موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٩ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
الكاردينال بيتسابالا من مزار سيدة أنغلونا: صون إنسانيتنا هو تمهيد الطريق للسلام
في مزار سيدة أنغلونا، ترأس بطريرك القدس للاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا القداس الإلهي بمناسبة عيد ميلاد مريم العذراء والذكرى الخمسين لتأسيس أبرشية تورسي-لاغونيغرو بصورتها الحالية، في احتفال شكّل جسرًا من الصلاة بين منطقة بازيليكاتا الإيطالية والأرض المقدسة الجريحة.

إميليانو أوسيبي :

 

ثمة خيط غير مرئي، لكنه غير قابل للانقطاع، يصل بين تلال بازيليكاتا وحجارة القدس الجريحة. ففي عيد ميلاد مريم العذراء، تحوّل مزار مريم الكلي القداسة، ملكة أنغلونا، العريق في تورسي، إلى قلب لشركة تتجاوز الحدود.

 

وترأس الاحتفال بطريرك القدس للاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، في حضور أسقف الأبرشية المطران فينتشنزو أوروفينو، والكهنة والمؤمنين القادمين من مختلف أنحاء المنطقة. واكتسب حضور الكاردينال دلالة مزدوجة، إذ جاء للاحتفال بالعيد المريمي، ولمشاركة كنيسة تورسي-لاغونيغرو الذكرى الخمسين لإعادة تنظيمها الأبرشي.

 

وقدم الكاردينال بيتسابالا في عظته تأملًا عميقًا انطلق فيه من الأسلوب الذي يختاره الله للدخول في التاريخ البشري. فالأناجيل لا تخبرنا شيئًا عن ميلاد أم المسيح، وكأن مجيئها إلى العالم حدث في صمت. ومع ذلك، ففي ذلك الصمت بالتحديد بدأ الخلاص. وقال البطريرك: «إن ميلاد مريم يشبه أول نور في الصباح: لم يطلع النهار كاملًا بعد، لكن الليل لم يعد كما كان».

 

وفي عالم يحب المظاهر والنجاح، يضع الإيمان أمامنا منظورًا مختلفًا. فالله لا يفرض ذاته بالقوة، بل يطلب منا أن نستقبله. وفي هذا السياق، قال البطريرك: «يبدأ الله دائمًا تقريبًا بطريقة هادئة. وينمو عمله في الصمت، وفي استعداد أشخاص ربما لا يعرفهم أحد، وفي الأمانة اليومية».

 

 

الله يدخل تاريخنا كما هو

 

وفي تعليقه على إنجيل نسب يسوع، أوضح الكاردينال أن التاريخ المقدس مليء بالنور والظلال، بالرجال الأبرار، ولكن أيضًا بالانقطاعات والإخفاقات. فالمسيح لا ينتظر ظروفًا مثالية لكي يظهر، وقال: «يسوع لا يأتي إلى تاريخ مثالي. إنه يدخل هذا التاريخ الحقيقي، كما هو». ولهذا، فإن الرجاء المسيحي لا يقوم على تفاؤل ساذج، بل على اليقين بأن «لا تاريخ غريب عن الله، ولا جرح، إذا سُلّم إليه، يعجز عن أن يصبح موضعًا للخلاص».

 

ووجّه بطريرك القدس للاتين من هنا دعوة إلى جماعة تورسي-لاغونيغرو، في الذكرى الخمسين لمسيرتها، إلى ألا تكتفي بـ«الحفاظ» على الماضي أو البنى القائمة، بل أن تواصل الإصغاء إلى صوت الروح القدس لكي تستمر في «ولادة» الحياة.

 

 

الأرض المقدسة وصون إنسانيتنا

 

وانتقلت العظة بعد ذلك إلى مأساة الأرض المقدسة التي أنهكتها الصراعات التي تنكر كرامة الإنسان. وحذّر الكاردنيال بيتسابالا قائلًا: «عندما نفقد وجه الآخر، يصبح من الممكن قول وفعل ما كان يبدو في السابق غير قابل للتصور».

 

وفي مواجهة تجربة الحقد، أشار إلى وجود «علامات نور» صغيرة وثمينة: عائلات ترفض تربية أبنائها على الكراهية، ومتطوعون ورهبان يساعدون الجرحى من دون السؤال عن انتمائهم. واختتم بطريرك القدس للاتين قائلًا: «هذه المبادرات لا تغيّر مسار الأحداث على الفور، لكنها تصون إنسانيتنا. وصون إنسانيتنا، اليوم، هو بحد ذاته تمهيد الطريق للسلام».

 

وفي ختام الاحتفال، أوكل الكاردينال بيتسابالا الأرض المقدسة وأبرشية تورسي-لاغونيغرو إلى شفاعة سيدتنا مريم العذراء، لكي يعرف كل مؤمن كيف يقول «نعم» الخاصة به في واقع التاريخ الملموس الذي يعيشه كل يوم.