موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الخميس، ٣٠ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
مريم: أيقونة الإيمان والتسليم

اعداد وتأمل د. عدلي قندح :

 

حين نتأمل في مسيرة مريم العذراء عبر صفحات الإنجيل المقدس، لا نقف أمام سيرة امرأة عابرة في التاريخ، بل أمام سرّ إنساني عميق، يكشف كيف يمكن للقلب البشري أن يتحول إلى موضع سكنٍ للفكر الإلهي. صحيحٌ أن العذراء مريم، عليها السلام، أمٌّ ولدت، لكنها في جوهر سرّها إنسانةٌ استقبلت الكلمة؛ فصار قبولها بدايةَ خلقٍ جديد، وغدا صمتُها لغةً يتجلّى فيها حضور الله.

 

تبدأ الحكاية في لحظة البشارة، حيث لم يكن المشهد حوارًا عاديًا بين السماء والأرض، بل لحظة التقاء الإرادة البشرية بالمشيئة الإلهية. لم تقدّم مريم تحليلًا ولا طلبت ضمانات، بل نطقت بكلمة تختصر مسيرة الإيمان كلها: “ليكن لي حسب قولك”. في هذه الكلمة، كان القبول استسلامًا فيه سلامٌ، مقترناً بفعل حرية عميق، وثقة تتجاوز حدود الفهم. هنا يظهر أن الله، سبحانه تعالى، لا يفرض حضوره على الإنسان، بل ينتظر أن يُفتح له الباب من الداخل.

 

ثم تمضي مريم في طريق لا يخلو من الغموض، حيث تتكاثر الأحداث دون أن تتكامل الصورة. لكنها، بدل أن تبحث عن تفسير سريع، كانت “تحفظ جميع هذه الأمور متفكرة بها في قلبها”. لم تهرب من الأسئلة، ولم تدّعِ الفهم الكامل، بل عاشت الإيمان كمسيرة تأمل داخلي، حيث تُخزَّن الخبرة في عمق القلب، لتتفتح مع الزمن كمعنى يتكشف ببطء. في عالم يلهث وراء الإجابات، تعلّمنا مريم أن بعض الحقائق لا تُشرح، بل تُعاش.

 

وعندما يأتي دورها في عرس قانا، لا تتقدم لتكون مركز الحدث، بل لتكون الجسر الذي يعبر من خلاله الآخرون إلى السيد المسيح. بكلمات قليلة، “مهما قال لكم فافعلوه”، تختصر رسالتها كلها. إنها لا تشير إلى ذاتها، بل إلى المصدر الحقيقي للحياة. وهنا يتجلى جوهر القداسة: أن يصبح الإنسان شفافًا إلى درجة أن يمر الله من خلاله دون عائق.

 

لكن المسيرة لا تبقى في نور البداية، بل تنحدر إلى عمق الألم، حيث تقف مريم عند الصليب. لا كلمات، لا تفسيرات، لا احتجاج. فقط حضور صامت، ثابت، يحمل في داخله إيمانًا لا يتزعزع. هناك، حيث تبدو الوعود وكأنها انهارت، يبقى قلبها قائمًا. وهنا يتجلى أعمق أبعاد الإيمان: ليس أن نؤمن حين تتحقق الوعود، بل أن نستمر في الإيمان حين تبدو الوعود بعيدة أو مكسورة.

 

وبعد القيامة، لا نراها في الصدارة، بل في عمق الجماعة، مواظبة على الصلاة، حاضرة بروحها، لا بصوتها. لقد تحولت من أمٍ لابنٍ واحد، إلى أمٍ لجماعة كاملة، من حضور فردي إلى كيان روحي يحتضن الكنيسة الناشئة. إنها لا تقود بالموقع، بل بالحضور، ولا تؤثر بالكلام، بل بالثبات.

 

ثم ترتفع الصورة في سفر الرؤيا، حيث نراها في رمز "المرأة المتسربلة بالشمس"، تدخل في أفق كوني يتجاوز حدود الزمان والمكان. هنا تصبح مريم أكثر من شخص، تصبح صورة لكل نفس مؤمنة، تعيش صراع النور والظلمة، وتتألم، لكنها تبقى في النور.

 

وفي عمق هذه المسيرة كلها، تتجلّى مريم حقًا كأيقونة للإيمان والتسليم. فإيمانها لم يكن لحظة عابرة عند البشارة، بل مسارًا ممتدًا من “ليكن” الأولى حتى وقوفها عند الصليب. لم تشترط الفهم لكي تؤمن، ولم تربط ثقتها بتحقق الوعود كما تخيّلتها، بل سلّمت ذاتها بالكامل لإرادة الله، في النور كما في الظلمة، في الفرح كما في الألم. لقد آمنت حين لم يكن هناك ما يُرى، وثبتت حين لم يكن هناك ما يُفسَّر. تسليمها لم يكن ضعفًا، بل قوة روحية نادرة، لأنها وضعت حياتها بين يدي الله دون تحفظ. وهكذا صارت أيقونة حية تُجسّد معنى الإيمان الحقيقي: أن نثق بالله لا لأننا نفهم طرقه، بل لأننا نعرف قلبه.

 

وهكذا، إذا تأملنا هذه المسيرة كوحدةٍ واحدةٍ، نكتشفُ أن مريم لم تكن فقط أمًا للمسيح، بل كانت “منهج حياة” كامل. لقد استقبلت، وتأملت، وأرشدت، وثبتت، واحتضنت، وانتصرت. لم تكن عظمتها في قدرتها على الفهم، بل في استعدادها العميق لأن تكون مساحة يعمل فيها الله بحرية.

 

وفي زمنٍ يتسارع فيه الذكاء وتتعاظم فيه القدرة على التحليل، تبقى مريم تذكيرًا صامتًا بأن أعظم ما في الإنسان ليس عقله حين يفكر، بل قلبه حين ينفتح. ليست القداسة في أن نمتلك الإجابات، بل في أن نسمح للحقيقة أن تسكن فينا.

 

هكذا تصبح مريم دعوة حيّة لكل إنسان:

أن يتحول قلبه من مكانٍ مزدحم بالأفكار،

إلى فضاءٍ هادئ،

يسكنه الله

ومن خلاله، يُعلن ذاته للعالم.