موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر السبت، ١٤ فبراير / شباط ٢٠٢٦
هل ستصبح إيلينا كاليرو قديسة جديدة من جيل الألفية؟
في عام 2022، بدأت عملية تقديس إيلينا كاليرو، وهي شابة إسبانية عاشت حياة عادية تميّزت بالفرح والصلاة والتفاني.

أبونا :

 

هل سيُعلن قريبًا عن قديسة جديدة من جيل الألفية؟

 

في تشرين الأول 2022، بدأت الكنيسة الكاثوليكية إجراءات تطويب إيلينا كاليرو باهاموندي، الشابة الإسبانية التي توفيت عام 2014 عن عمر 23 عامًا، وتحمل اليوم لقب "خادمة الله". كانت حياتها قصيرة، بسيطة في ظاهرها، لكنها أثمرت ثمارًا روحية وافرة.

 

 

بساطة الإيمان المملوءة فرحًا

 

وُلدت إيلينا عام 1990 في مدريد. كانت بسيطة، هادئة، مرحة، ودائمة الاهتمام بالآخرين، تغنّي وترقص وتحلم مع شقيقاتها. عاشت حياة طبيبة في سن المراهقة، غير أنّ مرحلة التحضير لسرّ التثبيت تركت أثرًا عميقًا في حياتها، إذ تعمّقت خلالها في إيمانها واختارته عن وعي والتزام.

 

درست الاقتصاد، وكان لها صديق وأحلام مستقبلية. لكن ما ميّزها حقًا عن غيرها هو حبّها العميق للإفخارستيا. تقول شقيقتها بيلين: "كانت مغرمة بالمسيح؛ كان هو مركز حياتها". بدأت بخدمة رعيّتها بأمانة، ثم انخرطت في جماعة شبابية نضج فيها تعلّقها بالحضور الحقيقي للرب في القربان الأقدّس.

 

كانت إيلينا تدرك أن الكنيسة تحيا من الإفخارستيا، وأنه من دون كهنة لا وجود للأسرار المقدّسة. كانت تختم معظم رسائلها بالصلاة من أجل الإكليريكيين والدعوات الكهنوتية. لم تكن تقواها فكرة مجرّدة، بل التزامًا حيًّا. كتبت في إحدى مذكّراتها: "أريد أن أقدّم آلامي من أجل الكهنة ومن أجل دعوات جديدة".

 

 

"من دون صلاة، لا شيء ممكن"

 

كان جوهر روحانيتها مرتبطًا بالصلاة. بالنسبة إليها، كانت الصلاة ضرورة كالتنفس والطعام والنوم. كانت تشارك في القداس شبه يوميًّا، وتمضي وقتًا طويلًا في صمت أمام القربان الأقدّس. كل يوم جمعة، كانت تحضر سجود القربان، وكثيرًا ما كانت تتوقّف عند كنيسة في طريق عودتها من الجامعة لتصلّي.

 

هكذا كانت تردّد دائمًا: "الصلاة أولًا. من دون صلاة، لا شيء ممكن". وقد أثمر تعلّقها بالصلاة في التزامات ملموسة. وعندما بدأت الجماعة الشبابية التي تنتمي إليها تفقد حيويتها، سهرت بصمت على إبقائها حيّة. ولتشجيع الصلاة الجماعية، كانت ترسل أسبوعيًا عبر البريد الإلكتروني اقتباسًا من أحد القديسين. عُرفت كقائدة بالفطرة، لكنها تميّزت أكثر بالمثال الحيّ من رغبتها في القيادة. كما شهد كثيرون لاهتمامها بالفئات الأضعف، حتى لا يشعر أحد بالتهميش.

 

 

"الرب يدعوني لأتبعه عن قرب أكثر"

 

لكن في 18 حزيران 2013، وبعد فحص دم بسيط، شُخّصت إيلينا بسرطان الدم النخاعي المزمن. في البداية، كانت تأمل بالشفاء السريع. لكن شيئًا فشيئًا، بدأت ترى في مرضها دعوة شخصية من الله. كتبت في تأملاتها: "أحيانًا تظهر عوائق في طريقنا. نرغب في التمرّد، وفي أن نقول للرب إن الأمر يفوق طاقتنا. لكن بدلاً من أن نسلّمه أحزاننا، نهدر قوّتنا القليلة في التذمّر".

 

لم تسأل الشابة إيلينا يومًا قط: "لماذا أنا؟" بل رافقها سؤال واحد طوال فترة مرضها: "كيف أقدّم ما يحدث لي؟". وفي أصعب الأشهر، دوّنت قائمة بأسماء الأشخاص والنوايا التي قدّمت آلامها من أجلهم: البابا، الكهنة، عائلتها، الأطباء...

 

وكانت تكرّر: "لا فائدة من قول: لتكن مشيئتك، إن لم أكن مستعدة لأن أعطيك ما تطلبه مني. ما أشدّ حزن وفراغ قلوبنا حين نرفض يد الله الممدودة!". وبعد عام على تشخيص مرضها، كتبت: "الرب يدعوني لأتبعه عن قرب أكثر، بلا خوف ولا تردّد، بل بدافع المحبة وحدها".

 

 

متّحدة بالصليب

 

مع تفاقم مرضها، خضعت إيلينا للعلاج الكيميائي وزرع نخاع العظم وأمضت أسابيع طويلة في المستشفى، من دون أن تتذمّر. بل على العكس، كانت كل مساء تسلّم ذاتها لله، مصلّية أمام الصليب في غرفتها. ورغم ضعفها الشديد، قامت بحجّ إلى كوفادونغا، وهو مزار في شمال إسبانيا، وقالت ببساطة: "ذاهبة لأرى أمي".

 

في خريف عام 2014، وهي طريحة الفراش، ازداد تفكيرها بالآخرين. وفي أيامها الأخيرة من حياتها القصيرة، وبعد إصابتها بالتهاب دماغي سبّبه فيروس الهربس، مع حمى وتشنّجات وهلوسات، استطاعت بإشاراتها أن تطلب الصليب والقربان الأقدس.

 

زارها أسقفها في المستشفى؛ كان وجه إيليا، رغم آثار المرض، يشعّ رجاءً. وبجهد كبير، نالت المناولة ومسحة المرضى. في 20 تشرين الثاني 2014، عن عمر 23 عامًا، عادت إيلينا إلى بيت الآب. كان وجهها يشعّ سلامًا عميقًا. وقال والدها لاحقًا إنه رآها مثل يسوع في القبر: موسومة بالألم، لكن متجلّية بالثقة.

 

 

رجاء وتسبيح

 

جمع قداس جنازتها حشدًا كبيرًا من الشباب. لم يكن الجوّ حزينًا، بل مشبعًا بالرجاء العميق. كانت شهادة تؤكد أن الشباب هو أيضًا مرحلة للعيش مع المسيح. فحتى الحياة العادية، حيث تتعايش الصلاة والفرح والاحتفال والصداقة، يمكن أن تثمر ثمارًا عظيمة.

 

من خلال حياتها، تُذكّرنا إيلينا بأن كنزنا الحقيقي يكمن في المحبة التي نقدّمها في التفاصيل الصغيرة، وفي روح الشكر الدائم. إنه أسلوب تسبيح لله في كل شيء، كما عبّرت هي بكلماتها: "كل ما أملك، أنت مَن أعطيتني إياه يا رب".