موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
عالمنا مُثَقَلٌ بالاحداث.. لا يوجد تقبل لثقافة الاخر ولا لما هو جديد والأفكار المتطرفة تتحول بسهولة إلى أفعال عنف.
مصير البشرية يعتمد على الحوار بين الأديان ليغدو منارات روحية وثقافية ووطنية. لهذا السبب شددتُ في مجلس الامن بنيويورك 27 آذار 2015 على أهمية الحوار وعدم تحميل المسلمين جرائم داعش، الإسلام شيء وداعش شيء اخر.
الحوار المسيحي–الإسلامي هو حوار مصير أبناء المنطقة ومستقبلهم، ونحن أحوج ما نكون إليه اليوم من أجل بلورة استراتيجية للتجديد وترسيخ العيش المتناغم والكريم والتمسك به مهما اشتدت العواصف.
الحوار الصادق، والتشاور، والتفاهم، ظاهرة حضارية ضرورية لتقريب وجهات النظر، والتأكيد على المشترَك، والاعتراف بالمختلَف. الحوار يزيل الأفكار المسبقة والاتهامات المتبادلة، ويعزّز الثقة ويجنّب المجتمعات الصراعات المأساوية.
للأسف، تكاد ثقافة الحوار تفتقر إليها مجتمعاتنا اليوم، بسبب ارتفاع نزعة التعصّب، وانتشار الثقافة الطائفية، وترسيخ مفهوم «المكوّنات»، وصراع المحاصصة، بدلًا من المواطنة الشاملة والمساواة.
أعتقد أن الحوار حول العقيدة موضوعٌ شائك وصعب، لكن ثمة نوعًا آخر من الحوار، هو حوار الحياة الذي يبدأ بالصداقة، فنحن إخوة في الإنسانية، ومواطنون في وطن واحد، وتجمعنا قضايا مشتركة تهمّنا جميعًا، وفي مقدّمتها السلام والحرية والعيش الكريم والتعايش. السلام ليس مجرّد أمنية، بل هو خيار وثقافة وجهود متواصلة من أجل عالم أكثر أمنًا واستقرارًا ويبقى أقوى من الخلاف.
في مؤتمر صحفي شارك فيه وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، إلى جانب سفير الحرية الدينية الدولي رشاد حسين، تم التأكيد على أن "احترام الحرية الدينية ليس فقط من أعمق القيم وأحد الحقوق الإنسانية العالمية، وإنما هو أيضًا أولوية حيوية، وبالتالي يجب علينا أن نفعل المزيد لمكافحة أشكال الكراهية المتزايدة".
وقد وجدتُ تعليقاً للشيخ حيدر الدبيسي من مدينة الناصرية، على زيارة البابا فرنسيس إلى العراق، قال: "إن البابا جاء إلى العراق رغم أنه بالكاد يستطيع المشي. لقد بعث برسالة ليس فقط إلى العراقيين، ولكن إلى العالم أجمع، مفادُها أن الإسلام والأديان الأخرى يمكن أن تجلس معًا بسلام". هذا المسار يتطلب موقفًا منفتحًا، وحالة من الثقة والاحترام المتبادل.
عندما كنتُ كاهنَ رعية في الموصل، ثم مسؤولًا عن المعهد الكهنوتي، أقمت علاقات صداقة متينة مع رجال دين ومفكرين مسلمين. في البداية، كانت تلك العلاقات مجرّد زيارات ومجاملات، ثم تطورت إلى لقاءات وحوارات أكثر عمقًا. فنظّمنا معًا مجموعة من المحاضرات حول مواضيع دينية مشتركة، وأطلقنا عليها اسم "المنتدى اللاهوتي".
ثم استأنفت الحوار في كركوك. وفي بغداد، أسست عام 2017 لجنة الحوار المسيحي–الإسلامي، بمشاركة علماء شيعة من النجف، وعلماء من المجمع الفقهي الإسلامي في بغداد، وممثلين عن الإيزيديين والصابئة. وعقدنا عددًا من اللقاءات والحوارات المشتركة. وقد أسهمت هذه المبادرة، إلى حد كبير، في تفكيك الخطاب التحريضي وتعزيز لغة الاحترام بين أبناء الديانتين.
وأذكر أنه خلال مداخلة لي في مؤتمر عُقد في مدينة البندقية بإيطاليا، سألتني صحفية: ماذا تفعل إذا لم يبقَ مسيحيون في العراق؟ فأجبتها فورًا: أبقى بطريركًا للمسلمين!
كانت الإجابة تحمل شيئًا من الدعابة، لكنها في الوقت نفسه تعبّر عن قناعة عميقة لديّ، لأن رسالتنا لا تقوم على الانغلاق، بل على خدمة كل إنسان، وبناء جسور الأخوّة والسلام، والعمل من أجل وطن يتّسع للجميع.
وفي مجلس الكرادلة consistory بحضور البابا لاون الرابع عشر المنعقد بروما في 27 أيار 2026 شددت في مداخلتين على أهمية الحوار مع المسلمين حول قضايا السلام والعيش المشترك بعيدا عن الصراعات والحروب.
من أجل غدٍ أفضل للعراقيين
يحدونا أمل وطيد في الحكومة العراقية الجديدة، التي تشكّلت حديثًا، بأن تضع في أولوياتها خطة عملية وجادّة للمصالحة المجتمعية، واستراتيجية واضحة لبناء دولة ديمقراطية حقيقية تحتضن الجميع. دولة المواطنة والقانون والمساواة، وتوفير الخدمات، لكي يعيش العراقيون أحرارًا، متمتّعين بالكرامة والعدالة الاجتماعية.
هذا المشروع يتطلب عددًا من الخطوات العملية:
1. تبنّي دستور مدني حديث يفصل الدين عن الدولة، وليس صحيحًا أن النظام المدني هو ضد الدين؛ بل على العكس، يمكن للدولة المدنية أن تحمي الدين من التسييس والتشويه. دستور يضمن المساواة والحقوق والواجبات لجميع العراقيين، ويواكب تطورات الدولة الحديثة.
إن مفهوم "المكوّنات" لا يؤسس لدولة المواطنة الشاملة والمساواة. ويجب أن ينظر العراقيون إلى بعضهم بعضًا بوصفهم عراقيين أولًا، لا باعتبارهم مسيحيين أو مسلمين أو منتمين إلى أي مكوّن آخر. نحن المسيحيين لسنا أقلية دينية او قومية، نحن جزء اصيل من العراق.
2. ترسيخ مبادئ احترام الأديان وذلك من خلال تعزيز التواصل بين المرجعيات والمؤسسات الدينية، والتعاون الصادق من أجل بناء الثقة، والاعتماد على المعرفة الصحيحة والشاملة بدين الآخر، بعيدًا عن الصور النمطية والأفكار المسبقة.
3. تعزيز المشتركات الإنسانية والوطنية وذلك بإشاعة روح التسامح والمودّة، والتأكيد على المبادئ الدينية والإنسانية التي تدعو إلى احترام حق التعدّدية الدينية والفكرية، من خلال مبادرات شخصية وجماعية خصوصا المدارس والمساجد والكنائس ووسائل الاعلام للمساهمة في بناء مجتمع متماسك ومتآخٍ.
4. مراقبة الخطاب الديني ومكافحة التحريض. من المهم اعتماد آلية منتظمة وثابتة لمراقبة الخطاب الديني ومكافحة الاستعمال السلبي للدين، والاتفاق على مطالبة الدولة، من خلال الأطر القانونية، بتجريم الخطاب المحرّض على الكراهية والعنف.
5. إدراج تاريخ الأديان في المناهج الدراسية. ان إدراج موضوع تاريخ الأديان في مناهج المدارس العامة العراقية، يساعد الطلبة على فهم التنوع الديني والثقافي في العراق، والتعرّف إلى أديان الآخرين بصورة موضوعية، بعيدًا عن التعصب والصور النمطية.
إن الحوار المسيحي–الإسلامي ليس ترفًا فكريًا ولا مجرد لقاءات بروتوكولية، بل هو حاجة وطنية وإنسانية مصيرية، ومسار مستقبلنا المشترك. يجب أن نختار الحوار بدل الصراع، والمواطنة بدل المحاصصة، والاحترام بدل الكراهية.