موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
"في إسرائيل، لم يعد أحد يتحدث عن عملية سلام". بهذه الكلمات يصف الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، واقع الأرض المقدسة بعد ثلاث سنوات على أحداث السابع من تشرين الأول 2023، في مقابلة مع وسائل الإعلام الفاتيكانية، متوقفًا عند حالة انعدام الثقة التي تسود المنطقة، والانقسامات المتزايدة داخل المجتمع الإسرائيلي، وما يرافقها من قلق في أوساط الجماعات المسيحية وسكان الضفة الغربية في دولة فلسطين.
ويؤكد البطريرك أن الفلسطينيين في الضفة الغربية "لا يعرفون إلى من يتوجّهون، أو إلى من يلجأون"، مشددًا على أن "الأمر الأكثر إثارة للقلق هو الغياب التام للقانون واحترامه". أما في قطاع غزة، فيحذّر من أن الأوضاع الإنسانية "لم تتحسّن، بل على العكس، يزداد السكان إنهاكًا واستنزافًا".
انقسامات متزايدة داخل المجتمع الإسرائيلي
يلاحظ الكاردينال بيتسابالا أن الإرهاق والتعب باتا من السمات البارزة للمجتمع الإسرائيلي أيضًا، مشيرًا إلى أن الانقسامات الداخلية ازدادت حدّة منذ عام 2023. ويقول: "منذ عام 2023، شهد المجتمع الإسرائيلي نفسه تشرذمًا كبيرًا. وكان الرئيس السابق رؤوفين ريفلين يتحدث عن قبائل إسرائيل عندما يشير إلى المجتمع الإسرائيلي. واليوم، أصبح هذا التشرذم أكثر وضوحًا".
ويضيف: "في إسرائيل، لم يعد الناس يتحدثون عن عمليات السلام، ولم يعودوا يؤمنون بإمكانية تحقيق حلّ يقوم على وجود شعبين ودولتين". ويتابع: "هناك شعور عام بالضياع، وربما أيضًا بشيء من الغضب تجاه العالم. وباختصار، يشعر الناس بأن أحدًا لا يصغي إليهم أو يفهمهم".
مسيحيو الأرض المقدسة ومخاوف الهجرة
تنعكس أجواء عدم اليقين هذه على الجماعات المسيحية أيضًا. فبحسب بيانات مركز روسينغ، يشكّل المسيحيون 1.9% فقط من سكان إسرائيل. وأظهر استطلاع أجراه المركز نفسه أن 36% من المشاركين يفكّرون في مغادرة القدس أو إسرائيل عمومًا.
وترتفع هذه النسبة بين الفئات العمرية الشابة، إذ تشير بيانات المركز إلى أن 48% من المسيحيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، و52% ممن تتراوح أعمارهم بين 30 و44 عامًا، يعتزمون الانتقال للعيش في مكان آخر.
وفي هذا السياق، يؤكد الكاردينال بيتسابالا: "المسيحيون، كما أقول دائمًا، ليسوا عالمًا منفصلًا، بل يعيشون ما يعيشه الجميع"، موضحًا أن الهجرة تطال الإسرائيليين والفلسطينيين واليهود والمسلمين والمسيحيين على حد سواء.
ويضيف: "لكن تأثيرها علينا، نحن المسيحيين، أكبر لأن عددنا قليل". ويوضح أن المخاوف الأساسية مشتركة بين الجميع، وتتمثل في "انعدام الثقة والخوف من المستقبل"، غير أن المسيحيين يواجهون، إلى جانب ذلك، صعوبات اقتصادية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالوضع السياسي.
اعتداءات وأعمال ترهيب بحق المسيحيين
شكّلت حوادث العنف والترهيب التي شهدتها السنوات الأخيرة، ولا سيما في القدس، عبئًا إضافيًا على الجماعات المسيحية. وفي هذا الإطار، يشير الكاردينال بيتسابالا إلى أن "هذه الحوادث ما زالت مستمرة، مع تفاوت في حدّتها بين فترة وأخرى، وإن بدا أنها تراجعت خلال الأشهر الأخيرة"، لافتًا إلى أن وسائل الإعلام والسلطات المختصة أصبحت تولي هذه الاعتداءات اهتمامًا أكبر.
الضفة الغربية: غياب القانون وتصاعد اعتداءات المستوطنين
تزداد مخاوف البطريرك عند الحديث عن الأوضاع في الضفة الغربية، التي يزورها بانتظام للقاء الجماعات الفلسطينية التي تواجه اعتداءات متزايدة العنف من جانب المستوطنين.
ويوضح قائلًا: "إن الجماعة تشعر بقلق وخوف شديدين إزاء التدهور المستمر في الأوضاع، ولا سيما في بعض المناطق، مثل الطيبة وعابود، وكذلك في المناطق الداخلية، حيث توجد قرى ما زالت الزراعة فيها مهمة وأساسية لمعيشة العائلات".
ويشدّد الكاردينال بيتسابالا على أن "الأمر الأكثر إثارة للقلق هو هذا الغياب التام للقانون واحترام"، مضيفًا: "نحن في موسم قطاف الزيتون، ومع ذلك تُسرق ثمار الزيتون، ويُمنع المزارعون من الوصول إلى أراضيهم الزراعية". ويتابع: "هذه ظروف تولّد مزيدًا من انعدام الثقة والقلق لدى السكان الفلسطينيين، الذين لا يعرفون إلى من يتوجّهون، أو إلى من يلجأون".
بيتسابالا: أعتزم العودة إلى غزة
أما في قطاع غزة، فإن اقتراب فصل الشتاء يزيد الأوضاع مأساوية بالنسبة إلى سكان أنهكتهم المعاناة، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقّع في 10 تشرين الأول 2025.
وفي هذا السياق، يؤكد الكاردينال بيتسابالا عزمه على زيارة القطاع مجددًا، قائلًا: "علينا بالتأكيد أن نذهب إلى هناك، ولذلك أعتزم العودة".
ويشدّد على أن "الوضع الإنساني لم يتحسّن إطلاقًا، كما أن ظروف الحياة الفعلية، في الخيام وسط الرمال ومن دون مرافق صحية ملائمة، لم تتحسّن. بل على العكس، ازدادت سوءًا".
ويأتي هذا التوصيف في ظل استمرار معاناة السكان من الظروف المعيشية القاسية، وما يرافقها من إرهاق متزايد ومخاوف بشأن المستقبل.
حتى متى؟... سؤال يتردّد في الأرض المقدسة
وسط هذه الأوضاع، يبرز سؤال يتردّد في أنحاء الأرض المقدسة منذ ثلاث سنوات على الأقل: "حتى متى؟". وهو السؤال نفسه الذي قال الأب جبرائيل رومانيلي، كاهن رعية العائلة المقدسة في غزة، إن البابا لاون الرابع عشر طرحه عليه خلال الأيام الأخيرة.
وقد وجّهت وسائل الإعلام الفاتيكانية السؤال ذاته إلى الكاردينال بيتسابالا، الذي أجاب: "إنه سؤال نطرحه جميعًا على أنفسنا، في الصلاة وفي كل أنواع اللقاءات والتواصل، سواء كانت سياسية أم دينية". وأضاف: "علينا أن نواصل الإصرار على إبقاء الاهتمام منصبًّا على الأوضاع، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها، في نهاية المطاف، البدء بجهود جدّية لإعادة الإعمار ووضع حدّ لهذا الوضع المأساوي".