موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تكبر حولنا دائرة العنف في المنطقة، وتتعاظم المخاوف لدينا من المستقبل الذي ينتظرنا. تكثر الأسئلة في داخلنا، وفي غالبية الأوقات نبقى أسرى الخوف واليأس من واقع بلادنا. فمنذ بداية التاريخ والإنسان يبحر في رحلة بحثٍ نحو منطقة سلام وأمان، لكننا سرعان ما نكتشف أننا في وسط الحروب والصعوبات. ومع هذا كله نفقد سلامنا الشخصي، ويزيد السلام المفقود في بلادنا من تساؤلاتنا كمسيحيين حول معنى الألم الذي نختبره جراء وجودنا في مناطق الصراعات والنزاعات الداخلية، خاصة في بلدان الشرق الأوسط.
وفي خضم هذه التحديات يسأل إنسان اليوم: أين هو الله من آلامنا؟ ألا يشاهد البشرية وهي تتألم وتتعذب تحت نيران الحروب ونحن أبناؤه نعاني؟ إن هذه الأسئلة وهذا البحث يشكلان فرصة لنا لنكتشف أمرين في غاية الأهمية: أولًا، ما هو نوع السلام الذي نبحث عنه؟ وثانيًا، هل نحن نعيش رسالتنا المسيحية بشكل حقيقي؟
عبر تاريخها الطويل والصعب لم تعرف المسيحية يومًا سلامًا بمعنى سلام الهدوء والراحة الخالي من التحديات والآلام. واليوم، لكي نقرأ أوضاعنا بعمق أكبر، علينا أن نعود وننظر إلى كيفية عيش السيد المسيح لحياته، فنفهم بالتالي معنى الألم الذي نعيشه نحن أيضًا.
إن محاولتنا لفهم الواقع الذي نعيشه تدعونا أولًا إلى الاعتراف بأن مخاوفنا وضعفنا البشري هما واقع يعيشه الإنسان في لحظات كثيرة من حياته. لكن الأهم هو أن نربط هذا الألم بقراءة روحية تجعلنا نتابع مسيرة حياتنا برجاء متجدد ونظرة مسيحية مليئة بالتعزية والرجاء. ومع هذه المخاوف نكتشف كذلك أنه إن لم نقترب من الله في هذه الأوقات فقد نقع أسرى اليأس والشك، وبالتالي الخطيئة.
إن الآلام التي نعيشها جراء الصراعات في أوطاننا تصبح أيضًا محطة نكتشف فيها محدودية الإنسان، وهي حقيقة نختبرها في مواقف كثيرة من حياتنا: نزوح، هجرات، وحتى خسارة أحبّة لنا. لكن هذا الوقت نفسه يمكن أن يتحول إلى زمن نضوج روحي خاص لكل واحد منا، ومساحة لقاء مع المسيح المتألم ولكن القائم.
لم يبقَ المسيح في بيت مريح ولا في مكان ثابت، بل إن تجسده جعله يختبر كل مراحل آلام الإنسان ويشعر بما نشعر به. فقد بدأ رسالته متحركا بين الناس، يجول بينهم، يلمس آلامهم ويشاركهم حياتهم. غضب، وتألم، وتأثر كثيرًا في مراحل حياته. رفضه البعض، واضطهده كثيرون، وآخرون صلبوه.
هل يمكن أن نتخيل يومًا كم كان يتألم المعلم وهو يحمل طبيعتنا البشرية؟ كيف قاوم وتابع وأكمل دربه؟ ماذا ميّزه في رحلة حياته؟ ببساطة، كان يمتلك سلامًا داخليًا ثابتًا، لأنه كان يعلم أن مملكته ليست من هذا العالم. كان سلامه الحقيقي نابعًا من ثقته بمشيئة الآب وبمشروع الله لكل إنسان. هذا السلام الداخلي رافقه حتى أصعب اللحظات، أي إلى الصليب. ورغم أن المسيح تعب في طبيعته البشرية، إلا أنه أكمل رسالته حتى النهاية. ومن خلال هذا يقول لنا إننا، حتى عندما نتعب ونتألم، يبقى الله معنا.
وهنا نصل إلى جوهر موضوعنا: الله لا ينهي دائمًا آلامنا كما نتخيل نحن، لكنه يملأ هذا الألم من حضوره وتعزيته، شرط أن نكتشف نحن هذا الحضور بالصبر والصلاة والانتباه لعلامات الله في حياتنا. وبين الخوف والسلام الشخصي، يبقى الإنسان المسيحي مدعوًا، أينما كان، أن يكون صانع سلام بحسب إمكانياته وظروفه. فالسلام قد يبدأ أحيانًا بابتسامة أو كلمة تعزية، وقد يمتد ليصبح مشاريع كبيرة على مستوى المجتمعات والقوانين والأوطان.
فالسلام الذي ندعو إليه ليس مجرد غياب للحروب، بل هو دعوة لكل واحد منا إلى بناء عدالة حقيقية للإنسان وكرامة إنسانية يعلو صوتها في زمن الحروب أقوى من أصوات الانقسامات والأحقاد والنزاعات. وهذه ليست شعارات نرفعها في أوقات الشدة فقط، بل هي دعوة لاعتمادها نمط حياة دائم وشهادة إيمانية في عالم مضطرب، وعلامة تضامن مع المتألمين في كل مكان.
وهنا نعلن أن سلام الإنسان المسيحي ليس انسحابًا من العالم، بل حضورًا حقيقيًا فيه يتجلى في الخدمة والمحبة. حضورًا يتسم بالرجاء وسط الضيقات، وينبع من عيش روح الإنجيل.
اليوم، بينما تملأ الحروب بلادنا، نشعر أن العالم يتألم وأن الكراهية تملأ القلوب، ويبدو حلم السلام بعيدًا. لكن علينا أن نثق أن هناك حقيقة ثابتة ومعزية في كل الأوقات: إيماننا يقودنا إلى اكتشاف طريق جديد للسلام، هو طريق المسيح القائم.
وعندما نسلك هذا الطريق نتعلم أن سلامنا الحقيقي هو سلام الإيمان والرسالة، السلام الذي يضيء وسط الألم والصعوبات. فكلما اشتدت الظلمات، تزداد حاجتنا إلى إعلان رسالتنا. وعندما نقدم آلامنا للمسيح تتحول إلى أنوار قيامة تبدد ظلمات الحروب والانقسامات، فنقدم شهادة رجاء حية لعالم منقسم لكنه ما زال يستحق أن يتعزى بفيض محبتنا وأعمالنا.