موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٢٨ مايو / أيار ٢٠٢٦
الأب بو مرعي يروي مأساة العائلات الحدودية: نحن لا نبحث إلا عن الكرامة والحياة

أبونا :

 

الذريعة تبقى نفسها دائمًا: القضاء على البنى التحتية والأسلحة التابعة لحزب الله الموجودة قرب الحدود الجنوبية للبنان، والتي تُستخدم، بحسب إسرائيل، لتهديد شمالها ولا سيما منطقة الجليل. ولهذا السبب شنّت القوات الإسرائيلية، في الأيام الأولى من شهر أيار، هجومًا على بلدة يارون الواقعة على بُعد أقل من كيلومترين من الخط الأزرق، أي الحدود اللبنانية–الإسرائيلية، حيث كانت لا تزال تقيم بعض العائلات المسيحية والمسلمة. وأسفر الهجوم عن تدمير المدرسة الكاثوليكية التابعة للراهبات المخلّصيت، وهي رهبنة ملكية كاثوليكية. وكانت المدرسة قائمة منذ أكثر من نصف قرن وتشكل مرجعًا أساسيًا لأبناء المنطقة، كما تضرّر الدير أيضًا جراء القصف.

 

وقبل ذلك بعشرة أيام، حدّد الجيش الإسرائيلي معالم «منطقة أمنية متقدمة» يعتزم إنشاءها في جنوب لبنان تمهيدًا لوقف إطلاق نار نهائي. ووفقًا للمعطيات التي جمعتها صحيفة «لوريان لو جور» اللبنانية، تمتد هذه المنطقة على أكثر من 600 كيلومتر مربع، أي ما يقارب 6 بالمئة من مساحة لبنان، وتشمل عشرات البلدات والقرى.

 

وبحسب ما أعلنه رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في 11 أيار، فإنّ 68 قرية أصبحت تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، بعدما كان عددها خمس قرى فقط قبل تجدّد الحرب في 2 آذار. وتمتدّ السيطرة الإسرائيلية على نحو نصف الأراضي الواقعة جنوب نهر الليطاني، لمسافة تقارب ثلاثين كيلومترًا انطلاقًا من الحدود مع إسرائيل. وتعتمد الاستراتيجية الإسرائيلية على منع السكان بشكل كامل من العودة إلى هذه القرى. وهو احتلال يشبه إلى حدّ كبير ما تفرضه إسرائيل على هضبة الجولان منذ نحو ستين عامًا، وعلى نصف قطاع غزة منذ تشرين الأول 2025.

 

وفي ظل غياب إحصاء سكاني رسمي في لبنان منذ عقود، تستند التقديرات المتعلقة بعدد النازحين إلى لوائح الانتخابات لعام 2022، وتشير إلى أنّ ما لا يقل عن 200 ألف شخص بالغ أُجبروا على مغادرة منازلهم، من دون احتساب من هم دون سن الحادية والعشرين لأنهم غير مدرجين في القوائم الانتخابية.

 

وقد أسفرت هذه الحرب الجديدة حتى الآن عن سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل، بينهم عدد كبير من المدنيين وعناصر فرق الإسعاف والصحفيين. كما تعرّض استخدام الجيش الإسرائيلي للقنابل الفوسفورية، التي تجعل الأراضي غير صالحة للسكن أو الزراعة لفترات طويلة، لانتقادات وإدانات واسعة من جهات متعددة.

 

 

فرنسيسكاني بين النازحين

 

الأب توفيق بو مرعي، الراهب الفرنسيسكاني من حراسة الأراضي المقدسة، هو راعي الكنيسة اللاتين في منطقة واسعة من جنوب لبنان تمتد بين مدينة صور الساحلية، حيث يقع الدير، وقرى الداخل وصولًا إلى الخط الأزرق. يروي كيف اضطر الناس إلى ترك منازلهم وذكرياتهم، ليعيشوا حاضرًا معلّقًا من دون القدرة على التفكير بالمستقبل.

 

يقول الأب توفيق لموقع terrasanta.net التابع لحراسة الأراضي المقدسة: «إنّ الجماعة الرعوية في دير ميماس، الواقعة في الجبال على بُعد أربعة كيلومترات فقط من الحدود مع إسرائيل، أصبحت معزولة بالكامل. لا أستطيع الوصول إليها، ولا أستطيع زيارة أبناء الرعية العالقين هناك. ويوجد معهم حاليًا كاهن أرثوذكسي وكاهن ملكي».

 

ويتابع: «في ديرنا في صور استقبلنا نحو مئتي نازح من القرى المجاورة. كل ما استطعنا تقديمه لهم كان بعض القرب الإنساني وسقفًا يحميهم. في الأيام الأولى لم نكن مستعدين لاستقبال هذا العدد الكبير من الناس. استقروا في الصفوف التي كنّا نستخدمها للتعليم المسيحي، واستعملوا القاعة الكبرى التي كانت تُقام فيها الدروس ودورات الفسيفساء. أما القماش الذي كان من المفترض أن يكون قاعدة لعمل فسيفسائي، فقد تحوّل إلى غطاء للأطفال. هذا مشهد لن يمحى أبدًا من ذاكرتي… حاولنا أن نمنحهم شيئًا من الكرامة لأنهم كانوا يشعرون بحرج وألم شديدين».

 

المنطقة الجبلية التي تحتلها إسرائيل تُعرف باسم «جبل عامل»، وهي منطقة تشكّلت فيها تاريخيًا غالبية مسلمة شيعية، رغم أنّ العديد من المسيحيين وجدوا فيها ملجأ عبر القرون. وقد بقيت هذه المنطقة مهمّشة خلال العهد العثماني، وكان اقتصادها الزراعي أقرب إلى ميناء حيفا، الواقع اليوم داخل إسرائيل، منه إلى ميناء بيروت. وبعد نكبة عام 1948، بدأت في المنطقة حركات مقاومة ضد إسرائيل بدعم من اللاجئين الفلسطينيين. وعلى مدى العقود، سعت إسرائيل باستمرار إلى السيطرة على هذه المنطقة للحد من التهديدات القادمة منها، فاحتلت الأراضي الواقعة جنوب نهر الليطاني بين عامي 1978 و2000، وزرعتها بالألغام، كما خاضت حربًا استمرت شهرًا كاملًا عام 2006.

 

أما قوات «اليونيفيل»، وهي قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة الموجودة منذ عام 1978 والتي بدأت مهمتها الأخيرة بعد حرب 2006، فتبدو اليوم وكأنها تقترب من نهاية نصف قرن من الوجود. فمهمتها في إنشاء منطقة عازلة واحتواء قوات حزب الله، التي تُعتبر عمليًا جيشًا داخل الدولة اللبنانية، لم تحقق النجاح المطلوب، فيما يناقش المجتمع الدولي اليوم شكل القوات التي قد تحلّ محلها وآليات عملها.

 

 

ليكن لبنان مساحة حوار مفتوح ودائم

 

شدّد الأساقفة الموارنة خلال اجتماعهم في السادس من أيار على أنّ «لبنان ليس مجرّد كيان سياسي ظرفي وعابر، بل هو رسالة حضور إنساني وحضاري تقوم على الحرية والتعددية والعيش المشترك». ومن هذا المنطلق، دعوا مؤسسات الدولة إلى تحمّل مسؤولياتها، والعمل على ترسيخ الدستور وسيادة القانون، وتجنّب «أي انزلاق نحو صراعات الآخرين».

 

ولا يزال لبنان يعيش توازنًا هشًا؛ فشعار «لا إسرائيل ولا حزب الله» قد يكون الشعار القادر على توحيد أكبر عدد من اللبنانيين وتقديم حل وسط، إلا أنّ مؤسسات الدولة لم تمتلك بعد القوة اللازمة لتطبيقه. لذلك طالب الأساقفة بدولة أقوى، في وقت تعيق فيه التوترات بين حزب الله وبقية مكوّنات البلاد هذا المسار، كما يدعون إلى عملية سلام تضمن حياد لبنان وإبعاده عن صراعات الشرق الأوسط، بما يسمح له بالنهوض من أزماته الاقتصادية والاجتماعية التي تضربه منذ عام 2019. وختم الأساقفة بالقول: «إنّ الغالبية الساحقة من اللبنانيين لا تريد حربًا بلا نهاية، ولا حربًا تُخاض نيابة عن الآخرين على حساب حياتهم وأمنهم».

 

من جهته، يلفت الأب توفيق إلى التناقضات الكبيرة داخل لبنان رغم صغر مساحته، قائلًا: «في البلد نفسه هناك شباب يسهرون في الملاهي الليلية في بيروت والشمال، وفي المقابل هناك أطفال يعيشون الخوف في الجنوب، فيما تبقى كنائسهم ومدارسهم مغلقة». ويتابع الكاهن الفرنسيسكاني: «قال لي بعضهم: "يا أبانا، نحن لسنا أرقامًا تُضاف إلى الإحصاءات، ولسنا سلعة تُباع للحصول على بعض الدعم والمساعدة. نحن بشر نطلب أن نعيش، وأن نعيش بكرامة"».