موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
عدل وسلام
نشر السبت، ٧ فبراير / شباط ٢٠٢٦
متطرفون في نيجيريا يرفعون الأذان ثم يطلقون النار على المصلّين

أبونا :

 

بعد أسابيع من تجاهل سكان قريتين نيجيريتين رسالةً وجّهها مسلحون متشددون أعلنوا فيها عزمهم القدوم لفرض تفسيرهم المتطرف للإسلام، وصل مسلحون على دراجات نارية وشرعوا في موجة قتل استمرت عشر ساعات.

 

وجال المهاجمون من منزل إلى آخر، مطلقين النار ومُشعلين الحرائق في البيوت والمتاجر في قريتي وورو ونوكو ذواتي الغالبية المسلمة. ولاحقًا، أفاد السكان لوكالة «أسوشيتد برس» بأن المسلحين دخلوا أحد المساجد، ورفعوا الأذان، ثم أطلقوا النار على كل من حضر للصلاة.

 

وفي أعنف هجوم تشهده نيجيريا منذ عدة أشهر، قام المتطرفون بتجميع القرويين، وربطوا أيديهم خلف ظهورهم، واصطفّوهم قبل أن يطلقوا النار على رؤوسهم. وتؤكد السلطات مقتل ما لا يقل عن 162 شخصًا، في حين يقول السكان إن عدد الضحايا أكبر، مشيرين إلى أن المسلحين اختطفوا عددًا من الرجال.

 

ويأتي هذا الهجوم في سياق تصاعد أعمال العنف في ولاية كوارا، إلى جانب مناطق نزاع أخرى، حيث تتحدى جماعات مسلحة سلطة الدولة وتتنافس فيما بينها.

 

 

هجوم مفاجئ وغير متوقّع

 

قبيل الاعتداء مباشرة، كانت الحياة تسير على نحو طبيعي في القرى المتجاورة الهادئة، حيث يعمل معظم السكان في الزراعة، وتقع هذه القرى على بُعد نحو 500 كيلومتر (300 ميل) من عاصمة الولاية.

 

وكان عمر بيو كبير، وهو معلّم يبلغ من العمر 26 عامًا، يلعب كرة القدم مع أصدقائه عندما شاهدوا المهاجمين. ففرّوا هربًا لإنقاذ حياتهم، غير أن ليس جميع من كانوا يلعبون تمكّنوا من النجاة. وقال: «لو لم يشأ الله أن أبقى حيًّا، لكنت اليوم في عداد القتلى».

 

وبحسب عدد من السكان الذين تحدّثوا لوكالة «أسوشيتد برس»، استمرّت أعمال القتل لنحو عشر ساعات متواصلة.

 

وأضاف السكان أنهم لم يتلقّوا أي مساعدة طوال فترة الهجوم، ولم يحضر أي عنصر من قوات الأمن إلى المكان. وقال إلياوس إبراهيم، وهو مزارع من القرية قُتل شقيقه، فيما اختُطفت زوجة شقيقه الحامل مع طفليها: «لم نرَ أحدًا منذ بدء الهجوم مساءً وحتى انتهائه صباحًا».

 

من جهتها، قالت المتحدثة باسم شرطة ولاية كوارا، أدتون إيجيري–أدييمي، في اتصال هاتفي: «هذا غير ممكن. لقد كانت القوات الأمنية موجودة على الأرض»، من دون أن تضيف مزيدًا من التفاصيل.

 

 

«كل من كان يعيش هنا قد قُتل»

 

بحلول يوم الخميس، لم يبقَ في القريتين سوى نحو 20 رجلًا، أوكلت إليهم المهمة الشاقة المتمثلة في دفن عشرات الضحايا. ورغم أن الحصيلة الرسمية بلغت 162 قتيلًا، قال السكان لوكالة «أسوشيتد برس» إنهم دفنوا قرابة 200 شخص، ولا يزال هناك المزيد لدفنه، بينهم جثث متفحمة بالكامل.

 

وشارك كبير في دفن عدد من أصدقائه المقرّبين في قرية وورو، قائلًا: «حتى وأنا أتحدث إليك الآن، لم ننتهِ بعد من جمع الجثث. لا يوجد عدد كافٍ من الناس في القرية. بالأمس حمّلنا الجثث في شاحنتين من نوع هيلوكس، واليوم نكرر الأمر نفسه».

 

وبعد يومين على المجزرة، ظلّت إحدى الجثث ملقاة وسط الدماء حتى يوم الخميس، فيما قال الرجال المتبقّون إنهم كانوا مرهقين إلى حدٍّ لم يسمح لهم بالعودة إلى الموقع.

 

وعانى السكان من صعوبة في التنفّس مع هبوب رياح «الهارماتان» التي حملت رماد البيوت والمتاجر المحترقة، فيما ظلّت رائحة الدم عالقة في المكان. وكانت أسقف الزنك تصطدم ببعضها البعض بفعل الرياح، محدثة صوتًا خافتًا، هو الصوت الوحيد في قرية خيّم عليها صمت الموت.

 

وفي الأثناء، كان الناجون يجمعون ما تبقّى من متعلقاتهم على الدراجات النارية وسيارات الأجرة والشاحنات، مغادرين القرية بحثًا عن بداية جديدة في مكان آخر.

 

أما زكريا منير، فقد حضر إلى وورو لمساعدة شقيقه على حزم أمتعته للانتقال إلى كياما، حيث يقع مقر الحكومة المحلية. وأشار إلى جزء من المباني المحترقة، قائلًا لوكالة «أسوشيتد برس»: «كل من كان يعيش هنا قد قُتل».

 

 

أزمة الأمن في نيجيريا تمتد جنوبًا

 

أثار الهجوم الذي وقع في ولاية كوارا، المتاخمة لدولة بنين، مخاوف متزايدة من توسّع أزمة الأمن في نيجيريا نحو الجنوب. فبعد أن كانت الجماعات المسلحة محصورة في مناطق أبعد شمالًا، يشير محللون إلى أنها نقلت عملياتها جنوبًا، في ظل تصاعد الضغط العسكري والمنافسة على النفوذ بين هذه الجماعات.

 

وتستضيف نيجيريا اليوم عددًا من الجماعات المسلحة، المحلية والعابرة للحدود. وتخوض الدولة الواقعة في غرب إفريقيا صراعًا مسلحًا منذ أكثر من عقد، في مواجهة جماعة «بوكو حرام» وتنظيم «ولاية غرب إفريقيا» التابع لتنظيم «الدولة الإسلامية»، إلى جانب جماعات أخرى غير محددة البنية تُعرف عادة باسم «قطاع الطرق».

 

وفي عام 2024، أعلن الجيش النيجيري عن وجود جماعة «لاكوراوا» التي قدمت من النيجر، فيما أعلنت جماعة «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» في عام 2025 تنفيذ أول هجوم لها داخل نيجيريا، وذلك في ولاية كوارا. كما تواجه منطقة غرب إفريقيا والساحل الإفريقي عمومًا تهديدات متعدّدة من جماعات إسلامية متطرفة مختلفة.

 

ووفقًا لبيانات الأمم المتحدة، قُتل عدة آلاف من الأشخاص في النزاع المستمر في نيجيريا، فيما يرى محللون أن الإجراءات الحكومية لحماية المواطنين لا تزال غير كافية.

 

وفي يوم الأربعاء، أعلنت الحكومة النيجيرية إطلاق عملية عسكرية جديدة في ولاية كوارا بهدف الحدّ من تمدّد الأزمة الأمنية فيها. وكان الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو قد أعلن العام الماضي حالة طوارئ، سعيًا لتعزيز الأجهزة الأمنية عبر إضافة آلاف من عناصر الشرطة.

 

 

أزمة معقّدة تتجاوز الانتماء الديني

 

أصبحت نيجيريا محطّ اهتمام الحكومة الأميركية في الآونة الأخيرة، بعدما اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب الدولة الواقعة في غرب إفريقيا بعدم حماية المسيحيين من «إبادة جماعية» مزعومة. غير أنّ الحكومة النيجيرية رفضت هذه الاتهامات، فيما يؤكّد محلّلون أنّ هذا الطرح يُبسّط أزمة شديدة التعقيد تستهدف الناس بغضّ النظر عن انتماءاتهم الدينيّة.

 

ففي منطقتَي وورو ونوكو، على سبيل المثال، يبدو أنّ الضحايا المسلمين قُتلوا بسبب مقاومتهم دعوات المتطرّفين وأفكارهم.

 

ودخلت نيجيريا في شراكة مع الولايات المتحدة في مجال التعاون العسكري، حيث شنّت الولايات المتحدة غارات جوّية ضد مسلّحين مرتبطين بتنظيم «الدولة الإسلامية» في 25 كانون الأول، كما قدّمت لنيجيريا أسلحة عسكرية.

 

وفي مدينة كاياما، اجتمعت مريم محمد، يوم الجمعة، مع ناجين آخرين لإقامة الصلوات الإسلاميّة على روح زوجها، الذي كان أحد الضحايا. كما فقدت المرأة البالغة من العمر 57 عامًا منزلها في الهجوم.

 

وكان المهاجمون قد اقتادوا محمد قبل أن يطلقوا سراحها وسط حالة الفوضى. وفي صباح اليوم التالي، بدأت تبحث عن زوجها، الذي كان يتولّى رفع الأذان في المسجد المحلي، إلى أن عثرت عليه بين جثث لا تزال تتصاعد منها الأدخنة.

 

وقالت: «عندما لم أسمع صوته في المسجد مع بزوغ النهار، أدركتُ أنّ مكروهًا قد حدث».