موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ستتركّز رحلة البابا لاون الرابع عشر المرتقبة إلى إسبانيا على تكريس «برج يسوع المسيح» في كنيسة ساغرادا فاميليا، الكنيسة الاستثنائية في برشلونة التي صمّمها المهندس العبقري في القرن التاسع عشر أنطوني غاودي، والذي تسير حاليًا دعوى تطويبه. ولعل هذا التكريس هو أبرز ما يُميّز أولى رحلات البابا لاون الأوروبية الكبرى في حبريته.
سيزور البابا إسبانيا بين 6 و12 حزيران للمشاركة في سلسلة من الأحداث الهامة. وللمرة الأولى في التاريخ، سيلقي البابا خطابًا أمام الكورتيس الإسباني، أي مجلس النواب ومجلس الشيوخ، في جلسة مشتركة. كما سيزور مركزين للاجئين في جزر الكناري، حيث تتجلّى معاناة اللاجئين بشكل ملموس. لكن قلب الزيارة وسببها الرئيسي يبقى مباركة البرج العظيم في ساغرادا فاميليا يوم 10 حزيران، والذي يصادف أيضًا الذكرى المئوية لوفاة غاودي.
ومن خلال زيارته إلى ساغرادا فاميليا، يفتتح لاون الرابع عشر سلسلة زيارات إلى ثلاث كنائس أوروبية كبرى. فقد أعلن أساقفة فرنسا بالفعل أن البابا يخطّط لزيارة البلاد التي تُعرف بـ«الابنة البكر للكنيسة»، مع محطات في باريس ولورد. ولم يُدرج الأساقفة الفرنسيون ضمن برنامج الزيارة محطة إلى ستراسبورغ لإلقاء كلمة أمام البرلمان الأوروبي، رغم الدعوات المتكرّرة التي وُجّهت إليه. وبحسب مصادر برلمانية مختلفة، فإن هذه الدعوة بالذات إلى ستراسبورغ كانت الدافع الذي جعل البابا يقرّر القيام برحلة أوسع إلى فرنسا. وقد أكّد الفاتيكان في 16 أيار أن البابا سيسافر إلى فرنسا.
عندما قام لاون الرابع عشر بأول رحلة أوروبية له إلى موناكو في وقت سابق من هذا العام، سافر بالمروحية، متجنّبًا المرور بالأراضي الفرنسية، وبالتالي متفاديًا عقد لقاء رسمي مع السلطات في باريس. وبالمثل، لم يكن بإمكانه القيام بزيارة إلى ستراسبورغ والبرلمان الأوروبي من دون زيارة الكاتدرائية، كما فعل البابا البابا فرنسيس عام 2014، حين دخل الأراضي الفرنسية من دون زيارة بقية البلاد، أو كما فعل عام 2024 عندما زار كورسيكا من دون المرور بعاصمتها، خلافًا لما جرت عليه العادة.
ومن المرجّح أن تشمل هذه الرحلة إلى فرنسا محطتين بالغتي الأهمية: الأولى زيارة كاتدرائية نوتردام في باريس، التي أعيد افتتاحها في 7 و8 كانون الأول 2024 بعد الحريق الذي اندلع فيها عام 2019، في احتفال مؤثر لم يحضره البابا فرنسيس، إذ كان قد عقد آخر كونسيستوار له في 7 كانون الأول.
ومن شبه المؤكد أيضًا أن لاون الرابع عشر سيزور كاتدرائية نوتردام أخرى، هي كاتدرائية ستراسبورغ. ففي عام 2014، احتفلت هذه الكاتدرائية القوطية، التي تُعد رمزًا لتلاقي أوروبا، بمرور ألف عام على تأسيسها، إلا أن البابا فرنسيس لم يشارك في هذه المناسبة، مفضّلًا التركيز على زيارته إلى البرلمان الأوروبي ومجلس أوروبا بدل زيارة هذا الموقع الديني.
وبذلك، يُرجَّح أن تُكمل ساغرادا فاميليا في برشلونة، إلى جانب نوتردام باريس ونوتردام ستراسبورغ، ثلاثية الزيارات الرسولية إلى أبرز المعالم الكاثوليكية في أوروبا.
إن كنيسة ساغرادا فاميليا في برشلونة، رغم أنها ليست كاتدرائية، تحمل ثقل الكاتدرائيات وهيبتها. وقد تعاقب على بنائها عدد من المهندسين بعد وفاة مصمّمها الأصلي البارع، كما حدث مع كثير من كاتدرائيات العصور الوسطى التي استمر بناؤها أجيالًا طويلة حتى نُسيت أسماء البنّائين الأوائل.
ومنذ وضع حجر الأساس عام 1882 وحتى اليوم، بقي تصميم غاودي على حاله. فقد عاش كراهب داخل المدينة، وابتكر مشروعًا ذا بُعد ليتورجي عميق.
شُيّدت ساغرادا فاميليا في وسط دير، وصُمّمت كمكان مقدّس داخل حديقة ترمز إلى الفردوس الأرضي، حيث يستطيع الله والإنسان أن يتحاورا وجهًا لوجه. لكن الدير ليس داخل الكنيسة، بل يحيط بها، وخارج هذا الدير يمتد «صحراء» حضرية.
وبالنسبة إلى غاودي، حتى مدينة برشلونة نفسها كانت صحراء. ومع تقدّمه في السن، أصبح بالفعل أشبه براهب يعيش في المدينة، متّخذًا لنفسه حياة بسيطة في منزل صغير قرب موقع البناء. لكنّه كان يُظهر يوميًا لمدينته، مع تقدّم أعمال البناء، أن الخليقة الجديدة قد بدأت بالفعل، وأن «الصحراء» بدأت تزهر.
ومجرّد رؤية الكنيسة من بعيد يمنح إحساسًا قويًا بالمقدّس، وهو ما كان يقصده غاودي تمامًا. وتُعد أبراج الأجراس أبرز معالمها الخارجية.
فهناك أربعة أبراج على كل من الواجهتين الجانبيتين، ومن المخطّط أن يبلغ العدد الإجمالي 18 برجًا: أربعة أخرى على الواجهة الرئيسية، وخمسة فوق نقطة التقاطع المركزية، أعلى برج بينها مخصّص للمسيح، فيما تُخصَّص الأبراج الأخرى للإنجيليين، إضافة إلى برج فوق الحنية مكرّس للعذراء مريم. وعلى كل برج نُقشت كلمتا «قدوس» و«هوشعنا في الأعالي»، وهما الكلمات التي تفتتح الصلاة الإفخارستية الكبرى، أي ليتورجيا الكنيسة الأرضية والسماوية التي تُحتفل بها في كل قداس.
كل تفصيل في ساغرادا فاميليا يحمل معنى. فالكنيسة موجّهة على محور شمالي-جنوبي، لكن لها واجهتين جانبيتين: شرقية مخصّصة للميلاد وغربية مخصّصة للآلام. وعند قراءة الواجهتين معًا، تظهر الكنيسة كأنها ممر عبور: فكما تعبر شمس المسيح ساغرادا فاميليا من الشرق إلى الغرب، من الميلاد إلى الموت الفدائي، تُدعى مدينة البشر -بدءًا من برشلونة الواقعة إلى الغرب من البازيليك- إلى سلوك الطريق المعاكس، أي من الموت إلى الولادة الجديدة.
من خلال اختياره زيارة هذه المواقع الدينية، يطرح السؤال نفسه: هل يوجّه البابا لاون الرابع عشر إشارة إلى الطريق الذي ينبغي أن تسلكه أوروبا المسيحية؟ ومن المرجّح أن يستند البابا إلى هذه الرمزية لرسم معالم رسالته إلى أوروبا. ومن ثمّ، عبر زيارته لكاتدرائيتي نوتردام في باريس وستراسبورغ، سيواصل تحديد رؤيته الأوروبية التي سبق أن عرضها في لقاءات مختلفة مع ممثلي المؤسسات والمجموعات البرلمانية الأوروبية.
وقد أشار مجلس مؤتمرات أساقفة أوروبا، الذي يضم رؤساء المجالس الأسقفية في الاتحاد الأوروبي، إلى أنّ «البابا لاون الرابع عشر، في السنة الأولى من حبريته، لم ينظر إلى أوروبا كمجرّد بناء مؤسساتي، بل وصفها بأنها كيان تاريخي يتحمّل مسؤولية عالمية، وجماعة شعوب مدعوّة إلى إعادة اكتشاف معنى دعوتها إلى السلام، والدفاع عن الكرامة الإنسانية، وتعزيز الحوار».
ومن هذا المنطلق، تبدو الرحلة البابوية إلى إسبانيا مليئة بالدلالات. فهي تتضمّن المشاركة في زياح عيد الجسد في مدريد، فيما سيلقي البابا خطابه أمام البرلمان الإسباني في 8 حزيران. وفي اليوم السابق، سيشارك في فعالية بعنوان «نسج الشبكات مع عوالم الثقافة والفن والرياضة».
لكن الرحلة إلى إسبانيا تحمل أيضًا تكريمًا لإرث البابا فرنسيس. فقد كان الحبر الراحل يخطّط لزيارة جزر الكناري، التي تضم مراكز لاستقبال المهاجرين، وربما كان ينوي إدراجها ضمن رحلة إلى بلده الأم الأرجنتين، وهي الرحلة التي لم تتحقّق أبدًا. وسيزور لاون الرابع عشر مركز استقبال المهاجرين في ميناء أرغينيغوين يوم 11 حزيران، كما سيلتقي بالمهاجرين في مركز لاس رايسيس يوم 12 حزيران.
وفي نهاية المطاف، تبرز هذه الرحلة بوصفها مثالًا واضحًا على الطريقة التي يرسم بها لاون الرابع عشر ملامح حبريته. فهو يدمج السمات الأساسية لإرث سلفه مع رؤيته الخاصة، ويُدخل تعديلات دقيقة على أسلوب رحلاته تعكس تركيزًا مختلفًا. غير أن ما يهمّ لاون الرابع عشر أكثر من أي شيء آخر هو أن تمرّ رسالته إلى أوروبا عبر تكريمه لإرث هذه الكنائس المقدّسة، بدءًا من مباركة البرج الضخم المكرّس ليسوع المسيح في ساغرادا فاميليا.