الأعمق. فحين يدعونا المسيح إلى حمل الصليب، فهو لا يفرض علينا طريقًا قسريًا، بل يضع أمامنا خيارًا حرًا: أن نحيا لأنفسنا فقط، أو أن نسير معه في طريق يغيّر معنى حياتنا كلها.

 

في كثير من الأحيان يفهم الإنسان الصليب على أنه لحظة واحدة من الألم أو تجربة قاسية يمر بها في حياته. لكن الإنجيل يقدّم لنا فهمًا أعمق بكثير. فالصليب في المسيحية ليس حدثًا عابرًا نتذكره في مناسبة دينية، بل هو أسلوب حياة يختاره الإنسان بحرية ليبني علاقة ثابتة مع الله. إنه قرار يومي يتجدد في قلب الإنسان، حتى عندما يصبح هذا الطريق صعبًا أو مكلفًا، وخاصة في أوقات الاضطراب والخسارة التي يعيشها عالمنا اليوم.

 

ومن المهم هنا أن نميّز أن دعوة المسيح إلى نكران الذات لا تعني رفض الذات أو كره الحياة. فالإيمان لا يطلب من الإنسان أن يحتقر حياته، بل أن يحررها من كل ما قد يحجب عنها مشروع الله فيها. فكثيرًا ما تشغلنا ماديات العالم وهمومه عن رؤية المعنى الأعمق لحياتنا، لكن عندما نقدم ضعفنا وكل ما نعيشه بين يدي الله، تتحول حياتنا تدريجيًا إلى مسيرة يلمسها الرجاء والتعزية. عندها نكتشف أن الحياة تصبح أعمق وأجمل عندما لا تدور فقط حول ذواتنا، بل عندما نعيشها في علاقة مع الله، فنتمكن من التخلي عن كل ما يبعدنا عنه حتى لو بدا ذلك أحيانًا تخليًا عن راحة مؤقتة أو سلام ظاهري نصنعه نحن لأنفسنا.

 

عندما يقول لنا المسيح: اترك كل شيء واحمل صليبك واتبعني، فهو يدعونا أيضًا إلى فهم أن حمل الصليب يبدأ غالبًا بأمور بسيطة في الحياة اليومية. فحمل الصليب قد يكون أن نبقى أمناء على إنسانيتنا في عالم يرتفع فيه صوت العنف والقسوة بدل الرحمة، وأن نتعلم أن نعيش ببساطة وثقة بالله وسط ضجيج الحياة. أن نعيش وكأننا لا نملك شيئًا، لكننا في الحقيقة نمتلك ما هو أثمن: القرب من الله الذي يرافق مسيرتنا في كل خطوة.

 

وعندما يعيش الإنسان في زمن صعب كما نعيش اليوم في منطقتنا، يصبح حمل الصليب أكثر واقعية. فالحروب لا تضع الإنسان فقط أمام الألم، بل أمام اختبارات يومية للضمير والإنسانية. وفي عالم يمتلئ بصور الانقسام والأنانية، قد يصبح حمل الصليب ببساطة هو القدرة على البقاء إنسانًا. أن نحافظ على قلوبنا كمصدر للخير، وأن لا نسمح للكراهية أو للأحقاد أن تجد مكانًا فيها. قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة في نظر العالم، لكنها في الحقيقة من أعمق أشكال حمل الصليب.

 

لقد بنى عالمنا الحديث الكثير من أفكاره على محاولة التخلص من كل ما يسبب الألم أو الثقل في الحياة، حتى أصبح النجاح يُقاس غالبًا بالراحة والسهولة. لكن الحياة تعلمنا أن العالم، رغم سعيه الدائم للهروب من الصليب، لا يستطيع في العمق أن يعيش بدونه. فبدون الصليب لا يبقى هناك معنى للتضحية، ولا مكان للرحمة، ولا قدرة حقيقية على حب الآخرين. الصليب هو الذي يحفظ إنسانيتنا عندما يحاول العالم أن يحول الإنسان إلى كائن يسعى فقط إلى الراحة والسيطرة.

 

لهذا قد تبدو كلمات المسيح غريبة على عالم اليوم، لكنها في الحقيقة تكشف لنا سرًا عميقًا: أن الطريق الذي يبدأ بالصليب ليس طريق الهزيمة، بل طريق الحرية. فالإنسان الذي يتعلم أن يحمل صليبه مع المسيح لا يصبح أسير الألم، بل يتحرر من الخوف الذي يحكم العالم. إنه يكتشف أن معنى حياته لا تحدده الظروف الخارجية، بل العلاقة التي يعيشها مع الله.

 

وفي وسط كل ما يحدث حولنا، تبقى حياتنا مسيرة نكتشف فيها حضور الله معنا. فالمسيح الذي يدعونا إلى حمل الصليب هو نفسه الذي سار هذا الطريق قبلنا، وهو الذي يمشي معنا اليوم في دروب حياتنا. إنه الذي حمل صليبه من أجل خلاصنا، حاملاً خطايا العالم، ليذكرنا بأنه الفادي الذي يرافقنا ويسندنا. ومع كل صباح جديد يبدو وكأنه يهمس في داخل كل واحد منا بالسؤال نفسه: ماذا ستفعل بما وُضع على كتفيك اليوم؟

 

العالم يهرب من الصليب لأنه يخاف الألم، لكن الإنسان لا يكتشف حريته الحقيقية إلا عندما يجد معنى لما يحمله  .ففي عالم لا يحتمل فكرة الصليب، يبقى الأمناء هم الذين يجرؤون على السير في هذا الطريق كشهود حقيقيين لرسالة المسيح. فالطريق الذي يبدأ بالصليب وتسليم الذات لله قد يبدو صعبًا في بدايته، لكنه الطريق الذي يقود في نهايته إلى الحياة التي لا يستطيع العالم أن يمنحها أو أن ينزعها مننا: حياة الرجاء وفرح القيامة.