موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٥ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
النائب الرسولي للاتين في مصر: المدارس الكاثوليكية جسر للخدمة والحوار

أبونا :

 

تحدث المطران كلاوديو لوراتي، النائب الرسولي للاتين في الإسكندرية، عن واقع الكنيسة اللاتينية في مصر وحضورها التاريخي، وعلاقاتها بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية والمسلمين، فضلًا عن دور المدارس الكاثوليكية وأوضاع اللاجئين السودانيين وتداعيات الحرب في غزة على المجتمع المصري.

 

وجاء حديث المطران لوراتي، المرسل الإيطالي من رهبنة الكومبونيان الذي وصل إلى مصر للمرة الأولى قبل 31 عامًا، في مقابلة مع فاتيكان نيوز خلال وجوده في روما للمشاركة في اجتماع مجلس الأساقفة اللاتين في المناطق العربية.

 

 

حضور لاتيني يمتد قرونًا

 

وأشار المطران لوراتي إلى أن الجماعة اللاتينية في مصر موجودة، بأشكال مختلفة، منذ زمن طويل، لافتًا إلى أن الكنيسة تحب أن تربط بداية هذا الحضور بزيارة القديس فرنسيس الأسيزي للسلطان الملك الكامل عام 1219.

 

ومنذ ذلك الحين، استمر وجود جماعات فرنسيسكانية في مصر، وكانت تخدم بصورة أساسية التجار وأفراد السلك الدبلوماسي. لكن هذا الواقع بدأ يتغير في مطلع القرن التاسع عشر، عندما دعا محمد علي أوروبيين من دول عدة، ولا سيما فرنسا وإيطاليا ومالطا، إلى القدوم إلى مصر والمساهمة في تنمية البلاد، فوصل العديد من المهندسين والفنيين واستقروا فيها لفترات طويلة.

 

وبحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، بلغ عدد أبناء الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية في مصر، وكان معظمهم من الأجانب، نحو 120 ألف شخص. إلا أن أعدادهم انخفضت بصورة كبيرة بعد تأميم قناة السويس ومغادرة غالبية الأجانب.

 

وقال المطران لوراتي إن تقديراته الحالية تشير إلى وجود نحو 60 ألفًا من أبناء الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية في مصر، بينهم ما بين ألف وألفي مصري، بينما يشكل المهاجرون بقية الجماعة، ومن بينهم نحو 30 إلى 35 ألف سوداني، معظمهم من اللاجئين.

 

 

الإسكندرية.. آثار مدينة متعددة الثقافات

 

وتوقف المطران لوراتي عند التاريخ الفريد لمدينة الإسكندرية، موضحًا أن آثار طابعها القديم المتعدد الأعراق والثقافات لا تزال ظاهرة حتى اليوم، ولا سيما في عمارتها. وقال إن التجول في شوارع الإسكندرية يكشف عن أنماط معمارية متعددة ومبانٍ يتضح أنها شُيدت على أيدي مهندسين إيطاليين أو فرنسيين، وهو أمر يمكن ملاحظته أيضًا في القاهرة.

 

وأضاف أن ذكرى المجتمع المتعدد الأعراق والثقافات لا تزال حاضرة في ذاكرة الناس، مشيرًا إلى أن الإسكندرية احتضنت في الماضي جماعة يهودية كبيرة يعود وجودها إلى أكثر من ألفي عام، قبل أن تختفي بفعل التطورات التي شهدتها العقود الستة الأخيرة.

 

 

10 إلى 11 مليون قبطي أرثوذكسي

 

وفي حديثه عن العلاقات مع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وصفها المطران لوراتي بأنها أكبر جماعة مسيحية في مصر، بل وفي الشرق الأوسط بأسره.

 

وأوضح أن تحديد أعداد الأقباط الأرثوذكس بدقة ليس سهلًا، إلا أن التقديرات تضع نسبتهم عند نحو 10% من سكان مصر، أي ما يقارب 10 إلى 11 مليون شخص. ويتركز كثير منهم في القاهرة والإسكندرية، فضلًا عن صعيد مصر، حيث ترتفع نسبة المسيحيين في بعض المناطق، بحسب المطران لوراتي، إلى 20 أو 30%.

 

ووصف الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بأنها "كنيسة حيوية جدًا"، تتمتع بأديرة مزدهرة وبعدد كبير من الدعوات، ويحرص المسيحيون المصريون على زيارة هذه الأديرة. وقال إن أكثر ما يلفت انتباهه في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية هو حضورها الواسع، مضيفًا أن القاهرة تشهد توسعًا عمرانيًا كبيرًا، ومع ذلك يمكن رؤية الكنائس في مختلف المناطق الجديدة من المدينة.

 

 

تعاون يومي بين الكاثوليك والأرثوذكس

 

وأوضح النائب الرسولي أن الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة القبطية الأرثوذكسية لا تنظمان عددًا كبيرًا من المبادرات المشتركة، لكن التواصل اليومي بينهما وثيق جدًا. وضرب مثالًا على ذلك بقوله إن ما يقدره بنحو 70 إلى 80% من العاملين في النيابة الرسولية اللاتينية هم من الأقباط الأرثوذكس، إلى جانب الزيارات المتبادلة في المناسبات الرئيسية.

 

أما على الصعيد الكاثوليكي، فأشار إلى وجود تعاون أكبر بين الكنائس الكاثوليكية المختلفة، ولا سيما مع الكنيسة القبطية الكاثوليكية التي تضم نحو 300 ألف مؤمن موزعين على عشر أبرشيات في مختلف أنحاء مصر.

 

 

نحو 170 مدرسة كاثوليكية في مصر

 

ويبرز التعليم بوصفه أحد أهم مجالات حضور الكنيسة الكاثوليكية وخدمتها في المجتمع المصري. وكشف المطران لوراتي أن في مصر نحو 170 مدرسة كاثوليكية، مشيرًا إلى وجود تعاون واسع بين الأساقفة الكاثوليك في هذا المجال.

 

ويشكل هذا الحضور التعليمي أحد أبرز أوجه رسالة الكنيسة في البلاد، إذ يتجاوز عدد أبناء الكنيسة اللاتينية نفسها بكثير ويضع المؤسسات الكاثوليكية في تماس مباشر مع شرائح واسعة من المجتمع المصري.

 

 

علاقة يومية مع المسلمين وحوار مع الأزهر

 

وفي ما يتعلق بالعلاقة مع المسلمين، قال المطران لوراتي إن اللقاء بين المسيحيين والمسلمين ليس حدثًا استثنائيًا، بل هو جزء من الحياة اليومية في مصر، موضحًا: "تخرج إلى الشارع فتجد أن تسعة من كل عشرة أشخاص مسلمون".

 

وسلط الضوء بصورة خاصة على دور الآباء الدومينيكان في الحوار بين الأديان، مشيرًا إلى المكتبة التي يديرونها والتي يرتادها عدد كبير من الطلاب المسلمين للقراءة والدراسة. كما أشار إلى الحوار المستمر بينهم وبين جامعة الأزهر، التي وصفها بأنها أهم مؤسسة تعليمية إسلامية، لافتًا إلى أن بعض الدومينيكان يقدمون فيها محاضرات من حين إلى آخر.

 

 

نتابع ما يحدث في غزة بألم شديد

 

وتطرق المطران لوراتي إلى الحرب في غزة وانعكاساتها على مصر، قائلًا: "نتابع الوضع في غزة بألم شديد". وأوضح أن الشعب المصري يتعاطف بصورة طبيعية مع الفلسطينيين، لكنه يريد في الوقت نفسه المحافظة على السلام الذي تحقق بصعوبة مع إسرائيل.

 

وقال: "في ما يتعلق بالسلام، لا عودة إلى الوراء، لكن هناك اهتمامًا كبيرًا بما يحدث لإخوتنا وأخواتنا في غزة". وأشار إلى أنه، رغم إغلاق الحدود مع غزة، تمكن آلاف الأشخاص من العبور إلى مصر، سواء بسبب وجود أفراد من عائلاتهم فيها أو لحاجتهم إلى العلاج الطبي. وأضاف: "معظم الفلسطينيين الذين التقيتهم أصابتهم القنابل الإسرائيلية، وهم يعانون إصابات خطيرة، وكثير منهم يستخدمون الكراسي المتحركة".

 

 

نحو مليون سوداني وصلوا إلى مصر خلال ثلاث سنوات

 

لكن المطران لوراتي لفت إلى أن الحضور الأكبر للاجئين الذي تلمسه الكنيسة في مصر لا يأتي من فلسطين، بل من السودان. وقال إنه خلال السنوات الثلاث الماضية استقبلت مصر نحو مليون لاجئ من السودان، وكان من بينهم عدد من الكاثوليك، الأمر الذي انعكس مباشرة على حياة الكنائس والجماعات الرعوية.

 

وأوضح سيادته: "امتلأت كنائسنا"، مشيرًا إلى أن الكنيسة تضم اليوم جماعة تقدر بنحو 35 ألف كاثوليكي قدموا من السودان وجنوب السودان. وهكذا، باتت الجماعة اللاتينية في مصر، التي تشكلت تاريخيًا بفعل موجات مختلفة من الحضور والهجرة، تضم اليوم أعدادًا كبيرة من المهاجرين واللاجئين، فيما تواصل الكنيسة رسالتها من خلال الرعايا والمدارس وخدمة المحتاجين والحوار اليومي مع مختلف مكونات المجتمع المصري.