موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أكد البابا لاون الرابع عشر أن تزايد أعداد البالغين الذين يكتشفون الإنجيل ويطلبون أسرار التنشئة المسيحية في فرنسا يشكّل «علامة ملموسة على عمل نعمة الله»، تتجاوز التحليلات الإحصائية والاجتماعية، داعيًا الكنيسة إلى استقبال المؤمنين الجدد ومرافقتهم وإدماجهم في حياة الجماعات الكنسية، وعدم تركهم وحدهم بعد نيل سر المعمودية.
جاء ذلك خلال لقائه، اليوم السبت، أعضاء الجمعية السينودسية لإقليم باريس الكنسي، والموعوظين والمعمّدين حديثًا، في المعهد الكاثوليكي بباريس، ضمن اليوم الثاني من زيارته الرسولية إلى فرنسا. وأعرب البابا عن تأثره بتزايد أعداد الأشخاص الذين يعودون إلى عتبة الإيمان، والبالغين الذين يطلبون أسرار التنشئة المسيحية، شاكرًا المشاركين الذين قدّموا شهاداتهم خلال اللقاء.
وأشار البابا إلى المفارقة التي يشكّلها تجدد الإيمان في مجتمع فرنسي يتسم بالعلمنة العميقة، مؤكدًا أن عودة كثيرين إلى اكتشاف الإنجيل واعتناق الإيمان تكشف عن عمل النعمة الإلهية الذي لا يمكن حصره في الإحصاءات والتحليلات الاجتماعية.
وحذّر من المواقف الانهزامية وما كان البابا فرنسيس يسميه «التشاؤم العقيم»، كما نبّه إلى خطر الاكتفاء بالنتائج والشعور بالرضا عن الذات. ودعا الكنيسة إلى حماية «الشعلة الصغيرة التي أشعلها الروح القدس في ظلام الليل»، ورعاية «البذرة الصغيرة التي تسعى إلى النمو حتى وسط الأشواك».
وشدّد على ضرورة ترجمة هذه العلامات إلى مبادرات رعوية ملموسة، والتساؤل باستمرار عن الاتجاه الذي يقود إليه الروح القدس الكنيسة في مرافقتها للموعوظين والمعمّدين حديثًا والأشخاص الذين يبدأون مسيرتهم الإيمانية من جديد.
ودعا البابا الكنيسة في فرنسا إلى أن تصبح «كنيسة في حالة تنشئة»، مستعيدًا تعبيرًا سبق أن استخدمه الأساقفة الفرنسيون، بحيث لا تقتصر مهمتها على إعداد الأشخاص لنيل الأسرار، بل تواصل مرافقتهم طوال مسيرتهم الإيمانية.
وأشار إلى الخبرة الرعوية الطويلة التي تتمتع بها الكنيسة الفرنسية في مجال التنشئة المسيحية، ولا سيما التطورات التي شهدتها عقب الحرب العالمية الثانية، وتجديد مسيرة الموعوظين المرتبط بالمجمع الفاتيكاني الثاني.
وأكد أن التنشئة المسيحية لا تنتهي بنيل الأسرار، بل تتطلب مرافقة ثابتة تحترم التاريخ الشخصي والخبرة الروحية لكل إنسان، وتساعده على الاندماج الكامل في حياة الكنيسة.
واستحضر في هذا السياق تساؤلًا طرحته إحدى المعمّدات حديثًا حول كيفية تجنّب الشعور بـ«الفراغ بعد المعمودية»، مشددًا على أهمية استقبال المؤمنين الجدد في الرعايا وجماعات الصلاة، وتوفير تنشئة متكاملة تشمل الكتاب المقدس واللاهوت والعقيدة والأخلاق المسيحية.
وتوقف البابا عند الدور الأساسي لليتورجيا في مسيرة التنشئة المسيحية، موضحًا أنها ليست مجرد مرحلة تأتي بعد التعليم المسيحي لتطبيق ما تعلّمه المؤمنون، بل هي في ذاتها وسيلة لاكتشاف الإنجيل والحياة الإلهية. وأشار إلى أن الليتورجيا تجعل السر الفصحي للمسيح حاضرًا، وأن إيقاعها ولغتها وطقوسها تشكّل جزءًا أساسيًا من مسيرة التوبة والاستعداد لنيل الأسرار.
وشدد البابا على أهمية إعداد الأشخاص الذين يتولون مرافقة المؤمنين الجدد، بمن فيهم العرّابون والعرّابات والعاملون في الخدمة الرعوية، من خلال تنشئة كتابية ولاهوتية وليتورجية وروحية متينة، إلى جانب تنمية الصفات الإنسانية اللازمة للإصغاء والمرافقة.
وأوضح أن الأشخاص الذين يقتربون من الكنيسة يسلكون مسارات مختلفة؛ فمنهم من تحرّكه الرغبة الروحية والبحث عن معنى الحياة، ومنهم من يحمل تجارب الوحدة والمعاناة والجراح العميقة.
ولذلك، دعا إلى اعتماد أسلوب رعوي يقوم على «القرب والشفقة والحنان»، ويحترم وتيرة نمو كل شخص، مع تحقيق توازن حكيم بين الاستقبال والإصغاء من جهة، وتشجيعه على الالتزام بمتطلبات الحياة المسيحية من جهة أخرى.
وأكد أن المرافقة الحقيقية تعني اعتماد أسلوب «السير معًا»، بحيث يتبادل الكهنة والعلمانيون والعرّابون والموعوظون والمسؤولون الرعويون والمعمّدون حديثًا الخبرات والعطايا، ويسهم كل منهم في نمو الآخرين.
وفي حديثه عن الثمار المستقبلية للإيمان، استشهد البابا بالقديس أغسطينوس، الذي تعرّف إلى الإيمان على يد القديس أمبروسيوس، مشيرًا إلى أن إيمانه كان عند معموديته أشبه ببذرة صغيرة، لكنها نمت حتى أصبحت شجرة عظيمة لا تزال أغصانها تمنح المسيحيين الملجأ والتعزية.
وتوجّه إلى الموعوظين والمعمّدين حديثًا، مؤكدًا أنه يرى فيهم ليس فقط ثمرة عمل الروح القدس، بل أيضًا وعدًا بخصوبة الكنيسة المستقبلية في فرنسا، داعيًا إياهم إلى أن يصبحوا بدورهم مرسلين يحملون الإنجيل إلى المجتمع.
وفي ختام كلمته، استحضر البابا شهادة قديسي فرنسا، ولا سيما القديسة تريزيا الطفل يسوع والقديس مارتينوس التوري. وأشار إلى أن «الطريق الصغير» للقديسة تريزيا يعلّم المؤمنين أن الثقة تفتح أبواب النعمة، فيما يجسّد القديس مارتينوس المشاركة والمحبة الأخوية.
ودعا الحاضرين إلى الاقتداء بهؤلاء القديسين، مؤكدًا أن الرسالة المسيحية تُبنى قبل كل شيء من خلال الأمانة لحضور الرب في الحياة اليومية، وحثّهم على استقبال بعضهم بعضًا وتشكيل شعب الكنيسة الحي في فرنسا، القادر على نقل الإيمان إلى الأجيال المقبلة.