موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتثقل فيه الحروب كاهل المجتمعات، تبرز جمعية "جذور لا تموت" كمبادرة تجمع بين الرسالة الإنسانية والعمل الثقافي والروحي، واضعةً الإنسان وكرامته وهويته في صلب رسالتها. ومن خلال رؤية يقودها رئيس الجمعية الأب دافيد ملكي، تسعى الجمعية إلى أن تكون مساحة رجاء وخدمة وحفاظ على الجذور التاريخية والروحية للمسيحيين في الشرق.
انبثقت فكرة تأسيس الجمعية من رحم معاناة الإنسان المسيحي في الشرق، في ظل شعور متزايد بتهديد الهوية واللغة والثقافة والإيمان. ومن هذا الواقع ولدت الحاجة إلى إطارٍ يؤكد أن المسيحيين ليسوا مجرد أقلية، بل مكوّن أساسي وأصيل في هذه الأرض، ساهم عبر التاريخ في صناعة حضارتها وثقافتها. وكانت الشرارة الأولى عام 2020 من خلال إعداد فيلم وثائقي عن سيرة القديس أفرام السرياني، ملفان الكنيسة الجامعة وشفيع الجمعية، لتتحول تلك المبادرة الثقافية إلى مشروع متكامل حمل لاحقاً اسم "جذور لا تموت"، تعبيراً عن رسوخ الانتماء واستمرار الحضور.
تحمل الجمعية رسالة تقوم على تجسيد قيم المحبة المسيحية عملياً، وتسعى لأن تكون صوت من لا صوت لهم، عبر الوقوف إلى جانب الفقراء والضعفاء والمهمشين. ويتجسد هذا الدور في برامج دعم واسعة تشمل المساعدات الغذائية والرعاية الطبية، ومساندة دور الأيتام ومآوى المسنين ومراكز ذوي الإعاقة، إضافة إلى دعم الأطفال في المدارس وتنظيم زيارات إلى السجون. كما تولي الجمعية أهمية كبيرة لنشر ثقافة الصحة النفسية والاجتماعية، إدراكاً منها لحجم الآثار التي خلفتها سنوات الحروب والدمار على العائلات والمجتمع، وما نتج عنها من تفكك أسري وتزايد في مظاهر العنف واليأس، مؤكدة أن الصحة النفسية تشكل ركناً أساسياً إلى جانب الصحة الجسدية في بناء إنسان متوازن ومجتمع سليم.
ولا يقتصر نشاط الجمعية على العمل الإغاثي، بل يمتد بقوة إلى المجال الثقافي، حيث تعمل على تعليم اللغة السريانية بأساليب تعليمية حديثة ومبسطة، انطلاقاً من كونها امتداداً للآرامية، لغة السيد المسيح، وجزءاً أصيلاً من التراث الروحي والحضاري للمنطقة. وترى الجمعية أن الحفاظ على اللغة هو حفاظ على الهوية والذاكرة التاريخية، لأن الشعوب التي تفقد لغتها تفقد جزءاً من وجودها. ومن هذا المنطلق تؤكد رسالتها أن المسيحيين باقون في الشرق، شركاء في حضارته وثقافته وتوازنه الإنساني.
وفي إطار التمكين الاجتماعي والاقتصادي، أطلقت الجمعية مشروع "شغل بيت"، استجابةً لحاجة العديد من السيدات للعمل من داخل منازلهن في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. ويقوم المشروع على تسويق المنتجات المنزلية التي تصنعها النساء، بحيث تؤدي الجمعية دور الوسيط بينهن وبين المستهلكين، فتضمن بيع المنتجات وتأمين دخل كريم لهن. ويسهم هذا المشروع في تعزيز شعور النساء بالقدرة والاستقلال والكرامة، إضافة إلى ترسيخ ثقافة التضامن والتعاون المجتمعي في مواجهة التحديات.
بهذه الرؤية التي تجمع بين الخدمة الإنسانية والحفاظ على التراث الثقافي والروحي، تواصل جمعية "جذور لا تموت" عملها تحت شعارها: "يداً بيد نبني الغد"، مؤكدة أن الجذور الحقيقية لا تموت ما دام هناك من يصون الإنسان ويحفظ هويته ويزرع الرجاء في المستقبل