موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
دعا البابا لاون الرابع عشر آلاف الشباب المشاركين في اللقاء الفرنسيسكاني الأوروبي «Go!» في مدينة أسيزي الإيطالية، إلى أن يكونوا «قديسين جددًا» يحملون نور الإنجيل إلى العالم، مؤكدًا أن أوروبا والعالم اليوم يتطلعان إلى جيل قادر على كتابة «صفحات جديدة من التاريخ»، لا بالسلطة والقوة، بل بالمحبة والخدمة والسلام.
جاء ذلك خلال ترؤسه القداس الإلهي في بازيليك القديسة مريم سيّدة الملائكة، بمناسبة عيد تجلّي الرب، حيث قال: «أيها الشباب الأعزاء، إن أوروبا والعالم كله ينظر إليكم اليوم ليجدوا قديسين جددًا. تجرّأوا على الإيمان بكلمة الإنجيل، وكونوا بشرًا بالكامل بحرية يسوع المسيح، واعتنقوا الأخت الفقر».
وأوضح أن شعار اللقاء، «انطلقوا!»، ليس مجرد عنوان، بل رسالة ورسالة إرسال، مضيفًا: «إنها دعوة إلى السير في طرق لا خرائط لها، لأنها تنفتح عندما نصغي إلى القلب، ونطيع الروح القدس، ونتبع الرب القائم من بين الأموات حيث سبقنا».
وأكد البابا أن الشباب مدعوون إلى الخروج نحو الأماكن التي تُنتهك فيها كرامة الإنسان، قائلًا: «لنذهب إلى الأطراف، حيث يؤدّي ظلمُ بعض الأشخاص وغطرستهم إلى حرمان كثيرين، بل كثيرين جدًا، من أبناء الله وبناته، من كرامتهم وأحلامهم».
واستشهد بكلمات البابا فرنسيس، مشددًا على أن المسيح «يريدنا أن نلامس بؤس الإنسان، وأن نلمس جسد الآخرين المتألّم»، داعيًا إلى التوقف عن البحث عن «تلك المساحات الشخصية أو الجماعية التي تُبقينا بعيدين عن قلب المعاناة الإنسانية».
الكنيسة مدرسة للإصغاء والتمييز
وفي تأمله بإنجيل عيد تجلّي الرب (متى 17: 1-9)، أشار البابا لاون إلى أن الرب يسوع تجلّى وهو في حوار مع الآب، ومع موسى وإيليا، ومع تلاميذه، معتبرًا أن الكنيسة مدعوة إلى إدخال المؤمنين في هذه الديناميكية.
وقال: «الكنيسة موجودة لتقودنا إلى هذا المسار من الإصغاء واتخاذ القرار، حيث نفهم لمن نعيش وكيف نعيش». وأضاف: «الكنيسة هي الجماعة التي نتعلّم فيها أن نميّز صوت الله، وأن نجرؤ على طاعة الروح القدس، تلك الطاعة التي تجعل جميع الذين يتبعون يسوع شجعانًا ومبدعين».
وأوضح أن الإنسان «يتشوّه» عندما ينعزل عن الله وعن الآخرين، بينما «يتجلّى» من جديد عندما يعيش علاقات المحبة التي تدعوه إلى الحياة، مؤكدًا أن الروحانية الفرنسيسكانية ما تزال اليوم من أكثر المدارس قدرة على إعادة بناء العلاقة مع الله، ومع الآخرين، ومع الخليقة كلها.
فرنسيس وكلارا... ثورة الإنجيل
وأكد البابا أن سر استمرار جاذبية القديس فرنسيس الأسيزي، بعد مرور ثمانية قرون على وفاته، يكمن في شجاعته لترك الطرق المألوفة والسير وراء المسيح.
وقال إن ما فعله القديس فرنسيس كان ثوريًا، إلا أن اختيار القديسة كلارا كان «أكثر إدهاشًا»، لأنها أرادت أن تعيش، كامرأة، الحرية الإنجيلية نفسها التي عاشها فرنسيس، معتبرًا أن هذه هي «طاقة المسيحية؛ طاقة البدايات والانطلاقات الجديدة».
وأشار إلى ما ورد في مستهل رسالته العامة الأولى «الإنسانية الرائعة»، مؤكدًا أن كل جيل يرث مسؤولية تشكيل عصره، بحيث يصبح التاريخ مكانًا تُصان فيه كرامة كل إنسان، وتُعزَّز فيه العدالة، وتصبح فيه الأخوّة ممكنة، محذرًا من أن كل عصر قد يسقط أيضًا في بناء عالم أكثر قسوة وأقل إنسانية.
حضارة المحبة
ودعا البابا الشباب إلى عدم الخوف من السير عكس ثقافة السلطة والانقسام، موضحًا أن الابتعاد عن منطق الهيمنة «ليس خيانة للعائلة أو المدينة أو التراث، بل تحرير لها من الخوف والجهل والعنف». وأضاف: «إن الثقة بالله تعني أن نكتشف، على مثال فرنسيس وكلارا، عالمًا من الإخوة والأخوات نقدّرهم ونخدمهم، لا نستغلهم ولا نسيطر عليهم؛ عالمًا لا ينبغي الدفاع عنه، بل احتضانه».
كما حثّهم على الالتزام ببناء «حضارة المحبة»، وتسخير مواهبهم ودراستهم وعملهم وصداقاتهم وصلاتهم في خدمة الإنسان والسلام، مستعيدًا الصلاة المنسوبة إلى القديس فرنسيس الأسيزي، والتي تدعو إلى أن يكون المؤمن أداةً لسلام الله، فيزرع المحبة بدل الكراهية، والغفران بدل الإساءة، والرجاء بدل اليأس، والنور بدل الظلمة.
وفي ختام عظته، أعرب البابا عن أمله في أن تبقى أيام أسيزي محفورة في ذاكرة المشاركين، وأن يعودوا إلى بلدانهم حاملين رسالة الإنجيل، وقال: «ليكن رجوعكم إلى أوطانكم منفتحًا على المستقبل، ومكرّسًا ليسوع المسيح. فهو يثق بكم، ويعتمد عليكم، ويبقى معكم دائمًا».