موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لقد رأينا، في لقاء يسوع مع المرأة السامرية (يوحنا 4: 5-42)، أن يسوع جلس عند بئر في مدينة سيخار متعبًا من السفر. وقلنا إن هذا التعب لا يقتصر على التعب الجسدي، بل يرتبط بمهمته؛ فهو غير متعب بسبب تنقله من اليهودية إلى الجليل فقط، بل أيضًا بسبب رحلة أخرى، تلك التي انطلقت من حضن الآب وأرسلتَه للبحث عن البشرية الضائعة، ليعيدها إليه.
في مقطع اليوم (يوحنا 11: 1-45)، نرى إلى أي بُعد تصل هذه الرحلة الطويلة التي يقوم بها يسوع.
إن مسيرة يسوع تقوده إلى مواجهة الموت، الذي يُعدّ أحد البطلين الرئيسيين في الفصل الحادي عشر من إنجيل يوحنا، وبسبب هذه هذه المعركة، فإن يسوع اليوم ليس متعبًا فحسب: بل هو أيضًا مضطرب ومتأثر (يو 11: 33).
مواجهة الموت هو أمر ضروري ولا مفر منها: إذا كان يسوع قد جاء ليتمم عهد الله مع خليقته، فيجب أن يُخلَّص كل شيء؛ ولن يكون لهذا الخلاص فائدة، إذا بقي الموت خارجها. فإذا لم يُقهر الموت، فهذا يعني أن هناك لحظة في حياتنا تنقطع فيها الشركة مع الله، حيث يُقطع الطريق بينه وبيننا.
لذا فإن هذه المواجهة مع الموت، هي التي ستكشف لنا حقًا من هو يسوع، وما إذا كان هو حقًا المرسل من الآب ليحمل لنا بشرى الخلاص.
بالإضافة إلى الموت، كما قلنا، هناك بطل آخر في هذا المقطع، وهو الحب.
نجد هذا المصطلح مباشرة في الآية 3، عندما أرسلت أختا لعازار إلى يسوع قائلتين: «إِنَّ الَّذي تُحِبُّه مَريض» وفي مقطع آخر يُقال إن يسوع كان يحب مارتا وأختَها ولعازار (يو 11: 5). ثم، في الآية 36، عندما انفجر يسوع بالبكاء، صرخ الحاضرون: «اُنظُروا أَيَّ مَحَبَّةٍ كانَ يُحِبُّه».
لدينا إذن هذان العنصران، الموت والمحبة. ويبدو أنهما متعارضان، حيثما يحضر الموت، لا بد أن يتنازل الحب عن مكانه، وأن يتوقف عن الوجود.
فلنرَ إذًا كيف يدور هذا الصراع بين المحبة والموت.
لا تبدأ القصة أمام القبر، بل من بعيد عندما يتلقى يسوع خبر مرض صديقه.
لم يهرع يسوع على الفور؛ لم يذهب ليشفيه كما فعل مرات عديدة مع مرضى آخرين. فقد شفى الكثيرين من قبل، وغالبهم كانوا غرباء. لكن أمام صديقه المريض، يتأخر يسوع، ويترك للموت أن يظهر كامل قوته.
وعندما يحدث هذا، ويبدو أنه لم يعد هناك ما يمكن فعله، ينطلق يسوع نحو بيت عنيا؛ وعندما يصل، يكون لعازار قد مات منذ أربعة أيام (يو 11: 17) ويبدو أن الموت قد انتصر، وأنّ المحبة قد أنها بلا جدوى، عاجزة عن الإنقاذ من الموت.
وهذا ما ظنّته الأختان اللتان خرجتا للقائه. فقد كرّرت كلّ منهما العبارة نفسها «يا ربّ، لَو: كُنتَ ههنا لَما ماتَ أَخي» (يو 11: 21، 32). أي: لو كنت حاضرًا لحظة اقتحام الموت وأخذ لعازر، لما مات؛ لكانت المحبة قد غلبت، لا الموت.
لكن يسوع لا يكتفي بتعزية الأختين على فقدان أخيهما، بل يريد أن يظهر أن محبته قادرة على الوصول إليه حتى في الموت.
يركز سرد يوحنا كثيرًا على طول الطريق الذي سلكه يسوع للوصول إلى لعازار (يو 11: 34-38): فهو لا يذهب إلى سريره ليشفيه، بل يذهب إلى القبر ليقيمه من الموت.
إنه يدخل في الموت، وينزل إلى أعماق الهاوية المظلمة التي ضاع فيها الإنسان، ومن هناك يخرجه إلى الحياة. إنها ليست مجرد معجزة مدهشة أو حدث خارق، بل هي آخر وأهم إعلان عن الله: لا يوجد موضع في حياة الإنسان يمنع الله من الدخول إليه.
الموت يترك فريسته لأن كلمة يسوع هي مصدر الحياة. لا تُخبر عن الحياة فحسب، كما نسمع غالبًا في إنجيل يوحنا، بل تولد الحياة: عندما يتكلم الله، يصبح الميت قادرًا على السماع. هذه هي قوّة المحبّة: إنّها تنتصر على الموت لا بالعنف أو السلطة، بل بأن تدخل إليه، وتتأثّر به، وتنادي الإنسان باسمه، مُظهِرةً علاقة لا تنقطع حتى في القبر.