موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
إنه انتقاد مألوف: يُفترض بالبابا أن «يبقى ضمن حدوده» وأن «ينأى بنفسه عن السياسة». يبدو هذا الطرح معقولًا في زمن يتحفّظ على السلطة والأيديولوجيا، ويتسم بالفصل بين الكنيسة والدولة. إلا أنه يستند إلى سوء فهم لماهية السياسة في جوهرها. فهو يتناسى أنه عندما يتعلق الأمر بالإنسان، فإن الكنيسة هي الخبيرة الأولى به.
في معناها الكلاسيكي، لا تتعلق السياسة أساسًا بالأحزاب أو الحملات أو الانتخابات. بالنسبة لمفكرين مثل أرسطو، ترتبط السياسة بالحياة في «المدينة»، أي الفضاء المشترك الذي يعيش فيه البشر «مع الآخرين». وبهذا المعنى العميق، تعنى السياسة بكيفية تنظيم حياتنا المشتركة: كيف نحمي الضعفاء، ونحقق العدالة، ونسعى إلى الخير معًا. ومن هذا المنظور، لا يستطيع البابا أن يتجنب السياسة، لأن الكنيسة لا تستطيع أن تتجنب الإنسان.
إن رسالة البابوية روحية وليست حكومية. غير أن هذه الرسالة بالذات هي التي تدفع الباباوات إلى الحضور في الساحة العامة. فعندما تُهدَّد كرامة الإنسان -بالحرب، أو الفقر، أو الاستغلال، أو اللامبالاة- يصبح من واجب الكنيسة أن تتكلم. فالصمت لا يعني الحياد، بل تخلي عن المسؤولية.
وهذا ليس تطورًا حديثًا. فمنذ القرون الأولى، خاطب المسيحيون البُعد الأخلاقي للمجتمع. وفي التاريخ الحديث، عبّر الباباوات عن ذلك بوضوح خاص. فقد واجه لاون الثالث عشر اضطرابات الثورة الصناعية، مدافعًا عن العمال ومؤكدًا أن الحياة الاقتصادية يجب أن تخدم الإنسان. وتحدث يوحنا بولس الثاني ضد الأنظمة الشمولية، وأسهم في إعادة التأكيد على العلاقة بين الحرية والحقيقة. أما فرنسيس، فقد سلّط الضوء على قضايا المهاجرين، والمسؤولية البيئية، وما سمّاه «ثقافة الإقصاء»، التي تطال خصوصًا المسنين.
في الواقع، أسهمت هذه المواقف في تشكيل مجال كامل ضمن تعليم الكنيسة، يُعرف بـ«العقيدة الاجتماعية الكاثوليكية». وهذا المجال لا يهتم بتحديد كيفية تطبيق السياسات أو تفاصيل التشريعات، بل يركّز على إعلان ضرورة حماية مبادئ أساسية، مثل كرامة كل إنسان في كل الظروف. ولا تمثل أي من هذه المواقف دعمًا لأحزاب أو مرشحين.
إنها أحكام أخلاقية تنبع من الإيمان بأن كل إنسان -الجنين، والمجرم، والمحتضر، والمهاجر- مخلوق على صورة الله. وهذا التمييز مهم. فعندما يتحدث الباباوات في الشأن السياسي، لا يدخلون كخبراء تقنيين يحملون مخططات سياسية، بل كرعاة. لغتهم لا تُصاغ وفق استراتيجيات، بل وفق مبادئ: كرامة الإنسان، الخير العام، التضامن، ومبدأ التفريع.
ولهذا السبب، غالبًا ما يُربك تعليم الباباوات التصنيفات الحديثة. فهو يرفض أن يُحصر في خانة «اليسار» أو «اليمين». فقد يدافع البابا عن حياة الجنين، ويدعو إلى حماية المهاجرين، وينتقد الأسواق المنفلتة، ويحذر من تجاوزات الدولة - وكل ذلك ضمن رؤية أخلاقية واحدة. إن الترابط هنا لا يقوم على الأيديولوجيا، بل على فهم متكامل للإنسان.
ومع ذلك، لهذا الانخراط حدود. فالكنيسة لا تدّعي سلطة على الحلول التقنية أو الآليات السياسية. بل إن العلمانيين الكاثوليك، المستنيرين بضميرهم، هم المدعوون إلى تطبيق المبادئ الأخلاقية في الواقع العملي. أما دور البابا، فهو الإضاءة لا الإدارة التفصيلية.
ومع ذلك، يبقى واجب الكلام قائمًا. فكما جاء في الدستور «فرح ورجاء: الكنيسة في عالم اليوم»: نظرًا الى مهمة الكنيسة وصلاحيتها فهي لا تختلط بحال من الأحوال بالجماعة السياسية ولا ترتبط باي نظام سياسي» (76)، لكنها لا تستطيع أن تبقى على الهامش عندما تكون الخيور الإنسانية الأساسية على المحك.
إن الحديث عن الإنسان هو في جوهره حديث عن السياسة بمعناها الأوسع. ولذلك يواصل الباباوات -واليوم أيضًا البابا لاون الرابع عشر- القيام بما تقتضيه رسالتهم: الحضور في قلب الشؤون البشرية، لا كحكّام للمدينة، بل كشاهد على الحقيقة المتعلقة بالإنسان الذي يعيش فيها.