موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أكد البابا لاون الرابع عشر أن الله وحده قادر على إشباع عطش الإنسان العميق إلى المعنى والحقيقة والسعادة، محذّرًا من البحث عن الاكتمال في الخيرات المادية والملذات العابرة، وداعيًا المؤمنين إلى الارتواء من المسيح، ينبوع الماء الحي، ومشاركة عطية الإيمان مع الآخرين، وحمل الرجاء إلى حيث يسود الإحباط والجفاف الروحي.
جاء ذلك في عظته خلال القداس الإلهي الذي ترأسه، السبت 26 أيلول 2026، في ساحة الكونكورد بالعاصمة الفرنسية باريس، بمشاركة نحو 700 ألف مؤمن، بحسب الأرقام الرسمية التي أوردتها إذاعة الفاتيكان. وعبّر البابا عن شكره لله على نعمة وجوده وسط هذه الحشود، راجيًا أن تسهم زيارته في تعزيز إيمان المؤمنين وتشجيعهم على نقل حياة المسيح وسلامه ومحبته.
انطلق البابا من كلمات المسيح في إنجيل يوحنا: «إِن عَطِشَ أَحَدٌ فليُقْبِلْ إِلَيَّ»، موضحًا أن يسوع المسيح، من خلال تجسّده، يلتقي بكل إنسان في مسيرته التاريخية، ويكشف له عن ذاته بوصفه الينبوع الحقيقي للماء الحي، القادر على إرواء عطشه إلى المعنى والحق والكمال.
ودعا المؤمنين إلى التأمل في رغباتهم العميقة، متسائلًا: «ما هو عطشنا العميق؟ ماذا نطلب حقًّا في الحياة؟»، ومحذّرًا من الاعتقاد بأن تحقيق الطموحات أو امتلاك المزيد من الأشياء أو البحث المستمر عن المتعة يستطيع أن يمنح الإنسان السعادة الكاملة.
وقال: «إنّ الإنسان، في جوهره، كائن ”يشتاق“، والله وحده قادر على أن يملأ هذا الفراغ وهذا الاشتياق». وأوضح أن الإنسان قد يشعر بعودة الفراغ الداخلي حتى بعدما يعتقد أنه حقق أهدافه ونال مكافأة جهوده، لأن قلبه يحمل توقًا أعمق لا تستطيع الأمور المادية أو الملذات العابرة إشباعه.
وتوقف البابا لاون الرابع عشر عند صورة المسيح الراعي الصالح، الذي يعرف كل إنسان باسمه، ويدرك أسرار قلبه ونواياه وضعفه، ويحمل الخراف المتعبة والجريحة على كتفيه، ويستعيد بلطف تلك التي ضلّت الطريق.
وأكد أن المسيح يكشف محبة الله غير المشروطة لكل إنسان، قائلًا: «ففي عينيه، لا أحد منّا مجرد رقم في بطاقة هوية، ولا أحد رمز للتعريف، بل هو إنسان، إنسان فريد لا غنى عنه». وأشار إلى أن الحياة البشرية، رغم هشاشتها وضعفها وحقيقة الموت، تبقى رائعة وقادرة على التجدد والانفتاح على المحبة الحقيقية، عندما يعيش الإنسان في الحق تحت نظر المسيح.
وتوجّه البابا إلى المؤمنين المجتمعين في باريس، بوصفهم ورثة تاريخ مسيحي طويل في فرنسا، داعيًا إياهم إلى الارتواء من قلب المسيح، واكتشاف جذورهم الإيمانية من جديد، والمساهمة في بناء مجتمع متجدد يقوم على الإيمان والسلام والشركة.
وقال: «لا تحتفظوا بإيمانكم بيسوع المسيح لأنفسكم فقط، بل دعوه يفيض منكم ليروي عطش كلّ الذين تلتقون بهم ويملأهم». وشدّد على المسؤولية التي يحملها المسيحيون تجاه مجتمعهم، مؤكدًا: «تقع على عاتقكم مسؤوليّة حمل الرجاء إلى حيث يسود الإحباط والجفاف الروحيّ».
واستشهد الأب الأقدس بتعليم أوريجانس، موضحًا أن المؤمنين، عندما يرتوون من الينبوع الذي هو قلب المسيح، يصبحون بدورهم آبارًا وينابيع وأنهارًا للآخرين، وينقلون الحياة التي يتلقونها من المسيح إلى إخوتهم وأخواتهم.
واستحضر البابا تاريخ القداسة في فرنسا، مشيرًا إلى الشهداء الأوائل، ومن بينهم بلاندينا وبوتينوس وإيريناوس، وإلى عدد من القديسين والقديسات الذين كرّسوا حياتهم لخدمة الآخرين، مثل مارتين وفرنسوا دي سالِس ومنصور دي بول وفريديريك أوزانام ويوحنّة يوغان.
وأكد أن ماء الروح القدس الحي لا يزال يأتي بثماره في الكنيسة، من خلال المرسلين والشهود الذين يكرّسون حياتهم لخدمة الله والآخرين، وكذلك من خلال الأشخاص الذين يعملون اليوم في الرعايا والمؤسسات والمبادرات الرعوية من أجل الحياة والعائلة والسلام والأخوّة والعدل. ومن قلب العاصمة الفرنسية، رفع البابا صلاته قائلًا: «من هذه المدينة الجميلة، باريس، أصلّي بحرارة لكي ينتشر ماء الرّوح القدس الحي في كلّ فرنسا».
وخصّ البابا العائلات برسالة شكر وتشجيع، مشيدًا بثباتها وشجاعتها في أداء رسالتها رغم الصعوبات اليومية، ومعربًا عن امتنانه لكل الخير الذي يتحقق من خلالها.
كما توجّه إلى الشباب والشابات، مؤكدًا أهمية حضورهم الفاعل في حياة الجماعات المسيحية، وقال لهم: «أنتم كنيسة اليوم! ما أجمل أن نرى حماسكم، وحيويّتكم، والتزامكم، والفرح الذي تحملونه إلى الجماعات المسيحيّة».
ودعا الموعوظين والمهتدين الجدد إلى مواصلة مسيرتهم في الإيمان والتوبة والتنشئة المسيحية، راجيًا أن تجعل منهم عطية الروح القدس شهودًا مستعدين لنشر حضارة المحبة من حولهم. واختتم البابا عظته بالتوجّه إلى العذراء مريم، طالبًا شفاعتها لكي تتفجّر ينابيع الماء الحي في قلب شعب الله، وتزهر في مختلف أنحاء فرنسا براعم الإيمان والرجاء والمحبة.