موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في مساء الرابع عشر من أيلول، فيما تحتفل الكنيسة بعيد ارتفاع الصليب المجيد، تُشعَل النار بعد القداس الإلهي، وتلتفّ جماعة الرعية حول نورها. وفي كثير من الجماعات المسيحية الفلسطينية، لا يُعدّ هذا التقليد مجرّد عادة احتفالية، بل تعبيرًا منظورًا عن الإيمان. فهو يذكّر المؤمنين بأنّ صليب المسيح ليس علامة هزيمة، بل علامة رجاء وخلاص وحياة جديدة.
تتجذّر رمزية هذه النار في ذاكرة مسيحية قديمة، وإن كان من الصعب التحقّق تاريخيًا من جميع تفاصيلها الدقيقة. فبحسب تقليد مسيحي لاحق، يذكّر إشعال النيران في هذا العيد بالبشارة المفرحة باكتشاف الصليب الحقيقي في القدس، وهي بشارة يُقال إنّها انتقلت بعلامات النار عبر الشرق المسيحي. وسواء أمكن التثبّت تاريخيًا من هذه الذاكرة في كل تفاصيلها أم لا، تبقى رمزيتها قويّة: فمن الأرض المقدسة أُعلن نور الصليب إلى العالم المسيحي الواسع.
ويرتبط العيد نفسه تاريخيًا بالقدس. فهو يذكّر بتكريس البازيليكا القسطنطينية للقيامة في القرن الرابع، وبإظهار ذخيرة الصليب المقدس للشعب كي يكرّموها. ثم ارتبط لاحقًا أيضًا بإعادة الصليب بعد استرداده في عهد الإمبراطور هرقل. وهكذا، وراء التقليد الشعبي المرتبط بالنار، تقف حقيقة أعمق: فالأرض المقدسة لم تكن فقط المكان الذي فيه صُلب المسيح وقام من بين الأموات، بل أيضًا المكان الذي منه دخلت علامة الصليب في حياة العالم المسيحي وصلاته ومخيّلته.
تحمل هذه الذاكرة معنًى خاصًا اليوم. فالأرض المقدسة لم تعد أرضًا ذات أغلبية مسيحية كما كانت في العهد البيزنطي. ومع ذلك، تبقى الجماعات المسيحية الصغيرة المقيمة هنا امتدادًا متواضعًا وحيًا لذلك الحضور القديم. قد يكون المسيحيون اليوم قلّة، وأحيانًا نسبة صغيرة جدًا من السكان، لكنّ الشعلة ما زالت مضاءة. ويصبح نورها علامة ثبات وتجذّر ورجاء.
وفي رعية سيّدة البشارة في عين عريك، قرب رام الله، يترافق الاحتفال بعيد الصليب أيضًا مع تقليد الرمان، وهو ثمرة مرتبطة ارتباطًا عميقًا بالقرية وبهذا الموسم من القطاف. فلونها الأحمر يذكّر بدم المسيح، وحبّاتها الكثيرة المجتمعة في ثمرة واحدة تتحدّث عن الوحدة في التنوّع. وهكذا يصبح الرمان رمزًا بسيطًا وقويًا للشركة التي يُدعى المسيحيون إلى عيشها: أشخاص كثيرون، وعائلات كثيرة، ومواهب كثيرة، لكنّهم متحدون في جسد المسيح الواحد.
هذا العام، وبعد الاحتفال بالقداس الإلهي، اجتمعت جماعة الرعية حول النار في جوّ من الصلاة والأخوّة والفرح. وقد شكّل هذا الاحتفال أيضًا افتتاح السنة الرعوية الجديدة، التي وُضعت من جديد تحت علامة الصليب. وحول النار والمائدة المشتركة، التقى البعدان الروحي والاجتماعي في حياة الرعية: فصار الإيمان شركة، وصارت الشركة خدمة.
لذلك يجمع تقليد نار عيد الصليب أبعادًا عدّة من الحياة المسيحية في فلسطين: الذاكرة والإيمان، الليتورجيا والتقوى الشعبية، العائلة والجماعة، الصلاة والضيافة. إنّه يربط جذور الكنيسة القديمة بالحياة اليومية لجماعات رعوية صغيرة تواصل الشهادة للمسيح في الأرض التي وُلدت فيها المسيحية.
وفي زمنٍ صار فيه المسيحيون في الأرض المقدسة قلّة، وغالبًا ما يواجهون القلق وعدم اليقين، تحمل هذه الشعلة الصغيرة رسالة تتجاوز ليلة احتفال واحدة. فهي تقول إنّ الحضور المسيحي في هذه الأرض ليس مجرّد ذكرى من الماضي، بل شهادة حيّة، هشّة لكن أمينة، متجذّرة في صليب المسيح، ومسنودة بصلاة الكنيسة كلّها وتضامنها.