موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٢٧ مارس / آذار ٢٠٢٦
الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد المؤمنين الجدد
تقرير لإليزابيث دياس، مراسلة الشؤون الدينية في صحيفة «نيويورك تايمز»، تغطي فيه قضايا الإيمان والسياسة والقيم، وتحاول من خلاله فهم الأسباب الكامنة وراء الارتفاع الملحوظ في أعداد المؤمنين الجدد في الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة.

أبونا :

 

ينضم عدد متزايد من الأشخاص إلى الكنيسة الكاثوليكية بأرقام لافتة.

 

ففي عيد الفصح هذا العام، ستستقبل أبرشية ديترويت 1,428 كاثوليكيًا جديدًا، وهو أعلى رقم خلال 21 عامًا. كما ستسجل أبرشية غالفستون-هيوستن أعلى عدد خلال 15 عامًا. وفي أبرشية دي موين، ارتفع العدد بنسبة 51% مقارنة بالعام الماضي، من 265 إلى 400 شخص.

 

في السنة الأولى بعد انتخاب البابا لاون الرابع عشر، أول بابا من الولايات المتحدة، تستقبل العديد من الكنائس الكاثوليكية في مختلف أنحاء البلاد أكبر عدد من الكاثوليك الجدد منذ سنوات. ومن المقرر أن يُستقبل هؤلاء رسميًا في الكنيسة خلال قداس سبت النور، عشية عيد الفصح في 5 نيسان.

 

 

حيرة من أمرهم

 

ويتابع الأساقفة باهتمام هذا الارتفاع الملحوظ في أعداد المنضمين إلى الكنيسة، رغم حيرتهم بشأن أسبابه. وقال الكاردينال روبرت ماكلروي، رئيس أساقفة واشنطن: «بالطبع نعتقد أن الروح القدس هو السبب، لكننا في الواقع في حيرة من أمرنا».

 

ومن المتوقع أن تشهد أبرشيته هذا العام انضمام 1,755 شخصًا إلى الكنيسة في عيد الفصح، بزيادة عن العام الماضي الذي شهد انضمام 1,566 شخصًا، والذي كان بدوره الأعلى منذ 15 عامًا على الأقل، وفقًا لسجلات الأبرشية. وأشار الكاردينال إلى أن أساقفة أبرشيات أخرى لاحظوا الاتجاه نفسه، حتى باتوا يتبادلون السؤال «كم هو عددكم؟ كم هو عددكم؟» خلال جلسات مؤتمر عقد مؤخرًا.

 

لكل أبرشية نظامها الخاص لتتبع بيانات الانضمام إلى الكنيسة، مما يجعل الحصول على إحصاءات دقيقة وفورية أمرًا صعبًا. جمعت صحيفة التايمز بيانات من عشرات الأبرشيات، بما فيها بعض أكبر الأبرشيات في البلاد، مثل لوس أنجلوس وفينيكس، بالإضافة إلى أبرشيات ريفية وأصغر حجمًا مثل غالوب، نيو مكسيكو، وألينتاون، بنسلفانيا. وقد سجلت كل منها زيادة ملحوظة.

 

 

الأسباب الكامنة

 

وأشار المشاركون إلى أسباب متعددة لهذه الظاهرة، منها البحث عن الانتماء إلى جماعة، وعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، والانفتاح على الشباب، إضافة إلى التغيّر التكنولوجي. وقال رئيس أساقفة سانت لويس، ميتشل توماس روزانسكي: «في زمن يسوده عدم اليقين والقلق، هناك عطش وجوع إلى الله وإلى الاستقرار الذي يمنحه الإيمان في حياة الإنسان».

 

وأضاف أن عاملين رئيسيين ساهما في قلب مفهوم الانتماء للمجتمع رأسًا على عقب في السنوات الأخيرة، ما دفع الناس نحو الإيمان الكاثوليكي، موضحًا «أعتقد أن التكنولوجيا قد عزلتنا عن بعضنا البعض، وجاءت جائحة كوفيد-19 لتفاقم هذه العزلة. ونحن نكتشف اليوم أن العديد من مشكلات مجتمعنا، ولا سيّما القلق والاكتئاب، تنبع من هذه العزلة». ولاحظ أن أكثر الفئات شعورًا بالوحدة بين المنضمين إلى الكنيسة هم من تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عامًا، وهي الفئة التي شهدت نموًا ملحوظًا في عدة أبرشيات.

 

وأشارت أبرشيات عدة إلى تراجع في عدد المصلين خلال جائحة كورونا، عندما توقفت الأنشطة الكنسية الحضورية. لكن أرقام هذا العام تجاوزت في كثير من الحالات مجرد التعويض عن ذلك الانخفاض. ففي فيلادلفيا، بلغ العدد الإجمالي ضعف ما كان عليه في عام 2017، بينما ستشهد نيوآرك انضمام 1,701 شخصًا إلى الكنيسة في عيد الفصح هذا العام، مقارنة بـ1,000 في عام 2010.

 

 

استطلاع مركز «بيو»

 

وبحسب استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث العام الماضي، استقر عدد المسيحيين في الولايات المتحدة بعد سنوات من التراجع. كما شهدت الكنيسة الأرثوذكسية أيضًا ارتفاعًا ملحوظًا في عدد المنضمين الجدد، رغم عدم وضوح ما إذا كانت هذه الظاهرة تشمل جميع الأديان المنظمة.

 

ووفقًا للدراسة، فإن 8% فقط من بين نحو 53 مليون كاثوليكي بالغ في الولايات المتحدة هم من المنضمين إلى الكنيسة. وقد وجدت الدراسة أن الزواج كان السبب الرئيسي للانضمام، إلى جانب الإشباع الروحي، وتأثير الأصدقاء، والعائلة.

 

وعادةً ما يتطلب الانضمام إلى الكنيسة الكاثوليكية في سن البلوغ مسارًا تعليميًا يُعرف بـ«مسار التنشئة المسيحية للبالغين»، وقد يكون أحيانًا بشكل فردي، كما حدث مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي انضم إلى الكنيسة عام 2019 عن عمر 35 عامًا.

 

ويختلف هذا المسار بحسب الخلفية الدينية للشخص، سواء كان غير معمّد، أو سبق أن نال المعمودية، أو ينتمي إلى جماعة مسيحية أخرى. وفي قداس سبت النور، عشية عيد الفصح، ينال المنضمون الجدد أسرار المعمودية والتثبيت والإفخارستيا، ويُقبلون رسميًا في الكنيسة.

 

 

أهمية العائلة

 

وفي مقابلات، وصف المنضمون الجدد إلى الكنيسة الكاثوليكية دوافعهم بأنها شخصية للغاية، ولا ترتبط بالضرورة بانتخاب البابا لاون الرابع عشر. جاكلين تشافيرا، البالغة من العمر 41 عامًا من نيو مكسيكو، ستنضم إلى الكنيسة هذا الفصح مع طفليها. نالت سرّ المعمودية في طفولتها، لكنها لم تنل سرّ التثبيت في الكنيسة الكاثوليكية، ونشأت لاحقًا في «شهود يهوه».

 

وقالت إنها ابتعدت عن كل ذلك في شبابها، لكن شيئًا ما تغيّر عندما أصبحت أمًا. وأضافت «كان هناك فراغ داخلي لا أستطيع ملأه». ومع تعرّفها إلى خطيبها الكاثوليكي وبدئها حضور القداس معه، قررت العودة إلى الإيمان، مؤكدة أن قرارها «شخصي جدًا، مرتبط بعائلتي وطريقة تربية أطفالي».

 

 

وسائل الإعلام الجديدة

 

وفي بعض الحالات، تفوقت وسائل الإعلام الجديدة والأصوات الإلكترونية على قادة الكنائس المحلية في تشكيل الهوية الدينية. بالنسبة لجيسي أراوخو، البالغ 19 عامًا، من بارومب، نيفادا، وهي منطقة ريفية تابعة لأبرشية لاس فيغاس، كان الاستماع إلى نجوم البودكاست الكاثوليك الذين وجدهم على يوتيوب، مثل الأب مايك شميتز، هو العامل الأكبر الذي جذبه إلى الإيمان.

 

لم يحضر القداس إلا مرات قليلة قبل انضمامه إلى دورة التنشئة. وقال: «يقضي الكثير من الناس وقتهم في تصفح تطبيق تيك توك - نسختي من ذلك هي الدفاع عن العقيدة»، في إشارة منه إلى المتحدثين الذين يقدمون حججًا للدفاع عن الإيمان. شعر جيسي بواجب بعد أن تعرّف على الأسرار المقدسة. وقال: «أنا أتبع يسوع - لقد ترك يسوع كنيسة، لذا يجب عليّ أن أتبعها تلك الكنيسة». وأضاف أن والديه الآن يحضران دورات التنشئة أيضًا، مما جعله يشعر بالفخر.

 

 

مكان يقدّم الدعم

 

في ديترويت، ستنضم شارون كاليل، 26 عامًا، إلى الكنيسة هذا العام من خلال كاتدرائية القربان الأقدس. نشأت شارون يهودية، ووصفت نفسها في شبابها بأنها ملحدة، لكنها بدأت الصيف الماضي بزيارة الكنائس. وقالت: «من الصعب شرح الأمر، لقد شعرت حقًا بنداء في قلبي». عندما دعتها صديقتها التي اعتنقت الكاثوليكية مؤخرًا لزيارة الكاتدرائية، استقبلها الكاهن والشماس شخصيًا.

 

في المرة الأولى التي قرّرت فيها الصلاة، دعت أن يرزقها الله هي وزوجها، غير الكاثوليكي، بالحمل في ظل معاناتهما من مشاكل الخصوبة. وفي اليوم التالي، علمت أنها حامل، وشعرت، كما قالت، أنها علامة إلهية. وعندما أجهضت لاحقًا، لم تجد مكانًا آخر ترغب في التواجد فيه سوى الكنيسة. وأضافت: «إن الطريقة التي غمرتني بها الرعيّة بالصلاة والمحبة، ودعموني خلال تلك الفترة العصيبة، أكدت لي أنني في المكان الصحيح».

 

 

أسئلة أعمق

 

أمين-را برايور، 23 عامًا، طالب دكتوراه في الرياضيات في جامعة هوارد في واشنطن، بدأ سنته الجامعية الأولى خلال جائحة كورونا، وعانى من الاكتئاب وصعوبة في إيجاد مجتمع داعم. نشأ برايور في بيئة غير دينية وبنزعة لاأدرية، لكن أصدقاء جدد عرّفوه إلى كنائس غير طائفية. ومع مرور الوقت، بدأ يستكشف «الأسئلة الأعمق»، على حدّ تعبيره، «مثل: ماذا يعني أن نحيا حياة صالحة وأن نفعل الخير؟ وما هو الإيمان؟ وهل الإيمان معقول؟».

 

وانطلق في قراءة الفلسفة القديمة لدى مفكرين مسيحيين، كما تابع مقاطع على يوتيوب لمدافعين عن الإيمان الكاثوليكي، مثل معهد توما الأكويني وتايلور مارشال. وعندما انتقل إلى واشنطن، بدأ يحضر القداس في كنيسة القديس أغسطينوس، وهي جماعة أسّسها كاثوليك سود محرَّرون قبل الحرب الأهلية، حيث سيُستقبل رسميًا في الكنيسة خلال قداس عشية الفصح.

 

وقد انجذب بشكل خاص إلى تعليم الكنيسة حول الألم، والذي قال إنه يساعده على تجاوز المحن الصعبة، كما يقدّر سرّ الاعتراف. وقال: «إن القدرة على سماع عبارة: "مغفورة لك خطاياك" بصوت مسموع، لها أهمية كبيرة جدًا بالنسبة إليّ».