موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٥ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦
البطريرك بيتسابالا: على كنيسة الأرض المقدسة أن تقف إلى جانب المتألمين
وأن تعطي صوتًا لمن حُرموا منه

أبونا :

 

دعا بطريرك القدس للاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، كنيسة الأرض المقدسة إلى تجديد رسالتها انطلاقًا من الإنجيل، والوقوف إلى جانب المتألمين والدفاع عن كرامة الإنسان، مشددًا على أهمية تعزيز الشركة الكنسية، والإصغاء إلى العائلات والشباب، وبناء العلاقات في أرض أثقلتها أعمال العنف والانقسامات.

 

جاء ذلك خلال ترؤسه القداس الإلهي بمناسبة عيد القديس فرنسيس والذكرى الـ800 لوفاته، في كنيسة دير المخلّص بمدينة القدس، بحضور ومشاركة العائلة الفرنسيسكانية، حيث وصف المناسبة بأنها "نعمة كبيرة للكنيسة في الأرض المقدسة"، معربًا عن امتنان كنيسة القدس لحراسة الأراضي المقدسة على إخلاصها وخدمتها.

 

واستهل البطريرك عظته بسؤال: "ما هي الصورة التي يتخذها الإنجيل اليوم في حياتنا الشخصية وفي مجتمعاتنا؟"، مستعيدًا ثقة المسيح بالآب حتى في لحظات الرفض وعدم الفهم، ومشيرًا إلى أهمية هذه الثقة بالنسبة للمؤمنين المدعوين إلى عيش إيمانهم "في أرض قد يطغى فيها التعب والألم وعدم اليقين على نظرتنا إلى الحياة".

 

 

التجديد يبدأ من الإنجيل

 

وتوقف البطريرك عند خبرة القديس فرنسيس الذي اختار أن يعيش "بحسب الإنجيل المقدس"، مؤكدًا أن "التجديد يبدأ عندما يعود الإنجيل إلى توجيه خياراتنا بالفعل". وأشار إلى أن كنيسة الأرض المقدسة، وفي مقدمتها حراسة الأراضي المقدسة، تصون إرثًا غنيًا من المقدسات والمؤسسات التعليمية والخيرية والتقاليد العريقة، إلا أن الحفاظ على هذا الإرث وحده لا يكفي، بل ينبغي السؤال باستمرار عما يساعد المؤمنين على لقاء الرب حقًا.

 

وقال إن العائلات والشباب والمؤمنين يحتاجون إلى التنشئة الروحية وإلى رعاة مستعدين للإصغاء إليهم، داعيًا إلى تقييم كيفية توظيف الطاقات والموارد الكنسية على أساس ما يثمره الإنجيل في حياة المؤمنين، وعدم الاتكال على "الاستراتيجيات البشرية التي غالبًا ما تتبين أنها قصيرة الأمد".

 

 

شركة تتجاوز الحدود والانقسامات

 

وتناول الكاردينال بيتسابالا واقع كنيسة الأرض المقدسة الممتدة في بلدان مختلفة، بلغاتها وتاريخها وخصوصياتها، لافتًا إلى أنه رغم قرب المسافات الجغرافية، فإن الحدود وقيود التنقل وثقل التاريخ تجعل اللقاء والتقارب أحيانًا أمرًا صعبًا.

 

وقال إن الشركة الكنسية لذلك "لا يمكن اعتبارها أمرًا مفروغًا منه، بل يجب أن نسعى إليها ونصونها بصبر"، داعيًا حراسة الأراضي المقدسة والرعايا والجماعات الدينية والحركات ومختلف المؤسسات الكنسية إلى تنسيق الطاقات والعمل معًا ودعم الأكثر ضعفًا، لأن التعاون يمنح إعلان الإنجيل مصداقية أكبر.

 

وأعرب عن امتنان كنيسة القدس لحراسة الأراضي المقدسة، متمنيًا أن تبقى الأخوّة الفرنسيسكانية، التي تجمع رهبانًا من مختلف أنحاء العالم، شهادة على الوحدة في الأرض المقدسة بأسرها.

 

 

عائلات تكافح وشباب يتساءلون عن مستقبلهم

 

وانطلاقًا من لقاء القديس فرنسيس بالبرص، أكد البطريرك أن طريق التجديد يمر أيضًا عبر الاقتراب من الأشخاص الذين يجري تجنبهم، ومن الفقراء والآلام التي قد لا يراها المجتمع.

 

وقال: "أفكر في العائلات التي تكافح من أجل البقاء في هذه الأرض، وكبار السن الذين غالبًا ما يكونون وحيدين، وفي العمال الذين لا يستطيعون تحمّل أعباء الحياة اليومية، وفي الشباب الذين ينظرون إلى المستقبل بقلق وعدم يقين، ويتساءلون إن كان لا يزال لهم مكان هنا".

 

وأكد أن الروحانية الفرنسيسكانية تدعو الكنيسة إلى الوقوف إلى جانب الناس وإلى جعل المسيح معروفًا من خلال حضور سخي ومنفتح على الجميع، مشيرًا إلى أن العلاقات مع الجيران اليهود والمسلمين تحتاج بدورها إلى هذه الحرية التي "تصون اللقاء من دون التخلي عن وضوح الإيمان".

 

 

علينا أن نعطي صوتًا لمن حُرموا منه

 

وفي حديثه عن الأوضاع التي تمر بها الأرض المقدسة، دعا بطريرك القدس للاتين إلى الصلاة من أجل جميع العائلات التي تعاني من أعمال العنف، ومن يبكون فقدان أحبائهم، ومن يعيشون الخوف من المستقبل.

 

وقال: "ككنيسة، علينا واجب أن نقف إلى جانب المتألمين، وأن ندافع عن كرامة الإنسان، وأن نعطي صوتًا لمن حُرموا منه"، محذرًا من الانتماءات والانقسامات التي تريد أن تحدد مسبقًا "أيّ الآلام تستحق أن يُصغى إليها".

 

وشدد على أن كلام الكنيسة العلني يجب أن ينبع من الإنجيل ومن قربها من الناس، وأن مصداقيته ترتبط بمساندة المحتاجين وتربية الشباب على اللقاء بالآخر ومواصلة بناء العلاقات حتى في الظروف التي تدفع إلى قطعها، مضيفًا: "هكذا يبدأ السلام في أن يتخذ شكلًا ملموسًا".

 

 

الشباب ومستقبل الأرض المقدسة

 

وأولى البطريرك أهمية خاصة للشباب، مؤكدًا أنهم بحاجة إلى أن يجدوا معنى لوجودهم في الأرض المقدسة، وأن ينضجوا في دعوتهم ويتحملوا المسؤولية. ودعا إلى الإصغاء إلى أسئلتهم وإفساح المجال أمام مواهبهم، قائلًا: "المستقبل يُعَدّ من خلال منح الثقة لمن لديه ما يقدّمه".

 

وفي ختام عظته، استحضر الكاردينال بيتسابالا خصوصية القدس، حيث الأماكن المقدسة المرتبطة بسر الفصح، مشيرًا إلى أن الجلجلة تعلّم المؤمنين مدى حب الله، فيما يشكل القبر الفارغ أساس الرجاء بأن الموت قد هُزم.

 

ودعا إلى ألا تبقى الذكرى الـ800 لوفاة القديس فرنسيس مجرد مناسبة احتفالية، بل أن تترك ثمرة ملموسة في حياة الجماعة والكنيسة، من خلال البحث عن الخطوات التي يطلبها الرب "لكي نعيش الإنجيل بأمانة أكبر ونخدم هذه الأرض بشكل أفضل"، طالبًا شفاعة القديس فرنسيس من أجل حراسة الأراضي المقدسة وكنيسة الأرض المقدسة وكل إنسان يعيش فيها.