موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أكد البابا لاون الرابع عشر أن الراحة الحقيقية لا تقوم على الهروب من الحياة أو البحث عن اللهو الذي يشتت الإنسان ويترك الفراغ في قلبه، بل على «العودة إلى الذات» ولقاء الله في أعماق النفس. جاء ذلك في عظته خلال القداس الذي ترأسه مساء السبت 22 آب في ميناء ريميني، بحضور أكثر من 25 ألف مؤمن، في ختام يوم شمل زيارته إلى جمهورية سان مارينو ومشاركته في «لقاء الصداقة بين الشعوب».
وفي مستهل عظته، انطلق البابا من سؤال يسوع لتلاميذه: «وأنتم، مَن تقولون إني أنا؟»، ومن جواب بطرس: «أنت المسيح، ابن الله الحي»، مؤكدًا أن المسيحيين، بعد ألفي عام، مدعوون إلى تجديد إعلان الإيمان نفسه، والإقرار بأن يسوع هو المسيح، ابن الآب الأزلي، الذي أُرسل إلى العالم «ليَخدم ويبذل نفسه فداءً عن كثيرين».
وقال البابا إن كلمات بطرس تكشف الحقيقة التي تملأ المؤمنين فرحًا ورجاءً، وتدلّهم على «الطريق الذي يقود إلى الحياة»، وهو طريق الله الذي يضع نفسه في خدمة الإنسان، والمعلّم الذي ينحني ليغسل أقدام تلاميذه، والراعي الذي يبذل نفسه من أجل قطيعه. وأضاف: «في هذا الضوء ننظر إلى فعل يسوع الذي يسلّم بطرس المفاتيح، لأن السلطة في الكنيسة، على كل مستوى، هي خدمة».
وأوضح أن البابا والأساقفة والكهنة والشمامسة مدعوون أولًا إلى عيش السلطة بهذه الروح، وينضم إليهم شعب الله بأسره، كل بحسب دعوته الخاصة. وأشار إلى أن رسالة «الربط والحل» تصف كذلك أسلوبًا ورسالة تشمل كل معمّد، وتتمثل في «الاحتضان والجمع والاستقبال والتحرير والمغفرة» ومساعدة مَن يقعون أسرى للخطيئة ونتائجها.
وتوقف لاون الرابع عشر عند شخصية شبنا الواردة في سفر النبي أشعيا (22: 19-23)، والذي أوكل إليه الملك حزقيا مشروعًا كبيرًا لتجديد أورشليم ومملكة يهوذا دينيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا، إلا أن الطموح والجشع دفعاه إلى إساءة استخدام سلطته وتكديس الثروة لنفسه والمقرّبين منه.
وقال البابا إن شبنا «نسي أن أهم ما في المهمة التي أشركه فيها سيده لم يكن الوسائل الاقتصادية والسلطة، بل إمكانية أن يعزز من خلالهما مشروع نهضة من أجل خير الجماعة بأسرها». وشدّد على أن الرسالة واضحة: «كل ما نحن عليه وكل ما نملكه هو عطية من الله، أوكلها إلينا لكي نكون، بين يديه، بعضنا لبعض، أدوات خلاص في العدالة»، انطلاقًا من الأشخاص والأماكن التي يعيش ويعمل فيها الإنسان كل يوم، وصولًا إلى العالم بأسره.
وفي تأمله في القراءة الثانية، أشار البابا إلى حديث القديس بولس عن تدابير الله التي لا تُستقصى، موضحًا أن ذلك لا يعود إلى تعقيدها، بل إلى «عظمة محبته المذهلة التي تتجاوز كل قدراتنا وتوقعاتنا». وقال: «الله بسيط، لأنه محبة خالصة»، وهو يدعو الإنسان بدوره إلى أن يحب بقلب يشبه قلبه، وأن يجعل طرقه وأفكاره منسجمة مع طرق الله وأفكاره.
وأشاد البابا بقيم الصدق والمجانية وحسن النية المتجذرة لدى أهالي ريميني والمنطقة المحيطة بها، وبما يتميزون به من صراحة وروح مرحة واجتهاد في العمل وتضامن، مستذكرًا القديسين والطوباويين الذين خرجوا من هذه المنطقة، إلى جانب النشاط المتواصل في الرعايا والعائلات والحركات والجمعيات والأعمال الخيرية والتربوية.
ودعا البابا الجماعة المسيحية في ريميني، التي تستقبل سنويًا أعدادًا كبيرة من الزوار، إلى أن تجعل منطقتها مكانًا لاستراحة الروح أيضًا، وليس فقط للترفيه والاستجمام. واستعاد كلمات القديس يوحنا بولس الثاني خلال زيارته إلى ريميني عام 1982: «الراحة لا تعني الانفصال عن الذات، بل تعني لقاء الإنسان بذاته والمصالحة مع أعماقه».
ثم قال لاون الرابع عشر: «العالم الذي نعيش فيه يقدّم أشكالًا كثيرة من اللهو، لكن بعضها يقود إلى التشتت والخراب أكثر مما يقود إلى عودة حقيقية إلى الذات، ويترك الفراغ في القلب». وأضاف: «هناك مَن يسمّي ذلك "هروبًا"، كما لو أن الحياة العادية سجن ينبغي الفرار منه. لكننا نعلم أن المكان الأكثر حقيقة الذي نجد فيه الراحة، ونلتقي فيه بالله لكي نلتقي حقًا بعضنا ببعض، ليس خارجنا، وسط الفوضى، بل في داخلنا، في أعماق النفس».
وانطلاقًا من ذلك، دعا البابا الجماعة المسيحية إلى تنمية هذه الخبرة ونقلها من خلال الانفتاح والضيافة والعناية بالكنائس والاستعداد للمساعدة وأعمال المحبة. وشدد على أن هذا الاستقبال ينبغي أن يشمل على قدم المساواة من يبحث عن «فترة راحة مستحقة بعد عام من العمل»، ومن يصل «مجروحًا في الجسد والروح، طالبًا المأوى والطعام والمساعدة بعيدًا عن وطنه».
وفي ختام عظته، استعاد البابا لاون الرابع عشر كلمات أسقف ريميني المطران نيكولو أنسيلمي حول «الصلاة والوحدة والإصغاء والشجاعة والبساطة والامتنان والجمال»، داعيًا المؤمنين إلى جعل هذه القيم حاضرة في كل تفاصيل حياتهم، قبل أن يعهد بهم إلى شفاعة العذراء مريم والقديس غاودينسيو وشفعاء المنطقة.