موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في أوقات الحروب والخوف يبدأ الإنسان رحلته الخاصة في البحث عمّا يعزّيه في أوقات الشدة والصعاب. ومع هذا التفكير تصبح نظرتنا أوضح لنمط حياتنا، ونحن نعيش بخوف وقلق مستمرين جراء أخبار الحروب ومشاهد الدمار التي تسيطر على المشهد العام في منطقتنا.
فالألم الذي نعيشه في حاضرنا يدفعنا أحيانًا إلى الخوف من المستقبل، وقد يجعل حياتنا تبدو وكأنها بلا معنى أو هدف. ومع كل لحظة تعب وخوف نشعر وكأننا نفقد فكرة الرجاء في حياتنا، كما لو أن الرجاء يصبح ملموسا فقط في أوقات السلم والراحة. لكن عندما تشتد الصعوبات نبدأ بالبحث عن رجاء حقيقي يعزّينا لنواصل مسيرة حياتنا.
وفي لحظة البحث هذه علينا أن نفهم أن هذا الوقت قد يكون أيضًا وقت نضوج روحي، حتى ولو بدا الإنسان تائهًا وهو يبحث عن هذا الرجاء الحقيقي. وهنا يظهر السؤال الأعمق: من هو مصدر الرجاء بالنسبة لنا؟ هل هو سلام مؤقت؟ أم راحة غير كاملة؟ أم حياة بلا صعوبات وتحديات؟
في الإيمان المسيحي الرجاء هو أكثر من مجرد أمل أو توقع يكتشفه الإنسان. إنه نعمة معزية، وليس هروبًا من الواقع أو وسيلة لإنكار الآلام التي نعيشها. فالرجاء ببساطة هو ثقة عميقة بأن الله لا يترك الإنسان في ضعفه.
وعندما يبدأ الإنسان بالبحث الحقيقي عن الله يبدأ باكتشاف الرجاء ومصدره، ويكتشف أن التاريخ، رغم كل المتغيرات، يسير نحو تحقيق مقاصد الله الخلاصية، وهكذا تعلّمنا الكنيسة أن الرجاء هو فضيلة يزرعها الله في قلب الإنسان، لتساعده على التطلع إلى المستقبل بثقة، حتى عندما تبدو الطرق مظلمة ولا نور فيها.
لكن يبقى السؤال: أين نجد رجاءنا اليوم؟ وكيف نبني هذه النعمة في حياتنا؟
قد يبدو تعريف الرجاء أمرًا بسيطًا للكثيرين، لكن غالبًا ما يصعب على الإنسان أن يطبق ما يعرفه. فنحن نؤمن ونعرف أن مصدر الرجاء الحقيقي في حياتنا هو السيد المسيح. ومع كل ما نعيشه يبقى التحدي الكبير لكل واحد منا: كيف يمكننا أن نعيش هذه العلاقة مع الله بالرجاء نفسه في أوقات الشدة كما في أوقات الراحة؟
يذكرنا الإنجيل حسب يوحنا بمحطة مؤثرة جمعت السيد المسيح وبطرس.
ففي لحظة صعبة من مسيرة التلاميذ، وبعد أن أعلن يسوع أنه خبز الحياة ، صُدم بعض التلاميذ من هذا الكلام ولم يفهموه، منهم تعبوا وتراجعوا، لكن سمعان بطرس كانت نظرته مختلفة. ففي تلك اللحظة قال ليسوع: "إلى من نذهب يا رب؟ وعندك كلام الحياة الأبدية."
لم يكن كلام بطرس مجرد توقع أو أمل، بل كان اعترافًا واضحًا وصريحًا. لم يقل: يا رب نحن نتوقع أن يكون كلام الحياة عندك، بل قال بثقة: إلى من نذهب؟ إنه اعتراف بمحدودية الإنسان، لكنه في الوقت نفسه إعلان ثقة عميقة بأن المسيح هو مصدر الحياة والرجاء. وهنا نكتشف كيف تحولت علاقة بطرس بالمسيح إلى مصدر تعزية وقوة، لأنه أدرك أن كلمات يسوع هي كلمات حياة وخلاص.
وفي أوقات الحروب يكثر اليأس والشك في قلوبنا، لكن يبقى علينا أن نختار نحن أيضًا من سيبدد هذه المخاوف. وهنا يصبح سؤال بطرس سؤالًا لنا جميعًا: إلى من نذهب؟ إنه سؤال يكشف أن الرجاء ليس مجرد شعور عابر يظهر في ظروف جيدة، بل هو قرار حر يتخذه الإنسان عندما يختار مصدر رجائه.
بطرس عرف أن الطريق لن يكون سهلاً، لكنه عرف أيضًا مصدر الرجاء. فلم يبحث عن بديل، بل بقي مع المسيح. وهذا ما يدفعنا لندرك أن الرجاء الحقيقي لا يقوم على ما نتوقعه نحن من الله، بل على من هو الله بالنسبة لنا.
لقد كانت خبرة بطرس مع المسيح خبرة لقاء شخصي. ونحن أيضًا، من خلال الصلاة اليومية، يمكننا أن نبني شيئًا من ملامح هذه العلاقة في قلوبنا. فكل إنسان يعيش لحظات ضعف وتردد. وحتى بطرس نفسه عاش أزمات ثقة، ووصل به الأمر إلى إنكار معلمه ثلاث مرات.
لكن من خلال هذه الخبرة نتعلم أن الرجاء الحقيقي لا يبنى على قوة الإنسان، بل على أمانة لله.
وفي أوقات التعب والشدة، عندما نبحث عن معنى لحياتنا، قد نظن أن الرجاء يعني اختفاء الصعوبات أو نهاية الألم. لكن الرجاء المسيحي أعمق من ذلك بكثير. فالرجاء الحقيقي هو أن نكتشف أن المسيح هو مصدر الحياة والرجاء الذي لا يخيب، حتى في أكثر لحظات حياتنا صعوبة ومرارة.
إن عيش الرجاء يبدأ عندما نكتشف أن المسيح هو المعزي في كل لحظة ألم. ومهما اشتدت الظلمات من حولنا، ومهما بدا الرجاء بعيدًا، يمكننا أن نحول هذا الوقت إلى فرصة لقاء حقيقي مع المسيح القائم ونكتشف شهادة الرجاء الخاصة لكل واحد مننا.