موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
كل عام، وفي عيد القديسين الرسولين بطرس وبولس في 29 حزيران، تتجه أنظار الكنيسة الكاثوليكية إلى بازيليك القديس بطرس في الفاتيكان، حيث يمنح البابا رؤساء الأساقفة المتروبوليت الجدد «الباليوم»، وهو أحد أقدم الرموز الليتورجية في الكنيسة اللاتينية وأكثرها عمقًا من الناحية اللاهوتية والراعوية.
ولا يمثّل هذا الوشاح الأبيض مجرد لباس احتفالي، بل يختصر في رمزيته الشركة مع خليفة القديس بطرس، والمسؤولية الراعوية، ورسالة رئيس الأساقفة الذي يحمل شعب الله المقدّس على كتفيه، على مثال المسيح الراعي الصالح الذي يحمل الخروف الضال ويعيده إلى القطيع.
الباليوم (Pallium) هو وشاح ليتورجي أبيض يُرتدى فوق ثوب القداس، ويُنسج من صوف الحملان. يرتديه البابا في الاحتفالات الليتورجية التي يترأسها، بينما يرتديه رئيس الأساقفة المتروبوليت (أي رئيس أساقفة يتولى رعاية مقاطعة كنسية تضم عدة أبرشيات) داخل حدود مقاطعته فقط، تعبيرًا عن الشركة مع أسقف روما ومسؤوليته الرعوية.
ولا يُمنح الباليوم بوصفه رتبة جديدة أو امتيازًا شخصيًا، بل هو علامة على رسالة رعوية. فهو يذكّر رئيس الأساقفة بأن سلطته ليست سلطة حكم أو نفوذ، بل خدمة وبذل للذات، اقتداءً بالمسيح الذي قال عن نفسه: «أنا الراعي الصالح».
ويرتبط وضع الباليوم على الكتفين بمعنى عميق في التقليد المسيحي؛ فالكتف هو المكان الذي يحمل فيه الراعي الخروف، كما في صورة المسيح الراعي الصالح الذي يحمل الخروف الضال على كتفيه. لذلك يذكّر الباليوم رئيس الأساقفة بأنه مدعو إلى حمل شعبه، وآلامه وآماله، وضعفائه، لا إلى البحث عن مكانة أو امتياز.
لم يولد الباليوم داخل الكنيسة، بل تعود جذوره إلى الحضارتين اليونانية والرومانية، قبل أن تكتسب هذه القطعة البسيطة من القماش معنى جديدًا في الحياة الكنسية. فقد كان الإغريق يرتدون رداءً خارجيًا يُعرف باسم «الهيماتيون»، وهو قطعة قماش مستطيلة تُلف حول الجسد وتُستخدم للحماية من البرد أو للدلالة على المكانة الاجتماعية. وعندما انتقلت هذه العادة إلى الرومان، أصبح الرداء يُعرف باسم «باليوم»، وهي كلمة لاتينية تعني «العباءة» أو «الرداء الخارجي».
ومع مرور الزمن، لم يعد هذا الرداء مجرد لباس يومي، بل بدأ كبار المسؤولين في الإمبراطورية الرومانية، ولا سيما الأباطرة وكبار موظفي الدولة، يرتدون أوشحة مميزة علامةً على المنصب والسلطة. ومن هذا التقليد المدني، أخذت الكنيسة الفكرة، لكنها منحتها مضمونًا مختلفًا تمامًا.
في القرنين الرابع والخامس، كان عدد من الأساقفة يرتدون الباليوم بوصفه لباسًا ليتورجيًا مميزًا، لكن استعماله لم يكن محصورًا بعد بالبابا أو برؤساء الأساقفة. ثم شهد القرن السادس تطورًا مهمًا، إذ بدأ أسقف روما يمنح الباليوم لبعض رؤساء الأساقفة بوصفه علامة على الشرف والتمييز، ثم تطور لاحقًا ليصبح علامة على الشركة مع الكنيسة الرومانية وعلى المسؤولية الروحية التي يمارسونها باسم الكنيسة الجامعة. وهكذا، لم يعد الباليوم مجرد ثوب، بل أصبح عطية يمنحها البابا نفسه.
وشكّل القرن التاسع محطة مفصلية في تاريخ الباليوم، إذ أصبح من الثابت في التقليد الكنسي أن رئيس الأساقفة المتروبوليت لا يبدأ ممارسة صلاحياته المتروبوليتية قبل أن يتسلّم الباليوم من البابا. ومنذ ذلك الحين، لم يعد الباليوم مجرد علامة تكريم، بل أصبح مرتبطًا بالخدمة الكنسية التي يمارسها رئيس الأساقفة داخل مقاطعته. ولهذا السبب، يحرص رؤساء الأساقفة المتروبوليت الجدد، حتى يومنا هذا، على نيل الباليوم من يد الحبر الأعظم، في إعلان واضح عن أن خدمتهم تتم في شركة مع خليفة القديس بطرس.
لا يُمنح الباليوم إلا لفئات محددة في الكنيسة اللاتينية، وفي مقدمتها البابا ورؤساء الأساقفة المتروبوليت.
يرتدي البابا الباليوم بوصفه أسقف روما وخليفة القديس بطرس، لكن بخلاف رؤساء الأساقفة، لا يرتبط استخدامه بحدود جغرافية معينة، إذ يحق له ارتداؤه في أي مكان في العالم، لأنه يحمل مسؤولية رعاية الكنيسة الجامعة.
أما رؤساء الأساقفة المتروبوليت، فهم الفئة الأساسية التي تحصل على الباليوم. والمتروبوليت هو رئيس أساقفة يتولى رعاية مقاطعة كنسية محددة تضم عدة أبرشيات، ويرتبط بها عدد من الأساقفة ضمن التنظيم الكنسي.
ولا يعني ذلك أن المتروبوليت يحلّ محل أساقفة أبرشيته أو يديرها بدلًا منهم، بل لديه مسؤوليات محددة تتعلق بالحفاظ على الوحدة والتنسيق والرعاية داخل المقاطعة الكنسية. وكأن الباليوم يعلن رمزيًا: «أنا أحمل مسؤولية هذه الكنائس وهذه الجماعة».
ويُعد بطريرك القدس للاتين حالة خاصة، إذ يرتدي الباليوم بحكم تقليد وامتياز كنسي قديم مرتبط بمكانة كرسي أورشليم البطريركي. ويرتبط هذا التقليد بتاريخ طويل من العلاقة بين كرسي القدس والكنيسة الجامعة، حيث يحمل البطريرك مسؤولية رعوية خاصة في أرض حياة المسيح، التي تحتل مكانة فريدة في ذاكرة الكنيسة.
قد يبدو الباليوم للوهلة الأولى شارة كنسية تدل على المنصب، إلا أن معناه الأعمق يتجاوز ذلك بكثير؛ فهو علامة على الشركة والوحدة. فهو يربط رئيس الأساقفة المتروبوليت بالحبر الأعظم، خليفة القديس بطرس، ويعبّر عن وحدة الكنائس المحلية مع الكنيسة الجامعة.
ولهذا لا يستطيع أي رئيس أساقفة أن يصنع الباليوم بنفسه أو يحصل عليه من جهة أخرى، بل يمنحه البابا وحده بوصفه علامة منظورة على هذه الشركة الرسولية. كما يذكّر الباليوم بأن خدمة رئيس الأساقفة لا تُمارس بمعزل عن الكنيسة الجامعة، بل في وحدة مع كرسي روما، الذي يشكل، بحسب التقليد الكاثوليكي، علامة الوحدة المنظورة بين الكنائس.
لم يكن الباليوم دائمًا بالشكل المعروف اليوم.
فالصور والرسوم القديمة تُظهر أنه كان في البداية أوسع بكثير، وأقرب إلى الوشاح الطويل الذي يلتف حول الجسم. ثم بدأ يضيق تدريجيًا عبر القرون، حتى استقر على الشكل الحالي: حلقة بيضاء تحيط بالكتفين، يتدلّى منها شريط أمامي وآخر خلفي. وتغيّرت بعض تفاصيله مع الزمن، من عدد الصلبان وطريقة تثبيته إلى الزخارف المستخدمة فيه، لكن جوهره بقي ثابتًا: علامة الشركة مع خليفة القديس بطرس، ورمز الراعي الذي يحمل خرافه.
ويتكوّن الباليوم الحالي من شريط أبيض ضيق من الصوف، بعرض يقارب عدة سنتيمترات، يُوضع على الكتفين فوق ثوب القداس، ويتدلّى منه شريطان متساويا الطول، أحدهما من الأمام والآخر من الخلف. ويزيّنه ستة صلبان سوداء موزعة على الكتفين والشريطين. وتُثبَّت ثلاثة صلبان بدبابيس معدنية صغيرة، ترمز إلى المسامير الثلاثة التي سُمّر بها السيد المسيح على الصليب. أما نهايتا الشريطين فتُغطّيان بقطعة سوداء صغيرة تُشبه حافر الحمل، في إشارة إلى الخروف الذي يحمله الراعي الصالح على كتفيه.
وليس اختيار الصوف تفصيلًا جماليًا، بل يحمل دلالة لاهوتية عميقة، إذ يرمز إلى المسيح «حمل الله» الذي يرفع خطيئة العالم، وإلى الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن خرافه. ومن هنا، فإن رئيس الأساقفة المتروبوليت الذي يرتدي الباليوم يُذكَّر بأنه مدعو إلى حمل أثقال المؤمنين وآلامهم، لا إلى ممارسة السلطة عليهم.
شهد استخدام الباليوم في العصر الحديث بعض التعديلات في شكله وطريقة منحه، دون أن تتغير رمزيته الأساسية المرتبطة بالشركة والخدمة. فقد اعتمد البابا بندكتس السادس عشر، في بداية حبريته، تصميمًا مستوحًى من النماذج القديمة للباليوم، كان أطول وأعرض من الشكل التقليدي، قبل أن يعود لاحقًا إلى شكل أقرب إلى التقليد المعروف في الكنيسة.
أما البابا فرنسيس، فقد حافظ على الشكل التقليدي للباليوم، لكنه غيّر عام 2015 طريقة منحه. فبعد أن كان البابا يُلبس الباليوم بنفسه لرؤساء الأساقفة خلال القداس في روما، أصبح يباركه في الفاتيكان، بينما يتولى السفير البابوي إلباسه لرئيس الأساقفة في أبرشيته المحلية، لإبراز البعد الرعوي المحلي للعلاقة بين الراعي وشعبه.
وفي عام 2025، أعاد البابا لاون الرابع عشر العمل بالتقليد الذي أرساه القديس البابا يوحنا بولس الثاني، فعاد يمنح الباليوم بنفسه لرؤساء الأساقفة الجدد خلال الاحتفال في بازيليك القديس بطرس، في إشارة إلى الشركة المباشرة بين خليفة بطرس ورعاة الكنائس المحلية.
تبدأ رحلة الباليوم في 21 كانون الثاني من كل عام، وهو عيد القديسة أغنيس، إحدى أشهر شهيدات الكنيسة الأولى. ويرتبط هذا التقليد باسمها لأن كلمة أغنيس (Agnes) تتشابه في اللفظ مع الكلمة اللاتينية Agnus التي تعني «الحمل»، فأصبحت الحملان مرتبطة بهذه القديسة منذ القرون الأولى، كما ارتبطت بصورة المسيح «حمل الله» الذي يرفع خطيئة العالم.
وفي صباح عيدها، تُقدَّم حملان بيضاء صغيرة خلال رتبة خاصة في بازيليك القديسة أغنيس خارج الأسوار في روما، حيث تُبارك قبل أن تبدأ رحلة تحويل صوفها إلى الباليومات التي ستُمنح لاحقًا لرؤساء الأساقفة المتروبوليت الجدد.
بعد جزّ صوف الحملان، تتولى راهبات دير القديسة تشيتشيليا في حي تراستيفيري بروما تنظيف الصوف وغزله ونسجه يدويًا وفق تقليد حافظت عليه الكنيسة عبر أجيال طويلة. ولا يُنظر إلى هذه المهمة بوصفها عملًا حرفيًا فقط، بل كخدمة روحية أيضًا، إذ يُعدّ كل باليوم ثمرة عمل هادئ ترافقه الصلاة، قبل أن يصل إلى من سيحمله على كتفيه في خدمة الكنيسة.
بعد الانتهاء من نسج الباليومات، لا تُمنح مباشرة لرؤساء الأساقفة، بل تدخل في مسيرة رمزية تحمل معنى الشركة الرسولية. ففي عشية عيد القديسين بطرس وبولس، توضع الباليومات في صندوق خاص بالقرب من ضريح القديس بطرس الرسول تحت المذبح الرئيسي في بازيليك القديس بطرس بالفاتيكان. ويعبّر هذا التقليد عن أن كل خدمة أسقفية تنبع من إيمان الرسل، وتتجدد في الوحدة مع خليفة القديس بطرس.
وفي 29 حزيران، عيد القديسين بطرس وبولس، يحتفل البابا بالقداس الإلهي في بازيليك القديس بطرس، ويبارك الباليومات قبل أن يمنحها لرؤساء الأساقفة المتروبوليت الذين عُيّنوا خلال العام المنصرم. إنها مناسبة تعلن فيها الكنيسة، بصورة منظورة، وحدة الرعاة مع أسقف روما، وتذكّر بأن السلطة في الكنيسة لا تنفصل عن الشركة، ولا تُمارس إلا بروح الخدمة.
فالباليوم في النهاية ليس مجرد وشاح أبيض يرتديه الراعي فوق كتفيه، بل تذكير بما يحمله في قلبه: شعب الله، وآلامه، وضعفه، ورجاءه؛ تمامًا كما يحمل الراعي الصالح الخروف على كتفيه ويعيده إلى الحياة.