موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
عدل وسلام
نشر الخميس، ٦ أغسطس / آب ٢٠٢٦
أكثر من 270 كاهنًا مع أسقفهم قُتلوا خلال ثلاثة أشهر فقط: هكذا وقعت مجزرة لاردة
في الذكرى التسعين لاستشهاد الطوباوي سالفيو هويكس ميرالبيكس، نستعيد واحدة من أعنف المجازر التي استهدفت الكنيسة خلال الحرب الأهلية الإسبانية، وأودت بحياة 270 كاهنًا في أبرشية لاردة خلال أقل من مئة يوم.

أبونا :

 

كانت حملة إبادة حقيقية استهدفت القضاء على جميع كهنة أبرشية لاردة (ليريدا) الكتالونية. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية، قُتل 270 كاهنًا في الأبرشية خلال أقل من مئة يوم، أي بمعدل يقارب ثلاثة كهنة يوميًا. وإلى جانبهم استشهد أسقفهم، المطران سالفيو هويكس ميرالبيكس، الذي قُتل في 5 آب 1936 على أيدي الميليشيات بدافع الكراهية للإيمان.

 

وخلال الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939)، قُتل آلاف الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات والعلمانيين الكاثوليك على أيدي ميليشيات منضوية في المعسكر الجمهوري، ضمّت جماعات أناركية وشيوعية ويسارية متطرفة. وقد اعترفت الكنيسة باستشهاد عدد كبير منهم، وأعلنت المطران سالفيو هويكس ميرالبيكس طوباويًا عام 2013، ضمن مجموعة من شهداء الحرب.

 

 

ذاكرة شكّلت أجيالًا من الكهنة

 

وقال الكاهن من لاردة، خوان رامون إزكيرا، خلال محاضرة ألقاها في الدورة الخامسة لأيام الشهداء التي عُقدت في مدينة بارباسترو (مقاطعة هويسكا) في تشرين الأول 2017: «عندما دخل أبناء جيلي إلى الإكليريكية عام 1947، لم يكن قد مضى سوى أحد عشر عامًا على استشهاد المطران سالفيو هويكس ميرالبيكس».

 

وأضاف: «أستطيع أن أقول إننا عشنا سنوات التنشئة كلها في ظل الذكرى الدائمة والمؤثرة لـ270 كاهنًا من لاردة، الذين استشهدوا مع أسقفهم خلال ثلاثة أشهر فقط». وتابع: «لقد انطبعت هذه الأرقام في ذاكرتنا، وأصبح عددهم، ومعه مثال هؤلاء الشهداء، بوصلة رافقتنا طوال سنوات الدراسة».

 

 

أسقف لم يمضِ على خدمته سوى عام

 

لم يكن المطران هويكس قد أمضى سوى ما يزيد قليلًا على عام واحد راعيًا لأبرشية لاردة عندما اندلعت الحرب الأهلية. إلا أن هذه الفترة القصيرة كانت كافية ليُظهر حماسه الرسولي وشغفه بالبشارة. وقال الأب إزكيرا: «كان الكهنة يحبونه، لأنهم شعروا بمحبة عميقة منه». وأضاف: «في وقت قصير أحدث ثورة حقيقية في الأبرشية».

 

وأوضح أن استشهاده حال دون تحقيق أحد أكبر أحلامه، وهو إنشاء مأوى ومطعم للفقراء والمشرّدين. كما باشر الأسقف منذ وصوله إلى الأبرشية زياراته الرعوية، مبتدئًا بالمناطق الجبلية النائية، لأنه كان يرى أن الرعايا الأبعد عن مركز الأبرشية هي الأولى بالرعاية والزيارة.

 

 

قُتلوا حتى وهم مرضى في أسرّتهم

 

لكن الحرب الأهلية وضعت حدًا لكل تلك المشاريع.

 

واستضافت إحدى العائلات الأسقف لبعض الأيام، غير أنه قرر مغادرة مخبئه حتى لا يعرّضها للخطر، وليشارك مصير كهنته الذين كانوا يُقتلون الواحد تلو الآخر، في الشوارع، وفي منازلهم، بل وحتى على أسرّتهم وهم مرضى.

 

وسلّم الأسقف نفسه إلى مقر الحرس المدني. ويروي الأب إزكيرا: «كادوا يقتلونه في المكان نفسه». ثم أُلقي القبض عليه وأودع سجن لاردة، حيث استقبله الكهنة والعلمانيون المسجونون بحزن، ولكن أيضًا بعزاء كبير، لأن أباهم وراعيهم أصبح بينهم.

 

وأضاف: «كانت خمسة عشر يومًا مكثفة من الصلاة والتواضع، وكان يرفض أن يُعفى من أبسط الأعمال والخدمات. كانت أيامًا أشبه بسراديب الكنيسة الأولى، وأيام رياضة روحية استعدادًا للساعة العظمى، ساعة بذل الحياة ومغفرة الجلادين».

 

 

طلب أن يكون آخر من يُعدم

 

وفي 5 آب 1936، نُقل الأسقف مع 20 سجينًا آخر إلى مقبرة المدينة.

 

ويروي الأب إزكيرا: «كانوا يُعدمون واحدًا تلو الآخر. وطلب الأسقف أن يكون آخر من يُقتل، حتى يتمكن من مباركة الجميع ومنحهم الحلّة». وأضاف أن أحد أفراد الميليشيا أطلق النار على يده اليمنى ليمنعه من مواصلة البركة.

 

«لكن ذلك لم يوقفه، فرفع يده اليسرى ليواصل مباركة رفاقه، حتى سقط هو أيضًا مضرجًا بدمائه». وكان الأسقف يبلغ من العمر 58 عامًا عندما ختم حياته شاهدًا للمسيح، بعد أن اختار أن يشارك كهنته مصيرهم حتى النهاية.