موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ١٨ مارس / آذار ٢٠٢٦
البابا مسؤولي طرد الأرواح: دعوة لتعزيز التنشئة ومرافقة المعاناة الروحية

أبونا :

 

خلال لقاء خاص أضاء على أحد أكثر الأوجه الرعوية هدوءًا في الكنيسة الكاثوليكية، استقبل البابا لاون الرابع عشر في 13 آذار 2026 مسؤولي الجمعية الدولية لطرد الأرواح الشريرة، في اجتماع دام نحو نصف ساعة، تناول التحديات الراهنة لهذه الخدمة الكنسية والحاجة المتزايدة إلى كهنة مؤهّلين لمرافقة المعاناة الروحية.

 

وجمع اللقاء البابا مع المونسنيور كاريل أورليتا، رئيس الجمعية، والأب فرانشيسكو بامونتي، نائب الرئيس. وبحسب ما أُفيد لاحقًا، جرى اللقاء في أجواء ودّية يسودها الإصغاء، حيث استمع البابا باهتمام إلى عرض الضيفين لواقع خدام هذه الرسالة في الكنيسة حول العالم.

 

وقدّم أورليتا ومونتي شرحًا لبنية الجمعية الدولية لطرد الأرواح الشريرة ورسالتها، وهي منظمة أصبحت خلال العقود الأخيرة مرجعًا مهمًا للكهنة المكلّفين بهذه الخدمة الرعوية المتخصصة. واستنادًا إلى خبرة الجمعية، عرضا لمحة عن الممارسة الحالية واحتياجات هذا المجال في المرحلة المقبلة.

 

 

تنشئة وتعاون

 

وكان موضوع التنشئة من أبرز محاور النقاش، إذ شددت الجمعية على التزامها المستمر بتأهيل الكهنة المعيّنين لهذه الخدمة، سواء في مرحلة الإعداد الأولي أو التكوين المستمر. وأوضحا أن هذا الإعداد ضروري، لأن الكنيسة تشترط في الكاهن المكلّف بهذه المهمة امتلاك تمييز روحي راسخ، إلى جانب فهم دقيق للفاصل المعقّد بين الظواهر الروحية والاضطرابات النفسية أو الطبية.

 

وفي هذا السياق، برزت أهمية التعاون بين طاردي الأرواح الشريرة وأهل الاختصاص في المجال الصحي، من أطباء وأطباء نفسيين ومعالجين. فالكنيسة تؤكد تقليديًا ضرورة التحقق بدقة من الحالات المشتبه بها، واستبعاد أي تفسير مرضي أو طبيعي قبل اللجوء إلى طقس طرد الأرواح.

 

كما تناول اللقاء مسألة توفر الكهنة المؤهّلين، حيث شددت الجمعية على ضرورة وجود كاهن واحد على الأقل في كل أبرشية مكلّف بهذه الخدمة. غير أن الواقع يُظهر تفاوتًا كبيرًا بين البلدان، ما يدفع الجمعية إلى الدعوة لوضع خطط رعوية أوضح تمكّن الأساقفة من ضمان توافر هذه الخدمة للمؤمنين عند الحاجة.

 

وتطرّق النقاش أيضًا إلى التكوين الكهنوتي بصورة أشمل، إذ ترى الجمعية أنه ينبغي أن يتلقى طلاب الإكليريكيات تعليمًا أساسيًا خلال دراستهم اللاهوتية حول تعليم الكنيسة بشأن وجود الشرير وكيفية تعاملها مع ما يُعرف بـ«النشاط الشيطاني غير العادي». واعتبر ممثلو الجمعية أن هذا التعليم يساعد الكهنة المستقبليين على مقاربة هذه المسائل بوضوح لاهوتي، بعيدًا عن الالتباس أو الطابع الاستعراضي. كذلك اقترحت الجمعية إدراج دورة قصيرة للأساقفة الجدد حول كيفية مرافقة هذه الخدمة رعويًا، ضمن برامج التنشئة التي تُقدَّم لهم في بداية خدمتهم الأسقفية.

 

وفي عرضهم، لفت المسؤولون أيضًا إلى تزايد حالات يواجه فيها الكهنة أشخاصًا يعانون اضطرابات خطيرة بعد انخراطهم في جماعات أو ممارسات غامضة. وأشاروا إلى أن هذه الحالات غالبًا ما تنطوي على معاناة عميقة تتطلب مرافقة رعوية دقيقة.

 

وشدّدوا على أن ممارسة طرد الأرواح في الكنيسة ليست عرضًا أو مشهدًا استثنائيًا، بل هي صلاة كنسية تُمارَس باسم المسيح، هدفها الأول مرافقة الإنسان وتخفيف معاناته الروحية. وتحتلّ خدمـة طرد الأرواح مكانة فريدة ضمن الرعاية الراعوية في الكنيسة الكاثوليكية. ونادرًا ما يتم التطرّق إليها في العلن، إذ تخضع لقواعد ليتورجية صارمة. ولا يُسمح بإقامة طقس طرد الأرواح الرسمي إلا لكاهن مخوَّل صراحةً من أسقف الأبرشية، وفق الطقس المعتمد في الكنيسة، وغالبًا ما يتمّ ذلك في إطار خاص بعيدًا عن العلن.

 

 

تبادل هدايا

 

كما شارك المونسنيور أورليتا والأب بامونتي البابا حادثة تاريخية لاقت استحسانه، إذ كان البابا لاون يعرف شخصيًا الأب غابرييلي أمورث، الكاهن الإيطالي ومؤسّس الجمعية الدولية لطرد الأرواح الشريرة، والذي عُرف لعقود كأحد أبرز ممارسي هذه الخدمة في الكنيسة. وقد أسهمت كتابات الأب أمورث ومقابلاته بشكل كبير في نشر تعليم الكنيسة حول الصراع الروحي، مع تأكيده الدائم على ضرورة التحلّي بالحكمة والتوازن الرعوي.

 

واختُتم اللقاء بتبادل رمزي للهدايا، حيث قدّم أعضاء الجمعية للبابا أيقونة معدنية لرئيس الملائكة ميخائيل، مصدرها المزار المكرّس له في مونتي سانت أنجيلو، وهو موقع حج تاريخي في جنوب إيطاليا يرتبط بتكريم القديس ميخائيل كحامٍ من الشر.

 

كما قُدِّم للبابا نسختان من كتاب أصدرته الجمعية عام 2019 بعنوان «دليل خدمة طرد الأرواح الشريرة»، إحداهما بالإيطالية والأخرى بالإنجليزية. وقد أصبح هذا العمل في السنوات الأخيرة مرجعًا شائع الاستخدام بين الكهنة ومعلّمي التعليم المسيحي والمؤمنين الباحثين عن معلومات موثوقة لموقف الكنيسة من هذه الخدمة الحساسة. وقد شكر البابا لاون الرابع عشر ضيوفه على خدمتهم والهدايا التي قدّموها، وبدوره قدّم لهم مسبحة، في بادرة تقليدية تعبّر عن قربه الروحي وامتنانه.

 

ورغم قِصر اللقاء، إلا أنه يعكس الاهتمام المستمر الذي يوليه الفاتيكان لخدمة لا تزال غير معروفة على نطاق واسع لدى الرأي العام، لكنها تُعدّ، في نظر العديد من الرعاة، ضرورية على الصعيد الرعوي. فهدف الكنيسة ليس إثارة الانجذاب إلى ما هو شيطاني، بل الحرص على أن يجد الأشخاص الذين يعانون ضيقًا روحيًا عميقًا التعزية ضمن إطار من الإيمان والتمييز والمرافقة الرعوية.