موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
دعا البابا لاون الرابع عشر المدارس والجامعات الكاثوليكية إلى أن تكون، قبل كل شيء، "بيتًا" يشعر فيه الطلاب بأنهم معروفون ومرحب بهم، محذّرًا من ثقافة الأداء والنجاح التي تُخضع الشباب للمقارنة والتصنيف بصورة مستمرة، وتزرع في نفوس كثيرين منهم الخوف من الفشل والشعور بعدم الكفاءة.
جاء ذلك خلال استقباله، الخميس، المشاركين في المؤتمر الدولي حول العناية الرعوية المدرسية والجامعية، الذي تنظمه دائرة الثقافة والتربية، ويجمع نحو 1200 مشارك من 60 دولة، في قاعة بولس السادس بالفاتيكان. ويُختتم المؤتمر اليوم الجمعة، وسط اهتمام بتجديد رسالة المؤسسات التعليمية الكاثوليكية وتعزيز دورها في مرافقة الشباب إنسانيًا وروحيًا.
وأكد البابا أن العناية الرعوية في المدارس والجامعات مدعوّة إلى الاستجابة للتطلعات العميقة التي يحملها كل إنسان، ومرافقة الطلاب في مسيرتهم الإنسانية والمسيحية، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الشباب، رغم حماستهم وسخائهم وروح الخدمة لديهم، يواجهون صعوبات وجودية تتصل بالعائلات المجروحة، والوحدة الرقمية، والشعور بعدم الانتماء، والخوف من مستقبل يبدو مجهولًا.
ولفت إلى أن بعض الطلاب يسيرون في أروقة المؤسسات التعليمية والجامعات وهم يشعرون بأنهم مجهولون، مشددًا على أهمية أن تكون المدرسة أو الجامعة مكانًا يشعر فيه الشاب بأن هناك من ينتظره ويهتم بحضوره وغيابه. وقال إن إعلان الإنجيل يبدأ في كثير من الأحيان من طريقة الاستقبال، من خلال شخص ينظر إلى الطالب في عينيه، ويتذكر اسمه، وينتبه إلى غيابه، ويفرح بعودته.
وحذّر الحبر الأعظم من الضغوط التي يتعرض لها الشباب في مجتمع يربط قيمة الإنسان بالإنجاز والنجاح، موضحًا أن كثيرين باتوا يخشون ارتكاب الأخطاء، أو عدم الارتقاء إلى مستوى التوقعات، أو التعرض لسوء الفهم.
وأشار إلى أن ثقافة الأداء القائمة على المقارنة والتصنيف المستمرين قد تصبح قاسية على الأشخاص، وأن الفهم الخاطئ للاستحقاق والجدارة قد يؤدي إلى عدم احترام كرامتهم، حتى إن بعض الشباب يتخلّون عن المحاولة قبل أن يبدأوا.
وفي المقابل، دعا المربين والعاملين في المؤسسات الكاثوليكية إلى بناء علاقة ثقة مع الطلاب، ومساعدتهم على اكتشاف قدراتهم والمشاركة في بناء مجتمع أكثر عدالة وأخوّة. واستشهد بدعوة يسوع للرسل، موضحًا أنه لم يختر الاثني عشر لأنهم كانوا شجعانًا، بل دعاهم وجعلهم قادرين على الاستجابة بفضل ثقته بهم. وحثّ المربين على أن يرددوا للشباب كلمات التلاميذ إلى الأعمى برطيماوس: "ثِقْ، قُمْ، إِنَّه يَدْعوكَ!" (مر 10: 49).
وشدّد البابا على أن الرسالة الأساسية للمدارس والجامعات تتمثل في البحث المشترك عن الحقيقة، داعيًا إلى تنمية التفكير النقدي لدى الشباب، وتقدير أسئلتهم، وإظهار جمال اللقاء بالمسيح، والتكامل المثمر بين الإيمان والعقل ومختلف مجالات المعرفة.
وحذّر من الانجذاب إلى الرسائل التي تقلّل من أهمية التفكير الإنساني، مؤكدًا ضرورة منح العمليات التربوية الوقت الكافي للنمو والنضج والتمييز، بعيدًا عن الحلول السريعة والأحكام السطحية. كما دعا إلى الاهتمام بتربية القلب، موضحًا أن وراء المظاهر الدفاعية التي يتخذها بعض المراهقين لحماية أنفسهم من الألم، تكمن رغبة عميقة في أن يحبّوا وأن يكونوا محبوبين.
وأوضح أن التربية المسيحية مدعوّة إلى تنمية الرحمة والامتنان والتأثر بآلام الآخرين، إلى جانب الانفتاح على الله والصلاة. واعتبر أن خدمة الفقراء والعمل التطوعي والعناية بالخليقة ليست أنشطة إضافية أو هامشية، بل خبرات أساسية تساعد القلب على النمو والانفتاح على الآخرين، مؤكدًا أن المحبّة والصلاة لا تنفصلان.
وفي ختام كلمته، دعا البابا المشاركين إلى عدم الاكتفاء بتقديم إجابات جاهزة عن أسئلة الشباب، بل إلى السير معهم بصبر، حتى يكتشفوا المواهب التي وضعها الله في داخلهم. واستحضر في هذا السياق صورة المسيح القائم من الموت الذي رافق تلميذي عمّاوس، فأصغى إليهما وفسّر لهما الكتب المقدسة وألهب قلبيهما، قبل أن يتعرّفا إليه عند كسر الخبز.
واختتم البابا لاون الرابع عشر كلمته بالصلاة كي ينير الروح القدس خدمة العاملين في الرعاية المدرسية والجامعية ويسندهم، طالبًا مرافقة العذراء مريم، كرسي الحكمة، لهم في رسالتهم التربوية والروحية.