موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
العالم
نشر الجمعة، ١ يناير / كانون الثاني ٢٠١٦
"اللامبالاة وكيفية التغلب عليها"، من وحي رسالة السلام

الأب د. لويس حزبون :

بمناسبة اليوم العالمي 49 للسلام أصدر البابا فرنسيس رسالة تحت عنوان "تغلّب على اللامبالاة واكسب السلام". السلام عطية الله وعمل البشر. السلام هو عطيّة الله ولكنّه موكل لجميع الرجال والنساء الذين دعوا لتحقيقه. ويقترح البابا تحقيقه من خلال تغلّب على اللامبالاة من حيث انها "تهديد للعائلة البشريّة". من هنا نطرح سؤالين ما معنى مفهوم اللامبالاة؟ وكيف التغلب عليها كطريق للسلام؟

أولا: ما هو مفهوم اللامبالاة:

اللامبالاة: هي حالة يتخذ فيها المرء موقفا سلبيا تجاه الامور كلها. إلا انها تتميز عن السأم، لان السأم هو شعور ينتاب المرء عندما لا يوجد ما يستأثر باهتمامه ف فعتريه القلق والغضب؛ في حين ان اللامبالاة لا تعرف القلق او الغضب، فهي حالة وجدانية سلوكية حيث يتصرف المرء بلا اهتمام في شؤون حياته أو حتى الأحداث العامة كالسياسة. فاللامبالي هو فرد لا يهتم بالنواحي الجسمية أو العاطفية أو الاجتماعية أو الاقتصادية او الدينية وكذلك قد يبدي الكسل وعدم الحساسية. ومن هنا يأتي اللامبالاة تجاه الله والقريب والبيئة.

اللامبالاة تجاه الله: تنبع اللامبالاة تجاه الله من موقف الانسان الذي يعتقد بأنه صانع ذاته وصانع حياته والمجتمع؛ ويتطلّع أن يأخذ مكان الله ويستغني عنه تعالى. ولذلك يعتقد أنه لا يدين لأحد بشيء إلا لنفسه ويدّعي بأنه يملك حقوقًا وليس عليه واجبات. إن نسيان الله ورفضه، يحملان الإنسان على عدم الاعتراف بأيّة قاعدة فوقه وعلى جعل ذاته قاعدة لذاته، مما يولد في نفسه قساوةً وعنفًا بدون قياس. ومن اللامبالاة تجاه الله تنبع اللامبالاة تجاه القريب والبيئة.

اللامبالاة تجاه القريب: هو موقف الشخص الذي يعرف بشكل مبهم المآسي التي تضرب قريبه والبشريّة ولكنه يُبقي نظره وفكره وعمله موجّهين إلى نفسه، ويعيش دون رأفة وتضامن. وتظهر اللامبالاة هنا كنقص في المرء فيغلق قلبه لكيلا يأخذ الآخرين في عين الاعتبار، ويغلق عينيه لكيلا يرى ما يحيط به أو يتنحّى لكيلا تلمسه مشاكل الآخرين. إنه يفضل عدم البحث وعدم الاستعلام كي يعيش في رفاهيته وراحته. لأنه "عندما نكون نحن بخير وعندما نشعر بالراحة، ننسى، الآخرين، لا نهتمّ لمشاكلهم، ولا لألآمهم ولا للمظالم الّتي يتحمّلونها" كما يقول البابا في رسالته. وتأخذ اللامبالاة تجاه القريب شكل الاستسلام والتهرّب من الالتزام اللذين يغذيان استمرار أوضاع الظلم وعدم التوازن الاجتماعي الخطير اللذين يقودان إلى نزاعات أو يولّدان مناخ استياء قد يؤدّي إلى عنف وعدم استقرار. وإن اللامبالاة تجاه الآخر وكرامته وحقوقه الأساسيّة وحريّته غالبا تكون مقرونة بثقافة الربح واللذّة التي تشكل في النهاية تهديدًا للسلام.

اللامبالاة تجاه البيئة: إنّ تلوث الماء والهواء والاستغلال العشوائي للغابات ودمار البيئة هي غالبًا ثمرة لامبالاة الإنسان تجاه الآخرين لأنّ كل شيء مرتبط ببعضه البعض. إن اللامبالاة إزاء البيئة الطبيعية تؤدي الى التصحّر والتلوث والكوارث الطبيعيّة التي تقتلع جماعات بأسرها من بيئة حياتها وتُجبرها على العيش في انعدام الاستقرار والأمن والهجرة، وتخلق أشكال فقر جديدة وأوضاع ظلم جديدة ذات تبعات غالبًا ما تكون محتّمة فيما يتعلّق بالأمن والسلم الاجتماعي. كم من الحروب قامت وستقوم بعد بسبب نقص الموارد أو للإجابة على طلب الموارد الطبيعية الذي لا يمكن إشباعه؟ عندما يرى السكان أنهم يُحرمون من حقوقهم الأساسيّة شأن الأكل والمياه والعناية الصحيّة أو العمل يحاولون عندها الحصول عليها بالقوّة مما يُهدد السلام العالمي. في هذه الحالات تسبّب اللامبالاة انغلاقًا وتهرّبًا من الالتزام فينتهي الأمر في غياب السلام مع الله والقريب والبيئة.

ثانيا: كيف التغلب على اللامبالاة؟

يقول الدكتور النفسي روبرت مارين إن اللامبالاة ممكن اعتبارها عرض أو مرض. اما من يمتلك فضيلة السيطرة على الذات فلا يبقى سلبيا تجاه الامور، بل يتخذ موقفا حازما سليما. وهناك مجموعة من التوجيهات لعلاج حالة اللامبالاة يقدّمها البابا فرنسيس في رسالته بمناسبة اليوم العالمي للسلام 2016؛ وأهمها:

(1) الإيمان بالقدرات الذاتية

علاج اللامبالاة تبدأ بالإيمان بالقدرات الذاتية. فيقول علماء النفس أن "التقليل من القدرات يؤدي إلى الفشل ونشر الطاقة السلبية، واما الرغبة في الإنجاز والنجاح فتنبع من داخل الشخص نفسه، وإيمانه بقدراته". ومن أكبر الأخطاء أن ينظر الشخص لنفسه بوصفه شخصاً غير مؤهل ذهنياً وجسدياً للعمل. فكل إنسان له جوانبه الإيجابية، فعلى الانسان التركيز عليها وعلى مميزاته.

(2) الابتعاد عن التكاسل

الكسل هو العدو الأول للامبالاة، وبإمكانه قتل روح المبادرة، وتغذية التخاذل، ويمكن علاجه بالاستماع إلى الآراء الإيجابية التي تحفز الشعور بالحماس، وبالابتعاد عن المشاعر السلبية التي تؤثر على الأداء في العمل كما يتطلب الابتعاد عن الشخصيات المتشائمة من ناحية؛ ومعاشرة الشخصيات الإيجابية التي تحث على الاجتهاد والعمل والتفاؤل.

(3) التمسك بالقيم

ينصح البابا فرنسيس في رسالته بالتمسك ببعض القيم مثل الالتزام والتضامن والحوار. فيصرّح البابا فرنسيس باننا نستطيع مقاومة اللامبالاة بالالتزام في تحقيق العدالة وصنع السلام. وعدم فقدان الرجاء، بنعمة الله، في قدرة الإنسان على تخطّي الشرّ وعدم الاستسلام للقنوط.

كما إننا ككائنات بشريّة أرادها الله على صورته ومثاله تجعل وجودنا مرتبط ببعضنا بعضا كإخوتنا وأخواتنا ونملك مسؤولية تجاههم ومعهم نعمل بتضامن. والتضامن يقاوم المصالح الفردانيّة والفتور واللامبالاة إزاء الأوضاع الحرجة. لان مفهوم التضامن يكمن في العزم الراسخ والمثابر على الالتزام لصالح الخير العام: أي لصالح الجميع وكل شخص، كي يكون الكلُ مسؤولين حقا عن الكل". فالتضامن ينبع من الأخوّة، والاخوة تتطلب الديمقراطية. وقد اوضح الفيلسوف روبرت مينارد هاتشينز ان موت الديموقراطية هو بسبب اللامبالاة.

وكعلامة للتضامن أرادت الكنيسة أن تقيم حوارًا مع العائلة البشريّة حول مشاكل العالم. وقد شدد مراقب الكرسي الرسولي الدائم لدى مكاتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في جنيف رئيس الأساقفة، سيلفانو تومازي، على أهمية الحيلولة دون نشوب الصراعات من خلال الحوار والتضامن اللذين يقلّصان الهوة بين الدول المتقدمة وتلك النامية ويفتحان الطريق أمام مستقبل مسالم.

(4) الصلاة والعمل والرحمة

يناشد البابا فرنسيس كل مسيحي بالصلاة والعمل لكي ينمّي قلبًا متواضعًا وشفوقًا، قادرًا على إعلان الرحمة والشهادة لها، قادراً على "العفو والعطاء والانفتاح على من يعيشون منبوذين على هامش المجتمع. ويؤكّد البابا بندكتس السادس عشر بأنَّ "هناك ارتباط وثيق بين تمجيد الله وسلام البشر على الأرض". في الواقع "بدون انفتاح متسامي (الصلاة)، يصبح الإنسان فريسة سهلة للنسبيّة ويصعب عليه عندها أن يتصرّف بعدالة ويلتزم من أجل السلام".

فعلاقتنا مع الله تنقلنا من اللامبالاة إلى الرحمة. الرحمة هي قلب الله. لذا لا بد أن تكون أيضا قلب كل من يعتبرون أنفسهم أعضاء في العائلة البشرية الواحدة لأبنائه. فالرحمة تدعونا الى ارتداد القلب وتحمّل مسؤولياته تجاه اخوتنا الآخرين على خطى السيد المسيح المتجسد وأظهر تضامنه مع البشرية ما عدا الخطيئة. تماثل يسوع مع البشرية: "بكرا لأخوة كثيرين" (رومة ۸، ۲۹). ولم يكتف بتعليم الجموع، بل اهتم بالجائعين مرقس ٦، ۳٤) والعاطلين عن العمل (متى ۲۰، ۳). وترك نفسه أيضا يتأثر ويبكي (يوحنا ۱۱، ۱-٥۷). وحاول ان يضع حدا للألم والحزن والبؤس والموت.

وعلمنا يسوع أن نكون رحماء كالآب (لوقا ٦، ۳٦). ودعانا من خلال مثَل السامري الصالح (لوقا ۱۰، ۲٥-۳۷) ان نتوقف أمام آلام هذا العالم لتخفيفها، وأمام جراح الآخرين لتضميدها بالوسائل المتاحة، بدءا من تكريس الوقت على الرغم من الانشغالات الكثيرة دون البحث عن الأعذار والتبريرات. وعلمنا أخيراأنّ الرحمة تجاه الآخرين ـ الغرباء، المرضى، الأسرى، المشردين وحتى الأعداء ـ هي المقياس الوحيد لدى الله ليحكم على أعمالنا (متى 25: 31-46).

لذا "إنه لأمر ضروري بالنسبة للكنيسة ومصداقية إعلانها أن تعيش الكنيسة الرحمة وتكون في طليعة الشاهدين لها. لذا حيث توجد الكنيسة يجب أن تتجلى رحمة الآب. ولا بد أن يجد أي شخص واحة من الرحمة في رعايانا، وجماعاتنا وجمعياتنا وحركاتنا، أي حيثما يوجد مسيحيون.

(5) التربية على ثقافة التضامن والرحمة

للتغلب على اللامبالاة لا بد ايضا من تربية تعزز ثقافة التضامن والرحمة. ومن هنا يأتي دور العائلة والمدرسة ووسائل الاعلام ورؤساء الدول

العائلة: تقع على العائلة المسؤولية الأولى في تعزيز ثقافة التضامن والرحمة. إذ إنها "تشكل المكان الأول حيث تُعاش وتُنقل قيم المحبة والأخوة والتعايش والمقاسمة والاهتمام والاعتناء بالآخر". كما انها البيئة المميّزة لنقل الإيمان.

المدرسة: تقع على عاتق المربين والمعلمين في المدراس مسؤولية تربية الطلبة على "قيم الحرية والاحترام المتبادل والتضامن". فان مسؤوليتهم لا تتعلق فقط بنقل المعلومات والمعرفة بل الاهتمام بالأبعاد الخلقية والروحية والاجتماعية للطالب ايضا. وقد أكد البابا بندكتس السادس عشر أن "كل بيئة تربوية يمكن أن تكون فسحة للانفتاح على المتسامي والآخرين؛ مكانا للحوار والتآزر والإصغاء، يشعر فيه الشاب بقيمة قدراته وغناه الداخلي، ويتعلم كيف يقدّر الأخوة. يتعلم كيف يتذوق الفرح النابع من العيش اليومي للمحبة والرأفة حيال القريب ومن المشاركة الفاعلة في بناء مجتمع أكثر إنسانية وأخوّة".

وسائل الاعلام: "لا تُعلِم وسائل الاعلام فحسب إنما تنشّئ أيضا، وبالتالي يمكن أن تقدم إسهاما هاما في تربية الشبيبة. وعليه فان العاملين في وسائل الاتصالات الاجتماعية تقع عليهم مسؤوليةٌ التربية. التربية تتم في الواقع بواسطة الاتصالات التي تؤثر إيجابا أو سلبا على تنشئة الشخص" وعليه فان دور العاملين في وسائل الاعلام هو بأن يضعوا أنفسهم في خدمة الحقيقة لا المصالح الخاصة، وأن يتأكدوا من الشرعية القانونية والخلقية للطريقة التي تُنشر من خلالها المعلومات. والجدير بالذكر أيضا الصحافيين والمصوّرين الذين يُعلِمون الرأي العام بالأوضاع الصعبة، والملتزمين بالدفاع عن حقوق الإنسان، ولاسيما حقوق الأقليات العرقية والدينية، والشعوب الأصلية، والنساء والأطفال، وجميع الذين يعيشون في أكثر الأوضاع هشاشة.

رؤساء الدول: اما مسؤولية رؤساء الدول فتقوم بأفعال ملموسة لصالح إخوتنا وأخواتنا الذين يعانون من عدم توفّر العمل والأرض والمسكن وتسهيل اندماج المهاجرين. كما يتطلب منهم تحسين الأوضاع الحياتية للمرضى من خلال ضمان حصول الجميع على العلاجات الطبيّة والأدوية الأساسية للحياة، إضافة إلى إمكانية الرعاية المنزلية. كما انهم مدعوون أيضا لتجديد علاقاتهم مع باقي الشعوب كي تتحقق الأخوّة أيضا داخل عائلة الأُمم. وتجنب النزاعات أو الحروب التي لا تدمّر ثرواتها المادية والثقافية والاجتماعية فقط وإنما أيضا الاستقامة الأخلاقية والروحية. فالمطلوب منهم تبنّي سياسات تعاون وتضامن في سبيل السلام.

خلاصة القول

في روح يوبيل الرحمة يدعو البابا فرنسيس كل واحد لمعرفة اللامبالاة في حياته كي يستطيع التغلّب عليها فنكون حقا أبناء الله ونستحق تطويب السيد المسيح " طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون. (متى 5: 9).