موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ترأس الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، القداس الإلهي في كنيسة البطريركية اللاتينية، صباح اليوم الخميس 1 كانون الثاني 2026، بمناسبة عيد العذراء والدة الإله واليوم العالمي للسلام.
وخلال العظة، شدّد غبطته على أنّه في مطلع العام الجديد، وبينما يتبادل العالم التهاني بمستقبل لم تتضح ملامحه بعد، فإنّ الكنيسة لا تعرض على المؤمنين "تمنيات غامضة أو مجرد آمال بشرية، بل تضعهم تحت نور مزدوج الإشعاع، ثابت يرافق خطاهم وهما: عيد العذراء مريم، والدة الإله، واليوم العالمي للسلام".
وأوضح البطريرك أنّ هاتين الحقيقتين مرتبطتان "ارتباطًا وثيقًا كالجذر والثمرة، كالنبع والنهر"، مشيرًا إلى أنّ "العذراء مريم هي جذر السلام، لأنّها ولدت للعالم أميره، ذاك الذي هو سلامنا". وأضاف أنّ النظر إلى مريم مع بداية السنة يعني ألا ينطلق المؤمنون "من قوّتهم الهشة أو من استراتيجياتهم، بل من نَعَم والده الإله المتواضعة والقويّة التي غيّرت مجرى التاريخ إلى الأبد"، مؤكدًا أنّ هذه الدعوة تتطلب "أن نبني الزمن المقبل لا وفق ميزان الحسابات، بل بروح رحبة؛ لا بالخوف، بل بالثقة".
وتناول البطريرك رسالة القدّيس بولس إلى أهل غلاطية قائلاً: "فلَمَّا تَمَّ الزَّمان، أَرسَلَ اللهُ ٱبنَه مَولودًا لِٱمرَأَةٍ، مَولودًا في حُكْمِ الشَّريعة"، موضحًا أنّ هذه الكلمات "تلامس واقعنا"، وأنّ الله ربط خلاص العالم "لا بقوّة مجرّدة، بل بحريّة شخص، عبر جسد هشّ ومحبوب لفتاة من الناصرة". وأشار إلى أنّ لقب والدة الإله "ليس مجرّد عقيدة لاهوتية تُترك للخبراء، بل هو إعلان عن منهج إلهيّ، عن أسلوب الله نفسه: الله يصنع الخلاص، ويبني تاريخه مع البشرية بالقبول، والتواضع، والولادة، والألفة".
ولفت البطريرك بيتسابالا إلى أنّ السلام لا ينزل "من أعلى كمعجزة سحريّة تُبطل التناقضات، بل ينبت ببطء، كبذرة، من الأرض الخصبة لقلب يقول 'هاءنذا'، ويفسح المجال، ويصبح متاحًا"، مؤكدًا أنّ مريم ليست مجرّد قدوة، بل هي "المكان" اللاهوتي الذي نفهم فيه كيف يرغب الله أن يعمل: من الداخل لا من الخارج، من الصِغَر لا من القوّة.
وأشار إلى أنّ الإنجيل يقدّم صورة "قويّة للغاية، بل وثوريّة" لوالدة الإله التي كانت "تَحفَظُ جَميعَ هٰذهِ الأُمور، وتَتَأَمَّلُها في قَلبِها". وقال: "أمام عظمة الحدث الذي يمسّها عن قرب، لا تُلقي مريم خطابًا، ولا تنشغل بالتنظيم، ولا تسارع إلى تفسير كلّ شيء. بل تقوم بأمرين: تحفظ وتتأمّل. إنّه تصوير لسلامٍ داخليّ حيّ، لا خامل. فالحفظ يعني الحماية، والإبقاء بأمان، وعدم السماح بتشتت التجربة. أما التأمل، فيعني حرفيًّا ’الربط معًا‘ والمقارنة أي وضع الأحداث في حوار مع كلمة الله التي كانت تسكن فيها منذ البدء".
وشدّد على أنّ "كلمة الله اليوم تكشف لنا الدواء النبويّ ضدّ العنف الخفيّ والواسع الانتشار في زمننا".
وقال: "غالبًا ما يولد العنف من التسرّع في الحكم، ومن ردّات الفعل الفوريّة، ومن الضجيج الصاخب الذي يخنق كلّ كلمة صادقة وكلّ استماع صبور. إنّ السلام يستجوب الحفظ: من خلال حفظ العلاقة، وحفظ الكلمة المعطاة، وحفظ سرّ الآخر الذي لا نفهمه فورًا، وحفظ الذاكرة الهشّة لخير الله في تاريخنا. إنّه عمل حرفيّ، صامت، يبدأ في القلب قبل أن يظهر في الساحات. تعلمنا مريم أنه لا يوجد سلام خارجي بدون هذا الصبر الداخلي، من دون تمخّض روحيّ للأحداث على نور الله".
وأضاف البطريرك بيتسابالا: "وهذا النور الإلهي، المحفوظ والمتألق في قلب مريم، هو الذي يعكس علينا سلامًا حقيقيًّا. فالبركة الكهنوتية الجميلة التي نسمعها اليوم من سفر العدد تكشف لنا أصل هذا السلام: "يُضيءُ الرَّبُّ بِوَجهِه عَلَيكَ … ويَمنَحُكَ السَّلام".
وأوضح أنّ "السلام ليس غياب المشاكل أو الصراعات –فذلك وهم خطير– بل هو حضور وجهٍ يضيء في ظلمتنا. إنّه اليقين الراسخ بأنّنا لسنا متروكين في ساحة التاريخ، وأنّ حياتنا ليست تصادمًا عشوائيًّا للذرّات، بل هي تحت نظر الله ومحبته ومرافقته".
ودعا البطريرك المؤمنين إلى السماح لنور وجه الله بأن يلامس جراحهم، ومخاوفهم، وتوتّرات عائلاتهم، وجماعاتهم، ومجتمعهم. وأوضح أنّ هذه "الجروح لن تختفي بشكل سحري، لكنّها قد تصبح أماكن يولد فيها الرجاء، حيث يمكن أن تنشأ، صغيرة وهشّة، كبادرة مصالحة، وكلمة غفران، وخطوة نحو الآخر". وأشار إلى أنّ دعوتنا كمسيحيّين، معمّدين في المسيح، هي أن نكون انعكاسًا لذلك الوجه، و"مدعوّون، على مثال مريم، أن نكون حُرّاسًا ووسطاء لنور الله من أجل العالم".
وأشار البطريرك بيتسابالا إلى أنّ رسالة البابا لاون بمناسبة اليوم العالمي التاسع والخمسون للسلام تحث المؤمنين على أن ينقلوا هذا النور، ببصيرة، إلى أحدث وأعقد وأحيانًا أخطر مجالات الحياة المشتركة: العالم الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والمنظومة الإعلاميّة.
ولفت إلى أنّ الرسالة تذكّر بحقيقة حاسمة: "التكنولوجيا ليست محايدة، بل هي دائمًا امتداد لقلب الإنسان. فإمّا أن تكون أداة تلاعب وانقسام ومراقبة خانقة ووحدة جديدة، وإمّا أن تصبح أداة لقاء، ومشاركة للخير، وإتاحة للمعرفة، وبناء خير عامّ حقيقي"، مشيرًا إلى أنّ هذا الأمر قد "لمسنا بوضوح في سياق حرب هذه السنوات، صراع يمسّنا جميعًا بطريقة أو بأخرى".
وأكد أنّنا "مدعوّون إلى أن نكون صنّاع سلام، لا في العائلة والعمل والسياسة فقط، بل أيضًا من خلال استخدام أصابعنا على لوحة المفاتيح، وكلماتنا المتداولة على وسائل التواصل، وطريقة استهلاكنا –النقدي أو القهري- للمعلومات، ومن خلال سؤالنا الأخلاقي، القوي أو الخافت، حول الكيفيّة التي نريد أن يُرسَم بها مستقبل الإنسان بواسطة الخوارزميّات".
وأضاف: "وحتى في هذه القارة الرقميّة الجديدة، يبقى المنهج مريميًّا: لا السيطرة على الآخرين بالحكم أو الإهانة، بل خدمة الحقيقة برأفة؛ لا استغلال الأشخاص، بل حفظ الكرامة التي لا يجوز المساس بها، كرامة كلّ وجه، حتّى الوجه المختبئ خلف شخصية غير واضحة المعالم. وهذا يعني إدخال القدرة على “الحفظ والتأمّل” في ضجيج العالم الرقمي، مع حماية وقتنا وحياتنا الداخلية، المهدَّدين بدوّامة الاتصال الدائم".
وأكد غبطته أنّ هذه هي الكلمات الثلاث التي تسلّمنا إيّاها ليتورجيا اليوم كعلاج للعنف ومنهج لبناء مسارات السلام. وقال: "الحفظ هو أكثر من مجرّد الصون؛ إنه تنمية ذكاء القلب. ويعني عدم الاستسلام لعجلة عصرنا، وترك الزمن يكشف معنى ما حدث. أمّا التأمّل، فيعني القدرة على تقييم الأحداث دائمًا على نور كلمة الله، ورؤيتها في نور ملكوت الله الذي ينمو كبذرة خفيّة. وهكذا نستطيع أن نرحب بالحياة ونحن واثقون بأنّ الله يسكنها، وليس بأنها عقوبة للعيش تحت وطأة ما يحدث لنا".
واختتم الكاردينال بيتسابالا عظته داعيًا المؤمنين إلى وضع هذا العام تحت الحماية الوالدية والقويّة لمريم، والدة الإله، و"لكي تعلّمنا بنطقها كلمة نعم أن نفتح أبواب حياتنا، ومدننا، وقلوبنا لأمير السلام. وليتمّ فينا، وفي عائلاتنا، وفي هذه الأرض المقدّسة العزيزة، الجريحة والثمينة، وفي عالمنا المتعطش إلى الرجاء والمعنى، تحقيق البركة القديمة، الجديدة أبدًا، التي سمعناها اليوم: "يُبارِكُكَ الرَّبُّ ويَحفَظُكَ، ويُضيءُ الرَّبُّ بِوَجهِه عَلَيكَ ويَرحَمُكَ، ويَرفَعُ الرَّبُّ وَجهَه نَحوَكَ ويَمنَحُكَ السَّلام". وختم قائلاً: "سنة سلام مباركة للجميع! سلامٌ يولد من قلب الله، ويمرّ عبر قلب أمّ، وتتسلّمه أيدينا وقلوبنا بصفة كوننا أبناء".