موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١٣ مارس / آذار ٢٠٢٦
البابا يدعو الكهنة الجدد إلى إحياء سرّ الاعتراف وتعزيز المصالحة في الكنيسة

أبونا :

 

استقبل البابا لاون الرابع عشر، صباح الجمعة، في القصر الرسولي في الفاتيكان، المشاركين في الدورة السادسة والثلاثين حول "الحياة الداخلية"، التي تنظمها محكمة التوبة الرسولية، موجّهًا إليهم كلمة شدّد فيها على أهمية سرّ المصالحة في حياة الكنيسة والكهنة.

 

ورحّب البابا بالمشاركين، ولا سيما الكهنة في بدايات خدمتهم الكهنوتية والمرشحين للسيامة، مشيرًا إلى أن هذه الدورة السنوية تشكّل محطة أساسية في تنشئتهم ليكونوا معرّفين في سرّ الاعتراف.

 

 

سرّ المصالحة عبر التاريخ

 

وأشار البابا إلى أن سرّ المصالحة شهد عبر التاريخ تطورًا ملحوظًا في فهمه اللاهوتي وفي طريقة الاحتفال به، موضحًا أن الكنيسة أدركت تدريجيًا معناه ووظيفته ووسّعت إمكانات الاحتفال به. لكنه لفت في الوقت نفسه إلى أن إمكانية تكرار هذا السر لا تقابلها دائمًا استجابة من المؤمنين، إذ يبقى "كنز رحمة الكنيسة غير مستخدم" لدى كثير من المسيحيين الذين يبتعدون لفترات طويلة عن سر الاعتراف بدل التقدّم إليه بإيمان بسيط وقلب منفتح لنيل مغفرة الله.

 

واستعاد البابا قرار مجمع اللاتران الرابع عام 1215 الذي أقرّ وجوب الاعتراف مرة واحدة على الأقل سنويًا، وهي قاعدة أكّدها أيضًا تعليم الكنيسة الكاثوليكية بعد المجمع الفاتيكاني الثاني. واستشهد بكلام القديس أوغسطينوس الذي قال إن من يعترف بخطاياه ويتوب عنها يكون في اتفاق مع الله، معتبرًا أن الاعتراف بالخطايا، خصوصًا في زمن الصوم، يعني الاتحاد بالله والسير في طريق المصالحة معه.

 

 

سرّ الاعتراف "مختبر للوحدة"

 

وأوضح البابا أن سرّ المصالحة يشكّل "مختبرًا للوحدة"، إذ يعيد أولًا الوحدة مع الله عبر مغفرة الخطايا ونيل النعمة، كما يعزز الوحدة الداخلية للإنسان ووحدته مع الكنيسة، الأمر الذي ينعكس بدوره سلامًا ووحدة داخل العائلة البشرية. وفي هذا السياق طرح تساؤلًا حول ما إذا كان الأشخاص الذين يتحملون مسؤوليات كبيرة في النزاعات المسلحة يملكون الشجاعة لإجراء فحص ضمير صادق والتقدم إلى سرّ الاعتراف.

 

وأشار البابا إلى أن الخطيئة لا تلغي تبعية الإنسان الوجودية لله الخالق، لأن الإنسان يبقى دائم الاعتماد عليه، لكنها تكسر الوحدة الروحية معه من خلال الابتعاد عنه. وأوضح أن هذه الإمكانية مرتبطة بحرية الإنسان التي منحها الله للبشر، مؤكدًا أن إنكار قدرة الخطيئة على كسر هذه العلاقة يعني في الواقع إنكار كرامة الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله.

 

 

رسالة الكهنة في المصالحة

 

ووجّه البابا حديثه إلى الكهنة الشباب والمرشحين للكهنوت، داعيًا إياهم إلى إدراك عظمة المهمة التي أوكلها إليهم المسيح من خلال الكنيسة، وهي إعادة بناء الوحدة بين الإنسان والله عبر سر المصالحة. وأشار إلى أن حياة الكاهن يمكن أن تتحقق بملئها من خلال ممارسة هذا السر بأمانة، مستذكرًا أمثلة قديسين اشتهروا بخدمتهم في كرسي الاعتراف مثل القديس يوحنا ماري فياني والقديس ليوبولد مانديتش والقديس بيو البيترلتشيني والطوباوي ميخال سوبوتشكو.

 

 

الكنيسة بيت للرحمة

 

وأوضح البابا أن موضوع الدورة لهذا العام، "الكنيسة مدعوة لتكون بيتًا للرحمة"، لا يمكن فهمه من دون الانطلاق من المسيح القائم من بين الأموات. وأضاف أن الكنيسة تستقبل الأشخاص كبيت للرحمة لأنها أولًا تستقبل الرب نفسه في كلمة الله وفي نعمة الأسرار، مشيرًا إلى أن الكنيسة تُبنى وتتجدّد كلما تصالح المؤمنون مع الله من خلال سر الاعتراف.

 

 

المصالحة طريق إلى السلام

 

وأكد البابا أن الوحدة مع الله ومع الكنيسة تشكل شرطًا أساسيًا للوحدة الداخلية للإنسان، وهي حاجة ملحّة في عالم يتسم بالتشتت. وأضاف أن الشخص المتصالح مع الله يستطيع أن يصبح صانع سلام في حياته اليومية، مستشهدًا بكلمات القديس فرنسيس الأسيزي: "يا رب، اجعلني أداة لسلامك".

 

وفي ختام كلمته دعا البابا الكهنة إلى عدم التوقف عن الاقتراب من سر الغفران، لكي يكونوا أول من ينال رحمة الله التي سيخدمونها في حياتهم الكهنوتية. كما أوكل مسيرتهم إلى شفاعة مريم العذراء، أم الرحمة، مانحًا الحاضرين بركته الرسولية على التزامهم وخدمتهم في الكنيسة.