موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٢٥ مارس / آذار ٢٠٢٦
الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا في عيد البشارة: يبقى الله حاضرًا حتى في قلب الأنقاض

أبونا :

 

ترأس الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، القداس الإلهي لمناسبة عيد البشارة في بازيليك البشارة بمدينة الناصرة، موجّهًا عظة عميقة في ظلّ الظروف الصعبة التي تعيشها الأرض المقدسة، حيث الحرب والحزن والانقسام يثقلون حياة المؤمنين.

 

 

صمت الناصرة.. وقراءة التاريخ بعيني الله

 

استهلّ الكاردينال عظته بالتحية: «ليمنحكم الرب السلام»، مشيرًا إلى رمزية المكان القريب من البيت الذي «أصبح فيه اللامتناهي محدودًا». ولفت إلى أن الاحتفال هذا العام يحمل طابع الصمت، نتيجة الأوضاع الراهنة التي حالت دون التجمعات الكبيرة، قائلاً إن شوارع الناصرة بدت هادئة، فيما يثقل القلب عبء الأشهر الماضية من الحرب والحزن والانقسام.

 

رأى البطريرك أن هذه اللحظة تدعو المؤمنين إلى التعلّم من العذراء مريم «الفنّ الخفي لقراءة التاريخ بعيني الله»، مستعرضًا قصة الملك آحاز، في القراءة الأولى، الذي رفض أن يطلب آية من الله مفضّلًا الاتكال على حساباته السياسية، مقابل المبادرة الإلهية التي أعطت العلامة رغم ذلك: «ها إن العذراء تحمل فتلد ابنًا». وأوضح أن هذه العلامة تحققت في مريم ويسوع، «عمانوئيل - الله معنا»، مؤكدًا أن الله يعمل بأسلوب مختلف عن منطق القوة، إذ يدخل التاريخ من باب التواضع والضعف، ليحفظ حرية الإنسان.

 

 

«كيف يكون هذا؟»… سؤال الإيمان

 

وتوقف بطريرك القدس للاتين عند مشهد البشارة في إنجيل لوقا، حيث عبّرت مريم عن اضطرابها وتساؤلها: «كيف يكون هذا؟»، معتبرًا أن هذا السؤال لا يعكس شكًا، بل بحثًا صادقًا عن الفهم. وأضاف أن جواب الملاك لم يكن حلًا بشريًا، بل وعدًا بحضور إلهي: «الروح القدس سيحل عليك»، متوجًا ذلك بالعبارة الحاسمة: «فما من شيء يُعجز الله».

 

وتساءل كيف يمكن ترداد هذه العبارة في واقع مليء بالحروب والخوف، حيث الصواريخ والموت واليأس، مشيرًا إلى أن الجواب تجسّده مريم نفسها. فـ«نعم» التي قالتها لم تكن في ظروف مثالية، بل في عالم ممزق، وهي «نعم» تقود إلى الألم والصليب، ولكن أيضًا إلى القيامة.

 

 

الأرض المقدسة مدعوة لتكون «ناصرة جديدة»

 

وأكد أن الجماعة المسيحية اليوم، في الأرض المقدسة، مدعوة، مثل مريم، إلى عيش هذا السر، بأن تكون «رحمًا يستقبل الحياة رغم كل شيء، وقلبًا لا ينغلق نفسه على الخوف، بل يُولّد الحياة»، محذرًا من الوقوع في تجربة اليأس أو الرد على الكراهية بالكراهية، وهي «تجربة آحاز» المتجددة.

 

وأشار الكاردينال بيتسابالا إلى أن «مدرسة الناصرة» تعلّم طريقًا مختلفًا، يقوم على الإصغاء والصمت وعيش الحياة الأسرية، وهي «مدرسة الإنجيل» كما جاء في عظة القديس البابا بولس السادس في الناصرة، داعيًا الكنيسة إلى قراءة علامات الأزمنة بشجاعة، وعدم إغلاق القلوب أمام الرجاء.

 

 

الرجاء وسط الأنقاض

 

وشدد على أن «الواقع ليس قائمًا على الشرّ وحده. ففي هذا الواقع، وسط الأنقاض، يبقى الله حاضرًا. ما زال يوجد أمهاتٌ يحيين بالرجاء، وآباءٌ يعملون، وأطفالٌ يلعبون، وكبارُ السنّ يرفعون صلواتهم. ما زال يوجد مسيحيون يختارون البقاء، والمحبة، والغفران. هناك نلتقي بالله».

 

وأكد على رسالة المؤمنين في أن يكونوا «في ظلمة الحرب، يعرفون كيف يرون بواكير حضور الله»، وأن يكونوا «صانعي سلام ليس ببيانات مجردة، بل بالواقع اليومي لمن، مثل مريم، يقبل أن يحمل العالم في رحمه –بكل تناقضاته وآلامه وجماله– وأن يتألم من أجله، ليحوله من الداخل بقوة الحب وحدها».

 

 

صلاة ختامية

 

وفي الختام، سلّم البطريرك كنيسة الأرض المقدسة إلى شفاعة العذراء مريم، وصلّى قائلاً:

 

«أنتِ التي اختبرتِ الحيرة والرعبة، امنحينا نعمة الشجاعة لنقول "نعم". ساعدينا ألّا نهرب من الحقيقة، بل أن نعيشها حتى النهاية وبكاملها، واثقين أنّه لا شيء مستحيل عند الله. ساعدينا أن نكون كنيسةً مُصغيةً، وجماعةً تعرف كيف ترحّب، وعائلاتٍ لا تنغلق على ذاتها. واجعلينا، على مثالكِ، نحمل يسوع –عمانوئيل، الله معنا– إلى قلب هذا العالم الخائف. لتصبح حياتُنا، هنا في الناصرة وفي كلّ الأرض المقدّسة، علامةَ رجاء؛ تلك الزهرة الصغيرة التي تتفتّح بين الأنقاض، لتعلن للجميع أنّ الحب أقوى من الموت، وأنّ الكلمة المتجسّد لا يزال يسكن بيننا».