موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في مدينة أعتدات أن تعيش أفراح الفصح تاريخيًا، ها هي اليوم تبدو مثقلة بالأسى، طرقها نائحة، وجميع أبوابها متهدمة، كهنتها متنهدون وعذارها متحسرات وهي في مرارة، كما أنشدت سيدة النشوة العربية فيروز ذات مرة.
المقدسيون اليوم، مثقلين بالأسى، وكأن الحجر الذي دُحرج عن باب القبر قبل ألفي عام، قد عاد ليثقل صدور المؤمنين من جديد، هناك حيث يتقاطع التاريخ المقدس، مع الوقائع السياسية القاسية. لم يعد الفرح الفصحي خالصًا، بل امتزج بطعم القلق والقيود والتوترات، والتي تلقي بظلالها على المشهدين الروحي والإنساني.
في قلب المدينة القديمة، تقف كنيسة، هي الرمز الأسمى للقيامة والإنتصار على الموت، لكنها هذا العام بدت محاطة بإجراءات مشددة، تحد من إنسياب الحجاج والمصلين، وتحول الطقوس من لحظات إنفتاح روحي إلى مشاهد مكتظة بالقيود. لم يعد الوصول إلى الكنيسة أمرًا بديهيًا كما كان، بل صار رحلة عبور بين الحواجز، وكأن الإيمان ذاته يحتاج إلى إذن مرور.
المسيحيون الفلسطينيون، أصل وجذور الأرض المقدسة وحراس تقاليدها، يقفوا اليوم على أبواب القدس العتيقة، مرة جديدة، أمام عادلة مؤلمة: "كيف يحتفلون بالفصح في مدينة تضيق بهم، وكيف ينشدون أهازيج النصرة وهم منكسرون في طريق الآلام، وبعد أن توقف بهم الحال عند المرحلة الرابعة عشرة، ومن غير بلوغ فجر الخامسة عشرة.
منذ الحرب بالشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية في 28 شباط الماضي، فرضت سلطات الإحتلال الإسرائيلي حظرًا على تجمعات الحشود، بما في ذلك الأماكن الدينية، ولاحقًا وبنوع من المنة، سمحت بنحو 50 فردًا فقط في أي مناسبة دينية.
نهار الأحد الماضي، أحد السعف، منعت قوات الإحتلال بطريرك القدس اللاتيني الكاردينال بييرباتيستا باتيسابالا، وحارس الأراضي المقدسة الاب فرانشيسكو إيلبو، من الوصول إلى كنيسة القيامة، وهي المرة الأولى في التاريخ المعاصر، رغم أن الصور أظهرتهما مترجلين، من غير موكب إحتفالي، للمشاركة في القداس ضمن طقوس عيد الفصح.
زعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أن المنع سببه الحفاظ على سلامة المسؤول الديني الكاثوليكي الكبير، وهي حجة واهية لا تنطلي على ذهن أي عاقل، لا سيما أن رؤساء الكنائس المختلفة في القدس، ومنذ بداية الحرب، تصرفوا بمسؤولية كاملة، وأمتثلوا لجميع القيود المفروضة، حيث ألغيت التجمعات العامة، ومنع الحضور شخصيًا، وتم الإستعاضة بالنقل المتلفز للصلوات.
وبالوصول إلى الخميس، خميس العهد أو الأسرار، بدت كنيسة القيامة، ومن جديد، خاوية على عروشها، الأمر الذي يجد هوى كبيرًا لدى سلطات الإحتلال والتي قدمت لها الحرب الإيرانية مبررًا لتفريغ الأماكن المسيحية المقدسة من مؤمنيها في الأسبوع المقدس. ما جرى قبل أيام يتسق والعنصرية الإسرائيلية ضد مسيحي الأرض المقدسة، الذين ارتفعت شكواهم من الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وبنوع خاص حكومة نتانياهو.
لم يعد مشهدًا غريبًا التعدي على رجال الدين المسيحي، في القدس، ولا أن يقوم المستعمرون بالبصق على المؤمنين والكنائس، كما على الراهبات والأديرة، ولم يوفروا السياح الأجانب من المسيحيين، وهو تقليد توارثوه عبر الأجيال، وذهبت تدخلات وإتصالات الفاتيكان وكبار المسؤولين الغربيين سدى، في مواجهة ثقافة الكراهية الراسخة في النفوس.
غني عن القول أنه لا سيادة لسلطات الإحتلال على مدينة القدس المحتلة، كما أنه ليس من حقها ممارسة السطوة على مقدساتها الدينية، فهي بصفتها قوة إحتلال قائمة ملزمة بالتوقف فورًا عن إغلاق الطرق أمام المصلين.
العام الماضي، قيّدت إسرائيل وصول آلاف المسيحيين إلى كنيسة القيامة للإحتفال بسبت النور، ما فجر الكثير من التوترات التي انتهت بدفع وضرب وإعتداءات ومناوشات عند الحواجز الشرطة في البلدة القديمة، عطفًا على ذلك تعرّض الكاردينال بيتسابالا نفسه في ساحة باب الخليل في القدس إلى هجمات لفظية من متطرفين يهود وحركات غير لائقة.
في زهرة المدائن، ليست القيامة فقط المحاصرة، بل المسجد الأقصى الذي تجاوز اليوم إغلاقه أكثر من شهر، وهو الإغلاق الأول بهذه المدة منذ ما يزيد عن 950 عامًا، حتى في حرب الأيام الستة لم يغلق إلا لبضعة ايام وأعيد إفتتاحه.
أكثر من الغلق تبدو الكارثة لا الحادثة متمثلة في المحاولات المستمرة من غلاة المستوطنين المتطرفين لإدخال قرابين حيوانية إلى القدس القديمة في خطوة تصعيدية تستهدف فرض طقوس دينية إستيطانية جديدة خلال فصح اليهود.
هنا يبدو من نافلة القول، أن توظيف الطقوس الدينية اليهودية، ليس سوى خطة آثمة ومحرمة، ضمن خطوات ممنهجة لصبغ القدس بصبغة يهودية خالصة، تهدف في نهاية المطاف للوصول إلى هدم الأقصى وبناء الهيكل، ضمن رؤى أبوكريفية لإحياء مملكة داؤد.
ما يجعل الفصح المسيحي، مناسبة مكروهة من إسرائيل، هو أنه يجُب كل المفاهيم والشعائر اليهودية السابقة، ويعتبرها قد انتهت منذ ألفي عام، وأي حديث لإعادة إحياءها، هو "حديث الأفك"، والذي لا سند لاهوتي مسيحي له ودع عنك أحاديث الفئة المخترقة في بعض المجتمعات الغربية.
تهويد القدس، وتهجير سكانها المسيحيين والمسلمين، عبر الحصار هو الهدف والغاية.
فصح العام له معنى مزدوج في واقع الأمر، إنه تذكير من جديد بإنتصار الحياة على الموت، ومن جهة أخرى مرآة لواقع لم يزل يرزح تحت ثقل الصراع. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: أن عيد القيامة، الذي يفترض أن يكون عيد الرجاء، يتحوّل إلى مناسبة لإستحضار المعانأة.
في مواجهة سر الإثم، يستعلن سر القيامة، ورغم أهوال الحرب وأتعاب الدرب، تبقى التراتيل في داخل القيامة تصدح: "أخرستوس آنستي، آليثوس آنستي". ويبقى جوهر القيامة الحقيقي، لا يكمن في غياب الألم، بل في القدرة على تجاوزه. المقدسيون اليوم بمسييحييهم ومسلميهم، يقدمون لنا ما هو أبعد من مجرد مناسبة دينية، بل شهادة حية على صمود الروح في وجه القيود.
ربما فصح حزين المظهر، لكنه عنيد الجوهر، يرفض أن ينطفئ، ويصر على أن قيامة شعب الجبارين آتية لا ريب فيها، مهما تعاظمت أغلال الحقد من حنان وقيافا إلى بن غفير وسموتريتش. ورغم كل هذا نقول بمل الشدقين: فصح مجيد.