موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ليس أليساندرو دي فرانسيس طبيبًا عاديًا.
فقد ترأّس الطبيب الإيطالي-الأميركي، البالغ من العمر 70 عامًا، على مدى 17 عامًا المكتب الطبي في مزار لورد في فرنسا. وعند تقاعده في عيد سيدة لورد في 11 شباط، تعالت التصفيقات خلال القداس بحضور أساقفة ومؤمنين احتفاءً به.
وسيخلفه في نيسان الجراحة الإيطالية جيدا مونامي، التي تعمل حاليًا في مدينة البندقية.
درس أليساندرو الطب وطب الأطفال في نابولي الإيطالية، ثم تابع دراسته في الولايات المتحدة في كلية هارفرد للصحة العامة، حيث نال درجة الماجستير في علم الأوبئة عام 1985. وفي عام 2009، أصبح أول طبيب دائم غير فرنسي في مزار لورد، ورئيس المكتب الطبي في لورد، وهو الجهة المسؤولة عن التحقيق في حالات الشفاء المبلّغ عنها بين الحجاج.
وقال أليساندرو لموقع osvnews: «إن التحقق الطبي والعلمي من حالات الشفاء كان أساسيًا في لورد منذ ظهورات العذراء للقديسة برناديت. فمنذ عام 1858 كانت هناك تقارير عن شفاءات مزعومة، وقد تم الاعتراف بأولها كمعجزات عام 1862 من قبل أسقف تارب، في اليوم نفسه الذي اعترف فيه بالظهورات رسميًا».
في عام 1883، استقر الطبيب دونو دي سان ماكلو النورماندي في لورد بناءً على طلب الأسقف ليعمل طبيبًا دائمًا فيها. وقال أليساندرو: «هو من أسس المكتب الطبي في لورد. اجتذبت لورد عددًا كبيرًا من الناس، ولا ينبغي السماح لأحد بالإدعاء بأنه شفي بمعجزة دون توثيق طبي دقيق». ومنذ ذلك الحين، تعاقب عدد من الأطباء على هذا المنصب، وكان أليساندرو الطبيب الخامس عشر.
وهو يؤكد دائمًا أنّ «المعجزات غير موجودة في الطب». وأوضح الطبيب أن دور الأطباء هو فقط تحديد ما إذا كان المريض قد شُفي، وما إذا كان هذا الشفاء غير مفسَّر وفق المعارف العلمية الحالية، قائلاً: «نحن لا نتعامل مع المعجزات، فهذا ليس مجالنا».
وأضاف أن عشرات الآلاف من حالات الشفاء أُبلغ عنها منذ عام 1883، بينها نحو 1500 حالة منذ توليه منصبه عام 2009، لكن عددًا قليلًا فقط خضع لتحقيقات معمّقة. وأشار إلى أن معظم الحالات تلقّت علاجًا طبيًا، وأن نحو ثلثها كان مرتبطًا بالسرطان، ما قد يفسّر الشفاء. ويتم التحقيق سنويًا في نحو 30 حالة من أصل 100 حالة تُبلّغ للمكتب.
في مثل هذه الحالات، تكون العملية طويلة وتشاركية.
وأوضح دي فرانسيس قائلاً: «المعايير صارمة للغاية. وضعها الكاردينال (لورينزو) لامبرتيني، البابا المستقبلي (بندكتس الرابع عشر)، عام 1734، بهدف الاعتراف بالمعجزات في روما لأغراض التطويب أو التقديس. وقد تم تحديثها منذ ذلك الحين، لكنها لا تزال سارية المفعول».
وأضاف: «تخضع حالات الشفاء لإجراءات صارمة ومعقدة، حيث يجب أن يكون المرض موثّقًا بتشخيص واضح، وأن يكون ذا إنذار خطير، وأن يكون الشفاء مفاجئًا وكاملًا ودائمًا، وليس تحسنًا مؤقتًا». كذلك، «يجب على المريض المتعافي الموافقة على الخضوع أيضًا لسلسلة فحوصات دقيقة، والتي نحلل نتائجها بدقة متناهية. بعد ذلك، إذ بدا الشفاء غير مُفسَّر حقًا، أدعو إلى اجتماع لأعضاء المكتب الطبي مع الشخص الذي يُفترض شفاؤه، ويصدر المكتب شهادة شفاء أولية».
بعد ذلك تُحال الحالات إلى اللجنة الطبية الدولية في لورد، وهي هيئة تأسست عام 1947، وتضم نحو 30 خبيرًا من جامعات طبية حول العالم. وأوضح أليساندرو: «يجب أن يصوّت أعضاؤها بأغلبية ثلثي الأصوات للاعتراف بالشفاء على أنه "غير مُفسَّر في ضوء الوضع الراهن للمعرفة الطبية العلمية"».
ثم يعود الأمر للكنيسة للحكم على حدوث معجزة من عدمه. وأوضح: «يجوز لأسقف تارب ولورد إحالة ملف الحالة إلى أسقف الأبرشية التي يُقيّم فيها الشخص الذي شُفي، والذي بدوره سيجري تحقيقًا لتحديد ما إذا كانت معجزة قد حدثت أم لا».
قال ديفيد تورشالا، مدير مكتب الإعلام في المزار إن لورد «مليئة بقصص الشفاء. لكن هناك حالات شفاء تُعتبر غير قابلة للتفسير الطبي، ولا يُعلنها الأساقفة معجزات». وأوضح: «فبالإضافة إلى نتائج البحوث الطبية، يأخذون في الاعتبار الشهادة الشخصية للشخص المعني، الذي يُرسل بعد ذلك في مهمة لنشر قصته. وهذا من شأنه أن يُغيّر حياته».
وعدد الحالات التي تعترف بها الكنيسة كمعجزات يبقى محدودًا جدًا. وأشار دي فرانسيس إلى أنّه «من بين ما يقارب 8000 حالة شفاء مسجلة منذ عام 1858، لم تعترف الكنيسة إلا بـ72 حالة فقط كمعجزة. وخمس حالات فقط سُجلت منذ أن بدأتُ خدمتي هنا في لورد».
وكانت آخر المعجزات التي اعترفت بها الكنيسة تتعلق بالراهبة الفرنسية، الأخت برناديت مورييه، التي شُفيت عام 2008، وتمّ الاعتراف بالمعجزة عام 2018. وفي عام 2024، تم الاعتراف بمعجزة شفاء الجندي البريطاني جون تراينور، الذي أُصيب بجروح خطيرة خلال الحرب العالمية الأولى، وشُفي في لورد عام 1923، وقد اعترف المكتب الطبي بشفائه رسميًا عام 1926، لكن لم يُنقل الخبر إلى أسقف أبرشيته إلا بعد قرابة قرن من الزمان. وأخيرًا، في نيسان 2025، أُعلن عن شفاء امرأة إيطالية، أنطونيا راكو التي كانت تعاني من التصلب الجانبي الأولي، وشُفيت فجأة عام 2009 بعد رحلة حج إلى لورد.
وبحسب مدير مكتب الإعلام، «كان الدكتور دي فرانسيس يمزح كثيرًا بأنه أكثر الأطباء عديمي الفائدة في العالم، لأن الناس كانوا يطرقون بابه ليخبروه: «يا دكتور، لقد شُفيت!». وتابع تورشالا موضحًا: «لكنه قام بعملٍ عظيم»، «لقد جمع مجتمعًا طبيًا دوليًا بأكمله حول لورد من خلال الرابطة الطبية الدولية لسيدة لورد، التي ترأسها. ويبلغ عدد أعضائها الآن نحو 8000 عضو حول العالم. وكان كونه أمريكيًا وإيطاليًا في آنٍ واحد عاملًا مساعدًا للغاية في هذا الصدد».
وفي نيسان، ستتولى الدكتورة جيدا مونامي منصب رئيس المكتب الطبي خلفًا لدي فرانسيس، لتكون أول امرأة تشغل هذا المنصب في تاريخ المزار المريمي العريق. وهي طبيبة وباحثة عملت في جامعة توماس جيفرسون في فيلادلفيا من عام 2003 إلى 2007.
وذكر موقع المزار الإلكتروني أن مونامي، الكاثوليكية، «تربطها علاقة خاصة بمدينة لورد منذ طفولتها، لا سيما من خلال عمل والدها كطبيب مرافق للحجاج». وأضاف الموقع أنها تعمل منذ عشر سنوات كطبيبة متطوعة مع منظمة UNITALSI -الاتحاد الوطني الإيطالي للنقل الطبي للمرضى إلى لورد وغيرها من المزارات- «مرافقةً المرضى وكبار السن إلى المزار».