موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٩ أغسطس / آب ٢٠٢٦
الكاردينال غوجيروتي: مسيحيو الشرق مهددون بالانقراض والرجاء في الوحدة
لفت رئيس دائرة الكنائس الشرقية، الكاردينال كلاوديو غوجيروتي، في مداخلته خلال لقاء ريميني، الانتباه إلى المخاطر التي تهدد بقاء مسيحيي الشرق، مشددًا على أهمية التنوع وغناه، ومعربًا عن ثقته بعمل الروح القدس من أجل العيش في الوحدة.

أبونا :

 

تحدث الكاردينال كلاوديو غوجيروتي، رئيس دائرة الكنائس الشرقية بالفاتيكان، عن الحاجة إلى «ولادة جديدة» تجمع مسيحيي الشرق والغرب، وتعيد إحياء الرجاء، ولا سيما أمام خطر الانقراض والتهديدات والعنف التي لا تترك في الأفق مخرجًا واضحًا.

 

وجاءت كلمات الكاردينال خلال مداخلته في لقاء ريميني، في 24 آب الماضي، حيث أكد أن الرجاء يستمد قوته من الروح القادر على أن يمنح «نسمة حياة جديدة»، وأن يجعلنا نكتشف بعضنا بعضًا كإخوة، ويسمح للمسكونية بأن تزدهر، ويعيد إلينا القدرة على أن نكون خلائق «قادرة على الله»، حتى وسط الأنقاض المادية.

 

وقال الكاردينال غوجيروتي: «المسيحية واقع متعدد، وليست مجرد ثقافة بيوتنا، ولا سيما ثقافة الأمس، لأن حضورها اليوم يبدو أكثر هشاشة، بل ويواجه أحيانًا معارضة شديدة». وأكد أن هذا التعدد يشكل غنى في الاختلاف، وهو «تعبير عن إبداع الروح القدس الذي يجعل منا سيمفونية قادرة على إثراء حساسية كل واحد منا».

 

وأضاف رئيس دائرة الكنائس الشرقية أن «العالم الشرقي يقع اليوم في قلب الحرب؛ فهي تستعر وتدمّر وتضع حتى الشرقيين في مواجهة بعضهم بعضًا، والكاثوليك في مواجهة الكاثوليك، والأرثوذكس في مواجهة الأرثوذكس، أي مؤمنين بالرب نفسه، لكن يصبح من الأصعب عليهم الحفاظ على وحدة جسد المسيح، الذي هو الكنيسة».


 

صعوبة البقاء

 

وتحدث الكاردينال عن تاريخ صعب بدأ في الماضي، وما زالت صفحاته تُكتب اليوم بحبر العنف، وقال: «إخوتنا وأخواتنا الأرثوذكس مهددون بالانقراض، ويهرب كثيرون منهم من أراضيهم الأصلية، المشبعة بآثار خطوات المسيح نفسه، بحثًا عن الأمان في أماكن أخرى».

 

وأضاف أنهم «يشعرون بأنهم مهددون بشدة بعدما شاهدوا المجازر التي ارتكبها تنظيم داعش، أو اختبروا القصف والعنف غير المحدود لحروب لا تعرف نهاية، لأنها لا تهدف إلا إلى وضع القوميات في مواجهة بعضها بعضًا، أو الخضوع لمنطق قلة من التجار الذين يتحكمون بالعالم».

 

وأشار إلى أن البقاء على قيد الحياة يصبح أمرًا صعبًا في مثل هذا السياق. وتساءل: كيف يمكن إذًا الحديث عن المسكونية عندما تكون إمكانية البقاء نفسها على المحك، وفي الوقت الذي تواجه فيه بعض الكنائس الأرثوذكسية بعضها بعضًا بعنف؟ وأكد أن «جوهرية البحث عن البقاء ستطهّر وجه الكنيسة، سواء من النزعة الاستهلاكية أو من خطر المسالمة السطحية السهلة».

 

وأوضح أن أن نكون واحدًا يعني أيضًا إعادة النظر في الشعور بالحصرية الذي غالبًا ما يشتكي منه الغربيون في تعامل الشرقيين معهم، ومواجهة عالم الاستهلاك الذي يجعل البشر أحيانًا «وحوشًا في ردود أفعالهم العنيفة حتى داخل بيوتهم، التي يسكنها رجال كهوف يطعن بعضهم بعضًا من أجل لا شيء». ومن هنا، شدد غوجيروتي على الحاجة إلى رجاء يستند إلى الروح الذي يجدّد الإنسان.

 

 

نسمة جديدة

 

وقال الكاردينال غوجيروتي: «الحرب ليست خيرًا أبدًا، لكن السلام الزائف، عندما لا يعود سلامًا بل انتصارًا للتسلط والأيديولوجيا، ولأخلاق هوياتية تجعلنا نشعر بأننا شعب مميز أكثر من كوننا مسيحيين أمناء، يمكن أن يخفي هو نفسه أخطارًا قاتلة على الحياة الروحية».

 

وأضاف: «في هذا الزمن بالذات، الذي لا نعرف فيه ماذا يمكن لأقوياء الأرض أن يبتكروا من يوم إلى آخر، وحيث يصبح التواصل في خدمة التأثير، ولا سيما تقلبات الأسواق التي يجري توقعها بدهاء ثم استغلالها لمصلحة البعض، سيقود الروح أيضًا إلى نتيجة تطهيرية تطال تعب مسيحيتنا». وأكد أن السلام يمكن أن يبدأ منذ الآن، من دون انتظار المعاهدات أو القرارات السياسية، مشيرًا، على سبيل المثال، إلى الصمت والصلاة لدى آباء الشرق.

 

واختتم رئيس دائرة الكنائس الشرقية بالقول: «كل مسكونية، بل وكل احترام وحتى كل تذوق لجمال التنوع، ينشأ من حركة النفس هذه، غير المتوقعة والغامضة، التي تحررنا من التوقف عند التفاصيل الهامشية التي وضعناها في مركز الحياة، وتعيد إلينا القدرة على أن نكون خلائق "قادرة على الله"، حتى وسط الأنقاض المادية».