موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الإثنين، ٢ فبراير / شباط ٢٠٢٦
تقدمة الرب إلى الهيكل: أبعاد كتابية وروحية لعيد اللقاء والنور

أبونا :

 

تحتفل الكنيسة الكاثوليكية في الثاني من شباط بعيد تقدمة الرب يسوع إلى الهيكل، وهو عيد غنيّ بالمعاني الروحية واللاهوتية، ويُعرف بعدة تسميات أبرزها: عيد التقدمة، عيد طُهر مريم العذراء، وعيد الشموع Candlemas. ويأتي هذا العيد بعد أربعين يومًا من عيد الميلاد.

 

 

"طُهر" مريم

 

ترتبط تسمية العيد بـ«عيد طُهر مريم العذراء»، بالشريعة الموسوية التي كانت تفرض على المرأة، بعد أربعين يومًا من ولادة طفل ذكر، أن تتقدّم بذبيحة تطهير. ويروي إنجيل القديس لوقا: «ولَمَّا حانَ يَومُ طُهورِهما (مريم ويوسف) بِحَسَبِ شَريعَةِ موسى، صَعِدا به إِلى أُورَشَليم لِيُقَدِّماه لِلرَّبّ، كما كُتِبَ في شَريعةِ الرَّبِّ مِن أَنَّ كُلَّ بِكرٍ ذَكَرٍ يُنذَرُ لِلرَّبّ، ولِيُقَرِّبا كما وَرَدَ في شَريعَةِ الرَّبّ: زَوْجَيْ يَمَامٍ أَو فَرخَيْ حَمام» (لو 2: 22-23).

 

ويشرح سفر الأحبار هذا الطقس قائلاً: «أَيَّةُ ٱمرَأَةٍ حَبِلَت فوَلَدَت ذَكَرًا تَكونُ نَجِسَةً سَبعَةَ أَيَّام، كأَيَّامِ طَمْثِها تَكونُ أَيَّامُ نَجاسَتِها، وفي اليَومِ الثَّامِنِ تُختَنُ قُلفَةُ المَولود، وثَلاثَةً وثَلاثينَ يَومًا تَظَلُّ في تَطْهيرِ دَمِها. لا تَمَسُّ شَيئًا مِنَ الأَقْداس ولا تَدخُلُ المَقدِس، حتَّى تَتِمَّ أَيَّامُ طُهرها» (أح 12: 2-4).

 

ويضيف: «وعِندَ ٱكتِمالِ أَيَّامِ طُهرِها، لِذَكَرٍ كانَ أَو لِأُنْثى، تأتي بِحَمَلٍ حَولِيٍّ مُحرَقَةً، وبِفَرخِ حَمامٍ أَو بِيَمامةٍ ذَبيحةَ خَطيئَة، إِلى بابِ خَيمَةِ المَوعِد، إِلى الكاهِن. فيُقَرِّبُهما أَمامَ الرَّبِّ ويُكَفِّرُ عنِ المَرأَة، فتَطهُرُ مِن سَيَلانِ دَمِها. هٰذه شَريعةُ الوالِدةِ ذَكَرًا وأُنْثى. فإِن لم يَكُنْ في يَدِها ثَمَنُ حَمَل، فلْتأخُذْ زَوجَي يَمامٍ أَو فَرخَي حَمام، أَحَدُهما مُحرَقةٌ والآخَرُ ذَبيحةُ خَطيئَة، فيُكَفِّرُ عنها الكاهِنُ فتَطهرُ» (أح 12: 6-8).

 

ومع أنّ مريم، الكليّة الطهارة، لم تكن بحاجة إلى هذا الطقس، إلا أنّها أطاعت الشريعة بتواضع.

 

 

تقدمة الابن البكر

 

يُعرف هذا الاحتفال الليتورجي بـ«عيد تقدمة الرب إلى الهيكل»، وهو يرتبط أيضًا بتقليد يهودي قديم يقضي بتقديم الطفل البكر إلى الله. يقول سفر الخروج: «وكلَّمَ الرَّبُّ موسى قائلًا: قَدِّسْ لي كُلَّ بِكْرٍ، كُلَّ فاتِحِ رَحِمٍ مِن بَني إسرائيل، مِنَ النَّاسِ والبَهائِم، إِنَّه لي» (خر 13: 1).

 

وانطلاقًا من هذا التقليد، أحضر مريم ويوسف معهما الطفل يسوع، كما يورد إنجيل القديس لوقا، «لِيُقَدِّماه لِلرَّبّ، كما كُتِبَ في شَريعةِ الرَّبِّ مِن أَنَّ كُلَّ بِكرٍ ذَكَرٍ يُنذَرُ لِلرَّبّ، ولِيُقَرِّبا كما وَرَدَ في شَريعَةِ الرَّبّ: زَوْجَيْ يَمَامٍ أَو فَرخَيْ حَمام» (لو 2: 23). في مشهدٍ إنجيلي يعلن منذ البداية أنّ يسوع مكرّس كامل للآب، وفاتح أمام البشريّة طريق التقدمة الحقيقة.

 

 

عيد اللقاء

 

لم يكن صعود العائلة المقدّسة إلى أورشليم مجرّد التزام بنصٍّ شرعي فحسب، بل كان أيضًا لحظة لقاء عميقة بين الله وشعبه، تجسّدت في شخصي الشيخين سمعان وحنّة النبيّة، اللذين قادهما الروح القدس إلى الهيكل في تلك الساعة عينها.

 

في هذا اللقاء، أعلن سمعان إيمانه بوعد الله المتحقق، مرتلاً نشيده الشهير: «الآنَ تُطلِقُ، يا سَيِّد، عَبدَكَ بِسَلام وَفْقًا لِقَوْلِكَ. فقَد رَأَت عَينايَ خَلاصَكَ الَّذي أَعدَدتَه في سبيلِ الشُّعوبِ كُلِّها نُورًا يَتَجَلَّى لِلوَثَنِيِّين ومَجدًا لِشَعْبِكَ إِسرائيل» (لو 2: 29-32).

 

هكذا يظهر يسوع منذ طفولته كنورٍ شامل، لا يخص شعبًا دون آخر، بل أُعطي للعالم كله.

 

وقد أشار البابا بندكتس السادس عشر عام 2010 إلى أن الكنيسة في الشرق كانت تسمّي هذا العيد بـ«عيد اللقاء»، لأن سمعان وحنّة يمثّلان البشرية جمعاء التي تلتقي ربّها في الكنيسة، وتتغيّر بهذا اللقاء. ومن هنا، لا يقتصر العيد على ذكرى حدثٍ تاريخي، بل يتحوّل إلى دعوة متجددة لكل مؤمن لاختبار اللقاء مع الله في حياته الروحيّة واليوميّة أيضًا.

 

 

عيد الشموع

 

ومن إعلان سمعان أنّ يسوع هو «نور الأمم»، نشأ تقليد إضاءة الشموع في هذا اليوم، فأصبح العيد يُعرف شعبيًا بـ«عيد الشموع». وتقوم الكنيسة في هذا العيد ببركة الشموع التي تُستعمل طوال السنة، كرمزٍ للمسيح نور العالم، ودعوة للمؤمنين كي يحملوا هذا النور في حياتهم اليومية.

 

ويصلّي الكاهن في بركة الشموع قائلاً: «اللهمّ، يا منبع النور ومصدره، يا من أرشدتَ اليوم سمعان البارّ إلى النور هادي الأمم: فنسألك متضرّعين أن تتنازل وتقدّس ببركتك الواسعة هذه الشموع، وأصغِ إلى أدعية شعبك ونذورهم، الذي جاء اليوم يحملها وهو يُسبّح اسمك القدوس. سِر به، يا ربّ، على درب الفضائل، إلى النور الأبدي الذي لا غروب له. بالمسيح ربنا».

 

 

يوم للصلاة من أجل المكرَّسين

 

ومن الجدير بالذكر أن القديس البابا يوحنا بولس الثاني قد أعلن في عام 1997، يوم الثاني من شباط  يومًا عالميًا للحياة المكرّسة، بهدف مساعد الكنيسة على أن تُقدّر على نحوٍ أعمق شهادة أولئك الذين اختاروا اتبّاع المسيح من خلال عيش المشورات الإنجيلية، كما يشكّل في الوقت عينه مناسبةً للأشخاص المكرّسين لكي يجدّدوا التزامهم ويُحيوا الشغف بتقديم ذواتهم بالكامل للرب.

 

وقد أضفى هذا الإعلان بُعدًا روحيًّا إضافيًا على العيد.

 

 

يوم خُدّام الهيكل

 

يحمل عيد تقدمة الرب إلى الهيكل بُعدًا خاصًا يتعلّق بخُدّام الهيكل، إذ يذكّر بأن الهيكل لم يكن مجرد مكان للطقوس، بل فضاء خدمة وأمانة وانتظار. فسمعان وحنّة، اللذان عاشا في الهيكل بروح الصلاة واليقظة، يجسّدان صورة الخادم الأمين الذي يبقى حاضرًا أمام الله، حتى يأتي وقت اللقاء.

 

وهكذا يسلّط العيد الضوء على دور خُدّام الهيكل في كل زمان، الذين يهيّئون المكان للقاء الله بشعبه، ويشهدون بصمتٍ وأمانة لنور المسيح وسط الجماعة المؤمنة. إن خدمتهم ليست وظيفة، بل دعوة تعبّر عن استعداد القلب ليكون هيكلًا حيًا يستقبل حضور الرب.

 

 

يبقى عيد تقدمة الرب من أكثر الأعياد رمزية وعمقًا في التقويم الكنسي، إذ يذكّر المؤمنين بأن الكنيسة هي مكان اللقاء الدائم مع الله، وبأن المسيح، نور العالم، ما زال يدخل «هيكل» حياة كل إنسان، طالبًا قلبًا مفتوحًا ليبدّد العتمة ويمنح السلام.