موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ترأس الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، القداس الإلهي في ذكرى تتويج المسيح بإكليل الشوك، وذلك في كنيسة «هوذا الرجل» في البلدة القديمة في القدس، حيث تأمّل في صورة المسيح المتوَّج بالشوك بوصفها «واحدة من أصعب الصور فهماً ولكنّها أعمقها دلالةً في تقليدنا الكنسي»، مؤكّدًا أنّها «ليست مجرد لحظة قسوة من لحظات آلام الربّ، بل إعلان لوجه الله ووجه الإنسان معًا».
وأشار البطريرك إلى أنّ مسيرة العهد القديم تقود إلى اللقاء بوجه الله، حيث يبقى وجهه محتجبًا، فيما تبقى طلبة الإنسان: «أَنِرْ علَينا بِوَجهِكَ فنَخلُص». ومع التجسّد «صار شوق الإنسان ملموسًا»، إذ إنّ «الله ما رآه أحد قطّ، الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه»، فأصبح لوجه الله ملامح بشرية. غير أنّ مشهد التتويج بالشوك يقود إلى ما هو أبعد، إذ فيه «يُظهر الله لنا جانبًا آخر من وجهه، لا في المجد كما تمنّى موسى، بل في الألم والإذلال».
وتوقّف غبطته عند رمزية الإكليل، فهو «رمز ملكيّ، لكنّه مصنوع من الشوك»، علامة لعنة الأرض، «ها هو الملك يحمل على عاتقه لعنة العالم. ملكوته لا يقوم على سلطةٍ تسحق، بل على محبّةٍ تسمح بأن تُطعَن. جلاله في تواضعه، وقوّته في هشاشته». كما استعاد نبوءة أشعيا عن خادم الرب المتألّم: «لم يعد منظره منظر إنسان»، ليؤكّد أنّ وجه الله يظهر في «وجه البريء المعذَّب، والبارّ المستهزأ به».
وأضاف أنّنا عندما نتأمّل المسيح المستهزأ به «لا نستحضر ذكرى من الماضي فحسب، بل نرى انعكاسًا يتجلّى اليوم في جميع المتألّمين»، مشدّدًا على أنّ «كلّ فعل تجريدٍ للإنسان من إنسانيّته هو اعتداءٌ على الله؛ وكلّ ردّ كرامةٍ لإنسان هو فعل عبادة».
وتأمّل الكاردينال بيتسابالا في عبارة «هوذا الرجل!» الواردة في إنجيل يوحنا، معتبرًا أنّ بيلاطس «أعلن حقيقةً لاهوتيّة»، إذ في ذاك الرجل المجلود والمتوَّج «يكمن ملء الإنسانيّة»، لأنّ فيه «اتّحد اللاهوت بالناسوت، وهكذا أظهر أيضًا وجه الله». وأضاف: «يمكننا أن نقول: ها هو إلهكم! إنّه الإله الذي لا يظهر في القوّة، بل في الإخلاء التامّ للذات».
كما توقّف عند صمت يسوع أمام السخرية والعنف، واصفًا إيّاه بأنّه «صمت المحبّة التي لا تجيب الكراهية بالكراهية، وعلى العنف بالعنف»، صمتٌ «يمتصّ الشرّ، ويغمره في عمق رحمته ويجرّده من سلاحه»، كاشفًا عن «عظمة قوته، وهي القدرة على الغفران».
وختم بالتأكيد على أنّ «إكليل الشوك يُستبدَل بإكليل مجد القيامة»، لكنّ الجراح تبقى، إذ إنّ الندبات «لم تُمحَ؛ بل تجلّت. أصبحت ختمًا دائمًا للحب، قنواتًا تتدفق عبرها الحياة الإلهية إلى العالم». فهي تشهد أن الله «لم يتجنب الألم البشري، بل مرّ به وافتداه»، وأنّ وجهه الممجَّد «يحمل إلى الأبد علامات حبّه الفائق».
وأوضح أنّ التأمّل في وجه المسيح المتوَّج بالشوك «يبدّل فكرنا عن الله»، فلم يعد إلهًا بعيدًا غير مبالٍ بآلامنا، «بل هو الله معنا، يصرخ في وسط ألم العالم ويفديه بالدخول إليه». كما «يبدّل نظرتنا إلى الآخرين»، إذ نتعلّم أن نرى «وجه المسيح في كلّ وجهٍ مُهانٍ أو متألّمٍ أو مُهمَّش»، لأنّ «إكليل الشوك يوضع على رأس كلّ منبوذ». كذلك «يبدّل نظرتنا إلى أنفسنا»، فمعاناتنا ولحظات العجز أو الإهانة «ليست علامات فشلٍ أو بُعدٍ عن الله، بل يمكن أن تصير المكان المميَّز للقاء وجهه عن قرب، بصدقٍ ومن دون أقنعة»، وإذا «اتّحدت أشواكنا بأشواكه، لن تُمحى، بل يمكن أن تتحوّل إلى أدوات للرحمة وموضع للقاء به».
الكاردينال بيتسابالا: وجه المسيح المتوّج بالشوك يغيّر نظرتنا إلى الله والآخرين وأنفسنا
الكاردينال بيتسابالا: لتقودنا علامة الصليب التي ترسم بالرماد إلى الله بتواضع وتوبة