موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١٧ فبراير / شباط ٢٠٢٦
أسيزي تستعد لعرض رفات القديس فرنسيس أمام المؤمنين بعد 800 عام على وفاته

أبونا :

 

ابتداءً من يوم الأحد 22 شباط ولغاية 22 آذار، سيتمكّن الحجاج، وللمرة الأولى، من الصلاة، في الكنيسة السفلى من بازيليك القديس فرنسيس الأسيزي، أمام رفات القديس، وذلك تزامنًا مع حلول الذكرى الـ800 لوفاته في عام 2026. في زمن يتّسم بعدم اليقين، والتوترات الاجتماعية، والبحث المتزايد عن المعنى، يتجاوز عرض الرفات حدود التعبّد.

 

فبالنسبة إلى الكنيسة الكاثوليكية، يشكّل هذا الحدث دعوة روحية قوية، كما يمثّل للمؤمنين فرصة للقاء ملموس مع الذاكرة الحيّة لأحد أكثر القديسين محبةً وعالمية. وفي مدينة أسيزي، يجدد عرض الرفات رباطًا عميقًا بين التاريخ والإيمان والجماعة، ويعيد إحياء رسالة القديس فرنسيس القائمة على السلام والأخوّة والبساطة، وهي رسالة لا تزال تخاطب عالم اليوم.

 

ومن المتوقع أن يتراوح عدد الزوار يوميًا بين 15 ألفًا و18 ألف شخص، أي ما يقارب 370 ألف زائر إجمالًا طوال فترة العرض. وفي المقابلة التالية مع فاتيكان نيوز، يتأمل الأب جوليو تشيزاري، مدير مكتب الإعلام في دير أسيزي، في الدلالات التي تحملها هذه البادرة التاريخية للمجتمع المعاصر.

 

 

ما الأهمية الروحية والرعوية لعرض رفات القديس فرنسيس للكنيسة الكاثوليكية اليوم؟

 

لطالما كرّم المسيحيون الذخائر المقدسة، لأن القديسين –ولا سيما الشهداء– هم الذين شهدوا بحياتهم أن محبة الله قد غمرتهم بالكامل. ومحبة الله ليست فكرة مجردة، بل هي واقع يتجسّد في الجسد. خدم هؤلاء الفقراء، وصلّوا، وصاموا، وأحبّوا الآخرين، وسمحوا لأنفسهم أن تغمرهم محبّة المسيح. لذلك كرّم المسيحيون دومًا حياة القديسين، لأنهم رأوا فيهم عمل الروح القدس وهو يملأ كيانهم بهذه المحبة.

 

في هذا السياق نفهم إكرام رفات القديس فرنسيس. وقد اخترنا إنجيل يوحنا (12: 24) مفتاحًا تفسيريًا: «إِنَّ حَبَّةَ الحِنطَةِ الَّتي تَقَعُ في الأَرض إِن لَم تَمُتْ تَبقَ وَحدَها. وإِذا ماتَت، أَخرَجَت ثَمَرًا كثيرًا». فالقديس فرنسيس هو حقًا هذه الحبة التي، على مثال يسوع والقديسين والشهداء -وربما كل أصحاب الإرادة الصالحة- تبذل ذاتها في الحياة اليومية. ومن يبذل ذاته يُستهلك، ولا مفرّ من ذلك، لكنه يثمر.

 

 

كيف يعزّز عرض الرفات روح الانتماء والشركة بين المؤمنين محليًا وعالميًا؟

 

إنه يقوّي الإيمان. فالإيمان ليس قناعة مسبقة جامدة، بل هو علاقة مع الرب الذي هو المحبة. والإيمان لا ينفصل عن خبرة الوحدة، أي الاتحاد في المحبة. من هنا، فإن تكريم الرفات يعني التثبّت في هذه النعمة: أن من يحبّ، وهو يبذل ذاته، إنما يغذّي روابط الوحدة – وحدة الكنيسة وروابط المحبة.

 

وكلما عشنا في المحبة والعطاء، صارت إنسانيتنا أعمق وأكثر أصالة. ما يوحّدنا بالآخرين ليس الأفكار، بل المحبة التي نعطيها في علاقاتنا. إنّ تكريم القديس فرنسيس فرصة للتأمل في كيف أن المحبة الصادقة تُثمر ثمارًا عظيمة، إلى حد أننا بعد 800 عام ما زلنا نتحدث عنه.

 

 

ما أثر هذا الحدث على الجماعة المحلية وعلى حركة الحج إلى البازيليك؟

 

لا شك أن مدينة أسيزي ومحيطها يعيشان هذا الحدث بعمق. أماكن الإقامة حُجزت منذ أشهر، والفنادق والمطاعم ممتلئة بالكامل. نرجو أن يكون هذا زمن نعمة، لأن مجتمعنا يردّد باستمرار: «فكّر بنفسك أولًا. لا تبذل ذاتك. لا تهتم بالآخرين». أما القديس فرنسيس فيقول العكس تمامًا، وعظامه تشهد بذلك. إنها عظام إنسان بذل ذاته بالسير والركوع والعيش في الكهوف. إنه يهمس في قلوبنا: لا تخف أن تعطي ذاتك، لأنك بذلك تثمر. وهذا أمر جميل وعميق النفع لنا جميعًا.

 

 

لماذا لا تزال شخصية القديس فرنسيس تخاطب الشباب وغير المؤمنين من خلال علامات ملموسة كالذخائر؟

 

أعتقد أن القديس فرنسيس نفسه هو الذي يتكلم. فالذخائر جزء من جسده. كما أنكم تسمعونني لأن لي جسدًا وصوتًا؛ فالجسد هو موضع العلاقات. بهذا المعنى، فإن ذخائر القديس فرنسيس هي بمثابة قشرة تلك الحبة التي نمت وأثمرت، وهي تخبرنا عنه.

 

لماذا يسعى الناس إليه؟ لأنهم يرون فيه الإنجيل متجسدًا. فيه يتبيّن أن قبول الإنجيل هو بشارة سارة للعالم، وللأفراد، وللجماعة. هذا ما يجذب الناس إليه. منذ البداية دُعي فرنسيس alter Christus – لا بمعنى مسيح آخر، بل كأيقونة للمسيح، صورة تشبهه.

 

 

هل يقتصر العرض على تعبير تعبّدي شعبي، أم أنه يحمل أيضًا بُعدًا كنسيًا ولاهوتيًا وثقافيًا عميقًا؟

 

لقد وفّرنا معلومات وافية على موقع sanfrancescovive.org وعلى صفحات البازيليك في وسائل التواصل الاجتماعي. نرغب في تغذية التعبّد –أي محبتنا– من خلال خبرة كنسية متجذّرة لاهوتيًا، ولكن من دون تعقيد. فاللاهوت لم يولد ليكون صعبًا، بل ليعبّر بالكلمات عن الحياة التي تسكن فينا. في هذا الإطار، نرى في القديس فرنسيس بذرة نبتت في المحبة، متجاوزة الزمان والمكان. إنه تشجيع لنا جميعًا لنعيش حياتنا اليومية بالمحبة. هذا ما يدعونا إليه.

 

 

في زمن الأزمات والصراعات، ما الرسالة الجامعة التي يمكن أن ينقلها القديس فرنسيس الأسيزي إلى المؤمنين؟

 

لم يعش القديس فرنسيس في زمن أفضل من زمننا؛ فقد شهد حروبًا دينية ونزاعات داخل المدن وخصومات عائلية وظلمًا واسعًا. لم يكن عصره مثاليًا. ومع ذلك، رسالته واضحة: من يحتضن الإنجيل حقًا يخلق حوله قصةً مختلفة ويبني علاقات جديدة.

 

كثيرًا ما نسمع صوتًا خفيًا يقول: «لا يمكنكم أن تفعلوا شيئًا. أنتم وحيدون. أنتم عديمو الفائدة. الأقوياء هم الذين يحكمون. لا حيلة لنا». لكن القديس فرنسيس يشهد أن هذا زيف، لأنه إذا اعتنق شخص واحد الإنجيل، فقد لا يُغيّر العالم بأسره، لكنه يستطيع أن يُغيّر ما حوله.

 

منذ ثمانية قرون لا يزال القديس فرنسيس يلامس القلوب. ورسالته الجميلة هي هذه: قد لا نستطيع حلّ كل المشكلات، لكن إذا خطا كلٌّ منا خطوة واحدة، فإن لتلك الخطوة أثرًا حقيقيًا. والقول إننا لا نستطيع أن نفعل شيئًا هو وهم.