موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
دعا قداسة البابا لاون الرابع عشر المسيحيين إلى تجديد التزامهم بالعناية بالخليقة، مؤكدًا أنه «لم يفت الأوان بعد» لتغيير المسار وتحويل ما استُخدم للدمار إلى ما يخدم الحياة والفقراء والجياع ويحمي «البيت المشترك».
جاء ذلك خلال ترؤسه، مساء الثلاثاء 1 أيلول، القداس الإلهي بمناسبة اليوم العالمي للصلاة من أجل العناية بالخليقة، في حديقة العذراء بقرية «كن مسبّحًا»(Borgo Laudato Si’) داخل الحدائق البابوية في كاستل غاندولفو، بالتزامن مع انطلاق «زمن الخليقة»، الذي يمتد خمسة أسابيع ويُخصص للصلاة والعمل من أجل العناية بالخليقة.
وفي عظته، انطلق البابا من القراءات الكتابية التي تدعو إلى التأمل في أعمال الرب، مشيرًا إلى أن جمال الحدائق المحيطة بالمحتفلين يشكّل مكانًا مناسبًا بصورة خاصة لهذا التأمل. وقال إن سفر الحكمة يدعو الإنسان إلى التأمل في جمال الخليقة وقوتها لكي يتعرف من خلالها إلى خالقها.
وأضاف: «سيكون من السطحي أن نُعجب بالنار والريح والمياه المتدفقة أو نجوم السماء، من دون أن نسمح لأنظارنا بأن ترتفع نحو خالق هذه العجائب». وأشار إلى أن المزمور يدعو الإنسان إلى رفع عينيه نحو السماوات التي تحدّث بمجد الله، مؤكدًا أن الخليقة كلها تتحدث عن عظمة خالقها، إذا بقيت عيون الإنسان وقلبه منفتحين على هذا السر العظيم.
وتوقف البابا عند إنجيل متى، مشيرًا إلى أن التأمل في طيور السماء وزنابق الحقل يكشف عناية الله الخاصة بالإنسان. فإذا كان الرب يمنح النباتات والحيوانات كل هذا الجمال ويوفر احتياجاتها، تساءل البابا، فكم بالأحرى ستكون عنايته بأبنائه وبناته الأحباء؟
ومع بداية «زمن الخليقة»، دعا لاون الرابع عشر المؤمنين إلى تخصيص بعض الوقت بعيدًا عن صخب الحياة اليومية، لاكتشاف التناغم العميق الذي يشكل الإنسان نفسه جزءًا منه. وقال: «لنضع على "الوضع الصامت" الضوضاء الكثيرة التي يولدها النشاط البشري، لكي نستطيع سماع صوت الخليقة العذب، الذي يحدثنا من خلاله الله، خالق كل شيء».
وأوضح أن هذا التأمل لا يقتصر على الإعجاب بجمال الطبيعة، بل يهيئ الإنسان للقاء الرب، ويشكل الخطوة الأولى نحو «ارتداد بيئي أصيل»، تظهر فيه ثمار اللقاء بيسوع المسيح في علاقة الإنسان بالعالم المحيط به.
وأكد البابا أن التأمل في الخليقة واللقاء بخالقها يقودان الإنسان إلى إدراك مكانه الخاص في تدبير الله الرائع، وإلى الوعي بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، شخصيًا وجماعيًا، للحفاظ على التناغم الأصلي للخليقة. وأضاف أنه عندما يصبح الإنسان واعيًا لنواقصه وإخفاقاته، يستطيع أن يجدد التزامه بإعادة العلاقات بين جميع المخلوقات إلى ما أراده الخالق لها.
ومن هنا انتقل الأب الأقدس إلى أحد المحاور الأساسية لليوم العالمي للصلاة من أجل العناية بالخليقة، مستعيدًا النداء النبوي إلى «تحويل السيوف إلى محاريث»، أي تحويل أدوات الأذى والدمار إلى وسائل تخدم الحياة.
وقال: «لم يفت الأوان بعد»، داعيًا إلى ارتداد عميق قادر على تغيير الطريقة التي يستخدم بها الإنسان موارده وقدراته. وأضاف: «ما استُخدم للدمار يمكن إعادة توجيهه نحو الحياة، نحو العناية بالفقراء، وإطعام الجياع، وحماية الخليقة». وبذلك ربط البابا العناية بالبيئة مباشرة بالعدالة الاجتماعية والأخوّة، مؤكدًا أن حماية الخليقة لا يمكن فصلها عن الاهتمام بالإنسان، ولا سيما بالفقراء والأكثر ضعفًا.
وأشار البابا إلى أن «زمن الخليقة»، الذي بدأ في الأول من أيلول، سيُختتم في 4 تشرين الأول، بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى المئوية الثامنة لانتقال القديس فرنسيس الأسيزي. وذكّر بأن البابا فرنسيس استلهم بصورة خاصة من قديس أسيزي عند كتابة الرسالة العامة «كن مسبّحًا»، وكذلك في إنشاء قرية «كن مسبّحًا» التي احتضنت القداس.
ودعا لاون الرابع عشر المؤمنين إلى الاتحاد روحيًا مع «فقير أسيزي»، مستعيدًا نشيد المخلوقات الذي يسبّح فيه القديس فرنسيس الله من خلال الشمس والقمر والنجوم والريح والماء والنار والأرض. واختتم البابا عظته بالقول: «مع القديس فرنسيس، لنجدد التزامنا بعيش وتعزيز تلك الأخوّة الشاملة المرتبطة ارتباطًا لا ينفصل بمهمة العناية بالخليقة».