موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
إذا كان عليّ أن أصف عالمنا اليوم بكلمة واحدة، فلن أقول: التكنولوجيا... ولا السرعة... ولا التطور...
بل سأقول: الخوف.
نحن نعيش في زمن يخاف فيه الإنسان من كل شيء.
نخاف من المستقبل... من المرض... من الفشل... من الوحدة... من التقدم في العمر... ومن أن نخسر الأشخاص الذين نحبهم.
حتى الأطفال صاروا يحملون قلقًا، والشباب يعيشون ضغطًا، والكبار ينامون وهم يفكرون بما سيحدث غدًا.
والغريب، أننا نملك وسائل راحة أكثر من أي جيل سبقنا، لكننا نملك سلامًا أقل من أي وقت مضى.
صرنا نخطط لكل شيء، ونؤمّن لكل شيء، ونفكر بكل الاحتمالات... لكن القلب ما زال خائفًا.
وهنا تظهر عظمة مريم.
عندما جاءها الملاك، لم يكن كلامه الأول: "مبارك أنتِ"
بل: "لا تخافي."
وكأن أول كلمة تحتاجها البشرية كلها هي: لا تخافوا.
تخيّلوا وضع مريم: فتاة شابة، لا تعرف ماذا ينتظرها، ستدخل في طريق لا تفهمه بالكامل، وستواجه كلام الناس، والهروب، والألم، والصليب...
ومع ذلك قالت: "ليكن لي بحسب قولك."
لم تقل هذا لأنها كانت تعرف كل شيء... بل لأنها كانت تثق بالله أكثر مما تخاف من المستقبل.
وهنا الفرق بيننا وبين مريم. نحن نريد أن نفهم كل شيء قبل أن نثق.
أما مريم، فكانت تثق حتى عندما لا تفهم.
أعتقد أن أكبر مرض روحي اليوم ليس الخطيئة فقط... بل فقدان الثقة.
صرنا نثق بالأرقام أكثر من الله، وبالأخبار أكثر من الإنجيل، وبمخاوفنا أكثر من وعود الله. ولهذا نمضي أيامنا قلقين.
وفي نهاية هذا الشهر المريمي، ربما لا تطلب منا مريم أن نصلّي أكثر فقط... بل أن نثق أكثر. أن نضع مستقبلنا بين يدي الله. أن نتوقف قليلًا عن محاولة السيطرة على كل شيء.
أن نؤمن أن الله الذي رافقها، ما زال يرافقنا.
وأن نقول معهـا: "يا رب... لا أعرف ماذا يحمل الغد... لكنني أعرف أنك هناك."
هذه هي رسالة مريم.
ليست رسالة الخوف... بل رسالة الثقة.
وليست رسالة القلق... بل رسالة التسليم.
وليست رسالة الهروب... بل رسالة الإيمان.
وفي نهاية هذا الشهر، إذا بقيت كلمة واحدة في قلوبنا، فلتكن الكلمة التي سمعتها مريم أولًا: "لا تخف." آمين.
"نحن الجيل الذي يخاف من كل شيء... ومريم امرأة الثقة"
يا أحبّاء، نحمل اليوم في قلوبنا كل مخاوف هذا الزمن:
الخوف من المستقبل، الخوف على أولادنا، الخوف من المرض، الخوف من الفشل، والخوف من المجهول.
وفي عالمٍ يزداد فيه القلق يومًا بعد يوم، تقف أمامنا مريم العذراء كعلامة رجاء، وكامرأة آمنت عندما خاف الآخرون، وثقت عندما لم يكن هناك جواب واضح.
وفي ختام هذا الشهر المريمي، نصلّي هذه المسبحة طالبين من العذراء أن تعلّمنا كيف نعيش بالإيمان لا بالخوف، وبالثقة لا بالقلق، وبالرجاء لا باليأس.
السر الأول: "لا تخافي"
يا مريم، كانت أول كلمة سمعتها من السماء: "لا تخافي."
وفي كل مرة يقترب الخوف من حياتنا، يكرّر الله لنا الكلمة نفسها. كم من الأمور أخافتنا، ثم اكتشفنا لاحقًا أن الله كان يمسك بأيدينا طوال الطريق.
يا رب، حرّر قلوبنا من كل خوف يبعدنا عنك.
السر الثاني: "الثقة عندما لا نفهم"
يا مريم، لم تفهمي كل شيء، لكنك وثقتِ.
كم مرة نرفض السير لأننا لا نرى الطريق كاملًا؟
علّمينا أن نؤمن أن الله يرى ما لا نراه، ويعمل حتى عندما لا نفهم تدبيره.
السر الثالث: "عندما يبدو الله صامتًا"
يا رب، أحيانًا نصلي ولا نرى جوابًا، وننتظر ولا نفهم.
لكن الصمت لا يعني الغياب، كما أن الليل لا يعني أن الشمس اختفت.
أعطنا نعمة الثبات عندما يتأخر الجواب.
السر الرابع: "الثقة تحت الصليب"
يا مريم، عند أقدام الصليب، كان كل شيء يبدو وكأنه انتهى.
ومع ذلك بقيتِ واقفة.
علّمينا أن لا نفقد الإيمان عندما تهتز حياتنا، ولا نفقد الرجاء عندما تشتد التجارب.
السر الخامس: "الغد بين يدي الله"
يا رب، نحن نقلق على الغد أكثر مما نعيش اليوم.
نفكر، ونخطط، ونخاف مما قد يحدث.
لكن الغد ليس بين أيدينا... بل بين يديك.
وفي نهاية هذا الشهر، نضع حياتنا كلها بين يديك ونقول:
"يا رب، لا أعرف ماذا ينتظرني، لكنني أثق أنك تسير معي."
خاتمة
يا مريم العذراء، يا امرأة الثقة، علّمينا أن لا نعيش أسرى للخوف.
وعندما تضطرب قلوبنا، ذكّرينا دائمًا أن الله أمين، وأن اليد التي قادتكِ طوال حياتك،
ما زالت تقود أبناءكِ اليوم. آمين.