موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢ مايو / أيار ٢٠٢٦

يَسوعُ المَسيحُ الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة

بقلم :
الأب لويس حزبون - فلسطين
الأَحَدُ الخامِسُ لِلْفِصْح: يَسوعُ المَسيحُ الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة (يوحنّا 14: 1-12)

الأَحَدُ الخامِسُ لِلْفِصْح: يَسوعُ المَسيحُ الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة (يوحنّا 14: 1-12)

 

النص الإنجيلي: (يوحنا 14: 1-12)\

 

1 لا تَضْطَرِبْ قُلوبُكم. إنَّكم تُؤمِنونَ بِاللهِ فآمِنوا بي أَيضاً. 2في بَيتِ أَبي مَنازِلُ كثيرة ولَو لم تَكُنْ، أَتُراني قُلتُ لَكم إِنِّي ذاهِبٌ لأُعِدَّ لَكُم مُقاماً؟ 3وإِذا ذَهَبتُ وأَعددتُ لَكُم مُقاماً أَرجعُ فآخُذُكم إِلَيَّ لِتَكونوا أَنتُم أَيضاً حَيثُ أَنا أَكون. 4أَنتُم تَعرِفونَ الطَّريقَ إِلى حَيثُ أَنا ذاهِب)). 5قالَ له توما: ((يا ربّ، إِنَّنا لا نَعرِفُ إِلى أَينَ تَذهَب، فكَيفَ نَعرِفُ الطَّريق؟)) 6قالَ له يسوع: ((أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة. لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلاَّ بي. 7فلَو كُنتُم تَعرِفوني لَعَرفتُم أَبي أَيضاً. مُنذُ الآنَ تَعرِفونَه وقَد رأَيتُموه)). 8قالَ له فيلِبُّس: ((يا ربّ، أَرِنا الآبَ وحَسْبُنا)). 9قالَ له يسوع: ((إِنِّي معَكم مُنذُ وَقتٍ طَويل، أَفلا تَعرِفُني، يا فيلِبُّس؟ مَن رآني رأَى الآب. فكَيفَ تَقولُ: أَرِنا الآب؟ 10أَلا تُؤِمِنُ بِأَنِّي في الآبِ وأَنَّ الآبَ فيَّ؟ إنَّ الكَلامَ الَّذي أَقولُه لكم لا أَقولُه مِن عِندي بلِ الآبُ المُقيمُ فِيَّ يَعمَلُ أَعمالَه. 11صَدِّقوني: إِنِّي في الآب وإِنَّ الآبَ فيَّ وإِذا كُنتُم لا تُصَدِّقوني فصَدِّقوا مِن أَجْلِ تِلكَ الأَعمال. 12الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: مَن آمَنَ بي يَعمَلُ هو أَيضاً الأَعمالَ الَّتي أَعمَلُها أَنا بل يَعمَلُ أَعظَمَ مِنها لأَنِّي ذاهِبٌ إِلى الآب.

 

 

المُقَدِّمَة

 

فِي خِطابِ الوَداعِ فِي عَلِّيَّةِ صِهْيونَ، بَعدَ العَشاءِ الأَخيرِ (يوحنّا 13: 1–17: 26)، يَصِفُ الإِنجيليُّ يوحنا الإنجيلي رَحيلَ يسوع المسيح عَن تَلاميذِهِ إِلى بَيتِ الآبِ السَّماويِّ، لِيُعِدَّ لَهُم وَلَنا مَقامًا. وَفِي هٰذا السِّياقِ، يُعلِنُ يَسوعُ هُوِيَّتَهُ الكِرِيسْتولوجيَّةَ قائلًا: "أَنا الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياةُ" (يوحنّا 14: 6)، مُبيِّنًا أَنَّهُ سَبيلُ العُبورِ إِلَى الآبِ وَمَنبَعُ الحَياةِ الحَقيقيَّةِ.

 

يُعلِّقُ القديس أوغسطينوس عَلَى هٰذِهِ العِبَارَةِ قائِلًا: "سِرْ بِالإِنسانِ (أَي بِالمَسيحِ المُتَجَسِّدِ)، تَصِلْ إِلَى اللهِ؛ لأَنَّهُ هُوَ الطَّريقُ، وَلا طَريقَ سِواهُ" (In Io. Evang. Tract. 69)، مُؤَكِّدًا أَنَّ المَسيحَ لَيْسَ مُجرَّدَ مُعلِّمٍ يَدُلُّ عَلَى الطَّريقِ، بَلْ هُوَ الطَّريقُ ذاتُهُ. وَيُضيفُ القديس يوحنا الذهبي الفم أَنَّ هٰذا الإِعلانَ يَكشِفُ سِرَّ قُوَّةِ المُؤمِنينَ، لأَنَّ "مَن يَثبُتُ فِي المَسيحِ، يَمتَلِكُ الحَياةَ الَّتي لا يَقدِرُ المَوتُ أَنْ يَغلِبَها" (Hom. in Ioannem)

 

مِن هُنا، يَتَبَيَّنُ أَنَّ الحَياةَ المَسيحيَّةَ لَيْسَت مُجرَّدَ انتماءٍ ظاهِريٍّ أَو مَعرِفَةٍ نَظَرِيَّةٍ، بَلْ دُخولٌ فِي شَرِكَةٍ حَيَّةٍ مَعَ يسوع المسيح، الَّذي يَقودُ إِلَى الآبِ وَيَهَبُ الحَياةَ الأَبديَّةَ. وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ، تَبرُزُ أَهَمِّيَّةُ البَحثِ فِي وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَطبيقاتِهِ، لِفَهمٍ أَعمَقَ لِهُوِيَّةِ المَسيحِ وَدَورِهِ الخَلاصيِّ فِي حَياةِ المُؤمِنينَ، وَلِاكتِشافِ كَيفيَّةِ العَيشِ فِي هٰذِهِ الشَّرِكَةِ الَّتي تَقودُ إِلَى مِلءِ الحَياةِ.

 

 

اولا: وقائع النص الانجيلي (يوحنا 14: 1-12)

 

1.لا تَضْطَرِبْ قُلوبُكُم. إِنَّكُم تُؤمِنونَ بِاللهِ فآمِنوا بي أَيضًا".

 

تُشيرُ عِبَارَةُ "لا تَضْطَرِبْ قُلوبُكُم" إِلى سَعْيِ يسوع المسيح إِلى تَثبيتِ تَلاميذِهِ وَتَعزِيَتِهِم، إِزاءَ القَلَقِ الَّذي استَولى عَلَيهِم عِندَ سَماعِهِم خَبَرَ رَحيلِهِ عَنهُم (يوحنّا 16: 5–6)، وَما رافَقَ ذٰلِكَ مِن شُعورٍ بِالفِراقِ وَالأَلَمِ وَالفَراغِ، وَإِنْبائِهِم أَيضًا بِما سَيُلاقونَهُ مِنِ اضطِهادٍ (مرقس 10: 30)، وَبِقائِهِم فِي عالَمٍ مُعادٍ لَهُم "كَالخِرافِ بَينَ الذِّئابِ".

 

أَمَّا الفِعلُ "تَضْطَرِبْ" فِي الأَصلِ اليونانيِّ (ταρασσέσθω)، فَيَدُلُّ عَلَى حَالَةِ اضطرابٍ داخليٍّ عَميقٍ، كَثَورانِ أَمواجِ البَحرِ عِندَ هُبوبِ الرِّياحِ وَتَلاطُمِها، وَهُوَ تَصويرٌ بَليغٌ لِحالَةِ القَلقِ وَالضِّياعِ الَّتي كانَ يَعيشُها التَّلاميذُ. وَيَظهَرُ ذٰلِكَ جَليًّا فِي تَساؤُلاتِهِم: بُطرُسُ يَقولُ: "يا رَبُّ، إِلى أَينَ تَذهَب؟" (يوحنّا 13: 36)، وَتُوما: "يا رَبُّ، إِنَّنا لا نَعرِفُ إِلى أَينَ تَذهَب، فَكَيفَ نَعرِفُ الطَّريق؟" (يوحنّا 14: 5)، وَفيلِبُّس: "يا رَبُّ، أَرِنا الآبَ وَحَسْبُنا" (يوحنّا 14: 8). إِنَّهُم قَد أَحبُّوا مُعَلِّمَهُم وَتَعَلَّقوا بِهِ (يوحنّا 17: 7)، وَكانوا يَنتَظِرونَ مِنهُ تَحقيقَ رَجائِهِم، كَما عَبَّرَ تِلمِيذا عِمَّاوُس: "كُنَّا نَحنُ نَرجو أَنَّهُ هُوَ الَّذي سَيَفتَدي إِسرائيل" (لوقا 24: 21). لِذٰلِكَ، فَإِنَّ خَيبَةَ الأَمَلِ وَالخَوفَ مِنَ المَجهولِ جَعَلا قُلوبَهُم مَملوءَةً بِالضِّيقِ وَالاضطِرابِ. أَمَّا عِلاجُ هٰذا الاضطِرابِ، فَهُوَ الإِيمانُ، الَّذي يَجْلِبُ السَّلامَ وَيَهَبُ النَّفسَ بَصيرَتَها. وَيُعَلِّقُ القديس يوحنا الذهبي الفم قائِلًا: "قَدَّمَ لَهُمُ السَّيِّدُ هٰذا الكَلامَ لِيَنزِعَ ما فِي نُفوسِهِم مِنِ اضطِرابٍ، وَيَفتَحَ أَمامَهُم أَبوابَ الرَّجاءِ لِلتَّمَتُّعِ بِالسَّماءِ" (Hom. in Ioannem).

 

تُشيرُ عِبارَةُ "قُلوبُكُم" في اللُّغَةِ اليونانيَّةِ إلى καρδία، أي "القَلْب"، لا بِمَعناهُ العاطِفِيِّ الضَّيِّق، بَل بوصفِهِ مَركزَ الكِيانِ الإِنسانيِّ كُلِّهِ: مَوضِعَ الفِكْرِ (νοῦς)، والإِرادَةِ، والضَّميرِ، والتَّمييزِ الرُّوحيّ. فالقلبُ في الفِكرِ الكِتابيِّ ليس مُجرَّدَ مَشاعِر، بل هو "الدّاخِل" الَّذي يَنبُعُ مِنهُ القَرارُ والإيمانُ. لِذلكَ يُحذِّرُ الرَّبُّ مِن قَساوَةِ القَلبِ قائِلًا: "لأَنَّ قَلْبَ هٰذا الشَّعبِ قَد غَلُظَ" (متّى 13: 15)، أي أَصبَحَ غَيرَ قادِرٍ على الفَهمِ الرُّوحيِّ والاستِجابَةِ لِلنِّعمَة. أمّا في اللُّغَةِ العِبريَّة، فَتَرِدُ كَلِمَةُ לֵב / לֵבָב لِتَدُلَّ على القَلْبِ بوصفِهِ مَركزَ الحَياةِ الدّاخِلِيَّة: مَوضِعَ الشُّعورِ والمَشاعِرِ والعَواطِفِ، ومَنبَعَ الحُبِّ والثِّقَةِ، ومَكانَ لِقاءِ الإِنسانِ بالله. فالقلبُ في العَهدِ القَديمِ هو مَوضِعُ العَهدِ مَعَ الله، ومَجالُ الإِصغاءِ لِكَلِمَتِهِ، كما يَظهَرُ في قَولِ الكِتاب: "فَاعْلَمِ اليَومَ، وَرُدَّ في قَلبِكَ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الإِله" (تثنية 4: 39). وهٰكذا يُصبِحُ القَلبُ مَكانَ الإِيمانِ الحَيِّ الَّذي يَقودُ حَياةَ الإِنسانِ واختياراتِهِ. ويُؤكِّدُ الكِتابُ المُقَدَّسُ أَنَّ القَلبَ هو مَنبَعُ التَّوَجُّهاتِ العَميقَةِ، إذ يَقولُ: "لِلإِنسانِ تَدابيرُ القَلب، ومِنَ الرَّبِّ جَوابُ اللِّسان" (أمثال 16: 1)، وهٰكذا يَظهَرُ القَلبُ كَمِحوَرِ الحَياةِ الإِنسانيَّة، ومَصدَرِ القَرارِ، ومَكانِ الثِّقَةِ بالله. وفي التَّقليدِ الآبائيِّ، يَذهَبُ الآباءُ إلى أَبعَدَ مِن ذٰلك، فَيَرَونَ في القَلبِ هَيكَلَ اللهِ في الإِنسان. يقولُ أوغسطينوس: "قَلبُ الإِنسانِ لا يَهدَأُ حتّى يَستَريحَ فيكَ"، مُشيرًا إلى أَنَّ القَلبَ خُلِقَ لِلدَّينونَةِ الإِلهيَّةِ والاتِّحادِ بالله. كما يُؤكِّدُ غريغوريوس النيصصي أَنَّ القَلبَ هو مَوضِعُ الرُّؤيَةِ الرُّوحيَّة، حيثُ يُعايِنُ الإِنسانُ اللهَ بنُورِ النِّعمَة، لا بِحواسِّ الجَسَد. لِذلكَ، فالقَلبُ في الكِتابِ المُقَدَّسِ ليس عُضوًا جَسَديًّا فَحَسب، بل هو مَركزُ الشَّخصيَّةِ الإِنسانيَّةِ كُلِّها: مَوضِعُ الفِكرِ، والإِيمانِ، والحُبِّ، والحُرِّيَّة. ومِن هُنا تَنبَعُ الدَّعوَةُ الإِلهيَّةُ الدّائِمَة: أَن يَكونَ القَلبُ نَقِيًّا ومُتَجَدِّدًا، لِكَي يَقدِرَ الإِنسانُ أَن يَعرِفَ اللهَ ويَحيا في حَضْرَتِهِ.

 

أَمَّا قَولُهُ: "تُؤمِنونَ بِاللهِ"، فَيَرِدُ الفِعلُ في اللُّغَةِ اليونانيَّةِ بِصيغَةِ πιστεύετε εἰς τὸν Θεόν، وَهُوَ فِعلٌ يُعَبِّرُ عَنِ الإِيمانِ، لَكِن لَيسَ بِمَعناهُ العَقليِّ فَحَسْب، بَل بِمَعناهُ الوُجودِيِّ العَميق. فَالفِعلُ πιστεύω (أُؤمِنُ) لا يَدُلُّ فَقَط عَلى التَّصديقِ الذِّهنيِّ، بَل عَلى الثِّقَةِ الكامِلَةِ، وَالتَّسليمِ، وَالاتِّكالِ عَلى الله. وَتَكتَسِبُ العِبارَةُ عُمقًا خاصًّا مِن خِلالِ استِعمالِ حَرفِ الجَرِّ εἰς (أَي "إِلى / في")، إِذ لا يَكتَفي النَّصُّ بِالقَولِ "تُؤمِنونَ بِاللهِ" بِمَعنى الإِقرارِ بِوُجودِهِ، بَل يُشيرُ إِلى الدُّخولِ في عَلاقَةٍ حَيَّةٍ مَعَهُ، أَي الإِيمانُ كَحَرَكَةِ تَوَجُّهٍ نَحوَ الله، وَاتِّحادٍ بِهِ، وَثِقَةٍ تُلقِي الإِنسانَ في حَضرَتِهِ. وَفي هٰذا السِّياقِ، فَالإِيمانُ هُنا لَيسَ فِكرَةً مُجَرَّدَة، بَل هُوَ جَوابٌ عَلى القَلَقِ وَالخَوف، وَثِقَةٌ تُعيدُ لِلإِنسانِ السَّلامَ الدّاخِليّ. إِنَّهُ انتِقالٌ مِنَ الاضطِرابِ إِلى الطُّمَأنينَة، وَمِنَ الخَوفِ إِلى الرَّجاءِ، مِن خِلالِ الاتِّكالِ عَلى الله. أَمَّا في ضَوءِ العَهدِ القَديم، فَالإِيمانُ بِاللهِ يُفهَمُ كَعَلاقَةِ عَهدٍ وَثِقَة. فَالفِعلُ العِبريُّ אָמַן يَدُلُّ عَلى الثَّباتِ وَالأَمانَةِ وَالاتِّكال، كَما في قَولِ النَّبِيّ: "إِن لَم تُؤمِنوا فَلَن تَأمَنوا" (إِشَعيا 7: 9). فَالإِيمانُ هُوَ الارتِكازُ عَلى الله كَصَخرَةٍ ثابِتَة، وَلَيسَ مُجَرَّدَ اعتِرافٍ نَظَريٍّ بِهِ. وَفي التَّقليدِ الآبائِيِّ، يُشَدِّدُ أوغسطينوس عَلى أَنَّ الإِيمانَ هُوَ "التَّصديقُ بِالمَحبَّة" (credere in Deum)، أَي أَن يُسَلِّمَ الإِنسانُ ذاتَهُ لِلَّهِ لا بِعَقلِهِ فَقَط، بَل بِقَلبِهِ وَحَياتِهِ. كَما يَرى يوحنا الذهبي الفم أَنَّ المَسيحَ، بِدَعوَتِهِ إِلى الإِيمانِ بِهِ كَما بِالله، يُعلِنُ مُساواتَهُ بِالآب، وَيُدخِلُ التَّلاميذَ في سِرِّ الشَّرِكَةِ الإِلهِيَّة. لِذٰلِكَ، فَعِبارَةُ "تُؤمِنونَ بِاللهِ" لا تُشيرُ إِلى إِيمانٍ عامٍّ أَو نَظَريّ، بَل إِلى ثِقَةٍ حَيَّة، وَعَلاقَةٍ شَخصيَّة، وَتَسليمٍ كامِلٍ لِلَّه، يُحَوِّلُ حَياةَ الإِنسانِ وَيَمنَحُهُ سَلامًا لا يَزول. إِنَّها دَعوَةٌ إِلى أَن يَكونَ اللهُ مَرجِعَ القَلب، وَمَلجَأَ الفِكر، وَثَباتَ الحَياة.

 

وَمِن هُنا، يَدعو يسوع المسيح تَلاميذَهُ قائلًا: "فآمِنوا بي أَيضًا"، أَي إِلى إِيمانٍ بِشَخصِهِ، وَبِحُضورِهِ وَقُوَّتِهِ وَمَحبَّتِهِ، إِيمانًا مُماثِلًا لإِيمانِهِم بِاللهِ. وَيُؤَكِّدُ القديس إيلاريون أسقف بواتييه أَنَّ هٰذِهِ العِبَارَةَ تَدُلُّ عَلَى وَحدَةِ الاِبنِ مَعَ الآبِ، إِذ لا يَفصِلُ المَسيحُ نَفسَهُ عَن سِرِّ الإِلٰهِ الواحِدِ، بَلْ يُشارِكُهُ فِي الطَّبيعَةِ وَالعَمَلِ (De Trinitate). وَبِذٰلِكَ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ الإِيمانَ بِـيسوع المسيح هُوَ أَسَاسُ الطُّمَأنينَةِ وَالسَّلامِ، كَما يَقولُ أشعيا النبي: "إِن لَم تُؤمِنوا فَلَن تَأمَنوا" (أشعيا 7: 9). فَالاضطِرابُ هُوَ داءُ القَلبِ، وَالإِيمانُ هُوَ دَواؤُهُ، وَالسَّلامُ الحَقيقيُّ هُوَ ذاكَ الَّذي يَنبُعُ مِن شَرِكَةٍ حَيَّةٍ مَعَ المَسيحِ، مُتَجاوِزًا كُلَّ قَلقٍ وَخَوفٍ. وَيَخْتِمُ القديس يوحنا الذهبي الفم تَأمُّلَهُ قائِلًا: كَأَنَّهُ يَقولُ لَهُم: "سَتَعبُرونَ هٰذِهِ الشَّدائِدَ، لأَنَّ الإِيمانَ بي وَبِأَبي أَقوى مِن كُلِّ مِحنَةٍ، وَلا يَسمَحُ لِشَرٍّ أَن يَغلِبَكُم" (Hom. in Ioannem).

 

2."فِي بَيْتِ أَبِي مَنازِلُ كَثِيرَةٌ، وَلَو لَم تَكُنْ، أَتُراني قُلتُ لَكُم إِنِّي ذاهِبٌ لِأُعِدَّ لَكُم مُقامًا؟".

 

تُشيرُ عِبَارَةُ "بَيْتِ" فِي الأَصْلِ اليونانيِّ (οἰκίᾳ) إِلى مَكانِ الأُلْفَةِ العَميقَةِ، أَي إِلى المَوضِعِ الَّذي تَتَجَلّى فيه العَلاقَاتُ الحَقيقيَّةُ غَيْرُ المُزَيَّفَةِ. فَهُوَ مَكانُ الإِقامَةِ الثَّابِتَةِ، وَمَوضِعُ الأَمْنِ وَالانْتِماءِ، حَيْثُ يَجِدُ الإِنْسانُ ذاتَهُ في عَلاقَةٍ حَيَّةٍ مَعَ الآخَرين. وَمِن هٰذا المَعْنى، أُطْلِقَت كَلِمَةُ "البَيْتِ" عَلَى الهَيْكَلِ، بِوَصْفِهِ مَوضِعَ سُكْنَى اللهِ وَحُضورِهِ وَسْطَ شَعْبِهِ، كَما يَرِدُ في سِفْرِ الخُروجِ (33: 7). فَالبَيْتُ هُنا لا يَدُلُّ فَقَط عَلى بِنَاءٍ مَادِّيّ، بَل عَلى مَكانِ اللِّقاءِ بَيْنَ اللهِ وَالإِنْسانِ، وَعَلامَةِ العَهْدِ وَالشَّرِكَةِ. وَهٰكَذا يُصْبِحُ "البَيْتُ الأَبَوِيُّ" رَمْزًا لِحُضورِ اللهِ المُحِبّ، الَّذي يَفْتَحُ أَبْوابَهُ لِكُلِّ إِنْسانٍ، وَيَسْتَقْبِلُهُ في كُلِّ وَقْتٍ. إِنَّهُ البَيْتُ الَّذي يُرَحِّبُ بِحُضورِ كُلِّ واحِدٍ مِنَّا، لا كَغَريبٍ، بَل كَابْنٍ مَدْعُوٍّ إِلى الشَّرِكَةِ وَالثَّبَاتِ في مَحَبَّةِ الآب. وَهُنا يُشيرُ الإِنْجيلِيُّ بِلَفْظِ "البَيْتِ" إِلى مَعْنًى لاهوتيٍّ أَعْمَق، وَهُوَ حَياةُ اللهِ ذاتُها. فَلَيْسَ "البَيْتُ" مُجَرَّدَ مَكانٍ، بَل هُوَ دُخولٌ في شَرِكَةِ الحَياةِ الإِلٰهِيَّة. إِنَّ أَنْ نَكونَ "في بَيْتِنا" يَعْنِي أَنْ نَكونَ في عَلاقَةٍ حَيَّةٍ مَعَ الآبِ وَالابْنِ، في شَرِكَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى المَحَبَّةِ وَالثِّقَةِ. هُناكَ تَكْمُنُ طُمَأْنِينَةُ قُلوبِنا، وَيَزولُ اضْطِرابُها، لأَنَّ الإِنْسانَ لا يَجِدُ سَلامَهُ الحَقيقيَّ إِلَّا في سُكْنَى اللهِ وَالحَياةِ مَعَهُ.

 

أَمَّا قَولُهُ "بَيْتِ أَبِي" فَيُشيرُ إِلى الحَضنِ الإِلٰهيِّ، أَي السَّماءِ، حَيثُ يَتَجَلّى مَجدُ اللهِ بِكَمَالِهِ وَبَهائِهِ، كَما وَرَدَ فِي صَلاةِ موسى النبي: "تَطَلَّعَ مِن مَسكِنِ قُدْسِكَ مِنَ السَّماءِ" (تثنية 26: 15)، وَكَما عَلَّمَنا يسوع المسيح أَن نُخاطِبَ اللهَ: "أَبانا الَّذي فِي السَّماوات" (متّى 6: 9). وَيُعلِّقُ القديس أوغسطينوس قائِلًا: "بَيْتُ اللهِ هُوَ شَعبُ اللهِ، وَسَيَبلُغُ كَمالَهُ فِي السَّماءِ، حَيْثُ لا يَعودُ هُناكَ غُربَةٌ بَلْ سُكنى أَبَدِيَّةٌ" (In Io. Evang. Tract. 67. وَهٰذا يُحوِّلُ نَظرَةَ المُؤمِنِ مِن زَمانِيَّةِ الأَرضِ إِلى أَبَدِيَّةِ السَّماءِ كَوَطَنٍ حَقيقيٍّ. فَالبَيْتُ الإِلٰهِيُّ هُوَ مَكانُ الرَّاحَةِ الدَّاخِلِيَّة، وَمَصدَرُ السَّلامِ الَّذي لا يَزول، حَيْثُ يَثْبُتُ الإِنْسانُ في مَحَبَّةِ الله، وَيَجِدُ أَمْنَهُ في حُضورِهِ الدَّائِم.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "مَنازِلُ كَثِيرَةٌ" (μοναὶ πολλαί)، فَلا تَدُلُّ في الأَصلِ اليونانيِّ عَلَى غُرَفٍ مَادِّيَّةٍ، بَلْ عَلَى أَمَاكِنِ إِقامَةٍ دائِمَةٍ وَمُستَقِرَّةٍ، يَبلُغُها الإِنْسانُ بَعدَ مَسيرَةٍ أَو غُرْبَةٍ. إِنَّها لَيْسَتْ صُورَةً مِعْمَارِيَّةً بَحتةً، بَلْ صُورَةٌ ثالوثيَّةٌ عَميقَةٌ: فَبَيْتُ الآبِ هُوَ الشَّرِكَةُ الحَيَّةُ مَعَ اللهِ نَفْسِهِ. وَيَتَأَكَّدُ هٰذا المَعْنى في كَلامِ يَسوعَ: "إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ، يَحفَظْ كَلامي، فَيُحِبُّهُ أَبي، وَإِلَيْهِ نَأْتي، وَعِنْدَهُ نَصنَعُ مَنْزِلًا" (يو 14: 23)، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ "المَنْزِلُ" مِن مَكانٍ نَسكُنُ فيه إِلى حَقيقَةٍ إِلٰهيَّةٍ يَسكُنُ اللهُ فيها في الإِنْسانِ. كَما يُشيرُ القِدِّيسُ كيرِلُّسُ الإِسكَنْدَريُّ إِلى أَنَّ هٰذِهِ "المَنازِل" لَيْسَتْ مَواضِعَ خارِجِيَّةً، بَلْ هِيَ اشتِراكٌ حَيٌّ في الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ، إِذ "يُدخِلُنا المَسيحُ إِلى شَرِكَةِ الآبِ، لا كَغُرَباءَ بَلْ كَأَبْناءٍ" (In Ioannem).

 

أَمَّا صِفَةُ "كَثِيرَةٌ" (πολλαί)، فَتُشيرُ إِلى سِعَةِ مَلَكوتِ اللهِ وَغِنى مَجْدِهِ، حَيْثُ لِكُلِّ مُؤمِنٍ مَكانُهُ الخَاصُّ في شَرِكَةِ الخَلاصِ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ "تَعَدُّدَ المَنازِلِ لا يَعني انقِسامًا، بَلْ تَنَوُّعَ دَرَجاتِ المَجْدِ، وَكُلُّها قائِمَةٌ في وَحْدَةِ البَيْتِ الإِلٰهيِّ" (Homiliae in Ioannem). وَبِذٰلِكَ، تَتَجاوَزُ "المَنازِلُ الكَثِيرَةُ" كُلَّ تَصَوُّرٍ مَكانيٍّ ضَيِّقٍ، لِتُصبِحَ تَعبيرًا لاهوتيًّا عَنْ سِعَةِ الحُبِّ الإِلٰهيِّ، الَّذي يَبلُغُ ذِروَتَهُ في سُكنى اللهِ في الإِنْسانِ، وَفي سُكنى الإِنْسانِ في اللهِ. وَمِنْ هُنا، تَنكَشِفُ الدَّعْوَةُ الشّامِلَةُ الَّتي يُوَجِّهُها المَسيحُ إِلى كُلِّ إِنْسانٍ: الدُّخولُ في شَرِكَةٍ شَخصيَّةٍ حَيَّةٍ مَعَ اللهِ، في "بَيْتٍ واحِدٍ" يَجْمَعُ الجَميعَ، لا في تَفَرُّقٍ، بَلْ في وَحْدَةِ المَجْدِ وَالمَحَبَّةِ.

 

أَمَّا قَولُهُ "وَلَو لَم تَكُنْ" (εἰ δὲ μή)، فَيُفيدُ التَّأكيدَ القاطِعَ لِصِدقِ وَعدِ يسوع المسيح، إِذ لا يُمكِنُ أَن يُوهِمَ تَلاميذَهُ بِما لَيسَ لَهُ وُجودٌ.

 

وَتُشيرُ عِبَارَةُ "إِنِّي ذاهِبٌ" (πορεύομαι) إِلى حَرَكَةِ المَسيحِ نَحوَ الآبِ، لا كَهُروبٍ، بَلْ كَمَسيرَةٍ خَلاصيَّةٍ سابِقَةٍ لَنا، كَما يُؤَكِّدُ كاتِبُ الرِّسالَةِ إِلى العِبرانيين: "دَخَلَ يَسوعُ مِن أَجلِنا سابِقًا لَنا" (عبرانيين 6: 20).

 

أَمَّا قَولُهُ "لِأُعِدَّ لَكُم مُقامًا" (ἑτοιμάσαι)، فَيُشيرُ إِلى عَمَلِهِ الفِدائيِّ، إِذ أَعَدَّ هٰذا "المُقام" بِصَليبِهِ وَقِيامَتِهِ وَشَفاعَتِهِ. وَيُوضِحُ القديس إيريناوس أَنَّ "المَسيحَ صَارَ إِنسانًا لِيُعِيدَ الإِنسانَ إِلى مَوضعِهِ الأَوَّلِ فِي شَرِكَةِ اللهِ" (Adversus Haereses). وَيَرتَبِطُ هٰذا "المُقام" بِاستِعادَةِ الإِنسانِ لِمَكانَتِهِ الَّتي فَقَدَها بِسَبَبِ الخَطيئَةِ، وَبِدُخولِهِ فِي شَرِكَةِ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ، حَتّى يَتحَقَّقَ قَولُ بولس الرسول:"لِيَكونَ اللهُ كُلَّ شَيءٍ فِي كُلِّ شَيءٍ" (1 قورنتس 15: 28). وَهٰكَذا، يَتَحَوَّلُ "بَيْتُ الآبِ" مِن مُجرَّدِ مَفهومٍ مَستَقبَلِيٍّ إِلى رَجاءٍ حَيٍّ وَتَعزِيَةٍ عَميقَةٍ، لأَنَّهُ وَطَنُ المُؤمِنِ النِّهائِيُّ، وَمَكانُ شَرِكَتِهِ الأَبَدِيَّةِ مَعَ اللهِ.

 

3. "وَإِذا ذَهَبْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُم مُقامًا، أَرجِعُ فَآخُذُكُم إِلَيَّ، لِتَكونوا أَنتُم أَيضًا حَيْثُ أَنا أَكون".

 

تُشيرُ عِبَارَةُ "أَعْدَدْتُ لَكُم مُقامًا" إِلى وَعدِ يسوع المسيح بِضَمانِ الثَّباتِ الأَبَدِيِّ لِلمُؤمِنينَ فِي شَرِكَةِ الآبِ، حَيْثُ يَشتركونَ فِي مَجدِهِ الإِلٰهيِّ، كَما يَقولُ يوحنا الإنجيلي: "نَظَرْنا مَجْدَهُ، مَجْدًا مِن لَدُنِ الآبِ لِابنٍ وَحيدٍ، مِلؤُهُ النِّعمَةُ وَالحَقّ" (يوحنّا 1: 14). وَيُؤَكِّدُ القديس إيريناوس أَنَّ المَسيحَ "هَيَّأَ لِلإِنسانِ مَوضعًا فِي شَرِكَةِ اللهِ، لِيَشترِكَ فِي مَجدِهِ الَّذي خُلِقَ لأَجلِهِ" (Adversus Haereses).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَرجِعُ" (πάλιν ἔρχομαι)، فَتُشيرُ إِلى المَجيءِ الجَديدِ، أَي مَجيءِ يسوع المسيح الثّانِي فِي المَجدِ، وَهُوَ أَيضًا حُضورُهُ الدَّائِمُ فِي حَياةِ المُؤمِنِينَ. وَيُعلِّقُ القديس كيرلس الإسكندري قائِلًا: "لا يَترُكُنا المَسيحُ أَيتامًا، بَلْ يَعودُ إِلَينا بِحُضورِهِ الرُّوحيِّ، وَسَيَعودُ أَيضًا فِي المَجدِ لِيُدخِلَنا إِلَى مَلَكوتِهِ" (In Ioannem).

 

وَتُشيرُ عِبَارَةُ "فَآخُذُكُم إِلَيَّ" (παραλήμψομαι ὑμᾶς) إِلى عَلاقَةٍ شَخصيَّةٍ حَمِيمَةٍ، حَيْثُ يَستَقبِلُ المَسيحُ تَلاميذَهُ وَيَضمُّهُم إِلَيهِ فِي شَرِكَةِ الحُبِّ، فَيُصبِحونَ "مِن أَهلِ بَيتِ اللهِ" (أفسس 2: 19). وَيُؤَكِّدُ القديس أوغسطينوس أَنَّ "المَسيحَ لَم يَذهَبْ لِيَبتَعِدَ عَنَّا، بَلْ لِيُقَرِّبَنا إِلَيهِ، لِكَي نَكونَ مَعَهُ إِلَى الأَبَد" (In Io. Evang. Tract. 68). وَهٰذا الأَخْذُ إِلَيهِ يَتحَقَّقُ أَيضًا فِي لِقاءِ المُؤمِنِ بِالمَسيحِ عِندَ نِهايَةِ حَياتِهِ، كَما يُعبِّرُ بولس الرسول: "لِي رَغبَةٌ فِي الرَّحيلِ لِأَكونَ مَعَ المَسيح" (فيلِبّي 1: 23)، وَيَكتَمِلُ فِي المَجيءِ الثّانِي حِينَ "نَكونُ هٰكَذا مَعَ الرَّبِّ دائِمًا أَبَدًا" (1 تسالونيقي 4: 17).

 

أَمَّا قَولُهُ "لِتَكونوا أَنتُم أَيضًا حَيْثُ أَنا أَكون"، فَيُشيرُ إِلى غايَةِ الخَلاصِ: الشَّرِكَةُ الكامِلَةُ فِي مَجدِ المَسيحِ. وَيُعلِّقُ القديس يوحنا الذهبي الفم قائِلًا: "مَضى لِيَفتَحَ الطَّريقَ، وَلِيُعِدَّ المَوضِعَ، وَلِيَمنَحَنا حَقَّ العُبورِ إِلَى مَلكوتِ المَجدِ" (Hom. in Ioannem). وَيُؤَكِّدُ القديس أثناسيوس الرسولي هٰذا البُعدَ اللاهوتيَّ قائِلًا: "صَارَ اللهُ إِنسانًا لِكَي يَصيرَ الإِنسانُ شَريكًا فِي الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ" (De Incarnatione)، أَي أَنَّ المَسيحَ يُشارِكُنا حَياتَهُ لِيُدخِلَنا فِي مَجدِهِ. وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ خِدمَةَ التِّلمِيذِ تَقتَضِي أَن يَسيرَ فِي طَريقِ المَسيحِ، فَيُشارِكَهُ فِي آلامِهِ لِيُشارِكَهُ أَيضًا فِي مَجدِهِ، كَما قالَ: "مَن أَرادَ أَن يَخدُمَني فَلْيَتبَعْني، وَحَيْثُ أَكونُ أَنا يَكونُ خادِمي" (يوحنّا 12: 26). وَهٰكَذا، يَتَجَلّى أَنَّ غايَةَ الإِيمانِ لَيْسَت مُجرَّدَ الخَلاصِ مِنَ الخَطيئَةِ، بَلْ الدُّخولُ فِي شَرِكَةٍ أَبَدِيَّةٍ مَعَ يسوع المسيح، حَيْثُ يَكونُ المُؤمِنُ مَعَهُ، وَفِيهِ، وَلَهُ، فِي مَجدِ الآبِ إِلَى الأَبَد.

 

4. "أَنتُم تَعرِفونَ الطَّريقَ إِلى حَيثُ أَنا ذاهِب".

 

تُشيرُ عِبَارَةُ "أَنتُم تَعرِفونَ الطَّريقَ" إِلى تَذكيرِ يسوع المسيح تَلاميذَهُ بِما سَبَقَ وَأَعلَنَهُ لَهُم فِي تَعاليمِهِ، إِذ لَم يَكُنِ الطَّريقُ أَمرًا مَجهولًا لَدَيهِم، بَلْ كَانَ قَد أُعْلِنَ لَهُم فِي شَخصِهِ. فَمَعْرِفَةُ الطَّريقِ لَيْسَت مَعرِفَةً نَظَرِيَّةً، بَلْ هِيَ مَعرِفَةٌ شَخصيَّةٌ بِالمَسيحِ نَفسِهِ، الَّذي فَدَى البَشَرِيَّةَ بِدَمِهِ عَلَى الصَّليبِ. وَيُؤَكِّدُ القديس أوغسطينوس هٰذا البُعدَ قائِلًا: "لَم يَقُلْ لَهُم: تَعرِفونَ طَريقًا، بَلْ تَعرِفونَ الطَّريقَ، لأَنَّهُ هُوَ نَفسُهُ الطَّريقُ الَّذي يَعرِفونَهُ إِذا عَرَفوهُ" (In Io. Evang. Tract. 69).  إِلَّا أَنَّ هٰذِهِ المَعرِفَةَ لَم تَكُنْ كامِلَةً لَدَى التَّلاميذِ، إِذ لَم يُدرِكوا بَعدُ مَعنَى مَسِيحانِيَّةِ يَسوعَ وَطَبيعَةَ مَلكوتِهِ، وَيَظهَرُ ذٰلِكَ فِي تَساؤُلِهِم بَعدَ القِيامَةِ: "يا رَبّ، أَفي هٰذا الزَّمَنِ تُعيدُ المُلكَ إِلى إِسرائيل؟" (أعمال الرُّسُل 1: 6).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "الطَّريقَ" فَتُشيرُ إِلى شَخصِ يسوع المسيح نَفسِهِ، الَّذي بِهِ وَحدَهُ يَبلُغُ الإِنسانُ إِلَى الآبِ، كَما يُعلِنُ لاحِقًا: "أَنا الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياة" (يوحنّا 14: 6). وَيُعلِّقُ القديس كيرلس الإسكندري قائِلًا: "المَسيحُ هُوَ الطَّريقُ، لا كَمُرشِدٍ فَقَط، بَلْ كَمَن يَحمِلُنا فِيهِ إِلَى الآبِ" (In Ioannem).

 

أَمَّا قَولُهُ "حَيْثُ أَنا ذاهِب"، فَيُشيرُ إِلى غايَةِ المَسيرَةِ، أَي إِلَى "بَيْتِ الآبِ" فِي السَّماءِ، حَيْثُ الحُضورُ الإِلٰهيُّ الكامِلُ. وهي مَسيرَةَ المَسيحِ الفِدائِيَّةَ كُلَّها: الصَّليبُ، وَالمَوتُ، وَالقِيامَةُ، وَالصُّعودُ، كَطَريقٍ يَفتَحُهُ أَمامَ الإِنسانِ لِيَبلُغَ إِلَى الآبِ. وَيُشيرُ القديس يوحنا الذهبي الفم إِلى أَنَّ "المَسيحَ لَم يَكتَفِ بِأَن يُعلِّمَ الطَّريقَ، بَلْ سَلَكَ فيهِ أَوَّلًا، لِكَي يَجذِبَ تَلاميذَهُ إِلَى السَّيرِ وَراءَهُ" (Hom. in Ioannem). وَهٰكَذا، يَتَّضِحُ أَنَّ الطَّريقَ إِلَى اللهِ لَيْسَ شَريعَةً وَلا فِكرًا، بَلْ شَخصٌ حَيٌّ، هُوَ يسوع المسيح، الَّذي يَدعو الإِنسانَ إِلَى أَن يَتبَعَهُ وَيُشارِكَهُ مَسيرَتَهُ، كَما عَبَّرَ توما الرسول فِي غَيرَةٍ مُحبَّةٍ: "فَلْنَمْضِ نَحنُ أَيضًا لِنَموتَ مَعَه" (يوحنّا 11: 16)، فَيَتحَوَّلُ اتِّباعُ المَسيحِ مِن مَعرِفَةٍ نَظَرِيَّةٍ إِلَى شَرِكَةٍ حَيَّةٍ فِي آلامِهِ وَمَجدِهِ.

5. "قالَ لَهُ تُوما: يا رَبّ، إِنَّنا لا نَعرِفُ إِلى أَينَ تَذهَب، فَكَيفَ نَعرِفُ الطَّريق؟".

 

تُشيرُ عِبَارَةُ "تُوما" فِي الأَصلِ اليونانيِّ (Θωμᾶς)، وَتَعنِي "التَّوأم" (Δίδυμος) (يوحنّا 11: 16)، إِلى توما الرسول، أَحَدِ تَلاميذِ يسوع المسيح الَّذي دَعاهُ فَلَبَّى وَتَبِعَهُ. وَقَد أَظهَرَ غَيرَةً وَمَحبَّةً عَميقَتَينِ لِمُعَلِّمِهِ حِينَ قالَ: "فَلْنَمْضِ نَحنُ أَيضًا لِنَموتَ مَعَه" (يوحنّا 11: 16). غَيرَ أَنَّ هٰذِهِ المَحبَّةَ لَم تَخْلُ مِن ضَعفٍ بَشَرِيٍّ، إِذ كانَ تُوما مَيّالًا إِلَى التَّساؤُلِ وَالبَحثِ، وَقَد بَلَغَ ذٰلِكَ ذِروَتَهُ فِي شَكِّهِ بِقِيامَةِ المَسيحِ، حِينَ قالَ: "إِذا لَم أُبصِرْ أَثَرَ المِسمارَينِ… لَن أُومِن" (يوحنّا 20: 25). وَمَعَ ذٰلِكَ، فَقَد تَحوَّلَ شَكُّهُ إِلى إِيمانٍ عَميقٍ عِندَ لِقائِهِ بِالمَسيحِ القائِمِ، حِينَ أَعلَنَ: "رَبِّي وَإِلهِي!" (يوحنّا 20: 28). وَيُعلِّقُ القديس غريغوريوس الكبير قائِلًا: "إِنَّ شَكَّ تُوما أَفادَنا أَكثَرَ مِمّا أَفادَ إِيمانُ التَّلاميذِ الآخَرينَ، لأَنَّهُ بِمَسِّهِ جِراحَ المَسيحِ شَفَى جِراحَ شَكِّنا" (Hom. in Evangelia 26).

 

أَمَّا عِبارَةُ "إِنَّنا لا نَعرِفُ إِلى أَينَ تَذهَب"، فَتَكشِفُ، على المُستوى اللُّغَوِيّ، عُمقَ جَهْلِ التَّلاميذِ وَحَيْرَتِهِم أَمامَ سِرِّ مَصيرِ يسوعَ. فَالفِعلُ اليونانيُّ المُستَعمَلُ هُنا هُوَ οἴδαμεν مِنَ الجِذرِ οἶδα، وَهُوَ لا يَعني مُجرَّدَ "المَعرِفَةِ" بِالمَعنى العَقليّ، بَل يَدُلُّ على مَعرِفَةٍ مُدرَكَةٍ وَمُتَحقِّقَةٍ، أَي مَعرِفَةٍ قائِمَةٍ عَلى الرُّؤيَةِ وَالاختِبار. فَهٰذا الفِعلُ، أَصلُهُ مُرتَبِطٌ بِفِعلِ "رَأى" (ὁράω)، مِمّا يَعني أَنَّ "المَعرِفَةَ" في الفِكرِ اليونانيِّ الكِتابيِّ هِيَ رُؤيَةٌ داخِلِيَّةٌ وَإِدراكٌ حَيّ. لِذٰلِكَ، عِندَما يَقولُ التَّلاميذُ: "لا نَعرِفُ"، فَهُم لا يَعنونَ فَقَط أَنَّهُم يَجهَلونَ مَعلومةً، بَل يُقِرّونَ بِأَنَّهُم لَم يَبلُغوا بَعدُ إِلى إِدراكٍ رُوحيٍّ لِسِرِّ طَريقِ يسوعَ. فَهُم لَم "يَرَوا" بَعدُ بِعُيونِ الإِيمانِ، وَلَم يَدخُلوا في مَعرِفَةٍ وُجودِيَّةٍ لِسِرِّ الفِصح. أَمَّا الفِعلُ الآخَرُ الَّذي يَظهَرُ في السِّياقِ اليونانيِّ لِمَوضوعِ "المَعرِفَة"، فَهُوَ γινώσκω، الَّذي يَدُلُّ على مَعرِفَةٍ تَدريجيَّةٍ وَاختِباريَّةٍ، تَنمُو مَعَ الزَّمَن. وَالفَرقُ بَينَ οἶδα   وَγινώσκω يُظهِرُ أَنَّ التَّلاميذَ لَم يَبلُغوا لا المَعرِفَةَ الكامِلَةَ (οἶδα)، وَلا حتّى المَعرِفَةَ الاختِباريَّةَ النّاضِجَةَ (γινώσκω)، بَل بَقُوا في حالَةِ عَدَمِ إِدراكٍ لِسِرِّ الذَّهابِ. وَفي اللُّغَةِ العِبريَّة، يُستَعمَلُ الفِعلُ יָדַע لِلدَّلالَةِ على "المَعرِفَة"، وَهُوَ أَعمَقُ بِكَثيرٍ مِن مَعرِفَةٍ عَقليَّةٍ، إِذ يَدُلُّ على مَعرِفَةٍ شَخصيَّةٍ حَيَّةٍ وَعَلاقَةٍ حَميمَة.  فَالمَعرِفَةُ في الفِكرِ العِبريِّ تَعني الدُّخولَ في شَرِكَة، كَما في قَولِ الكِتاب: "عَرَفَ آدَمُ حَوّاءَ امرأتَه" (تكوين 4: 1)، أَي دَخَلَ في عَلاقَةِ اتِّحاد. وَكَذٰلِكَ، فَمَعرِفَةُ اللهِ تَعني عِيشَ العَهدِ مَعَهُ، لا مُجرَّدَ الإِحاطَةِ بِهِ ذِهنيًّا.

 

 مِن هُنا، يَتَّضِحُ أَنَّ قَولَ التَّلاميذِ "لا نَعرِفُ" يَعني أَنَّهُم لَم يَدخُلوا بَعدُ في عَلاقَةٍ فِصحيَّةٍ كامِلَةٍ مَعَ المَسيح، وَلَم يَفْهَموا طَريقَهُ الَّذي يَمُرُّ عَبرَ الصَّليبِ نَحوَ المَجد. فَقَد كانَت أَفكارُهُم ما تَزالُ مَحصورَةً في إِطارِ مَلكوتٍ أَرضيّ، فَلَم يَستَوعِبوا بَعدُ أَنَّ "الذَّهابَ" الَّذي يَتَكَلَّمُ عَنهُ يَسوعُ هُوَ عُبورٌ فِصحيٌّ: مِنَ المَوتِ إِلى الحَياة، وَمِنَ هٰذا العالَمِ إِلى الآب. وَفي هٰذا السِّياقِ، يُؤكِّدُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ التَّلاميذَ "لَم يَكونوا قادِرينَ بَعدُ عَلى فَهمِ الأُمورِ السَّماويَّة، لأَنَّهُم كانُوا ما يَزالونَ يُفَكِّرونَ في الأَرضِيّات" (Homiliae in Ioannem). أَي أَنَّ مَعرِفَتَهُم كانَت ما تَزالُ ناقِصَةً، تَحتاجُ إِلى نُورِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي سَيَكشِفُ لَهُم مَعْنى الصَّليبِ وَالقِيامَة.

 

أَمَّا سُؤالُهُ: "فَكَيفَ نَعرِفُ الطَّريق؟"، فَلا يَدُلُّ عَلَى رَفضٍ أَو شَكٍّ مُطلَقٍ، بَلْ عَلَى رَغْبَةٍ صادِقَةٍ فِي الفَهمِ وَطَلَبِ الإِرشادِ. وَيُؤَكِّدُ القديس أوغسطينوس أَنَّ "تُوما لَم يَرفُضِ الطَّريقَ، بَلْ طَلَبَ أَن يَعرِفَهُ، لِكَي يَسلُكَ فِيهِ" (In Io. Evang. Tract. 69). وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ، يُصبِحُ سُؤالُ تُوما مَدخَلًا لِإِعلانٍ أَعمَقَ، حَيْثُ سَيُكشِفُ يسوع المسيح عَن هُوِيَّتِهِ الكامِلَةِ كَالطَّريقِ وَالحَقِّ وَالحَياةِ. وَهٰكَذا يَتحَوَّلُ جَهلُ الإِنسانِ وَتَساؤُلُهُ إِلى فُرصَةٍ لِإِعلانِ الحَقِّ الإِلٰهيِّ، وَإِلى مَدخَلٍ لِنُموِّ الإِيمانِ فِي شَرِكَةٍ حَيَّةٍ مَعَ المَسيحِ.

 

6. "قالَ لَهُ يَسوعُ: أَنا الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياةُ. لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلّا بي".

 

تُشيرُ عِبَارَةُ "أَنا" فِي الأَصلِ اليونانيِّ (ἐγώ εἰμι) إِلى إِعلانٍ لاهوتيٍّ عَميقٍ، إِذ تُحيلُ إِلى الإِسمِ الإِلٰهيِّ الَّذي أَعلَنَهُ اللهُ لِـموسى النبي: "أَنا هُوَ مَن هُو" (خروج 3: 14)، فَيَظهَرُ يسوع المسيح هُنا كَالحُضورِ الإِلٰهيِّ الحَيِّ، وَكَاشِفًا عَن هُوِيَّتِهِ الإِلٰهيَّةِ فِي سِياقِ الخَلاصِ. وَتَندَرِجُ هٰذِهِ العِبَارَةُ ضِمنَ "إِعلاناتِ الأَنا" فِي إِنجيلِ يوحنا الإنجيلي، حَيْثُ يُعلِنُ يَسوعُ عَن نَفسِهِ قائلًا: " أنا نُورُ العالَم" (يوحنّا 8: 12)، "أَنا بابُ الخِراف" (يوحنّا 10: 7، 9)، "أَنا الرّاعي الصّالح" (يوحنّا 10: 11)، "أَنا القِيامةُ وَالحَياة" (يوحنّا 11: 25)، "أَنا الكَرمَةُ الحَقّ" (يوحنّا 15: 1). وَكُلُّها تَكشِفُ بُعدًا مُختَلِفًا لِشَخصِهِ الخَلاصيِّ.

 

أَمَّا قَولُهُ "أَنا الطَّريقُ"  ὁδὸς فَيُشيرُ إِلى أَنَّ المَسيحَ لَيْسَ مُجرَّدَ دَليلٍ، بَلْ هُوَ الطَّريقُ ذاتُهُ، الَّذي بِهِ وَفِيهِ يَسيرُ الإِنسانُ نَحوَ الآبِ. وَهٰذِهِ الصُّورَةُ مُرتَبِطَةٌ بِرِمزيَّةِ "الطَّريقِ" فِي العَهدِ القَديمِ، حَيْثُ قادَ اللهُ شَعبَهُ فِي مَسيرَةِ الخُروجِ (تثنية 1: 30–33)، وَلكِنَّ يسوع المسيح يَفتَتِحُ فِي العَهدِ الجَديدِ طَريقًا جَديدًا بِصَليبِهِ، كَما يَدعو: "مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني فَلْيَحمِلْ صَليبَهُ" (مرقس 8: 34). وَيُعلِّقُ القديس أوغسطينوس قائِلًا: "سِرْ بِهِ كَإِنسانٍ، تَصِلْ إِلَيهِ كَإِلٰهٍ؛ فَهُوَ الطَّريقُ الَّذي نَسلُكُهُ، وَالحَقُّ الَّذي نَعرِفُهُ، وَالحَياةُ الَّتي نَحياها" (In Io. Evang. Tract. 69).

 

أَمَّا "الحَقُّ"  ἀλήθεια، فَيُشيرُ إِلى أَنَّ يسوع المسيح هُوَ إِعلانُ اللهِ الكامِلُ، وَنُورُ العالَمِ الَّذي يَكشِفُ الحَقيقَةَ الإِلٰهيَّةَ لِلبَشَرِ. وَيُؤَكِّدُ القديس هيلاريوس أسقف بواتييه: "الَّذي هُوَ الطَّريقُ لَم يَترُكْنا نَتُوهُ، وَالَّذي هُوَ الحَقُّ لَم يُخاطِبْنا بِغَيرِ الحَقّ، وَالَّذي هُوَ الحَياةُ لَم يُسَلِّمْنا إِلَى المَوت" (De Trinitate 7: 33–35).

 

وَأَمَّا "الحَياةُ"  ζωή، فَتُشيرُ إِلى أَنَّ المَسيحَ هُوَ مَنبَعُ الحَياةِ، الجَسَدِيَّةِ وَالرُّوحيَّةِ، كَما يَقولُ الإِنجيليُّ: "فِيهِ كانَتِ الحَياةُ، وَالحَياةُ نُورُ النّاس" (يوحنّا 1: 4). وَبِهِ يَدخُلُ المُؤمِنُونَ فِي شَرِكَةٍ حَيَّةٍ مَعَ الآبِ، حَيْثُ "الحَياةُ الأَبديَّةُ أَن يَعرِفوا الآبَ" (يوحنّا 17: 3).

 

أَمَّا قَولُهُ "لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلّا بي"، فَيُؤَكِّدُ حَصرِيَّةَ الدَّورِ الخَلاصيِّ لِـيسوع المسيح، فَهُوَ الوَسيطُ الوَحيدُ بَينَ اللهِ وَالنّاسِ، كَما يَقولُ بولس الرسول: "لأَنَّ اللهَ واحِد، وَالوَسيطَ بَينَ اللهِ وَالنّاسِ واحِد، وَهُوَ الإِنسانُ يَسوعُ المَسيح" (1 طيموثاوس 2: 5). وَيُعلِّقُ القديس كيرلس الإسكندري قائِلًا: "لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يَبلُغَ إِلَى الآبِ إِلّا بِالاِبنِ، لأَنَّهُ فِيهِ وَحدَهُ يَتِمُّ الاِتِّحادُ مَعَ اللهِ" (In Ioannem). وَهٰكَذا، يَتَّضِحُ أَنَّ الطَّريقَ إِلَى اللهِ لَيْسَ شَريعَةً وَلا فِكرًا، بَلْ شَخصٌ حَيٌّ، هُوَ يسوع المسيح، الَّذي بِمَوتِهِ وَقِيامَتِهِ وَشَفاعَتِهِ فَتَحَ لِلبَشَرِيَّةِ طَريقَ الخَلاصِ، لِيُدخِلَهُم فِي شَرِكَةِ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ مَعَ الآبِ. يسوعُ هُوَ الطَّريقُ الَّذي مِن خِلالِهِ نَصِلُ إِلى الآب، وَهُوَ الحَقُّ الَّذي يَهزِمُ كُلَّ ما هُوَ زائِفٌ فينا، وَهُوَ الحَياةُ الَّتي تَستَمِرُّ في بَثِّ الطُّمَأْنينَةِ في القَلْبِ. فَفي شَخصِهِ يَتَلاقى الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياة، لا كَمَفاهيمَ مُجرَّدَة، بَل كَواقِعٍ إِلهيٍّ حَيّ. فَهُوَ الطَّريقُ لأَنَّهُ يُدخِلُنا في شَرِكَةٍ مَعَ الآب، وَالحَقُّ لأَنَّهُ يَكشِفُ لَنا وَجهَ اللهِ وَيُنقّي داخِلَنا مِن كُلِّ خِداع، وَالحَياةُ لأَنَّهُ يَمنَحُنا الحَياةَ الإِلٰهِيَّةَ الَّتي لا تَزول. لِذٰلِكَ، فَالسَّيرُ وَراءَ المَسيحِ لَيسَ مُجرَّدَ اتِّباعِ تَعاليم، بَل دُخولٌ في طَريقٍ يُغَيِّرُ الإِنسانَ، وَيُحَرِّرُهُ بِالحَقّ، وَيُحييهِ بِنِعمَةِ الحَياةِ الجَديدَة، حَتّى يَبلُغَ إِلى مِلءِ الشَّرِكَةِ مَعَ الآب.

 

7. " فَلَو كُنتُم تَعرِفونَني لَعَرَفتُم أَبي أَيضًا. مُنذُ الآنَ تَعرِفونَهُ وَقَد رَأَيتُموه".

 

تُشيرُ عِبَارَةُ "فَلَو كُنتُم تَعرِفونَني لَعَرَفتُم أَبي أَيضًا" إِلى العَلاقَةِ الجَوهَرِيَّةِ وَالوَحدَةِ الكِيانيَّةِ بَينَ يسوع المسيح وَالآبِ. فَمَعرِفَةُ الاِبنِ لَيسَت مَعرِفَةً خارِجِيَّةً أَو ذِهنيَّةً فَحَسب، بَلْ هِيَ دُخولٌ فِي سِرِّ شَركَةِ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ. وَمَن يَعرِفُ الاِبنَ حَقًّا يَعرِفُ الآبَ، لأَنَّ الاِبنَ هُوَ إِعلانُهُ الكامِلُ. وَيُؤَكِّدُ القديس كيرلس الإسكندري أَنَّ "الاِبنَ هُوَ صُورَةُ الآبِ الحَيَّةُ، وَمَن يَنظُرُ إِلَيهِ يَتَأَمَّلُ الآبَ فِيهِ" (In Ioannem).

 

أَمَّا قَولُهُ "مُنذُ الآنَ تَعرِفونَهُ"، فَيُشيرُ إِلى بُعدٍ زَمَنيٍّ خَلاصيٍّ جَديدٍ، يَرتَبِطُ بِالسّاعَةِ الفِصحيَّةِ، أَي بِسِرِّ الصَّليبِ وَالقِيامَةِ، حَيْثُ يَبلُغُ الإِعلانُ الإِلٰهيُّ كَمالَهُ. فَمِن خِلالِ مَوتِ يسوع المسيح وَقِيامَتِهِ، تُفتَحُ أَمامَ التَّلاميذِ إِمكانِيَّةُ مَعرِفَةِ الآبِ مَعرِفَةً حَيَّةً. وَيُشيرُ القديس يوحنا الذهبي الفم إِلى أَنَّ "المَسيحَ لَم يَقُلْ هٰذا لِيُظهِرَ أَنَّهُم كانُوا يَعرِفونَ بِالكامِل، بَلْ لِيُعلِنَ أَنَّ زَمانَ المَعرِفَةِ الحَقيقيَّةِ قَد بَدَأَ يَتَجَلّى" (Hom. in Ioannem).

 

وَتُؤَكِّدُ عِبَارَةُ "وَقَد رَأَيتُموه" أَنَّ رُؤيَةَ يسوع المسيح هِيَ رُؤيَةُ الآبِ نَفسِهِ، لِأَنَّهُ "صُورَةُ اللهِ غَيرِ المَنظور" (قولسي 1: 15)، وَ"شُعاعُ مَجدِهِ وَصُورَةُ جَوهَرِهِ" (عبرانيين 1: 3). فَالرُّؤيَةُ هُنا لَيسَت حِسِّيَّةً فَحَسب، بَلْ رُؤيَةٌ إِيمانيَّةٌ تَتحَقَّقُ فِي شَخصِ الاِبنِ المُتَجَسِّدِ. وَيُعلِّقُ القديس أوغسطينوس قائِلًا: "مَن رَأى الاِبنَ بِإِيمانٍ، فَقَد رَأى الآبَ، لأَنَّ الآبَ وَالاِبنَ واحِدٌ فِي الجَوهَرِ، غَيرُ مُنفَصِلَينِ فِي الطَّبيعَةِ" (In Io. Evang. Tract. 70). وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ، فَإِنَّ مَعرِفَةَ الآبِ لا تَتِمُّ إِلّا فِي يسوع المسيح وَبِهِ، وَهِيَ مَعرِفَةٌ تَبلُغُ كَمالَها بِعَملِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي يُنيرُ القُلوبَ، فَيَجعَلُ المُؤمِنَ يَدخُلُ فِي شَركَةِ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ، وَيُدرِكُ أَنَّ الَّذي بَلَغَ الاِبنَ قَد بَلَغَ حِضنَ الآبِ نَفسِهِ (يوحنّا 1: 18).

 

8." قالَ لَهُ فيلِبُّس: يا رَبّ، أَرِنا الآبَ وَحَسْبُنا".

 

يُشيرُ اسم "فيلِبُّس" فِي الأَصلِ اليونانيِّ (Φίλιππος)، وَمَعناه "مُحِبٌّ"، إِلى فيلبس الرسول، أَحَدِ تَلاميذِ يسوع المسيح، الَّذي كانَ مِن بَيتِ صَيْدا (يوحنّا 1: 44)، وَقَد تَميَّزَ بِغَيرَةٍ فِي البَحثِ عَنِ الحَقّ وَدِراسَةِ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ. فَبَعدَ دَعوتِهِ، بَادَرَ إِلى دَعوةِ نَتَنائيل قائِلًا: "وَجَدْنا الَّذي كَتَبَ عَنهُ موسى فِي الشَّريعةِ وَالأَنبِياء" (يوحنّا 1: 45)، مِمّا يَدُلُّ عَلَى انْفِتاحِهِ عَلَى الإِعلانِ الإِلٰهيِّ.

 

وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ سُؤالَهُ: "يا رَبّ، أَرِنا الآبَ وَحَسْبُنا" هو الطَّلبُ يُعبِّرُ عن ذِروةِ تَوَقُّعٍ دِينيٍّ يَهوديٍّ: مَعايَنَةِ اللهِ نَفسِهِ من ناحية، ومن ناحية أخرى يَكشِفُ عَن حَدٍّ مِن عَدَمِ الاِستيعابِ الكامِلِ لِسِرِّ يسوع المسيح، إِذ لَم يُدرِك بَعدُ أَنَّ الآبَ قَد أُعلِنَ فِي شَخصِ الاِبنِ المُتَجَسِّدِ. فَهُوَ يَطلُبُ رُؤيَةً مُباشِرَةً لِلآبِ، أَشبَهَ بِطَلَبِ موسى النبي: "أَرِني مَجدَكَ" (خروج 33: 18)، وَكَأَنَّهُ يَسعَى إِلى تَجلٍّ حِسِّيٍّ يُثبِتُ لَهُ الحَقيقَةَ الإِلٰهيَّةَ. إِلّا أَنَّ هٰذا الطَّلَبَ يَحمِلُ بُعدًا أَعمَقَ، فَهُوَ يُعَبِّرُ عَنِ العَطَشِ الدّاخِلِيِّ لِلقاءِ اللهِ، وَهُوَ أَعمَقُ ما يَطمَحُ إِلَيهِ الإِنسانُ، كَما يُؤَكِّدُ الكِتابُ: "اللهَ لَم يَرَهُ أَحَدٌ قَطّ" (يوحنّا 1: 18). فَالرُّؤْيَةُ الحَقيقِيَّةُ لَيْسَتْ: رُؤْيَةَ العَيْنِ، بَلْ رُؤْيَةُ الإِيمانِ، الَّتي تَكْتَشِفُ في يَسوعَ حُضورَ الآبِ نَفْسِهِ.

 

يَدُلُّ فِعلُ " أَرِنا " δεῖξον ἡμῖν (أَرِ، أَظهِر) طَلَبِ رُؤيةٍ حِسِّيَّةٍ مُباشِرَةٍ، أَو تَجَلٍّ إِلهيٍّ واضِح. وَيُعلِّقُ القديس هيلاريوس أسقف بواتييه قائِلًا: "لَم يَكُنْ فيلِبُّس يَطلُبُ رُؤيَةً جَسَدِيَّةً لِلآبِ، بَلْ كَانَ يَسعَى إِلى فَهمٍ أَعمَقَ لِمَن يَراهُ أَمامَهُ؛ فَلِذٰلِكَ قالَ: وَحَسْبُنا" (De Trinitate). إِنَّ خَطَأَ فيلِبُّس لا يَكمُنُ فِي طَلَبِهِ لِرُؤيَةِ اللهِ، بَلْ فِي عَدَمِ إِدرَاكِهِ أَنَّ هٰذِهِ الرُّؤيَةَ قَد تَحقَّقَت فِي يسوع المسيح نَفسِهِ، الكَلِمَةِ المُتَجَسِّدِ. فَفِي المَسيحِ لا يَتَجلّى اللهُ فَقَطْ بِقُدرَتِهِ، بَلْ بِكُلِّ كَمالاتِهِ: مَحبَّةً، وَرَحمَةً، وَحَقًّا، وَقُدسِيَّةً. وَيُؤَكِّدُ القديس أوغسطينوس هٰذِهِ الحَقيقَةَ قائِلًا: "إِنَّ مَن يَرى الاِبنَ بِالإِيمانِ، فَقَد رَأى الآبَ، لأَنَّ الآبَ لا يُدرَكُ إِلّا فِي صُورَةِ الاِبنِ" (In Io. Evang. Tract. 70).

 

قول فيلِبُّس" أَرِنا الآبَ " هو البَحْثَ عَنِ الآبِ قَد يَحمِلُ في ظاهِرِهِ مَعْنى "الميراث"، لأَنَّ الآبَ في الفِكرِ الكِتابيِّ هُوَ مَصدَرُ العَطاءِ وَالوَعدِ، وَهُوَ الَّذي يَهَبُ أَبناءَهُ نَصيبَهُم وَمُستَقبَلَهُم. لٰكِن، في عُمقِ الإِعلانِ الإِنجيليّ، لا يَنحَصِرُ الميراثُ في عَطاءٍ خارِجيّ، بَل يَتَجاوَزُ ذٰلِكَ لِيُصبِحَ شَرِكَةً في حَياةِ الآبِ ذاتِها. فَهَل كانَ فِيلِبُّسُ يَبحَثُ عَن ميراثِهِ مِن أَبيهِ؟ الحَقيقَةُ أَنَّ طَلَبَهُ: "يا رَبُّ، أَرِنا الآب" لا يُعبِّرُ عَن رَغْبَةٍ في نَيلِ مِيراثٍ، بَل عَن حَنينٍ إِلى الأَصل، وَتَوْقٍ إِلى الجُذورِ البُنُوِيَّة. إِنَّهُ بَحْثٌ عَن الهُوِيَّةِ العَميقَةِ: مَن هُوَ الآبُ؟ وَأَينَ مَكانُنا فيهِ؟ إِنَّ فِيلِبُّسَ، مِثلَ بَقيَّةِ التَّلاميذِ، كانَ يَحمِلُ في داخِلِهِ تَوْقَ الإِنسانِ كُلِّهِ إِلى الله، لٰكِنَّهُ لَم يَكُن قَد أَدرَكَ بَعدُ أَنَّ الميراثَ الحَقيقيَّ هُوَ الآبُ نَفسُهُ. فَالميراثُ في العَهدِ الجَديدِ لَيسَ شَيئًا نَأخُذُهُ مِنَ الله، بَل هُوَ الدُّخولُ في عَلاقَةِ بُنُوَّةٍ مَعَهُ. مِن هُنا، يَأتي جَوابُ يَسوعَ حاسِمًا: "مَن رَآني فَقَد رَأى الآب" (يو 14: 9). أَي إِنَّ الطَّريقَ إِلى الآبِ لا يَمُرُّ عَبرَ بَحْثٍ خارِجيّ، بَل عَبرَ العَلاقَةِ مَعَ المَسيح. فَفي يَسوعَ، لا نَجِدُ فَقَط مَن يُعَرِّفُنا عَلى الآب، بَل نَدخُلُ فِعلًا في شَرِكَةٍ مَعَهُ. وَفي التَّقليدِ الآبائِيِّ، يُشَدِّدُ أوغسطينوس عَلى أَنَّ "اللهَ نَفسَهُ هُوَ مِيراثُنا"، فَيَقولُ: "الرَّبُّ نَصيبِي" (مز 16: 5)، أَي إِنَّ أَقصى ما يَطمَحُ إِلَيهِ الإِنسانُ لَيسَ عَطايا الله، بَل اللهُ ذاتُهُ. لِذٰلِكَ، فَالسُّؤالُ الأَدَقُّ لَيسَ: «هَل يَبحَثُ فِيلِبُّسُ عَن مِيراثِهِ؟» بَل هَل أَدرَكَ أَنَّ هُوِيَّتَهُ الحَقيقيَّةَ كَابنٍ تَكمُنُ في مَعرِفَةِ الآبِ في الابن؟ إِنَّ الجَوابَ يَكمُنُ في هٰذا الإِعلان: أَن نَرجِعَ إِلى جُذورِنا البُنُوِيَّةِ لا يَكونُ بِالبَحْثِ عَن عَطايا، بَل بِالدُّخولِ في عَلاقَةٍ حَيَّةٍ مَعَ الآبِ، مِن خِلالِ يَسوعَ المَسيح. فَهُناكَ يَجِدُ الإِنسانُ مِيراثَهُ الحَقيقيّ: أَن يَكونَ ابنًا في الابن، وَشَريكًا في حَياةِ الله.

 

أمَّا عِبارَةُ "حَسْبُنا" (ἀρκεῖ)، الَّتي تَعني "يَكفينا"، فَهِيَ تَعْبيرٌ يُشيرُ إِلى الاِكْتِفاءِ النِّهائِيِّ وَالاِمْتِلاءِ التَّامِّ. إِنَّها لا تُعَبِّرُ فَقَط عَنْ رَغْبَةٍ عابِرَةٍ، بَلْ عَنْ تَوَقٍ عَميقٍ في قَلْبِ الإِنسانِ إِلى بُلُوغِ الغايَةِ القُصْوى: رُؤْيَةِ الله. فَبِالنِّسْبَةِ إِلى فيلِبُّس، إِنَّ مُعايَنَةَ الآبِ تُشَكِّلُ ذِرْوَةَ كُلِّ بَحْثٍ دينيٍّ، وَنِهايَةَ كُلِّ تَساؤُلٍ إيمانيّ. يَنْدَرِجُ هٰذا الطَّلَبُ ضِمْنَ تَقْليدٍ كِتابِيٍّ عَريقٍ، إِذْ يُعيدُنا إِلى تَوَقِ العَهْدِ القَديمِ لِرُؤْيَةِ الله. فَفي سفر الخروج (33: 18)، يَطْلُبُ موسى: "أَرِني مَجْدَكَ"، وَفي سفر المزامير (27: 8) يُعَبِّرُ المُرَتِّلُ: "وَجْهَكَ يا رَبُّ أَطْلُب". غَيْرَ أَنَّ هٰذا التَّوَقَ يَصْطَدِمُ بِحَدٍّ لاهوتِيٍّ واضِحٍ، إِذْ يُؤَكِّدُ الوَحْيُ أَنَّ الإِنسانَ لا يَسْتَطيعُ أَنْ يَرَى اللهَ رُؤْيَةً مُباشِرَةً: "لا يَقْدِرُ الإِنسانُ أَنْ يَراني وَيَحْيا" (خر 33: 20). مِنْ هُنا، يَظْهَرُ طَلَبُ فيلِبُّس كَذِرْوَةِ التَّوَقِ الإِنسانِيِّ لِرُؤْيَةِ الله، لَكِنَّهُ يَبْقَى مَحْكُومًا بِمَنْطِقِ الرُّؤْيَةِ الحِسِّيَّةِ، أَيْ بِالرَّغْبَةِ في مُعايَنَةٍ مَنْظورَةٍ وَمُباشِرَةٍ. وَهٰذا ما يَكْشِفُ مَحْدودِيَّةَ إِدْراكِهِ لِسِرِّ الإِعْلانِ الإِلٰهِيِّ في شَخْصِ يَسوعَ المَسيح. في هٰذا السِّياق، يُعَلِّقُ أوغسطينوس قائِلًا إِنَّ فيلِبُّس "طَلَبَ أَنْ يَرَى ما كانَ يَراهُ بِالفِعْلِ دُونَ أَنْ يُدْرِكَه". أَيْ إِنَّ الحَقيقَةَ الإِلٰهِيَّةَ كانَتْ حاضِرَةً أَمامَهُ في شَخْصِ يَسوع، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ بَعْدُ عُمْقَ الفَهْمِ اللّاهوتِيِّ لِهٰذِهِ الحَقيقَة. وَهٰكَذا، فَإِنَّ طَلَبَ فيلِبُّس لا يَقْتَصِرُ عَلى كَوْنِهِ سُؤالًا تَاريخِيًّا، بَلْ يُمَثِّلُ كُلَّ إِنسانٍ في عَطَشِهِ إِلى رُؤْيَةِ الله، وَفي بَحْثِهِ عَنِ اليَقين، وَفي رَغْبَتِهِ في بُلُوغِ الاِكْتِفاءِ النِّهائِيّ. غَيْرَ أَنَّ الجَوابَ الإِلٰهِيَّ لا يُعْطى في إِطارِ مَشْهَدٍ خارِقٍ أَو رُؤْيَةٍ حِسِّيَّةٍ، بَلْ يَتَحَقَّقُ في عَلاقَةٍ شَخْصِيَّةٍ حَيَّةٍ مَعَ المَسيح، الَّذي فيهِ يُعْلَنُ الآبُ إِعْلانًا كامِلًا وَنِهائِيًّا.

 

 9. "قالَ لَهُ يَسوعُ: إِنِّي مَعَكُم مُنذُ وَقتٍ طَويل، أَفَلا تَعرِفُني يا فيلِبُّس؟ مَن رآني رَأى الآب. فَكَيفَ تَقولُ: أَرِنا الآب؟".

 

تُشيرُ عِبَارَةُ "إِنِّي مَعَكُم" إِلى الحُضورِ التَّاريخيِّ لِـيسوع المسيح مَعَ تَلاميذِهِ، خِلالَ خِدمَتِهِ العَلَنيَّةِ الَّتي امتَدَّت نَحوَ ثَلاثِ سَنَواتٍ، حَيْثُ عايَشوهُ وَسَمِعوا تَعليمَهُ وَشاهَدوا أَعمالَهُ الخَلاصيَّةَ.

 

أَمَّا قَولُهُ "مُنذُ وَقتٍ طَويل" فَيُبرزُ طُولَ هٰذِهِ المُرافَقَةِ، الَّتي كانَت كافِيَةً لِلتَّعَرُّفِ إِلَيهِ فِي حَقيقَتِهِ الإِلٰهيَّةِ.

 

وَتَحمِلُ عِبَارَةُ "أَفَلا تَعرِفُني يا فيلِبُّس؟" طابَعَ العِتابِ الرَّعَوِيِّ، إِذ يُوَجِّهُ يسوع المسيح كَلامَهُ إِلى فيلبس الرسول، لِأَنَّهُ لَم يَبلُغْ بَعدُ إِلى المَعرِفَةِ العَميقَةِ، عَلَى الرَّغمِ مِن مُرافَقَتِهِ الطَّويلَةِ. وَيُشِيرُ القديس يوحنا الذهبي الفم إِلى أَنَّ "المَسيحَ لا يُوَبِّخُهُ بِقَسوَةٍ، بَلْ يَدعوهُ إِلى الاِنتِقالِ مِن مَعرِفَةٍ ظاهِرِيَّةٍ إِلى مَعرِفَةٍ إِيمانيَّةٍ أَعمَق" (Hom. in Ioannem).

 

أَمَّا قَولُهُ "مَن رآني رَأى الآب"، فَهُوَ مِن أَعمَقِ الإِعلاناتِ الكِرِيسْتولوجيَّةِ فِي إِنجيلِ يوحنا الإنجيلي، إِذ يُؤَكِّدُ وَحدَةَ الاِبنِ الجَوهَرِيَّةَ مَعَ الآبِ. وَيُعلِّقُ القديس كيرلس الإسكندري: "إِنَّ الابنَ، لِكَوْنِهِ صُورَةَ الآبِ، يَكشِفُهُ تَمامًا، فَمَن يَعرِفُ الابنَ يَعرِفُ الآبَ" (In Ioannem).  فَرُؤيَةُ يسوع المسيح لَيْسَت مُجرَّدَ رُؤيَةٍ بَشَرِيَّةٍ، بَلْ هِيَ رُؤيَةُ الإِعلانِ الإِلٰهيِّ فِي مِلئِهِ، لأَنَّهُ "صُورَةُ اللهِ الَّذي لا يُرى" (كولوسي 1: 15)، وَ"شُعاعُ مَجدِهِ وَصُورَةُ جَوهَرِهِ" (عبرانيين 1: 3). وَيُعلِّقُ القديس كيرلس الإسكندري قائِلًا: "مَن يَنظُرُ إِلَى الاِبنِ يَرى الآبَ، لا لأَنَّهُما شَخصٌ واحِد، بَلْ لأَنَّ الاِبنَ يُظهِرُ فِي نَفسِهِ طَبيعَةَ الآبِ وَمَجدَهُ" (In Ioannem). كَما تُشيرُ هٰذِهِ العِبَارَةُ إِلى أَنَّ حَياةَ يسوع المسيح بِأَكْمَلِها—فِي أَقوالِهِ وَأَعمالِهِ—هِيَ إِعلانٌ حَيٌّ لِلآبِ، كَما قالَ: "أَظهَرتُ اسمَكَ لِلنّاس" (يوحنّا 17: 6)، وَ"أَنا وَالآبُ واحِد" (يوحنّا 10: 30).

 

أَمَّا قَولُهُ "فَكَيفَ تَقولُ: أَرِنا الآب؟" فَيُشكِّلُ تَصحيحًا لِفَهمِ فيلِبُّس، وَتَنبيهًا إِلى أَنَّ طَلَبَ رُؤيَةِ الآبِ قَد تَحقَّقَ فِعلًا فِي شَخصِ يسوع المسيح. وَيُؤَكِّدُ القديس أوغسطينوس: "لَو عَرَفَ فيلِبُّس مَن هُوَ الَّذي يَراهُ، لَما طَلَبَ أَن يُرى الآبُ، لأَنَّ الآبَ يُرى فِي الاِبنِ" (In Io. Evang. Tract. 70). وَهٰكَذا، يَتَّضِحُ أَنَّ اللهَ، وَإِنْ كانَ غَيرَ مَنظورٍ فِي جَوهَرِهِ، فَإِنَّهُ قَد أَعلَنَ ذَاتَهُ فِي يسوع المسيح، الَّذي أَظهَرَ صِفاتِهِ وَمَقاصِدَهُ وَمَحبَّتَهُ وَرَحمَتَهُ. فَمَن يَعرِفُ الاِبنَ، يَعرِفُ اللهَ، وَمَن يَبلُغُ إِلَيهِ، يَبلُغُ إِلَى حِضنِ الآبِ، فِي شَركَةِ الرُّوحِ القُدُسِ.

 

10. "أَلا تُؤمِنُ بِأَنِّي فِي الآبِ وَأَنَّ الآبَ فِيَّ؟ إِنَّ الكَلامَ الَّذي أَقولُه لَكُم لا أَقولُه مِن عِندي، بَلِ الآبُ المُقيمُ فِيَّ يَعمَلُ أَعمالَه".

 

تُشيرُ عِبَارَةُ "أَلا تُؤمِنُ" إِلى دَعوَةٍ مُباشِرَةٍ إِلى الإِيمانِ، يُوَجِّهُها يسوع المسيح إِلى فيلبس الرسول، لِكَي يَنتَقِلَ مِنَ المُلاحَظَةِ الظّاهِرِيَّةِ إِلى الرُّؤيَةِ الإِيمانيَّةِ العَميقَةِ. فَالإِيمانُ هُوَ الَّذي يُمَكِّنُ الإِنسانَ مِن إِدراكِ الحَقيقَةِ الإِلٰهيَّةِ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الاِبنَ هُوَ "الاِبنُ الوَحيدُ الَّذي فِي حِضنِ الآبِ" (يوحنّا 1: 18).

 

أَمَّا قَولُهُ "بِأَنِّي فِي الآبِ وَأَنَّ الآبَ فِيَّ"، فَيُعبِّرُ عَنِ الاِتِّحادِ العَميقِ بَينَ الآبِ وَالاِبنِ، وَهُوَ اتِّحادٌ فِي الجَوهَرِ مَعَ تَمايُزٍ فِي الأَقانيمِ. فَلا يَقولُ يسوع المسيح "أَنا الآب"، بَلْ يُعلِنُ وَحدَةَ الكَينونَةِ: "أَنا وَالآبُ واحِد" (يوحنّا 10: 30). وَيُعلِّقُ القديس كيرلس الإسكندري قائِلًا: "إِنَّ الاِبنَ لَيسَ خارِجًا عَنِ الآبِ، بَلْ هُوَ مِنهُ وَفِيهِ، كَما أَنَّ ضِياءَ الشَّمسِ لا يَنفَصِلُ عَنها، بَلْ يَصدُرُ عَنها دُونَ انفِصال" (In Ioannem).

 

وَتُشيرُ عِبَارَةُ "إِنَّ الكَلامَ الَّذي أَقولُه لَكُم لا أَقولُه مِن عِندي" إِلى أَنَّ تَعليمَ يسوع المسيح لَيسَ بَشَرِيًّا مُستَقِلًّا، بَلْ هُوَ إِعلانٌ إِلٰهيٌّ صادِرٌ عَنِ الآبِ، كَما قالَ: "لأَنِّي لَم أَتَكَلَّمْ مِن عِندي، بَلِ الآبُ الَّذي أَرسَلَني هُوَ الَّذي أَوصاني بِما أَقولُ" (يوحنّا 12: 49). وَيُؤَكِّدُ القديس أوغسطينوس: "إِنَّ كَلامَ الاِبنِ هُوَ كَلامُ الآبِ، لأَنَّهُ الكَلِمَةُ الَّذي بِهِ يَنطِقُ الآبُ" (In Io. Evang. Tract. 74).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "الآبُ المُقيمُ فِيَّ" (ἐν ἐμοὶ μένων)، فَتُشيرُ إِلى الحُضورِ الدّائِمِ وَالفعّالِ لِلآبِ فِي الاِبنِ، وَهُوَ ما يُظهِرُ أَنَّ أَعمالَ يسوع المسيح هِيَ أَعمالُ اللهِ نَفسِهِ. فَالمَسيحُ لَيسَ مُجرَّدَ نَبِيٍّ مُرسَلٍ، بَلْ هُوَ الاِبنُ الَّذي يَعمَلُ مَعَ الآبِ فِي وَحدَةٍ كامِلَةٍ، كَما قالَ: "إِنَّ أَبي ما يَزالُ يَعمَلُ وَأَنا أَعمَلُ أَيضًا" (يوحنّا 5: 17). وَيُوضِّحُ القديس يوحنا الذهبي الفم أَنَّ "المَسيحَ يَنسبُ أَعمالَهُ إِلى الآبِ، لا لِيُظهِرَ دُونِيَّتَهُ، بَلْ لِيُعلِنَ وَحدَةَ القُدرَةِ وَالمَشيئَةِ بَينَهُما" (Hom. in Ioannem).

 

وَأَمَّا قَولُهُ "يَعمَلُ أَعمالَه"، فَيُشيرُ إِلى أَنَّ كُلَّ أَعمالِ يسوع المسيحمِن شِفاءٍ وَخَلاصٍ وَغُفرانٍ—هِيَ تَجلٍّ لِمَحبَّةِ الآبِ وَمَشيئَتِهِ الخَلاصيَّةِ. وَقَد ظَهَرَ هٰذا بِوُضوحٍ فِي الآياتِ الَّتي صَنَعَها، مِثلَ مُعجِزَةِ قانا الجَليلِ، حَيْثُ "أَظهَرَ مَجدَه فَآمَنَ بِه تَلاميذُه" (يوحنّا 2: 11). وَخُلاصَةُ القَولِ: إِنَّ وَحدَةَ الآبِ وَالاِبنِ تَتَجلّى فِي الكَلامِ وَالأَعمالِ مَعًا؛ فَمَن يَسمَعُ الاِبنَ يَسمَعُ الآبَ، وَمَن يَرى أَعمالَ الاِبنِ يَرى أَعمالَ الآبِ. وَبِالإِيمانِ بِـيسوع المسيح، يَدخُلُ الإِنسانُ فِي هٰذِهِ الشَّركَةِ الإِلٰهيَّةِ، لِيَعرِفَ اللهَ مَعرِفَةً حَيَّةً وَمُخَلِّصَةً.

 

11. "صَدِّقوني: إِنِّي فِي الآبِ وَإِنَّ الآبَ فِيَّ، وَإِذا كُنتُم لا تُصَدِّقوني فَصَدِّقوا مِن أَجْلِ تِلكَ الأَعمال".

 

تُشيرُ عِبَارَةُ "صَدِّقوني" إِلى دَعوَةٍ مُباشِرَةٍ إِلى الإِيمانِ بِشَهادَةِ يسوع المسيح لِنَفسِهِ، فَهُوَ يَطلُبُ مِن تَلاميذِهِ أَن يَقبَلوا كَلامَهُ كَإِعلانٍ إِلٰهيٍّ صادِقٍ، كَما قالَ: "إِن شَهِدتُ لِنَفسي فَشَهادَتي تَصِحّ" (يوحنّا 8: 14). فَإِيمانُ التَّلميذِ يَقومُ أَوَّلًا عَلَى الثِّقَةِ بِشَخصِ المَسيحِ وَكَلِمَتِهِ.

 

أَمَّا قَولُهُ "إِنِّي فِي الآبِ وَإِنَّ الآبَ فِيَّ"، فَيُؤَكِّدُ مَرَّةً أُخرى سِرَّ الوَحدَةِ العَميقَةِ بَينَ يسوع المسيح وَالآبِ، وَهُوَ اتِّحادٌ فِي الجَوهَرِ لا يَقبَلُ الاِنقِسامَ، كَما يُعَلِّمُ بولس الرسول: "فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلءِ اللاهوتِ حُلولًا جَسَدِيًّا" (كولسي 2: 9). وَيُعلِّقُ القديس أوغسطينوس قائِلًا: "الآبُ هُوَ اللهُ الَّذي لَيسَ مِن الله، أَمَّا الاِبنُ فَهُوَ إِلٰهٌ مِن إِلٰه، نُورٌ مِن نُور؛ وَمَعَ ذٰلِكَ فَهُما واحِدٌ فِي الطَّبيعَةِ، غَيرُ مُنقَسِمَينِ فِي الجَوهَر" (In Io. Evang. Tract.). وَإِذا لَم يَبلُغِ التَّلاميذُ بَعدُ إِلى الإِيمانِ بِهٰذا الإِعلانِ بِالكَلامِ، فَإِنَّ يسوع المسيح يُحيلُهُم إِلى شَهادَةِ أَعمالِهِ قائِلًا: "فَصَدِّقوا مِن أَجْلِ تِلكَ الأَعمال". فَالأَعمالُ، وَلا سِيَّما الآياتُ وَالمُعجِزاتُ، تُعَدُّ دَليلًا حَيًّا عَلَى أَنَّ اللهَ يَعمَلُ فِيهِ وَبِهِ، كَما قالَ: "لا يَستَطيعُ الاِبنُ أَن يَفعَلَ شَيئًا مِن عِندِهِ، بَلْ ما يَرى الآبَ يَفعَلُه" (يوحنّا 5: 19). وَتُظهِرُ أَعمالُ يسوع المسيح صِفاتِ الآبِ نَفسِهِ: فِي رَحمَتِهِ عَلَى المَرضى، وَقُدرَتِهِ فِي إِقامَةِ المَوتى، وَمَحبَّتِهِ لِلخُطاةِ، وَتَواضُعِهِ فِي خِدمَةِ الإِنسانِ. وَبِهٰذا تَتَجلّى إِرادَةُ الآبِ الخَلاصيَّةُ فِي التَّاريخِ. وَيُؤَكِّدُ القديس يوحنا الذهبي الفم هٰذِهِ الحَقيقَةَ قائِلًا: "إِذا لَم يَكُنِ الكَلامُ كافِيًا لِإِثباتِ وَحدَةِ الجَوهَرِ، فَالأَعمالُ تُظهِرُ ذٰلِكَ بِوُضوحٍ، لأَنَّهَا أَعمالُ اللهِ نَفسِهِ" (Hom. in Ioannem). وَتَبقى أَعظَمُ هٰذِهِ الأَعمالِ قِيامَةُ يسوع المسيح مِن بَينِ الأَمواتِ، الَّتي تُشَكِّلُ الخاتِمَةَ النِّهائيَّةَ لِشَهادَةِ الآبِ لِلاِبنِ، وَالبُرهانَ الأَسمَى عَلَى صِدقِ رِسالَتِهِ. وَخُلاصَةُ القَولِ: إِنَّ الإِيمانَ بِـيسوع المسيح يَقومُ عَلَى شَهادَتَينِ مُتَكامِلَتَينِ: شَهادَةِ كَلِمَتِهِ، وَشَهادَةِ أَعمالِهِ. فَمَن يَقبَلُهُ بِالإِيمانِ، يَرى فِيهِ عَمَلَ الآبِ وَيَعرِفُ أَنَّ اللهَ حاضِرٌ وَفاعِلٌ فِي شَخصِ الاِبنِ.

 

12. "الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكُم: مَن آمَنَ بي يَعمَلُ هو أَيضًا الأَعمالَ الَّتي أَعمَلُها أَنا، بَل يَعمَلُ أَعظَمَ مِنها، لأَنِّي ذاهِبٌ إِلى الآب".

 

تُشيرُ عِبَارَةُ "الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكُم" إِلى إِعلانٍ إِلٰهيٍّ مُؤَكَّدٍ، يَحمِلُ وَعدًا جَديدًا مِن يسوع المسيح لِتَلاميذِهِ، وَيَكشِفُ عَن بُعدٍ رَسوليٍّ مُستَقبَلِيٍّ لِعَمَلِهِم فِي الكَنيسَةِ.

 

أَمَّا قَولُهُ "مَن آمَنَ بي"، فَيُظهِرُ أَنَّ الإِيمانَ بِـيسوع المسيح هُوَ الشَّرطُ الأَساسِيُّ لِلدُّخولِ فِي شَركَةِ عَمَلِهِ. فَبِالإِيمانِ يَتَّحِدُ التَّلميذُ بِالمَسيحِ، وَيُصبِحُ أَداةً لِعَملِ النِّعمَةِ الإِلٰهيَّةِ فِي العالَمِ. وَيُؤَكِّدُ القديس أوغسطينوس أَنَّ "الَّذي يَعمَلُ فِي المُؤمِنينَ هُوَ المَسيحُ نَفسُهُ، وَلٰكِنَّهُ يَعمَلُ فِيهِم وَبِهِم" (In Io. Evang. Tract.).

 

وَتُشيرُ عِبَارَةُ "يَعمَلُ هو أَيضًا الأَعمالَ الَّتي أَعمَلُها أَنا" إِلى مُشارَكَةِ التَّلاميذِ فِي رِسالَةِ المَسيحِ، خُصوصًا فِي شَهادَتِهِم لِلمَلكوتِ وَفِي الآياتِ الَّتي تُرافِقُ الكِرازَةَ، مِثلَ شِفاءِ المَرضى وَإِقامَةِ المَوتى، كَما يَشهَدُ سِفرُ أَعمالِ الرُّسُل (أعمال 3: 6؛ 5: 15). فَهٰذِهِ الأَعمالُ تُنجَزُ "بِاسمِ" يسوع المسيح، أَي بِقُوَّتِهِ وَسُلطانِهِ.

 

أَمَّا قَولُهُ "بَل يَعمَلُ أَعظَمَ مِنها"، فَيَرِدُ في الأَصلِ اليونانيِّ: καὶ μείζονα τούτων ποιήσει، أَي (َيَعمَلُ أُمورًا أَعظَمَ مِن هٰذا). فَأَعمالُ يَسوعَ كانَت مَحصورَةً خِلالَ حَياتِهِ الأَرضِيَّةِ في مَجالٍ جُغرافيٍّ مُعيَّن، أَمّا بَعدَ ذَهابِهِ إِلى الآبِ، وَإِرسالِ الرُّوحِ القُدُسِ، فَسَتَنتَشِرُ البِشارَةُ إِلى أَقصى الأَرض، وَيَصيرُ التَّلاميذُ ابتداءً من الفصح أَدَواتٍ لِعَمَلِ اللهِ في العالَمِ كُلِّهِ.  وَيُعلِّقُ القديس أمبروسيوس قائِلًا: "صَنَعَ المَسيحُ الآياتِ فِي زَمَنٍ قَصيرٍ، أَمَّا المُؤمِنونَ فَيَصنَعونَها عَبرَ الأَجيالِ، حَتّى نِهايَةِ الدَّهر" (De Spiritu Sancto). وَتَرتَبِطُ هٰذِهِ الأَعمالُ الأَعظَمُ بِإِرسالِيَّةِ الكَنيسَةِ، كَما قالَ يسوع المسيح: "أَرسَلتُهُم إِلى العالَم" (يوحنّا 17: 18). فَالرُّوحُ القُدُسُ يَواصِلُ حُضورَ المَسيحِ فِي جَماعَةِ التَّلاميذِ، وَيُرشِدُهُم فِي خِدمَتِهِم، وَيُمكِّنُهُم مِن مُواجَهَةِ تَحَدِّياتِ العالَمِ.

 

لِذٰلِكَ، "الأَعظَمُ" لا تُشيرُ إِلى تَفَوُّقٍ في القُدرَةِ على أَعمالِ يَسوعَ، فَلا يُمكِنُ أَن يَكونَ هُناكَ عَمَلٌ أَعظَمُ مِن أَعمالِهِ في جَوْهَرِها، بَل تَدُلُّ عَلى اِتِّساعِ نِطاقِ الأَعمالِ وَاِمتِدادِها في الزَّمانِ وَالمَكان. فَأَعمالُ يَسوعَ كانَت مَحصورَةً خِلالَ حَياتِهِ الأَرضِيَّةِ في مَجالٍ جُغرافيٍّ مُعيَّن، أَمّا بَعدَ ذَهابِهِ إِلى الآبِ، وَإِرسالِ الرُّوحِ القُدُسِ، فَسَتَنتَشِرُ البِشارَةُ إِلى أَقصى الأَرض، وَيَصيرُ التَّلاميذُ أَدَواتٍ لِعَمَلِ اللهِ في العالَمِ كُلِّهِ. لِذٰلِكَ، "الأَعظَمُ" هُنا يَعنِي: أَعظَمُ في الاِمتِدادِ: إِذ تَشمَلُ كُلَّ الأُمَم، أَعظَمُ في الثَّمَرِ: إِذ يَؤمِنُ جَماهيرُ كَثيرونَ، أَعظَمُ في العَمَقِ الخَلاصيّ: لأَنَّها تَرتَبِطُ بِعَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ بَعدَ الفِصح. وَيُؤكِّدُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ «الأَعظَمَ» لا يَعني أَنَّ التَّلاميذَ يَتَفَوَّقونَ على المَسيح، بَل أَنَّهُم يَعمَلونَ بِقُوَّةِ المَسيحِ الحاضِرَةِ فيهِم، وَأَنَّ البِشارَةَ الَّتي بَدَأَها سَتَبلُغُ مَدًى أَوسَعَ بَواسطَتِهِم. وَالسَّبَبُ الجَوهَريُّ لِهٰذا هُوَ قَولُهُ: "لأَنِّي ذاهِبٌ إِلى الآب"، أَي أَنَّ عَمَلَ المَسيحِ لا يَتَوَقَّفُ بِذَهابِهِ، بَل يَتَحوَّلُ إِلى حُضورٍ جَديدٍ أَعمَقَ، مِن خِلالِ الرُّوحِ القُدُسِ العامِلِ في كَنيستِهِ. لِذٰلِكَ، فَـ"يَعمَلُ أَعظَمَ مِنها" هِيَ دَعوَةٌ لِكُلِّ مُؤمِنٍ أَن يَدخُلَ في ديناميكيَّةِ الإِيمان، لا كَمُتَفَرِّجٍ عَلى أَعمالِ المَسيح، بَل كَشَريكٍ فيها، حَيثُ يُصبِحُ الإِنسانُ أَداةً لِحُضورِ اللهِ في العالَم، وَحامِلًا لِبِشارَةِ الحَياةِ إِلى الجَميع.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لأَنِّي ذاهِبٌ إِلى الآب"، فَتُشيرُ إِلى سِرِّ الصَّعودِ، الَّذي بِهِ يَدخُلُ يسوع المسيح فِي مَجدِ الآبِ، وَيَتَسلَّمُ "كُلَّ سُلطانٍ فِي السَّماءِ وَالأَرض" (متى 28: 18)، وَيُصبِحُ شَفيعًا لِلمُؤمِنينَ. وَمِن هٰذا المَوقِعِ، يُرسِلُ الرُّوحَ القُدُسَ، الَّذي بِقُوَّتِهِ يُنجِزُ التَّلاميذُ أَعمالَهُم الرَّسوليَّةَ (يوحنّا 14: 26). وَهٰكَذا، يَتَّضِحُ أَنَّ وَعدَ يسوع المسيح لِتَلاميذِهِ هُوَ وَعدٌ بِالاِشتِراكِ فِي رِسالَتِهِ وَمَجدِهِ، حَيْثُ يَعمَلُ فِيهِم وَبِهِم، فَيَحمِلونَ الخَلاصَ إِلى العالَمِ، وَيُظهِرونَ مَجدَ الآبِ مِن خِلالِ طاعَتِهِم وَصَلاتِهِم وَشَهادَتِهِم الحَيَّةِ.

 

 

ثانِيًا: تَطْبيقاتُ النَّصِّ الإِنْجِيليّ (يوحنّا 14: 1–12)

 

بَعدَ دِراسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيليِّ وَتَحليلِهِ (يوحنّا 14: 1–12)، يَتَّضِحُ أَنَّ هٰذا النَّصَّ يَتمَحوَرُ حَولَ تَعزِيَةِ يسوع المسيح لِتَلاميذِهِ، مُبَيِّنًا لَهُم غايَةَ رَحيلِهِ إِلى الآبِ وَمَصيرَهُم فِي شَرِكَتِهِ الإِلٰهيَّةِ.

 

1) غَرَضُ رَحيلِ المَسيح

 

أَدرَكَ التَّلاميذُ أَنَّ يسوع المسيح عائِدٌ إِلى الآبِ، وَأَنَّهُ "سَيَترُكُهُم" ظاهِريًّا وَحْدَهُم فِي عالَمٍ مُعادٍ، مِمَّا أَثارَ فِي نُفوسِهِم القَلَقَ وَالاضطِرابَ. لِذٰلِكَ سَعَى الرَّبُّ إِلى تَعزِيَتِهِم بِكَلِماتٍ حَنونَةٍ قائِلًا: "لا تَضطَرِبْ قُلوبُكُم" (يوحنّا 14: 1)، داعِيًا إِيّاهُم إِلى وَضعِ ثِقَتِهِم فِي اللهِ وَفِيهِ أَيضًا: "إِنَّكُم تُؤمِنونَ بِاللهِ فآمِنوا بي أَيضًا".

 

فَالإِيمانُ هُوَ ثِقَةٌ حَيَّةٌ بِاللهِ وَبِـيسوع المسيح الكَلِمَةِ المُتَجَسِّدِ، وَهُوَ الطَّريقُ الَّذي يَتَغَلَّبُ بِهِ المُؤمِنُ عَلَى القَلَقِ وَالاضطِرابِ. وَفِي هٰذا السِّياقِ، يُؤَكِّدُ القديس يوحنا الذهبي الفم أَنَّ "المَسيحَ لَم يُزِلِ التَّجارِبَ عَن تَلاميذِهِ، بَل مَنَحَهُم قُوَّةً تَجعَلُهُم يَتَغَلَّبونَ عَلَيها بِالإِيمان" (Hom. in Ioannem).

 

إِنَّ رَحيلَ يسوع المسيح لَيسَ تَرْكًا، بَل دُخولٌ فِي حُضورٍ أَعمَقَ: فَهُوَ يُؤَدِّي إِلى اتِّحادٍ أَوثَقَ بَينَهُ وَبَينَ تَلاميذِهِ وَبَينَهُم وَبَينَ الآبِ، خُصوصًا مِن خِلالِ عَطيَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي يَحفَظُهُم وَيُثَبِّتُهُم فِي الحَقّ.

 

وَقَد بَيَّنَ الرَّبُّ لِتَلاميذِهِ أَنَّ غايَةَ رَحيلِهِ هِيَ دُخولُهُ إِلى المَجدِ السَّماوِيِّ، حَيثُ يُعِدُّ لِلمُؤمِنينَ مَكانًا فِي شَرِكَةِ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ: "في بَيتِ أَبي مَنازِلُ كَثيرة… إِنِّي ذاهِبٌ لأُعِدَّ لَكُم مُقامًا"(يوحنّا 14: 2). وَيُفَسِّرُ القديس أوغسطينوس هٰذِهِ العِبارَةَ قائِلًا: "لَم يَذهَبِ المَسيحُ لِيُعِدَّ مَكانًا كَمَن يُنشِئُ مَسكنًا، بَل لِيَفتَحَ الطَّريقَ إِلَيهِ، وَيُعِدَّ القُلوبَ لِلسُّكنى فِي الله" (Tract. in Ioannem).

 

إِنَّ رَحيلَ يسوع المسيح ضَرورِيٌّ لِثَلاثَةِ أَسبابٍ رَئيسيَّة: أَوَّلًا: لِإِرسالِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي يُقَوِّي التَّلاميذَ وَيَقودُهُم إِلى الحَقِّ الكامِل (يوحنّا 14: 26). ثانِيًا: لِيَعرِفَ التَّلاميذُ الآبَ فِي الابنِ وَيُشارِكوا فِي أَعمالِ الخَلاصِ. ثالِثًا: لِيَعودَ فِي المَجدِ وَيَأخُذَهُم إِلَيهِ، كَما قالَ: "إِذا ذَهَبتُ وَأَعدَدتُ لَكُم مُقامًا أَرجِعُ فآخُذُكُم إِلَيَّ، لِتَكونوا أَنتُم أَيضًا حَيثُ أَنا أَكون" (يوحنّا 14: 3).

 

وَهٰذا الرُّجوعُ يَتَحقَّقُ إِمّا فِي لِقاءِ الإِنسانِ بِالمَسيحِ عِندَ المَوتِ، أَو فِي المَجيءِ الثَّانِي فِي آخِرِ الأَزمِنَةِ. وَيُعبِّرُ بولس الرسول عَن هٰذِهِ الحَقيقَةِ قائِلًا: "نَحنُ… نَرى مِنَ الأَفضَلِ أَن نَهجُرَ الجَسَدَ لِنُقيمَ عِندَ الرَّبّ" (2 قورنتس 5: 8). وَيُؤَكِّدُ القديس كيرلس الإسكندري أَنَّ "المَسيحَ صَعِدَ إِلى الآبِ لِيَحمِلَ فِيهِ طَبيعَتَنا البَشَرِيَّةَ، وَيُدخِلَها فِي مَجدِ الله، فَيَصيرُ لَنا فِيهِ مَوضِعٌ فِي السَّماءِ" (In Ioannem).

 

إِنَّ رَحيلَ يسوع المسيح لَيسَ نِهايَةَ الحُضورِ، بَل بَدايَةُ حُضورٍ أَعمَقَ وَأَشْمَلَ: حُضورٌ فِي الرُّوحِ القُدُسِ، وَحُضورٌ فِي الكَنيسَةِ، وَحُضورٌ يَقودُ إِلى الشَّرِكَةِ الأَبَدِيَّةِ فِي بَيتِ الآبِ. وَهٰكَذا يَتحَوَّلُ الخَوفُ إِلى رَجاءٍ، وَالاضطِرابُ إِلى سَلامٍ، لأَنَّ الطَّريقَ مَفتوحٌ نَحوَ المَجدِ، فِي شَخصِ يسوع المسيح الَّذي سَبَقَنا إِلَيهِ.

 

2)  مَصيرُ التَّلاميذ

 

يَكشِفُ يسوع المسيح عَن مَصيرِ التَّلاميذِ مِن خِلالِ أَسئِلَةِ الرَّسولَينِ توما الرسول وَفيلبس الرسول. فَيَظهَرُ أَنَّ التَّلاميذَ لَم يَكونوا قَد أَدرَكوا بَعدُ سِرَّ ذَهابِ الرَّبِّ وَطَريقَهُ. يَقولُ توما الرسول: "يا رَبّ، إِنَّنا لا نَعرِفُ إِلى أَينَ تَذهَب، فَكَيفَ نَعرِفُ الطَّريق؟" (يوحنّا 14: 5). وَهٰذا السُّؤالُ لا يَدُلُّ فَقَطْ عَلَى جَهلٍ، بَلْ عَلَى عَطَشٍ إِلى المَعرِفَةِ وَرَغبَةٍ فِي الفَهمِ. فَيُجيبُهُ يسوع المسيح بِالإِعلانِ المَحورِيِّ فِي الإِنجيلِ: "أَنا الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياة. لا يَمضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلّا بي" (يوحنّا 14: 6).

 

إِنَّ هٰذا الإِعلانَ يَكشِفُ أَنَّ مَصيرَ التَّلاميذِ لَيسَ مَجهولًا، بَلْ مَرتَبِطٌ شَخصيًّا بِالمَسيحِ نَفسِهِ:

 

فَهُوَ الطَّريقُ الَّذي نَسلُكُهُ: أَي السَّبيلُ الوَحيدُ إِلى الحُضورِ الإِلٰهيِّ، لَيسَ كَتَعليمٍ خَارِجيٍّ، بَلْ كَشَخصٍ يُرافِقُ وَيَقودُ.

 

وَهُوَ الحَقُّ الَّذي نَعرِفُهُ: أَي الإِعلانُ الكامِلُ لِلهِ، وَالحَقُّ المُتَجَسِّدُ الَّذي يَكشِفُ الآبَ.

 

وَهُوَ الحَياةُ: الَّتي نَحياها: أَي مَنبَعُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتي تُعطى لِكُلِّ مَن يُؤمِنُ بِهِ وَيَتَّحِدُ بِهِ.

 

وَهٰكَذا يَتَحوَّلُ مَصيرُ التَّلاميذِ مِن قَلَقٍ أَمامَ المَجهولِ، إِلى يَقينٍ راسِخٍ فِي شَخصِ المَسيحِ، الَّذي يَقودُهُم إِلى الآبِ وَيُدخِلُهُم فِي مَجدِ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. وَيُعلِّقُ القديس أمبروسيوس قائِلًا: "إِنَّهُ الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياةُ، كَأَنَّهُ البِدايَةُ وَالنِّهايَةُ وَما بَينَهُما: بِهِ نَبدَأُ الحَياةَ، وَفِيهِ نَسلُكُ الطَّريقَ، وَإِلَيهِ نَبلُغُ الغايَةَ" (De Sacramentis). وَيُؤَكِّدُ القديس أوغسطينوس هٰذا البُعدَ بِقَولِهِ: "سِرْ بِالإِنسانِ، تَصِلْ إِلى الله؛ لأَنَّ المَسيحَ هُوَ الطَّريقُ بِحَسَبِ ناسوتِهِ، وَهُوَ الحَقُّ وَالحَياةُ بِحَسَبِ لاهوتِهِ" (Tract. in Ioannem).

 

أ) يَسوعُ هُوَ الطَّريق

 

إِنَّ صُورَةَ "الطَّريقِ" فِي الكِتابِ المُقَدَّسِ مَأخوذَةٌ مِن رَمزِ خُروجِ شَعبِ العَهدِ القَديم، حِينَ سَلَكَ إِسرائيلُ فِي البَرِّيَّةِ تَلبِيَةً لِنِداءِ اللهِ، مُعتَمِدًا عَلَى الإِيمانِ بِهِ لِبُلوغِ أَرضِ المِيعاد. وَلِلطَّريقِ دَورٌ أَساسِيٌّ فِي هٰذِهِ المَسيرَةِ، إِذ كانَ تَعبيرًا عَنِ الطَّاعةِ وَالثِّقَةِ بِالله.

 

أَمَّا فِي العَهدِ الجَديد، فَيَفتَتِحُ يسوع المسيح بِشَخصِهِ وَحَياتِهِ طَريقًا جَديدًا، حَتّى سُمِّيَتِ المَسيحيَّةُ نَفسُها "الطَّريق" (أعمال الرُّسُل 9: 2). فَالمَسيحُ هُوَ الطَّريقُ المُؤَدِّي إِلَى الآبِ، لِأَنَّهُ هُوَ نَفسُهُ "الحَقُّ وَالحَياة" (يوحنّا 14: 6).

 

إِنَّ يسوع المسيح لَا يُخْبِرُنا عَنِ الطَّريقِ فَحَسب، بَل يُصبِحُ هُوَ الطَّريقَ نَفسَهُ. فَلَم يُعطِنا وَصايا نَبلُغُ بِها الآبَ فَحَسب، بَل قَدَّمَ ذَاتَهُ كَسَبيلٍ حَيٍّ نَدخُلُ بِهِ إِلَى شَرِكَةِ الله. وَفِي هٰذا السِّياقِ، يُؤَكِّدُ القديس أوغسطينوس أَنَّ "المَسيحَ هُوَ الطَّريقُ الَّذي نَسيرُ فِيهِ، وَهُوَ الوَطنُ الَّذي نَصِلُ إِلَيهِ" (Tract. in Ioannem).

 

فَهُوَ طَريقٌ بِنورِهِ الإِلٰهيِّ، لِأَنَّهُ إِلهٌ وَإِنسانٌ مَعًا: كَإِلهٍ، يَقودُنا إِلَى الآبِ وَيَكشِفُ لَنا الحَقَّ.  وَكَإِنسانٍ، يُرافِقُنا فِي مَسيرَتِنا وَيَحمِلُنا مَعَهُ نَحوَ المَجد.  لِذٰلِكَ يَدعونا إِلَى الثَّباتِ فِيهِ قائِلًا: "اُثبُتوا فِيَّ وَأَنا أَثبُتُ فيكُم" (يوحنّا 15: 4)، لأَنَّ الاتِّحادَ بِهِ هُوَ الطَّريقُ إِلَى الاتِّحادِ بِالآبِ.

 

وَيَظهَرُ يسوع المسيح كَمُوسى الجَديد، القائِدِ وَالمُرشِدِ وَالمُرافِق، كَما تَجلّى ذٰلِكَ فِي مَسيرَتِهِ مَعَ تِلمِيذَي عِمَّاوُس: "بَينَما هُما يَتَحَدَّثانِ وَيَتَجادَلان، إِذا يَسوعُ نَفسُهُ قَد دَنا مِنهُما وَأَخَذَ يَسيرُ مَعَهُما" (لوقا 24: 15). فَهُوَ لَا يَكتَفِي بِالإِرشادِ، بَل يَسيرُ مَعَنا خُطوَةً خُطوَةً، وَيُؤَيِّدُنا بِنِعمَتِهِ وَقُوَّتِهِ.

 

كَما سَارَ اللهُ مَعَ شَعبِهِ فِي العَهدِ القَديم، قائِلًا: "الرَّبُّ هُوَ السَّائِرُ أَمامَكَ… لا يَترُكُكَ» (تثنية الاشتراع 31: 8)، كَذٰلِكَ يَسيرُ المَسيحُ مَعَنا، وَيَقودُنا عَبرَ طَريقِ الصَّليبِ إِلَى المَجد: "أَما كانَ يَجِبُ عَلَى المَسيحِ أَن يُعانِيَ… فَيَدخُلَ فِي مَجدِهِ؟» (لوقا 24: 26).

 

إِنَّهُ الطَّريقُ:

بِتَعاليمِهِ، كَما قالَ بطرس الرسول: "يا رَبّ، إِلى مَن نَذهَب؟ كَلامُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ عِندَكَ" (يوحنّا 6: 68).

وَبِمِثالِهِ، كَما يُعلِنُ الرَّسولُ: "تَرَكَ لَكُم مِثالًا لِتَقتَفوا آثارَه" (1 بطرس 2: 21).

وَبِذَبيحَتِهِ، إِذ فَتَحَ لَنا الطَّريقَ إِلَى اللهِ بِدَمِهِ: "لَنا سَبيلٌ إِلَى القُدْسِ بِدَمِ يَسوع" (عبرانيين 10: 19–20).

وَبِرُوحِهِ، الَّذي يُرشِدُنا إِلَى الحَقِّ كُلِّهِ (يوحنّا 16: 13).

 

وَيُؤَكِّدُ القديس كيرلس الإسكندري أَنَّ "المَسيحَ بِجَسَدِهِ صَارَ الطَّريقَ، لِكَي نَعبُرَ فِيهِ إِلَى الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ" (In Ioannem)

 

إِنَّ الفاصِلَ بَينَ الإِنسانِ وَاللهِ لَيسَ بُعدًا مَكانيًّا، بَل خَطيئَةُ الإِنسانِ. وَقَد صَارَ يسوع المسيح "الطَّريقَ المُقَدَّس" (أشعيا 35: 8)، الَّذي بِهِ يَعبُرُ الإِنسانُ مِنَ الخَطيئَةِ إِلَى النِّعمَةِ، وَمِنَ العَداوَةِ إِلَى المُصالَحَةِ. وَيُعلِّقُ غريغوريوس الكبير: "مَن يَسيرُ فِي هٰذا الطَّريقِ لَا يَضِلُّ، لأَنَّهُ يَسيرُ فِي المَسيحِ نَفسِهِ" (Homiliae in Evangelia). وَهٰكَذا، مَعَ يسوع المسيح، لَم تَعُدِ الطَّريقُ شَريعَةً أَو مَجموعةَ وَصايا، بَل صَارَت شَخصًا حَيًّا. فَهُوَ القائِلُ: "أَنا الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياة" (يوحنّا 14: 6).

 

وَبِهِ يَتحقَّقُ الفِصحُ الحَقيقيُّ وَالخُروجُ الجَديدُ، وَفِيهِ نَسيرُ فِي طَريقِ المَحَبَّةِ: "سِيروا فِي المَحَبَّةِ سِيرَةَ المَسيح" (أفسس 5: 2)، لِأَنَّ "لَنا بِهِ جَميعًا سَبيلًا إِلَى الآبِ فِي رُوحٍ واحِد" (أفسس 2: 18). وَفِي النِّهايَةِ، يَبقى يسوع المسيح الطَّريقَ الآمِنَ وَالأَكيدَ نَحوَ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. فَكُلُّ إِنسانٍ يَشتاقُ إِلَى الحَياةِ، وَلٰكِن لَيسَ كُلُّ واحِدٍ يَجِدُ الطَّريقَ؛ أَمَّا الَّذي يَجِدُ المَسيحَ، فَقَد وَجَدَ الطَّريقَ وَالغايَةَ مَعًا. وَيُعبِّرُ غريغوريوس الناريكي عَن هٰذا الشَّوقِ قائِلًا: "لا تَدَعْني، يا رَبّ، أَضِلُّ عَن طَريقِكَ، لِئَلّا أَفقِدَ وَجهَكَ إِلَى الأَبَد" (كتاب الصلوات، الصلاة رقم 18).

 

ب) يَسوعُ هُوَ الحَقّ

 

يَسوعُ لَيْسَ هُوَ الطَّريقَ فَحَسْب، بَلْ هُوَ أَيْضًا "الحَقّ". فَلَفْظُ "الحَقِّ" أَوِ "الحَقيقَةِ" يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ فِكْرٍ أَو كَلِمَةٍ تُطابِقُ الوَاقِعَ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الوَاقِعِ نَفْسِهِ حِينَ يَنْكَشِفُ بِجَلاءٍ وَوُضوحٍ لِلعَقْلِ. وَتُشيرُ كَلِمَةُ "الحَقّ" فِي اللُّغَةِ اليونانيَّةِ ἀλήθεια إِلى ما هُوَ "غَيْرُ خَفِيٍّ"، أَيْ إِلى الحَقيقَةِ المُعلَنَةِ وَالمُنكَشِفَةِ بِوُضوحٍ. أَمَّا فِي العَهْدِ القَديمِ، فَيرتَبِطُ الحَقُّ بِأَمانَةِ اللهِ لِعَهدِهِ، وَفِي العَهْدِ الجَديدِ يَبلُغُ الحَقُّ كَمالَهُ فِي شَخصِ يَسوعَ المَسيحِ وَإِنْجيلِهِ، أَيْ "حَقيقَةِ البِشارَة" (غلاطية 2: 5).

 

وَيَحتَلُّ مَفْهومُ الحَقِّ فِي إِنجيلِ يُوحَنَّا مَكانَةً مَرْموقَةً. فَالحَقُّ، عِنْدَ يُوحَنَّا، لَيْسَ فِكْرَةً مُجَرَّدَةً، بَلْ هُوَ كَلِمَةُ الآبِ المُعلَنَةُ: «إِنَّ كَلِمَتَكَ حَقٌّ» (يوحنا 17: 17). وَهٰذِهِ الكَلِمَةُ ثابِتَةٌ لا تَتَغَيَّرُ، وَهِيَ الحَقُّ الَّذِي أَتَى يَسوعُ لِيَشْهَدَ لَهُ، كَمَا قَالَ أَمَامَ بِيلاطُس: «لِهٰذَا وُلِدْتُ، وَلِهٰذَا أَتَيْتُ العَالَمَ، لِأَشْهَدَ لِلحَقِّ. فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنَ الحَقِّ يُصْغِي إِلَى صَوْتِي» (يوحنا 18: 37).

 

وَالجِدَّةُ العُظمى فِي الإِيمانِ المَسيحيِّ هِيَ أَنَّ الحَقَّ لَيْسَ مَبدأً أَو تَعليمًا فَحَسْب، بَلْ شَخصٌ حَيٌّ: "أَنا الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياة" (يوحنّا 14: 6). فَيَسوعُ هُوَ الحَقُّ، لأَنَّهُ «الكَلِمَةُ» الَّذِي «صَارَ بَشَرًا» (يوحنا 1: 14)، فَيَسوعُ هُوَ الحَقُّ لِأَنَّهُ الكَلِمَةُ المُتَجَسِّدُ، "الابنُ الوَحيدُ الَّذي فِي حِضنِ الآب الَّذِي «أَخْبَرَ عَنْهُ» "(يوحنّا 1: 18). وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ أَمبروسيوس قائلًا: "المَسيحُ لَيْسَ إِلٰهًا فَحَسْب، بَلْ هُوَ بِالحَقيقَةِ الإِلٰهُ الحَقّ، إِلٰهٌ حَقٌّ مِن إِلٰهٍ حَقّ".

 

وَعِنْدَمَا يَقُولُ يَسوعُ إِنَّهُ الحَقُّ، فَهُوَ لا يَقْصِدُ أَنْ يُعَلِّمَ النَّاسَ كُلَّ العُلومِ، بَلْ أَنْ يَكْشِفَ لَهُمْ مَا يُوصِلُهُمْ إِلَى اللهِ وَإِلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. فَكُلُّ مَا جَاءَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ مِنْ تَعْلِيمٍ حَقٍّ يَجِدُ مَصْدَرَهُ وَكَمَالَهُ فِيهِ (متّى 11: 27).. فَهُوَ المَنُّ الحَقِيقِيُّ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ (يوحنا 6: 32)، وَفِيهِ تَكْمُلُ رُموزُ العَهْدِ القَديمِ وَظِلالُهُ وَفِيهِ تَحقَّقَتْ غايَةُ الهَيكلِ وَالخَيمَةِ وَالذَّبيحَةِ

 

إِنَّ المَسيحَ هُوَ الحَقُّ لِأَنَّهُ كَلِمَةُ اللهِ، وَبِهِ نَعرِفُ اللهَ وَنَعرِفُ أَنفُسَنا. لِذٰلِكَ قالَ: "تَعرِفونَ الحَقَّ، وَالحَقُّ يُحَرِّرُكُم" (يوحنّا 8: 32). فَالحَقُّ فِي المَسيحِ لَيْسَ مَعرِفَةً بارِدَةً، بَلْ قُوَّةٌ مُحَرِّرَةٌ تُخرِجُ الإِنسانَ مِن ظُلمَةِ الخَطيئَةِ إِلى نُورِ الحَياةِ: وَهٰذَا مَا أَعْلَنَهُ الرَّبُّ قَائِلًا: "أَنَا نُورُ العَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي لا يَمْشِ فِي الظَّلامِ، بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الحَيَاةِ" (يوحنا 8: 12).

 

وَبِكونِهِ الحَقَّ، يَفعَلُ يَسوعُ ثَلاثَةَ أُمورٍ جَوهَرِيَّة:

 

أَوَّلًا، يَنقُلُ إِلَينا وَحيَ الآبِ، لأَنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ مِن ذاتِهِ بَلْ يُعلِنُ ما سَمِعَهُ مِنَ الآبِ كَمَا قَالَ: "إِنَّ الكَلامَ الَّذِي بَلَّغْتَنِيهِ بَلَّغْتُهُمْ إِيَّاهُ، فَقَبِلُوهُ وَعَرَفُوا حَقًّا أَنِّي مِنْ لَدُنْكَ خَرَجْتُ» (يوحنّا 17: 8).

 

ثانِيًا، يُحَقِّقُ جَميعَ مَواعيدِ اللهِ، كَما قالَ بولسُ الرَّسول: "إِنَّ جَميعَ مَواعيدِ اللهِ لَها فِيهِ نَعَم" (2 قورنتس 1: 20).

 

ثَالِثًا، يَقُودُنَا إِلَى الإِيمَانِ الحَقِّ وَالثَّبَاتِ فِي كَلِمَتِهِ والتحرير وتغيير وَيُغَيِّرُ الحَياةَ: "إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلامِي كُنْتُمْ تَلامِيذِي حَقًّا، وَتَعْرِفُونَ الحَقَّ، وَالحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ" (يوحنا 8: 31–32).

 

إِنَّ كَثِيرِينَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَقُولُوا: "عَلَّمْنَا النَّاسَ الحَقَّ"، وَلٰكِنَّ وَاحِدًا وَحْدَهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ: "أَنَا هُوَ الحَقُّ". فَالحَقُّ بِالمَعْنَى المَسِيحِيِّ هُوَ كَلِمَةُ الآبِ المُعلَنَةُ فِي يَسوعَ المَسِيحِ، وَالمُضَاءَةُ فِي القُلُوبِ بِالرُّوحِ القُدُسِ. وَهٰذَا الحَقُّ لا يُقْبَلُ كَمَعْلُومَةٍ فَقَطْ، بَلْ كَنُورٍ يُغَيِّرُ الحَيَاةَ، وَيُبَدِّدُ البَاطِلَ، وَيُحَطِّمُ كُلَّ خِدَاعٍ.

 

وَخُلاصَةُ القَوْلِ: إِنَّ يَسوعَ هُوَ الحَقُّ لأَنَّهُ وَحْيُ الآبِ الكَامِلُ، وَمِلْءُ النِّعْمَةِ وَالحَقِّ (يوحنا 1: 14)، وَبِهِ «بَلَغَتْ إِلَيْنَا النِّعْمَةُ وَالحَقُّ» (يوحنا 1: 17). فَفِيهِ نَجِدُ الثِّقَةَ الحَقِيقِيَّةَ، وَبِهِ نَقُولُ للهِ: "آمِينَ"، إِكْرَامًا لِمَجْدِهِ (2 قورنتس 1: 20).

 

ج) يَسوعُ هُوَ الحَياةُ

 

يَسوعُ لَيْسَ فَقَطِ الطَّريقَ وَالحَقَّ، بَلْ هُوَ أَيْضًا "الحَياةُ". فَالمَسيحُ، بِكَوْنِهِ "الكَلِمَةَ" الأَزَلِيَّ، هُوَ مَصدَرُ الحَياةِ مُنذُ البَدءِ، وَبِكَوْنِهِ الكَلِمَةَ المُتَجَسِّدَ، هُوَ "كَلِمَةُ الحَياةِ" (1 يوحنّا 1: 1)، وَهُوَ الَّذِي أَعْلَنَ: "أَنا الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياةُ" (يوحنّا 14: 6)، وَ"أَنا القِيامةُ وَالحَياةُ" (يوحنّا 11: 25).

 

المَسيحُ هُوَ الحَياةُ، لأَنَّ "الآبَ لَهُ الحَياةُ فِي ذاتِهِ، وَكَذلِكَ أَعْطَى الابنَ أَنْ تَكونَ لَهُ الحَياةُ فِي ذاتِهِ" (يوحنّا 5: 26). وَهُوَ يَهَبُ هٰذِهِ الحَياةَ لِمَنْ يَثبُتُ فِيهِ، كَمَا قالَ: "مَن سَمِعَ كَلامي وَآمَنَ بِمَن أَرْسَلَني فَلَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنّا 5: 24). إِنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِيُعْطِيَ حَياةً أَرْضِيَّةً زائِلَةً فَحَسْب، بَلْ حَياةً أَسمى، حَياةً أَبَدِيَّةً مَلِيئَةً بِالمَجدِ وَالفَرَحِ.

 

وَهٰذِهِ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ هِيَ مَوْعِدُ يَسوعَ لِتَلامِيذِهِ: "فِي بَيْتِ أَبي مَنازِلُ كَثيرةٌ… إِنِّي ذاهِبٌ لِأُعِدَّ لَكُمْ مُقامًا"(يوحنّا 14: 2). وَرُغمَ أَنَّ تَفاصِيلَ الأَبَدِيَّةِ تَبْقَى مَخفِيَّةً عَنَّا، إِلَّا أَنَّ رَجاءَ المُؤمِنِ يَرتَكِزُ عَلَى وَعْدِ المَسيحِ، الَّذِي أَتى لِيُعِيدَ لِلبَشَرِيَّةِ الحَياةَ الَّتِي فُقِدَت بِالخَطيئَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ مَكْسِيمُس أُسقُفُ طُورِينُو: "قِيامَةُ المَسيحِ هِيَ لِلمَوْتى حَياةٌ، وَلِلخُطاةِ غُفْرانٌ، وَلِلقِدِّيسينَ مَجْدٌ".

 

وَالمَسيحُ هُوَ الحَياةُ، لأَنَّهُ مَصدَرُ الحَياةِ الرُّوحِيَّةِ. فَهُوَ لا يَكشِفُ الحَياةَ فَحَسْب، بَلْ يَمنَحُها: "مَن يَأكُلْني سَيَحْيا بي" (يوحنّا 6: 57). فَالحَياةُ الإِلٰهِيَّةُ لَيْسَتْ مَفْهُومًا نَظَرِيًّا، بَلْ شَرِكَةٌ حَيَّةٌ مَعَ اللهِ فِي المَسيحِ.

 

وَهُوَ "مَلِكُ الحَياةِ" (أعمال الرسل 3: 15)، لأَنَّهُ بِمَوْتِهِ وَقِيامَتِهِ غَلَبَ المَوْتَ وَأَعْطانا الحَياةَ. فَالخَطيئَةُ هِيَ مَوْتٌ، وَالمَوْتُ هُوَ انفِصالٌ عَنِ اللهِ، أَمَّا المَسيحُ فَأَتى لِيُصَالِحَنا مَعَ الآبِ وَيُشْرِكَنا فِي حَياتِهِ. كَمَا يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "الحَياةُ عِندي هِيَ المَسيحُ" (فيلبّي 1: 21). وَإِذَا اتَّحَدَ المُؤمِنُ بِالمَسيحِ، تَصِيرُ رُوحُهُ حَياةً: "إِذا كانَ المَسيحُ فِيكُمْ… فَالرُّوحُ حَياةٌ" (رومة 8: 10).

 

وَيَسوعُ هُوَ الحَياةُ لأَنَّهُ يَدعونا إِلَى الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ وَيُشْرِكُنا فِيهَا: "فِيهِ كانَتِ الحَياةُ، وَالحَياةُ نورُ النَّاسِ" (يوحنّا 1: 4). غَيرَ أَنَّ بُلُوغَ هٰذِهِ الحَياةِ يَتَطَلَّبُ سَيْرًا فِي الطَّريقِ الضَّيِّقِ، وَتَجَرُّدًا، وَاتِّباعًا حَقِيقِيًّا لِلمَسيحِ: "مَن أَرادَ أَنْ يُخَلِّصَ حَياتَهُ يَفقِدُها… وَمَن يَفقِدُ حَياتَهُ مِن أَجْلي يَجِدُها" (متّى 16: 25–26).

 

وَهُوَ الحَياةُ أَيْضًا لأَنَّهُ غَلَبَ المَوْتَ: "أَيْنَ يا مَوْتُ نَصْرُكَ؟" (1 قورنتس 15: 55). فَبِمَوْتِهِ قَهَرَ المَوْتَ، وَبِقِيامَتِهِ أَعْطى الحَياةَ لِكُلِّ مَن يُؤمِنُ بِهِ: "مَن سَمِعَ كَلامي… فَلَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنّا 5: 24). وَفِي المَعْمُودِيَّةِ يَصِيرُ المُؤمِنُ شَرِيكًا فِي هٰذِهِ الحَياةِ: "فَدُفِنَّا مَعَهُ… لِنَحْيا حَياةً جَديدَةً" (رومة 6: 4).

 

وَأَخِيرًا، يَسوعُ هُوَ الحَياةُ لأَنَّهُ "خُبْزُ الحَياةِ" (يوحنّا 6: 48)، الَّذِي يُغَذِّي المُؤمِنِينَ بِجَسَدِهِ وَدَمِهِ: "مَن يَأكُلْ مِن هٰذا الخُبزِ يَحْيا لِلأَبَدِ" (يوحنّا 6: 51). فَالإِيمَانُ بِهِ وَالاتِّحادُ بِهِ هُوَ سَبِيلُ الحَياةِ وَمَنبَعُها.

 

خُلاصَةٌ القول، إِنَّ المَسيحَ هُوَ الطَّريقُ الَّذِي نَسيرُ فِيهِ، وَالحَقُّ الَّذِي نُؤمِنُ بِهِ، وَالحَياةُ الَّتِي نَحياها. فَبِدُونِ الطَّريقِ لا مَسيرَةَ، وَبِدُونِ الحَقِّ لا مَعرِفَةَ، وَبِدُونِ الحَياةِ لا وُجودَ. كُلُّ طَريقٍ غَيْرُهُ ضَلالٌ، وَكُلُّ حَقٍّ سِواهُ باطِلٌ، وَكُلُّ حَياةٍ بَعِيدَةٍ عَنْهُ هِيَ مَوْتٌ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ بَرنَردُس: "لِلضَّالِّينَ قالَ: أَنا الطَّريقُ؛ وَلِلشَّاكِّينَ: أَنا الحَقُّ؛ وَلِلمتعَبِينَ: أَنا الحَياةُ وَيُضيف القِدِّيسُ بونافنتورا: "اِطلُبِ النِّعمَةَ لا المَعرِفَةَ… اِطلُبِ الرَّبَّ لا الإِنسانَ" (المسار الروحي نحو الربّ، الجزء السابع). وَيَخْتِمُ الباب القِدِّيسُ يوحنا بولس الثاني دَعْوَتَهُ: "ثِقُوا بِالرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ… فَهُوَ يَملأُ حَياتَكُم مَعْنًى وَفَرَحًا".

 

 

الخُلاصَة

 

تَأْتي الكَلِماتُ إنجيل اليَومَ (يوحنّا 14: 1-12) مُباشَرَةً بَعْدَ ما تَحَدَّثَ يَسوعُ بِصَراحَةٍ عَنْ قُرْبِ رَحيلِهِ وآلامِهِ الوَشيكَةِ (يو 13: 33)، كاشِفًا لِتَلاميذِهِ عُمْقَ السِّرِّ الفِصْحِيِّ الَّذي سَيَتَحَقَّقُ بِصَليبِهِ ومَوْتِهِ. كَما أُعْلِنَت خِيانَةُ يَهوذا الإِسخَريوطيّ وَتَمَّت (يو 13: 30)، في إِشارَةٍ إِلى دُخُولِ الظُّلْمَةِ في قَلْبِ الإِنْسانِ الَّذي يَرْفُضُ النُّور. وَفي الوَقْتِ عَيْنِهِ، كَشَفَ يَسوعُ عَنْ ضَعْفِ بُطْرُسَ وإِنكارِهِ المُرتَقَبِ (يو 13: 38)، مُظهِرًا أَنَّ حَتّى أَقْرَبَ التَّلاميذِ إِلَيْهِ مُعَرَّضونَ لِلسُّقوطِ إِذا اعْتَمَدوا على قُوَّتِهِمُ الذّاتِيَّةِ. في هٰذا الجَوِّ المَشحونِ بِالقَلَقِ والاضْطِرابِ، يَأْتي كَلامُ يَسوعَ في الفَصْلِ الرّابِعَ عَشَرَ كَكَلِمَةِ تَعْزِيَةٍ ورَجاءٍ، لِيُحَوِّلَ نَظَرَ التَّلاميذِ مِن وَاقِعِ الخَوْفِ إِلى أُفُقِ الإِيمانِ، وَمِن خِبْرَةِ الخَيانَةِ والضَّعْفِ إِلى رَجاءِ اللِّقاءِ مَعَ الآبِ.

 

طَلَبَ السَّيِّدُ يَسوعُ المَسيحُ مِن تَلاميذِهِ المُضْطَرِبينَ أَنْ يُؤمِنوا بِكَلامِهِ وَبِشَخْصِهِ، لأَنَّ الإِيمانَ بِهِ هُوَ عَيْنُ الإِيمانِ بِاللهِ. وَفِي هٰذَا السِّياقِ، يُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم بِأَنَّ المَسيحَ "لَمْ يَكتَفِ بِتَعزِيَتِهِم، بَلْ قادَهُم إِلى الإِيمانِ كَطَريقٍ لِلسَّلامِ، لِيَرفَعَ عَنْهُمُ الاضطِرابَ" (عظة على يوحنّا 14).

 

وَيُبَيِّنُ لَهُم يَسوعُ أَنَّ رَحيلَهُ لَيْسَ فِراقًا، بَلْ عُبورٌ إِلى مَجْدِ الآبِ، لِيُعِدَّ لَهُم مَكانًا، ثُمَّ يَرجِعُ لِيَأخُذَهُم إِلَيْهِ. وَفِي هٰذَا يَقُولُ أوغسطينوس: "إِنَّ الرَّبَّ لَمْ يَذهَبْ لِيَبتَعِدَ عَنَّا، بَلْ لِيُهَيِّئَ لَنا مَوضِعًا، كَيْ نَكونَ حَيْثُ هُوَ" (تفسير إنجيل يوحنّا).

 

لِذٰلِكَ، يَدعو يَسوعُ تَلاميذَهُ إِلى مَعرِفَةِ الطَّريقِ، وَهُوَ شَخْصُهُ نَفْسُهُ: "لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلّا بي" (يوحنّا 14: 6). وَيُعَلِّقُ كيرلس الإسكندري: "المَسيحُ هُوَ الطَّريقُ، لأَنَّهُ بِتَجَسُّدِهِ فَتَحَ لِلبَشَرِ طَريقًا جَديدًا نَحوَ الآبِ". كَما يَدعوهم إِلى التَّمَسُّكِ بِالحَقِّ، لأَنَّهُ هُوَ الحَقُّ الَّذِي يُظهِرُ الآبَ: "مَن رآني رَأى الآب" (يوحنّا 14: 9). وَيَقُولُ هيلاريوس أسقف بواتييه: "الَّذِي هُوَ الحَقُّ لا يَقودُ إِلّا إِلى الحَقِّ، وَفِيهِ نَعرِفُ الآبَ مَعرِفَةً حَقِيقِيَّة".

 

أَمَّا الحَياةُ، فَهِيَ أَيْضًا فِي المَسيحِ، لأَنَّهُ مَصدَرُها وَواهِبُها. وَيُؤَكِّدُ إيريناوس أسقف ليون: "مَجدُ اللهِ هُوَ الإِنسانُ الحَيّ، وَحَياةُ الإِنسانِ هِيَ رُؤيَةُ اللهِ" (ضدّ الهرطقات). فَمَنْ يَعرِفِ الآبَ فِي الابنِ يَدخُلُ فِي مِلءِ الحَياةِ.

 

وَبِهٰذا، يَظهَرُ أَنَّ يَسوعَ هُوَ "الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياةُ: " هُوَ الوَسيلَةُ وَهُوَ الغايَةُ، هُوَ الطَّريقُ الَّذِي يُوصِلُنا إِلى الآبِ، وَالحَقُّ الَّذِي نَثبُتُ فِيهِ، وَالحَياةُ الَّتِي تَملَؤُنا وَتَفيضُ فِينَا.

 

وَيُقَدِّمُ المَسيحُ أَعظَمَ تَعزِيَةٍ لِتَلاميذِهِ، وَهِيَ أَنْ "يَكونوا كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبّ". وَفِي هٰذا يَقُولُ غريغوريوس الكبير: "المَوتُ لِلمُؤمِنِ لَيْسَ خُسْرانًا، بَلْ انْتِقالٌ إِلى الحَياةِ الحَقِيقِيَّة". فَلِذٰلِكَ، لا نَنظُرُ إِلى نِهايَةِ الحَياةِ الأَرضِيَّةِ كَفَقدٍ، بَلْ كَبِدايَةِ حَياةٍ أَبَدِيَّةٍ فِي بَيْتِ الآبِ.

 

وَكَمَا كَانَ التَّلاميذُ فِي قَلَقٍ وَخَوفٍ، هٰكَذا الإِنسانُ اليَومَ مُحاطٌ بِمَخاطِرَ وَأَزمَاتٍ. وَلٰكِنْ فِي وَسَطِ هٰذِهِ التَّحَدِّياتِ، يَبقى صَوتُ المَسيحِ: "لا تَضْطَرِبْ قُلوبُكم… آمِنوا بي" (يوحنّا 14: 1). وَيُفَسِّرُ يوحنا الذهبي الفم هٰذِهِ العِبارَةَ قائلًا: "الإِيمانُ أَقوى مِن كُلِّ شِدَّةٍ، وَلا يَسمَحُ لِلشَّرِّ أَنْ يَغلِبَ المُؤمِن". "فِي بَيْتِ أَبي مَنازِلُ كَثيرةٌ… (يوحنّا 14: 2)، وَهٰذِهِ الرَّجاءَ يُعَبِّرُ عَنْهُ خروماتيوس أسقف أكيليا قَائِلًا: "المَسيحُ هُوَ الطَّريقُ الَّذِي يَقودُنا، وَالحَقُّ الَّذِي يُنيرُنا، وَالحَياةُ الَّتِي تُحيينا، وَبِهِ نَغلِبُ المَوتَ"(العظة 17، الثّانية للعشيّة الفصحيّة).  إِذًا، فِي المَسيحِ وَحدَهُ يَجِدُ الإِنسانُ الطَّريقَ، وَالحَقَّ، وَالحَياةَ؛ وَفِيهِ يَثبُتُ رَجاؤُنا، وَيَكتَمِلُ خَلاصُنا، وَنَبلُغُ إِلى مِلءِ الشَّرِكَةِ مَعَ الآبِ إِلَى الأَبَدِ.

 

 

دُعاء

أَيُّها الآبُ السَّماوِيُّ،

إِنَّ المَسيحَ هُوَ كَلِمَتُكَ المُتَجَسِّدَةُ،

وَالطَّريقُ الَّتي تَقودُنا إِلَيْكَ، وَالحَقُّ الَّذي يُحَرِّرُنا، وَالحَياةُ الَّتي تَملَأُنا فَرَحًا وَسَلامًا.

نَسأَلُكَ أَنْ تَهَبَنا نِعْمَةَ السَّيرِ وَراءَهُ،

فِي طَريقِ الصَّليبِ وَالتَّضْحِيَةِ وَالتَّجَرُّدِ عَنِ الذّات،

وَأَنْ نَثبُتَ فِيهِ بِإِيمانٍ حَيٍّ، وَمَحَبَّةٍ أَمِينَةٍ، وَرَجاءٍ لا يَخِيبُ.

اِفتَح عُيونَ قُلوبِنا لِنَعرِفَهُ الحَقَّ الَّذي يَهْدينا،

وَالحَياةَ الَّتي تُجَدِّدُنا،

فَنَبلُغَ بِهِ وَفِيهِ إِلى مِلءِ الشَّرِكَةِ مَعَكَ.

وَاجعَلنا نَرى فِي المَسيحِ غايَتَنا القُصْوى،

فَنَمتَلِكَ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ مَعَكَ،

مَعَ أُمِّنا مَريَمَ العَذْراء، وَمَعَ المَلائِكَةِ وَجَميعِ القِدِّيسين.

لَكَ المَجْدُ إِلى الأَبَد. آمين.

 

 

قِصَّةٌ وَعِبْرَةٌ: يَسوعُ هُوَ الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياةُ (يوحنّا 14: 1–12)

 

القِصَّة

 

يُروى أَنَّ شابًّا كانَ يَسيرُ في غابةٍ كَثيفَةٍ مُظلِمَة، وقد أَضاعَ الطَّريق. كانَ القَلقُ يَملأُ قَلبَه، وكُلَّما حاوَلَ أَنْ يَختارَ مَسارًا، وَجَدَ نَفسَهُ يَعودُ إِلى النُّقطةِ نَفسِها. فَجَلَسَ مُنهَكًا وقالَ: "لَو وُجِدَ مَن يَدُلُّني عَلَى الطَّريق!".

وبَينَما هُوَ في حيرتِه، ظَهَرَ لَهُ رَجُلٌ هادِئُ المَلامِح، مُشِعٌّ بِسَلامٍ غَريب.

قالَ لَهُ الشَّابّ: "أَتَعرِفُ الطَّريق؟". أَجابَ الرَّجُلُ: "نَعَم، أَعرِفُه".

فقالَ الشابّ: "أَرِني إيّاه". فأَجابَهُ: "لَستُ أُريكَ الطَّريقَ فَحَسب، بَلْ سِرْ مَعي".

تَرَدَّدَ الشابّ قليلًا، ثُمَّ قَرَّرَ أَنْ يَتْبَعَهُ. وفي الطَّريق، كانَ الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ مَعَهُ، يُشَجِّعُهُ وَيُطَمْئِنُهُ، وَيُصَحِّحُ لَهُ مَسارَهُ كُلَّما مَالَ. وبَعدَ مَسيرَةٍ طَويلة، وَصَلا إِلى مَكانٍ مُضيءٍ وَآمِن، فَقالَ الشابّ بِفَرَح:

"الآنَ عَرَفتُ الطَّريق!".  فَأَجابَهُ الرَّجُلُ: "لَو لَم تَسِرْ مَعي، لَمَا وَصَلْتَ. أَنَا لَستُ مُجَرَّدَ دَليل، أَنَا الطَّريقُ".

وحينَ رَفَعَ الشابُّ عَينَيهِ، لَم يَجِدْ أَحَدًا، لكِنَّهُ شَعَرَ بِسَلامٍ عَميقٍ يَملأُ قَلبَه. فَفَهِمَ أَنَّ الَّذي سارَ مَعَهُ لَم يَكُن إِنسانًا عاديًّا، بَلْ الرَّبُّ يَسوعُ المَسيح.

 

العِبْرَة

 

كثيرًا ما نُشبِهُ ذٰلِكَ الشابّ: نَضيعُ فِي طُرُقِ العالَم، وَنَبحَثُ عَن دَليلٍ، لكنَّ يَسوعَ لا يُعطينا خَريطَةً فَحَسب، بَلْ يَقُولُ لَنا: "اتْبَعْني". فَالمَسيحيَّةُ لَيسَت مَعرِفَةَ طَريقٍ، بَلْ عِلاقَةٌ مَعَ الطَّريقِ نَفسِهِ. مَن يَسيرُ مَعَ يَسوع: لا يَضيع، لا يَخدَعُهُ الباطِل، لا يَبقى في المَوت، بَلْ يَبلُغُ إِلى الآب، وَيَجِدُ الحَياةَ الَّتي لا تَزول، لان يسوع هو" الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياة. " (يوحنّا 14: 6).

 

يَسوعُ هُوَ الطَّريقُ: ليسَ الطَّريقُ مَجَرَّدَ تَعليمٍ أَو خُطَّةٍ، بَلْ شَخصٌ نَسيرُ مَعَهُ. لا نَصِلُ إِلى اللهِ بِمَجهودِنا، بَلْ بِاتِّباعِ المَسيحِ.

 

يَسوعُ هُوَ الحَقُّ: في عالَمٍ مُليءٍ بِالأَفكارِ المُتَناقِضَة، الحَقُّ لَيسَ فِكرَةً بَلْ شَخصٌ. مَن يَعرِفُ المَسيحَ يَعرِفُ الحَقيقَةَ الَّتي تُحَرِّرُهُ.

 

يَسوعُ هُوَ الحَياةُ: الحَياةُ الحَقيقِيَّةُ لا تَبدأُ بَعدَ المَوتِ فَحَسب، بَلْ مِن الآن، حَياةُ نِعْمَةٍ، وَسَلامٍ، وَشَرِكَةٍ مَعَ اللهِ.