موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النَّصُّ الإنْجيلي: (لوقا 24: 13–35)
13وإِذا باثنَينِ مِنهُم كانا ذَاهِبَينِ، في ذلكَ اليَوم نفسِه، إِلى قَريَةٍ اِسْمُها عِمَّاوُس، تَبعُدُ نَحوَ سِتِّينَ غَلوَةٍ مِن أُورَشَليم. 14وكانا يَتحدَّثانِ بِجَميعِ هذِه الأُمورِ الَّتي جَرَت. 15وبَينَما هُما يَتَحَدَّثانِ ويَتَجادَلان، إِذا يسوعُ نَفْسُه قد دَنا مِنهُما وأَخذَ يَسيرُ معَهما، 16على أَنَّ أَعيُنَهُما حُجِبَت عن مَعرِفَتِه. 17فقالَ لَهما: ((ما هذا الكَلامُ الَّذي يَدورُ بَينَكُما وأَنتُما سائِران؟)) فوَقفا مُكتَئِبَين. 18وأَجابَه أَحَدهُما واسمُه قَلاوبا: ((أَأَنتَ وَحدَكَ نازِلٌ في أُورَشَليم ولا تَعلَمُ الأُمورَ الَّتي جرَتَ فيها هذهِ الأَيَّام؟)) 19فقالَ لَهما: ((ما هي؟)) قالا له: ((ما يَختَصُّ بِيَسوعَ النَّاصِريّ، وكانَ نَبِيّاً مُقتَدِراً على العَمَلِ والقولِ عِندَ اللهِ والشَّعبِ كُلِّه، 20كَيفَ أَسلَمَه عُظَماءُ كَهَنَتِنا ورُؤَساؤُنا لِيُحكَمَ علَيهِ بِالمَوت، وكَيف صَلَبوه. 21وكُنَّا نَحنُ نَرجو أَنَّه هو الَّذي سيَفتَدي إِسرائيل ومعَ ذلكَ كُلِّه فهذا هوَ اليَومُ الثَّالِثُ مُذ جَرَت تِلكَ الأُمور. 22غيرَ أَنَّ نِسوَةً مِنَّا قد حَيَّرنَنا، فإِنَّهُنَّ بَكَرنَ إِلى القَبْرِ 23فلَم يَجِدنَ جُثمانَه فرَجَعنَ وقُلنَ إِنَّهُنَّ أَبْصَرْنَ في رُؤيةٍ مَلائكةً قالوا إِنَّه حَيّ. 24فذهَبَ بَعضُ أَصحابِنا إِلى القَبْر، فوَجَدوا الحالَ على ما قالَتِ النِّسوَة. أَمَّا هو فلَم يَرَوه)). 25فقالَ لَهما: ((يا قَليلَيِ الفَهمِ وبطيئَيِ القَلْبِ عن الإِيمانِ بِكُلِّ ما تَكَلَّمَ بِه الأَنبِياء. 26أَما كانَ يَجِبُ على المَسيحِ أَن يُعانِيَ تِلكَ الآلام فيَدخُلَ في مَجدِه؟)) 27فبَدأَ مِن مُوسى وجَميعِ الأَنبِياء يُفَسِّرُ لَهما جميعِ الكُتُبِ ما يَختَصُّ بِه. 28ولمَّا قَرُبوا مِنَ القَريَةِ الَّتي يَقصِدانِها، تظاهَرَ أَنَّه ماضٍ إِلى مَكانٍ أَبَعد. 29فأَلَحَّا علَيه قالا: ((أُمكُثْ مَعَنا، فقد حانَ المَساءُ ومالَ النَّهار)). فدَخَلَ لِيَمكُثَ معَهما. 30ولمَّا جَلَسَ معَهُما لِلطَّعام أَخذَ الخُبْزَ وبارَكَ ثُمَّ كسَرَهُ وناوَلَهما. 31فانفَتَحَت أَعيُنُهما وعرَفاه فغابَ عنهُما. 32فقالَ أَحَدُهما لِلآخَر: ((أَما كانَ قلبُنا مُتَّقِداً في صَدرِنا، حينَ كان يُحَدِّثُنا في الطَّريق ويَشرَحُ لنا الكُتُب؟)) 33وقاما في تِلكَ السَّاعَةِ نَفْسِها ورَجَعا إِلى أُورَشَليم، فوَجَدا الأَحَدَ عشَرَ والَّذينَ مَعَهم مُجتَمِعين، 34وكانوا يَقولون إِنَّ الرَّبَّ قامَ حَقاً وتَراءَى لِسِمْعان. 35فرَوَيا ما حَدَثَ في الطَّريق، وكَيفَ عَرَفاه عِندَ كَسْرِ الخُبْز.
المُقَدِّمَةُ:
يَنْفَرِدُ لوقا الإنجيلي فِي (لوقا 24: 13–35) بِوَصْفِ لِقَاءِ المَسِيحِ القَائِمِ مَعَ تِلْمِيذَي عِمَّاوُسَ، حَيْثُ تَرَاءَى لِتِلْمِيذَيْنِ كَانَا فِي طَرِيقِ الهَرَبِ مِنَ الرَّجَاءِ المَكْسُورِ، لِيَهْدِيَهُمَا بَعْدَ أَنْ فَقَدَا الإِيمَانَ بِهِ عَلَى أَثَرِ مَوْتِهِ عَلَى الصَّلِيبِ. وَهٰكَذَا اسْتَعَادَا إِيمَانَهُمَا بِفَضْلِ ظُهُورِهِ لَهُمَا، وَتَفْسِيرِهِ لَهُمَا الكُتُبَ المُقَدَّسَةَ، وَمُشَارَكَتِهِمَا فِي سِرِّ الإِفْخَارِسْتِيَّا، حَيْثُ "انْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ" (لوقا 24: 31).
فَقَدْ نَالَا قُدْرَةً جَدِيدَةً عَلَى الرُّؤْيَةِ، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِدْرَاكٍ حِسِّيٍّ، بَلْ بَصِيرَةً إِيمَانِيَّةً تُدْخِلُهُمَا فِي عَلاَقَةٍ جَدِيدَةٍ مَعَ القَائِمِ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يُؤَكِّدُ القديس أوغسطينوس أَنَّ "الرَّبَّ كَانَ مَعَهُمَا فِي الطَّرِيقِ، وَلٰكِنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ إِلَّا عِنْدَ كَسْرِ الخُبْزِ"، مُشِيرًا إِلَى أَنَّ المَعْرِفَةَ الكَامِلَةَ لِلْمَسِيحِ تَتِمُّ فِي نُورِ الكَلِمَةِ وَفِي شَرِكَةِ السِّرِّ1117، PL 38
كَمَا يَرَى القديس يوحنا الذهبي الفم أَنَّ المَسِيحَ "لَمْ يَكْتَفِ بِأَنْ يَظْهَرَ، بَلْ فَتَحَ أَذْهَانَهُمَا لِيَفْهَمَا الكُتُبَ"، لِأَنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ لا يَقُومُ عَلَى الرُّؤْيَةِ الحِسِّيَّةِ فَحَسْب، بَلْ عَلَى فَهْمِ تَدْبِيرِ اللهِ فِي التَّارِيخِ الخَلاَصِيّ (PG 59).
وَهٰكَذَا يُظْهِرُ لِقَاءُ يَسوعَ مَعَ تِلْمِيذَي عِمَّاوُسَ الطَّرِيقَ الإِلَهِيَّ لِرُؤْيَةِ المَسِيحِ الحَيِّ: فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ الَّذِي يُفَسِّرُهُ هُوَ نَفْسُهُ، وَفِي القُدَّاسِ الإِلَهِيِّ حَيْثُ يُكْسَرُ الخُبْزُ وَيُعْطَى لِلْمُؤْمِنِينَ. وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحْثِ فِي وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَطْبِيقَاتِهِ، لِأَنَّهُ لا يَكْشِفُ فَقَطْ عَنْ حَدَثٍ مَاضٍ، بَلْ عَنْ مَسِيرَةِ الإِيمَانِ الَّتِي تَسْلُكُهَا الكَنِيسَةُ وَكُلُّ مُؤْمِنٍ نَحْوَ اللِّقَاءِ الحَيِّ مَعَ الرَّبِّ القَائِمِ.
أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (لوقا 24: 13–35)
13 وَإِذَا بِاثْنَيْنِ مِنْهُمْ كَانَا ذَاهِبَيْنِ، فِي ذٰلِكَ اليَوْمِ نَفْسِهِ، إِلَى قَرْيَةٍ اسْمُهَا عِمَّاوُسُ، تَبْعُدُ نَحْوَ سِتِّينَ غَلْوَةً مِنْ أُورَشَلِيمَ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "اثْنَيْنِ" إِلَى تِلْمِيذَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِ يَسوعَ، لَيْسَا مِنَ الرُّسُلِ الاثْنَيْ عَشَرَ. أَحَدُهُمَا اسْمُهُ قَلاُوبَا (لوقا 24: 18)، أَمَّا التِّلْمِيذُ الآخَرُ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ آراءُ البَاحِثِينَ فِي تَحْدِيدِ هُوِيَّتِهِ. وَيَرِدُ اسْمُ قَلاُوبَا فِي الأَصْلِ اليُونَانِيّ Κλεοπᾶς (كْلِيُوبَاس)، وَهُوَ اخْتِصَارٌ لِاسْمِ Κλεοπάτρα، وَمَعْنَاهُ "مَجْدُ الأَبِ"، وَلا يَجِبُ الخَلْطُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ Κλωπᾶ الوَارِدِ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا (19: 25). وَيَقُولُ يوسابيوس القيصري، مُؤَرِّخُ الكَنِيسَةِ († 314م)، إِنَّ "قَلاُوبَا كَانَ أَخًا لِلقِدِّيسِ يُوسُفَ، خَطِيبِ مَرْيَمَ العَذْرَاءِ" (Historia Ecclesiastica, III, 11). أَمَّا رَفِيقُهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الدَّارِسُونَ: فَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّهُ سِمْعَانُ ابْنُهُ، الَّذِي أَصْبَحَ أَحَدَ أَسَاقِفَةِ أُورَشَلِيمَ، وَيَصِفُهُ يُوسَابِيُوسُ أَيْضًا بِأَنَّهُ "ابْنُ عَمِّ الرَّبِّ". أَمَّا أوريجانوس وَكيرلس الكبير فَيَرَيَانِ أَنَّ الشَّخْصَ الثَّانِي هُوَ:"سِمْعَانُ" مِنَ السَّبْعِينَ رَسُولًا. وَيَذْهَبُ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لوقا الإنجيلي نَفْسُهُ، لِمَا فِي النَّصِّ مِنْ تَفَاصِيلَ دَقِيقَةٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ، لِيَتَحَوَّلَ "التِّلْمِيذُ الآخَرُ" إِلَى نَمُوذَجٍ رُوحِيٍّ، حَيْثُ يُمْكِنُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ فِيهِ، وَيَخْتَبِرَ لِقَاءَ المَسِيحِ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ وَفِي الإِفْخَارِسْتِيَّا.
أَمَّا عِبَارَةُ "مِنْهُمْ" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّهُمَا مِنَ الجَمَاعَةِ المَسِيحِيَّةِ الأُولَى، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الآيَةِ السَّابِقَةِ: "وَرَجَعَ النِّسَاءُ مِنَ القَبْرِ، فَأَخْبَرْنَ الأَحَدَ عَشَرَ وَالآخَرِينَ جَمِيعًا بِهٰذِهِ الأُمُورِ كُلِّهَا" (لوقا 24: 9)، وَهُمَا لَيْسَا مِنَ الأَحَدَ عَشَرَ، كَمَا يَتَبَيَّنُ مِنَ الآيَةِ: "فَقَامَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ نَفْسِهَا وَرَجَعَا إِلَى أُورَشَلِيمَ، فَوَجَدَا الأَحَدَ عَشَرَ وَالَّذِينَ مَعَهُمْ مُجْتَمِعِينَ" (لوقا 24: 33).
أَمَّا عِبَارَةُ "ذَاهِبَيْنِ" فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيّ πορευόμενοι (مُنْطَلِقَيْنِ /مُتَّجِهَينِ / سَائِرَينِ)، وَهُوَ اِسْمُ فَاعِلٍ مُضَارِعٌ يَدُلُّ عَلَى حَرَكَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ. وَتُشِيرُ إِلَى حَرَكَةٍ دِينَامِيَّةٍ سَرِيعَةٍ، تُعَبِّرُ عَنْ رَغْبَةٍ فِي مُغَادَرَةِ أُورَشَلِيمَ. وَهٰذَا يَعْكِسُ حَالَةَ الإِحْبَاطِ الَّتِي عَاشَهَا التِّلْمِيذَانِ، إِذْ فَقَدَا مَغْزَى أَعْظَمِ حَدَثٍ فِي التَّارِيخِ الخَلاَصِيّ، وَانْشَغَلا بِالأَلَمِ وَالإِخْفَاقِ، فَاتَّجَهَا فِي طَرِيقٍ مُعَاكِسٍ لِمَسِيرَةِ الإِيمَانِ. وَفِي هٰذَا المَعْنَى، يُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: "كَانَا يَسِيرَانِ، وَلٰكِنَّهُمَا كَانَا بَعِيدَيْنِ عَنِ الطَّرِيقِ، لِأَنَّهُمَا كَانَا بَعِيدَيْنِ عَنِ الحَقِّ" (PL (PL 38). إِنَّ تَرْكَ أُورَشَلِيمَ هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ انْتِقَالٍ جُغْرَافِيٍّ، بَلْ رَمْزٌ لِتَرْكِ الصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ وَجَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ.
أَمَّا عِبَارَةُ "فِي ذٰلِكَ اليَوْمِ نَفْسِهِ" فَتُشِيرُ إِلَى يَوْمِ الأَحَدِ، يَوْمِ القِيَامَةِ، الَّذِي يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ أُحْدٍ، وَكَانَ ذٰلِكَ نَحْوَ الغُرُوبِ، كَمَا يَرِدُ: "حَانَ المَسَاءُ وَمَالَ النَّهَارُ" (لوقا 24: 29). وَتَحْتَلُّ كَلِمَةُ «اليَوْمِ» مَكَانَةً لاهُوتِيَّةً مُمَيَّزَةً فِي إِنْجِيلِ لُوقَا، إِذْ تُعَبِّرُ عَنْ حُضُورِ الخَلاَصِ فِي الزَّمَنِ الحَاضِرِ، حَيْثُ يَخَاطِبُ اللهُ الإِنْسَانَ دَائِمًا فِي «اليَوْمِ» (راجع لوقا 4: 21).
أَمَّا عِبَارَةُ "عِمَّاوُسُ" فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيّ Ἐμμαοῦς، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ العِبْرِيَّةِ עַמָּאוּס، وَمَعْنَاهَا "اليَنَابِيعُ الحَارَّةُ". وَتُشِيرُ إِلَى مَوْطِنِ التِّلْمِيذَيْنِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الآثَارِ فِي تَحْدِيدِ مَوْقِعِهَا: فَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّهَا عِمَّاوُسُ اللِّطْرُونِ (نِيكُوبُولِيس)، الَّتِي أَعَادَ الرُّومَانُ بِنَاءَهَا نَحْوَ سَنَةِ 223م وَسَمَّوْهَا Νικόπολις ("مَدِينَةُ النَّصْرِ")، وَهِيَ تَبْعُدُ نَحْوَ 30 كِيلُومِتْرًا عَنْ أُورَشَلِيمَ. وَيَرَى آخَرُونَ أَنَّهَا عِمَّاوُسُ القُبَيْبَةُ (نَحْوَ 11 كِيلُومِتْرًا)، وَيُرْجِعُونَ هٰذَا التَّقْلِيدَ إِلَى العَصْرِ الصَّلِيبِيِّ. كَمَا اقْتَرَحَ بَعْضُهُمْ مَوَاقِعَ أُخْرَى مِثْلَ قَالُونِيَا (Colonia) أَوْ أَبُو غُوش (قِرْيَةِ كِرْيَات يِعَارِيم).
أَمَّا عِبَارَةُ «سِتِّينَ غَلْوَةً" (σταδίων) فَهِيَ مِقْيَاسٌ يُونَانِيٌّ يُعَادِلُ نَحْوَ 184 مِتْرًا، أَيْ مَا يُقَارِبُ 11 كِيلُومِتْرًا، وَفِي بَعْضِ المَخْطُوطَاتِ "مِئَةً وَسِتِّينَ غَلْوَةً" (نَحْوَ 30 كِيلُومِتْرًا). وَوَفْقًا لِلمَبْدَإِ النَّقْدِيِّ الكِتَابِيِّ "النَّصُّ الأَصْعَبُ هُوَ الأَصَحُّ"، يَرَى بَعْضُ البَاحِثِينَ أَنَّ عِمَّاوُسَ اللِّطْرُونِ هِيَ الأَقْرَبُ إِلَى الأَصَالَةِ النَّصِّيَّةِ، وَإِنْ بَقِيَ الأَمْرُ مَفْتُوحًا لِلبَحْثِ العِلْمِيِّ. وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ هٰذَا المَشْهَدُ الأَوَّلُ عَنْ مَسِيرَةِ الإِنْسَانِ البَعِيدِ عَنِ الإِيمَانِ، وَعَنِ المَسِيحِ الَّذِي يَبْدَأُ بِمُلاَحَقَتِهِ فِي طَرِيقِهِ، لِيُعِيدَهُ مِنَ الضَّيَاعِ إِلَى شَرِكَةِ الحَيَاةِ.
14 وَكَانَا يَتَحَدَّثَانِ بِجَمِيعِ هٰذِهِ الأُمُورِ الَّتِي جَرَتْ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "بِجَمِيعِ هٰذِهِ الأُمُورِ الَّتِي جَرَتْ" إِلَى سِلْسِلَةِ الأَحْدَاثِ المَأْسَاوِيَّةِ وَالمُرْبِكَةِ الَّتِي عَاشَهَا التِّلْمِيذَانِ فِي أَيَّامِ الآلاَمِ: مِنِ اعْتِقَالِ يَسوعَ فِي بُسْتَانِ جَثْسَيْمَانِي، إِلَى مُحَاكَمَتِهِ وَصَلْبِهِ وَمَوْتِهِ. وَكَانَ هٰذَا كُلُّهُ صَدْمَةً عَمِيقَةً لِإِيمَانِهِمَا، إِذْ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ يَسوعُ هُوَ المَسِيحَ المُنْتَظَرَ، وَقَدْ مَاتَ مَوْتَ العَارِ عَلَى الصَّلِيبِ؟ وَكَيْفَ يَنْسَجِمُ ذٰلِكَ مَعَ النُّبُوءَاتِ الَّتِي كَانُوا يَفْهَمُونَهَا عَلَى أَنَّهَا تَعِدُ بِمَسِيحٍ مَلِكٍ مُنْتَصِرٍ وَمُخَلِّصٍ لِشَعْبِهِ؟ وَلا يَقِفُ اضْطِرَابُهُمَا عِنْدَ حَدِّ الصَّلْبِ، بَلْ يَشْمَلُ أَيْضًا الأَحْدَاثَ المُحِيطَةَ: مَوْتَ يهوذا الإسخريوطي انْتِحَارًا بَعْدَ خِيَانَتِهِ، وَالأَخْبَارَ المُحَيِّرَةَ عَنْ قِيَامَةِ يَسوعَ الَّتِي نَقَلَتْهَا النِّسْوَةُ، وَالَّتِي أَثَارَتْ دَهْشَةَ الرُّسُلِ وَتَرَدُّدَهُمْ (لوقا 24: 22–24). وَهٰكَذَا كَانَ حِوَارُهُمَا مَمْلُوءًا بِالأَسْئِلَةِ وَالحَيْرَةِ، بَلْ وَبِصِرَاعٍ دَاخِلِيٍّ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَخَيْبَةِ الأَمَلِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يُشِيرُ القديس أوغسطينوس إِلَى أَنَّهُمَا "كَانَا يَتَكَلَّمَانِ عَنِ المَسِيحِ، وَلٰكِنَّهُمَا لَمْ يَفْهَمَاهُ بَعْدُ"، لأَنَّ قُلُوبَهُمَا كَانَتْ مَا زَالَتْ مَحْجُوبَةً عَنْ سِرِّ الصَّلِيبِ (PL 38). أَمَّا القديس كيرلس الإسكندري فَيُؤَكِّدُ أَنَّ "اضْطِرَابَهُمَا لَمْ يَكُنْ نَاتِجًا عَنْ غِيَابِ الإِيمَانِ كُلِّيًّا، بَلْ عَنْ عَدَمِ فَهْمِهِمَا لِطَرِيقِ الخَلاَصِ الَّذِي يَمُرُّ بِالآلاَمِ"(PG 72). وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ حَدِيثُهُمَا أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ حَدَثِ الخَلاَصِ، بَلْ وَيَتَحَدَّثُ عَنْهُ، لٰكِنَّهُ يَبْقَى غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى فَهْمِهِ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي نُورِ التَّفْسِيرِ الإِلَهِيِّ الَّذِي سَيُقَدِّمُهُ المَسِيحُ نَفْسُهُ فِي مُتَابَعَةِ النَّصِّ.
15 وَبَيْنَمَا هُمَا يَتَحَدَّثَانِ وَيَتَجَادَلاَنِ، إِذَا يَسُوعُ نَفْسُهُ قَدْ دَنَا مِنْهُمَا وَأَخَذَ يَسِيرُ مَعَهُمَا.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "يَتَجَادَلاَنِ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيّ συζητεῖν (يَتَحَاوَرَانِ / يَتَجَادَلَانِ) إِلَى حِوَارٍ مُتَوَتِّرٍ وَنِقَاشٍ حَادٍّ يَتَّسِمُ بِالتَّشَتُّتِ وَعَدَمِ اليَقِينِ. ولَيْسَ مُجَرَّدَ تَبَادُلِ آراءٍ هَادِئٍ، بَلْ جِدَالٌ يَعْكِسُ صِرَاعًا دَاخِلِيًّا بَيْنَ الإِيمَانِ وَالشَّكِّ، حَيْثُ يَطْرَحُ أَحَدُهُمَا قَضِيَّةً وَيُعَارِضُهُ الآخَرُ. وَفِي هٰذَا يَرَى القديس غريغوريوس الكبير أَنَّ "حِوَارَهُمَا لَمْ يَكُنْ خَالِيًا مِنَ المَحَبَّةِ، لٰكِنَّهُ كَانَ مَشُوبًا بِضَعْفِ الفَهْمِ"، فَالإِنْسَانُ قَدْ يُحِبُّ الحَقَّ وَلٰكِنَّهُ لا يُدْرِكُهُ كَامِلًا (Hom. in Evang. 23).
أَمَّا عِبَارَةُ "يَسُوعُ نَفْسُهُ قَدْ دَنَا مِنْهُمَا" فَتُؤَكِّدُ المُبَادَرَةَ الإِلَهِيَّةَ: فَالمَسِيحُ القَائِمُ هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ اللِّقَاءَ، لا التِّلْمِيذَانِ. وَهُوَ ظُهُورٌ شَخْصِيٌّ حَقِيقِيٌّ، كَمَا يُوَازِيهِ مَا وَرَدَ فِي إنجيل مرقس: "تَرَاءَى بَعْدَ ذٰلِكَ بِهَيْئَةٍ أُخْرَى لِاثْنَيْنِ مِنْهُمْ كَانَا فِي الطَّرِيقِ" (مرقس 16: 12). وَتَدُلُّ كَلِمَةُ "دَنَا" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيّ ἐγγίσας عَلَى اقْتِرَابٍ مَلْمُوسٍ، أَيْ أَنَّ المَسِيحَ لَمْ يَكُنْ حُضُورُهُ رُوحِيًّا فَقَطْ، بَلْ جَسَدِيًّا أَيْضًا، يُشَارِكُهُمَا الطَّرِيقَ وَالخُطُوَاتِ. يَكْشِفُ هذا الفعل عَنْ مُبَادَرَةِ اللهِ: فَلَيْسَ الإِنْسَانُ هُوَ الَّذِي وَجَدَ المَسِيحَ، بَلِ المَسِيحُ هُوَ الَّذِي اِقْتَرَبَ مِنْهُ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ "وَأَخَذَ يَسِيرُ مَعَهُمَا" فَتُظْهِرُ أَنَّ المَسِيحَ لَمْ يَكْتَفِ بِالاِقْتِرَابِ، بَلِ انْضَمَّ إِلَى مَسِيرَتِهِمَا، وَرَافَقَهُمَا فِي ضَعْفِهِمَا وَحَيْرَتِهِمَا. وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُهُ القديس كيرلس الإسكندري بِقَوْلِهِ: "لَمْ يَتَرَكْهُمَا فِي جَهْلِهِمَا، بَلْ سَارَ مَعَهُمَا كَطَبِيبٍ يُلاَزِمُ المَرِيضَ حَتَّى يَشْفِيَهُ" (PG 72). وَهُنَا يَتَجَلَّى أُسْلُوبُ يَسوعَ الرَّعَوِيُّ فِي الحِوَارِ: يَدْنُو، وَيَسِيرُ، وَيُصْغِي، ثُمَّ يُفَسِّرُ. فَهُوَ لا يَفْرِضُ الحَقِيقَةَ فَوْرًا، بَلْ يُرَافِقُ الإِنْسَانَ فِي طَرِيقِهِ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ طَرِيقًا خَاطِئًا. وَفِي ذٰلِكَ تَتَحَقَّقُ كَلِمَتُهُ: "حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي، كُنْتُ هُنَاكَ بَيْنَهُمْ" (متى 18: 20). وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ هٰذَا المَشْهَدُ أَنَّ المَسِيحَ القَائِمَ لا يَنْتَظِرُ إِيمَانَ الإِنْسَانِ الكَامِلَ لِيَظْهَرَ لَهُ، بَلْ يَأْتِي إِلَيْهِ فِي وَسَطِ شَكِّهِ وَقَلَقِهِ، لِيُحَوِّلَ جِدَالَهُ إِلَى إِيمَانٍ، وَمَسِيرَتَهُ إِلَى طَرِيقِ الخَلاَصِ.
تَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ تِلْمِيذَيْ عِمَّاوُس لَمْ يَكُونَا فِي مَوْقِفِ البَاحِثَيْنِ عَنِ الرَّبِّ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُمَا سَمِعَا شَهَادَةَ النِّسْوَةِ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ حَيًّا (لوقا 24: 22–24)، بَلْ كَانَا فِي حَالَةِ تَرَدُّدٍ وَحَيْرَةٍ، غَيْرِ قَادِرَيْنِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنَ الخَبَرِ إِلَى الإِيمَانِ. أَمَّا يسوع المسيح القَائِمُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، فَهُوَ الَّذِي بَادَرَ وَخَرَجَ لِلِقَائِهِمَا، فَتَقَدَّمَ فِي الطَّرِيقِ وَدَنَا مِنْهُمَا وَسَارَ مَعَهُمَا، لِيَكْشِفَ لَهُمَا ذَاتَهُ (لوقا 24: 15). وَهٰكَذَا يَتَجَلَّى بُعْدٌ لاهوتيٌّ جَوْهَرِيٌّ: لَيْسَ الإِنْسَانُ هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ دَائِمًا بِالبَحْثِ عَنِ اللهِ، بَلِ اللهُ هُوَ الَّذِي يَبْحَثُ عَنِ الإِنْسَانِ. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: "لَمْ نَكُنْ نَحْنُ الَّذِينَ وَجَدْنَاهُ، بَلْ هُوَ الَّذِي وَجَدَنَا أَوَّلًا" (PL 38). كَمَا يُؤَكِّدُ القديس يوحنا الذهبي الفم أَنَّ "المَسِيحَ يَتَقَدَّمُ خُطُوَاتِ الإِنْسَانِ، وَيَلْتَقِي بِهِ فِي ضُعْفِهِ لِيَرُدَّهُ إِلَى الحَقِّ" (PG 59). إِذًا، فَإِنَّ اللِّقَاءَ بِالمَسِيحِ القَائِمِ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُبَادَرَةٍ بَشَرِيَّةٍ، بَلْ هُوَ فِي جَوْهَرِهِ زِيَارَةُ اللهِ لِلإِنْسَانِ الضَّالِّ، وَخُرُوجُ الرَّبِّ لِلْبَحْثِ عَمَّنْ تَاهَ فِي طُرُقِ الحُزْنِ وَالشَّكِّ، لِيَقُودَهُ مِنْ جَدِيدٍ إِلَى نُورِ الإِيمَانِ وَشَرِكَةِ الحَيَاةِ مَعَهُ.
16عَلَى أَنَّ أَعْيُنَهُمَا حُجِبَتْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ " أَعْيُنَهُمَا حُجِبَتْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ" ἐκρατοῦντο οἱ ὀφθαλμοὶ αὐτῶν (كَانَتْ أَعْيُنُهُمَا مُمْسَكَةً / مَحْجُوبَةً) إِلَى عَجْزِ التِّلْمِيذَيْنِ عَنْ التَّعَرُّفِ عَلَى يَسوعَ القَائِمِ، لا لِغِيَابِهِ، بَلْ لِقُصُورِ إِدْرَاكِهِمَا. فالفِعْلُ (ἐκρατοῦντο) فِي المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ المَعْرِفَةِ لَيْسَ عَجْزًا بَصَرِيًّا، بَلْ وَضْعٌ رُوحِيٌّ. فَالعَيْنُ لا تَرَى إِلَّا بِالإِيمَانِ. فَقَدْ تَوَقَّفَ فَهْمُهُمَا عِنْدَ حَدِّ الآلاَمِ وَالمَوْتِ، وَعَجَزَا عَنِ العُبُورِ إِلَى سِرِّ القِيَامَةِ، فَبَقِيَتْ أَعْيُنُهُمَا مُغْلَقَةً أَمَامَ حَقِيقَةِ المَسِيحِ الحَيِّ. وَهٰذِهِ الحَالَةُ لَيْسَتْ فَرِيدَةً، بَلْ تَتَكَرَّرُ فِي ظُهُورَاتِ القِيَامَةِ: فَمَرْيَمُ المَجْدَلِيَّةُ "رَأَتْ يَسوعَ وَاقِفًا، وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ يَسوعُ" (يوحنا 20: 14)، وَكَذٰلِكَ التَّلاَمِيذُ عَلَى شَاطِئِ البُحَيْرَةِ "لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَسوعُ" (يوحنا 21: 4). وَيُشِيرُ إنجيل مرقس إِلَى أَنَّهُ "تَرَاءَى لَهُمَا بِهَيْئَةٍ أُخْرَى" (مرقس 16: 12)، وَهٰذَا لا يَعْنِي تَغَيُّرًا جَوْهَرِيًّا فِي شَخْصِهِ، بَلْ أَنَّ إِدْرَاكَ الإِنْسَانِ هُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى نُورٍ جَدِيدٍ. وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ هٰذَا الحِجَابِ مُتَعَدِّدًا: ضَعْفُ الإِيمَانِ، عَدَمُ فَهْمِ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ، أَوِ انْغِلاَقُ التَّوَقُّعَاتِ عَلَى صُورَةِ مَسِيحٍ أَرْضِيٍّ مُنْتَصِرٍ. فَلَمْ يَكُونَا يَنْتَظِرَانِ أَنْ يَتَجَلَّى اللهُ فِي طَرِيقِ الآلاَمِ وَالمَوْتِ، وَلِذٰلِكَ لَمْ يَكُونَا مُسْتَعِدَّيْنِ لِرُؤْيَتِهِ قَائِمًا. وَيُؤَكِّدُ القديس أوغسطينوس هٰذَا البُعْدَ الرُّوحِيَّ قَائِلًا: "عِنْدَمَا اقْتَرَبَ الرَّبُّ مِنْهُمَا، لَمْ يَكُنْ لَهُمَا الإِيمَانُ؛ لَمْ يُصَدِّقَا أَنَّهُ قَامَ، بَلْ فَقَدَا الرَّجَاءَ. كَانَا يَمْشِيَانِ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ، مَوْتَى مَعَ الحَيِّ، أَمْوَاتٌ مَعَ الحَيَاةِ؛ كَانَتِ الحَيَاةُ تَسِيرُ مَعَهُمَا، غَيْرَ أَنَّ قُلُوبَهُمَا لَمْ تَكُنْ تَنْبِضُ بِالحَيَاةِ" (PL 38). وَلٰكِنَّ هٰذَا الحِجَابَ لَيْسَ نِهَائِيًّا، بَلْ مُؤَقَّتٌ وَتَرْبَوِيٌّ، لِأَنَّ المَسِيحَ سَيَقُودُهُمَا تَدْرِيجِيًّا، مِنْ خِلاَلِ تَفْسِيرِ الكُتُبِ، إِلَى فَهْمِ سِرِّ مَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ، حَتَّى "تَنْفَتِحَ أَعْيُنُهُمَا"(لوقا 24: 31). وَهٰكَذَا، يَحْمِلُ هٰذَا النَّصُّ بُعْدًا رَعَوِيًّا عَمِيقًا: فَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ يَسِيرُ الرَّبُّ إِلَى جَانِبِنَا، وَنَحْنُ لا نَعْرِفُهُ، وَلا نَرَاهُ، وَلا نَلْمِسُ حُضُورَهُ، لأَنَّ أَعْيُنَنَا مَا زَالَتْ مَحْجُوبَةً بِالهُمُومِ وَالتَّوَقُّعَاتِ وَضِيقِ الأُفُقِ. لٰكِنَّهُ لا يَكُفُّ عَنْ مُرَافَقَتِنَا، حَتَّى يَفْتَحَ قُلُوبَنَا وَيُنِيرَ أَعْيُنَنَا بِنُورِ القِيَامَةِ.
17 فَقالَ لَهُما: "ما هٰذا الكَلامُ الَّذي يَدورُ بَيْنَكُما وَأَنْتُما سائِرانِ؟» فَوَقَفا مُكْتَئِبَيْنِ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "ما هٰذا الكَلامُ الَّذي يَدورُ بَيْنَكُما وَأَنْتُما سائِرانِ؟" إِلَى أُسْلُوبِ يَسوعَ الحِوَارِيِّ القَائِمِ عَلَى طَرْحِ الأَسْئِلَةِ، لا لِجَهْلِهِ بِمَا يَحْدُثُ، بَلْ لِيَقُودَ التِّلْمِيذَيْنِ إِلَى التَّعْبِيرِ عَمَّا فِي دَاخِلِهِمَا. فَالسُّؤَالُ هُنَا يَفْتَحُ القَلْبَ، وَيُحَرِّرُ المَشَاعِرَ، وَيُسَاعِدُ عَلَى تَفْرِيغِ الحُزْنِ وَالإِحْبَاطِ وَخَيْبَةِ الأَمَلِ. وَهٰكَذَا يَظْهَرُ يَسوعُ كَمُرَافِقٍ رَعَوِيٍّ يُصْغِي قَبْلَ أَنْ يُعَلِّمَ، وَيَسْمَعُ قَبْلَ أَنْ يُفَسِّرَ.
أَمَّا عِبَارَةُ "فَوَقَفا مُكْتَئِبَيْنِ" فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيّ σκυθρωποί (عَابِسَيْنِ)، وَتُشِيرُ إِلَى مَظَاهِرِ الحُزْنِ الوَاضِحَةِ عَلَى وُجُوهِهِمَا، وَإِلَى حَالَةٍ دَاخِلِيَّةٍ مِنَ الكَآبَةِ وَالاِنْكِسَارِ. فَهُمَا لَا يَسِيرَانِ فَقَطْ جَسَدِيًّا نَحْوَ عِمَّاوُسَ، بَلْ يَتَوَقَّفَانِ رُوحِيًّا أَمَامَ أَلَمِهِمَا، كَأَنَّ الحُزْنَ قَدْ أَعَاقَ مَسِيرَتَهُمَ. إِنَّ هٰذِهِ الكَآبَةَ نَاتِجَةٌ عَنْ تَرَاكُمِ الأَحْدَاثِ المُؤْلِمَةِ: مَأْسَاةُ مُعَلِّمِهِمَا الَّذِي أَحَبَّاهُ، مَوْتُهُ عَلَى الصَّلِيبِ، القَبْرُ الَّذِي ظَنَّا أَنَّهُ أَغْلَقَ قِصَّتَهُ، وَاسْتِهْزَاءُ أَعْدَائِهِ بِهِ. وَهٰكَذَا فَقَدَا مَغْزَى أَعْظَمِ حَدَثٍ فِي التَّارِيخِ الخَلاَصِيِّ، لأَنَّهُمَا رَكَّزَا عَلَى الإِخْفَاقِ وَالأَلَمِ، لا عَلَى تَدْبِيرِ اللهِ الخَلاَصِيِّ. وَيُشِيرُ القديس كيرلس الإسكندري إِلَى أَنَّ "وُقُوفَهُمَا كَانَ عَلاَمَةً عَلَى ثِقَلِ الحُزْنِ الَّذِي شَلَّ قُلُوبَهُمَا"، فَالإِنْسَانُ عِنْدَمَا يَغْرَقُ فِي الأَلَمِ، يَفْقِدُ قُدْرَتَهُ عَلَى السَّيْرِ فِي طَرِيقِ الرَّجَاءِ (PG 72). وَيُعَلِّقُ القديس أبوللو بِبُعْدٍ رُوحِيٍّ عَمِيقٍ قَائِلًا: "لِمَاذَا نُجَاهِدُ وَوُجُوهُنَا كَئِيبَةٌ عَابِسَةٌ؟ أَلَسْنَا وَرَثَةَ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ؟ اِتْرُكُوا الكَآبَةَ لِلْخُطَأَةِ، أَمَّا الأَبْرَارُ وَالقِدِّيسُونَ فَحَرِيٌّ بِهِمْ أَنْ يَفْرَحُوا، لأَنَّهُمْ يَحْيَوْنَ فِي الرَّجَاءِ الرُّوحِيِّ". وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ هٰذَا المَشْهَدُ أَنَّ الاِنْفِصَالَ عَنْ جَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ فِي أُورَشَلِيمَ قَادَ التِّلْمِيذَيْنِ إِلَى الحُزْنِ وَالضَّيَاعِ، فَحَيْثُ يَغِيبُ الإِيمَانُ بِالقِيَامَةِ، يَسُودُ الاِنْكِسَارُ وَاليَأْسُ. لٰكِنَّ يَسوعَ لا يَتْرُكُهُمَا فِي هٰذِهِ الحَالَةِ، بَلْ يَبْدَأُ مِنْ حُزْنِهِمَا نَفْسِهِ، لِيَقُودَهُمَا تَدْرِيجِيًّا نَحْوَ الفَرَحِ وَالرَّجَاءِ.
18 وَأَجَابَهُ أَحَدُهُمَا، وَاسْمُهُ قَلاُوبَا: "أَأَنْتَ وَحْدَكَ نَازِلٌ فِي أُورَشَلِيمَ وَلَا تَعْلَمُ الأُمُورَ الَّتِي جَرَتْ فِيهَا هٰذِهِ الأَيَّامِ؟"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَحْدَكَ" إِلَى صُورَةِ الغَرِيبِ المُنْعَزِلِ عَنِ الجَمَاعَةِ، ذٰلِكَ الَّذِي لَمْ تَبْلُغْهُ أَخْبَارُ المَدِينَةِ، مَعَ أَنَّ أُورَشَلِيمَ كُلَّهَا كَانَتْ تَتَحَدَّثُ عَمَّا جَرَى. وَفِي هٰذَا نَبْرَةُ دَهْشَةٍ مَشُوبَةٍ بِنَوْعٍ مِنَ العِتَابِ، إِذْ يَسْتَغْرِبُ قَلاُوبَا كَيْفَ يُمْكِنُ لأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ فِي أُورَشَلِيمَ وَلا يَعْرِفُ مَا حَدَثَ فِيهَا.
أَمَّا عِبَارَةُ "نَازِلٌ" فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيّ παροικεῖς، وَتَعْنِي "غَرِيبًا" أَوْ "نَزِيلًا"، أَيْ شَخْصًا لَيْسَ مِنْ سُكَّانِ المَدِينَةِ، بَلْ حَاجًّا قَدِمَ إِلَيْهَا لِلْمُشَارَكَةِ فِي عِيدِ الفِصْحِ، وَهُوَ الآنَ فِي طَرِيقِ العَوْدَةِ إِلَى وَطَنِهِ. وَهٰكَذَا يَفْتَرِضُ قَلاُوبَا أَنَّ يَسوعَ غَرِيبٌ عَنِ الأَحْدَاثِ، بَيْنَمَا هُوَ فِي الحَقِيقَةِ مِحْوَرُهَا وَسِرُّهَا.
وَأَمَّا عِبَارَةُ "الأُمُورَ الَّتِي جَرَتْ فِيهَا هٰذِهِ الأَيَّامِ» فَتُحِيلُ إِلَى مَجْمُوعِ أَحْدَاثِ الآلاَمِ: صَلْبِ يَسوعَ وَمَوْتِهِ، وَمَا رَافَقَ ذٰلِكَ مِنْ ظَوَاهِرَ كَوْنِيَّةٍ كَالظُّلْمَةِ وَالزَّلْزَلَةِ (راجع متى 27: 45، 51)، وَمَا أَثَارَتْهُ هٰذِهِ الأَحْدَاثُ مِنْ جَدَلٍ وَاضْطِرَابٍ فِي أُورَشَلِيمَ. وَهُنَا تَتَجَلَّى مُفَارَقَةٌ لاهُوتِيَّةٌ عَمِيقَةٌ: فَالتِّلْمِيذُ يَظُنُّ أَنَّ يَسوعَ هُوَ "الغَرِيبُ" الَّذِي لا يَعْرِفُ، بَيْنَمَا هُوَ فِي الحَقِيقَةِ الرَّبُّ الَّذِي يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ الَّذِي عَاشَ هٰذِهِ الأَحْدَاثَ وَحَقَّقَ مَعْنَاهَا الخَلاَصِيَّ. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس عَلَى هٰذِهِ المُفَارَقَةِ قَائِلًا: "كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ مَعَ الحَقِّ، وَلٰكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ الحَقَّ"(PL 38). وَهٰكَذَا يَكْشِفُ هٰذَا السُّؤَالُ عَنْ مَفَارَقَةٍ إِنْجِيلِيَّةٍ: الإِنْسَانُ قَدْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَفْهَمُ الأَحْدَاثَ، وَيَحْكِي عَنْهَا، لٰكِنَّهُ يَبْقَى غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى إِدْرَاكِ مَعْنَاهَا الحَقِيقِيِّ مَا لَمْ يَلْتَقِ بِالمَسِيحِ القَائِمِ الَّذِي يُنِيرُ التَّارِيخَ بِنُورِ القِيَامَةِ.
19 فَقالَ لَهُما: "ما هِيَ؟" قالا لَهُ: "ما يَخْتَصُّ بِيَسوعَ النَّاصِرِيِّ، وَكانَ نَبِيًّا مُقْتَدِرًا عَلَى العَمَلِ وَالقَوْلِ عِندَ اللهِ وَالشَّعْبِ كُلِّهِ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "ما هِيَ؟" إِلَى سُؤَالِ يَسوعَ التَّرْبَوِيِّ، الَّذِي يُمَهِّدُ لِلتَّعْلِيمِ، فَهُوَ لا يَكْشِفُ الحَقِيقَةَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ يَقُودُ مُحَاوِرَيْهِ تَدْرِيجِيًّا نَحْوَ الإِدْرَاكِ. وَفِي هٰذَا تَتَجَلَّى حِكْمَةُ المُعَلِّمِ الإِلَهِيِّ الَّذِي يُثِيرُ السُّؤَالَ لِيَفْتَحَ الذِّهْنَ وَالقَلْبَ.
أَمَّا عِبَارَةُ "قالا لَهُ" فَتُظْهِرُ أَنَّ يَسوعَ أَتَاحَ لِلتِّلْمِيذَيْنِ فُرْصَةَ التَّعْبِيرِ عَنْ صَدْمَتِهِمَا وَأَفْكَارِهِمَا، فَقَبْلَ أَنْ يُفَسِّرَ، يَسْمَعُ.
أَمَّا عِبَارَةُ "بِيَسوعَ النَّاصِرِيِّ" فَتُشِيرُ إِلَى الاِسْمِ الأَكْثَرِ شُيُوعًا لِيَسوعَ فِي التَّقْلِيدِ الرَّسُولِيِّ. فَبِهٰذَا اللَّقَبِ دَعَاهُ الرُّسُلُ، كَمَا فِي شَهَادَةِ بطرس الرسول (أعمال الرسل 2: 22)، وَكَذٰلِكَ بولس الرسول (أعمال الرسل 26: 9)، وَبِهِ أَيْضًا أَعْلَنَ يَسوعُ نَفْسَهُ (أعمال الرسل 22: 8).
وَيُحِيلُ لَقَبُ "النَّاصِرِيِّ" إِلَى أَصْلِهِ الجَلِيلِيِّ (راجع متى 26: 69)، وَإِلَى مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ حَيْثُ نَشَأَ (لوقا 4: 16). وَفِي بُعْدٍ نَبَوِيٍّ، يَرْتَبِطُ هٰذَا اللَّقَبُ بِكَلِمَةِ נֵצֶר (غُصْن)، وَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى نُبُوءَةِ أشعيا النبي": يَخْرُجُ غُصْنٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى" (أشعيا 11: 1)، مِمَّا يُضْفِي عَلَى اللَّقَبِ بُعْدًا مَسِيحَانِيًّا.
أَمَّا عِبَارَةُ "كانَ نَبِيًّا" ἀνὴρ προφήτης (رَجُلٌ نَبِيٌّ) فَتُعَبِّرُ عَنْ إِيمَانِ التِّلْمِيذَيْنِ النَّاقِصِ، رَأيا فِيهِ نَبِيًّا، لَكِنْ لَمْ يُدْرِكُوا أَنَّهُ المَسِيحُ القَائِمُ. إِذْ يَرَيَانِ فِي يَسوعَ ذٰلِكَ النَّبِيَّ الَّذِي تَحَدَّثَ عَنْهُ مُوسَى (تثنية 18: 15)، وَالَّذِي شَهِدَتْ لَهُ الأَنَاجِيلُ (متى 21: 11؛ مرقس 6: 15؛ لوقا 7: 16)، وَأَكَّدَتْهُ الكَنِيسَةُ الأُولَى فِي كِرَازَتِهَا (أعمال الرسل 3: 22). إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَبْلُغَا بَعْدُ إِلَى الاِعْتِرَافِ بِهِ كَمَسِيحٍ وَابْنِ اللهِ. وَيُعَلِّقُ القديس غريغوريوس الكبير قَائِلًا: "آمَنُوا بِهِ نَبِيًّا، وَلٰكِنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا بَعْدُ أَنَّهُ رَبُّ الأَنْبِيَاءِ"(Hom. in Evang. 23).
وَأَمَّا قَوْلُهُمَا "مُقْتَدِرًا عَلَى العَمَلِ وَالقَوْلِ" فَيُشِيرُ إِلَى مَا اخْتَبَرَاهُ مِنْ أَعْمَالِ يَسوعَ العَجِيبَةِ وَتَعْلِيمِهِ السُّلْطَانِيِّ. فَهُوَ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا بِالكَلاَمِ فَقَطْ، بَلْ بِالقُدْرَةِ الفِعْلِيَّةِ أَيْضًا، كَمَا شَهِدَ لَهُ بطرس الرسول: "إِنَّ يَسوعَ النَّاصِرِيَّ... أَيَّدَهُ اللهُ لَدَيْكُمْ بِمَا أَجْرَى عَنْ يَدِهِ مِنَ المُعْجِزَاتِ وَالأَعَاجِيبِ وَالآيَاتِ" (أعمال الرسل 2: 22).
وَتُضِيفُ عِبَارَةُ "عِندَ اللهِ وَالشَّعْبِ كُلِّهِ" بُعْدَ الشهادة المُزْدَوِجة: فَهُوَ مُقْبُولٌ أَمَامَ اللهِ، الَّذِي شَهِدَ لَهُ بِأَعْمَالِهِ، وَأَمَامَ الشَّعْبِ، الَّذِي رَأَى وَسَمِعَ، وَشَهِدَ لَهُ، كَمَا فِي قِصَّةِ إِقَامَةِ لِعَازَرَ (يوحنا 12: 17). وَمَعَ ذٰلِكَ، تَكْشِفُ شَهَادَةُ تِلْمِيذَيْ عِمَّاوُسَ عَنْ نَقْصٍ جَوْهَرِيٍّ فِي مَعْرِفَتِهِمَا: فَقَدْ عَرَفَا فِي يَسوعَ نَبِيًّا عَظِيمًا، وَلٰكِنَّهُمَا لَمْ يَبْلُغَا بَعْدُ إِلَى إِدْرَاكِ سِرِّهِ الكَامِلِ كَإِلَهٍ وَإِنْسَانٍ، فَادِي الخُطَاةِ وَالوَسِيطِ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ. وَهٰذَا مَا سَيَكْشِفُهُ لَهُمَا المَسِيحُ نَفْسُهُ فِي مَسِيرَةِ التَّفْسِيرِ وَكَسْرِ الخُبْزِ.
20 "كَيفَ أَسْلَمَهُ عُظَماءُ كَهَنَتِنا وَرُؤَساؤُنا لِيُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالمَوْتِ، وَكَيفَ صَلَبُوهُ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "كَيفَ أَسْلَمَهُ عُظَماءُ كَهَنَتِنا وَرُؤَساؤُنا لِيُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالمَوْتِ" إِلَى ذِرْوَةِ الصَّدْمَةِ الَّتِي عَاشَهَا تِلْمِيذَا عِمَّاوُسَ، وَهِيَ صَدْمَةُ رَفْضِ القِيَادَةِ الدِّينِيَّةِ لِيَسوعَ. فَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الَّذِينَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا شُهُودًا لِلحَقِّ هُمْ أَنْفُسُهُمُ الَّذِينَ أَسْلَمُوهُ لِلمَوْتِ. وَفِي هٰذَا يَظْهَرُ عُمقُ التَّنَاقُضِ بَيْنَ تَوَقُّعَاتِهِمَا وَوَاقِعِ الأَحْدَاثِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هٰذَا هُوَ المَسِيحُ، وَقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ رُؤَسَاءُ الشَّعْبِ بِالمَوْتِ؟ وَيَرْتَبِطُ هٰذَا القَوْلُ بِسُؤَالِ قَلاُوبَا السَّابِقِ: "أَأَنْتَ وَحْدَكَ نَازِلٌ فِي أُورَشَلِيمَ وَلا تَعْلَمُ الأُمُورَ الَّتِي جَرَتْ؟" (لوقا 24: 18)، حَيْثُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَا حَدَثَ لِيَسوعَ كَانَ "حَدِيثَ السَّاعَةِ" فِي أُورَشَلِيمَ، وَأَنَّ اسْتِغْرَابَهُمَا يَنْطَوِي عَلَى سُؤَالٍ ضِمْنِيٍّ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِمَنْ كَانَ حَاضِرًا فِي المَدِينَةِ أَلَّا يَعْرِفَ مَا صَنَعَهُ الرُّؤَسَاءُ بِيَسوعَ؟
أَمَّا عِبَارَةُ "وَكَيفَ صَلَبُوهُ" فَتُظْهِرُ نِسْبَةَ فِعْلِ الصَّلْبِ إِلَى الرُّؤَسَاءِ، لا بِمَعْنَى أَنَّهُمْ نَفَّذُوا الحُكْمَ بِأَيْدِيهِمْ، بَلْ لأَنَّهُمْ كَانُوا السَّبَبَ المُبَاشِرَ فِي إِصْدَارِهِ، إِذْ سَلَّمُوا يَسوعَ إِلَى السُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ وَأَجْبَرُوا بيلاطس البنطي عَلَى الحُكْمِ بِصَلْبِهِ. وَهٰذَا مَا أَكَّدَتْهُ الكِرَازَةُ الرَّسُولِيَّةُ الأُولَى، كَمَا فِي قَوْلِ بطرس الرسول: "فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا بَيْتُ إِسْرَائِيلَ أَجْمَعُ أَنَّ يَسوعَ هٰذَا الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، قَدْ جَعَلَهُ اللهُ رَبًّا وَمَسِيحًا" (أعمال الرسل 2: 36). وَيُعَلِّقُ القديس يوحنا الذهبي الفم عَلَى هٰذِهِ الحَقِيقَةِ قَائِلًا: "لَمْ يَكُنِ الصَّلْبُ عَمَلَ الضُّعْفِ، بَلْ جُزْءًا مِنْ تَدْبِيرِ اللهِ لِلْخَلاَصِ"، فَمَا يَبْدُو لِلتِّلْمِيذَيْنِ فَشَلًا، هُوَ فِي الحَقِيقَةِ طَرِيقُ النَّصْرِ (PG 60). وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ هٰذَا القَوْلُ عَنْ رُؤْيَةٍ بَشَرِيَّةٍ لِلأَحْدَاثِ تَتَوَقَّفُ عِنْدَ ظَاهِرِ الصَّلْبِ كَهَزِيمَةٍ، فِي حِينِ أَنَّ المَسِيحَ سَيُعِيدُ تَفْسِيرَ هٰذِهِ الأَحْدَاثِ كَطَرِيقٍ ضَرُورِيٍّ لِتَحْقِيقِ الفِدَاءِ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الصَّلِيبُ مِنْ عَلاَمَةِ عَارٍ إِلَى سِرِّ مَجْدٍ وَخَلاَصٍ.
21 "وَكُنَّا نَحْنُ نَرْجُو أَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَيَفْتَدِي إِسْرَائِيلَ. وَمَعَ ذٰلِكَ كُلِّهِ، فَهٰذَا هُوَ اليَوْمُ الثَّالِثُ مُذْ جَرَتْ تِلْكَ الأُمُورُ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "كُنَّا نَحْنُ نَرْجُو" ἡμεῖς δὲ ἠλπίζομεν (الفِعْلُ فِي المَاضِي َيَدُلُّ عَلَى رَجَاءٍ مَاضٍ مَكْسُورٍ) إِلَى انْكِسَارِ الرَّجَاءِ وَخَيْبَةِ الأَمَلِ الَّتِي اسْتَوْلَتْ عَلَى قَلْبَيِ التِّلْمِيذَيْنِ. الإِيمَانُ تَحَوَّلَ إِلَى ذِكْرَى، وَالرَّجَاءُ إِلَى خَيْبَةٍ. فَقَدْ كَانَ رَجَاؤُهُمَا مَبْنِيًّا عَلَى تَوَقُّعَاتٍ بَشَرِيَّةٍ، تَحَطَّمَتْ أَمَامَ حَقِيقَةِ الصَّلِيبِ وَالمَوْتِ. وَمَعَ أَنَّهُمَا شَهِدَا أَعْمَالَ يَسوعَ وَسَمِعَا أَقْوَالَهُ كَنَبِيٍّ "مُقْتَدِرٍ عَلَى العَمَلِ وَالقَوْلِ"، إِلَّا أَنَّ مَوْتَهُ أَدْخَلَهُمَا فِي حَالَةِ يَأْسٍ، لأَنَّهُمَا لَمْ يَرَيَا فِي الصَّلِيبِ إِلَّا نِهَايَةً، لا بَدَايَةَ خَلاَصٍ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: "كَانَ رَجَاؤُهُمَا مَيِّتًا، لِأَنَّهُ كَانَ رَجَاءً أَرْضِيًّا؛ وَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ رَجَاءً مُؤَسَّسًا عَلَى القِيَامَةِ" (PL 38).
أَمَّا عِبَارَةُ "هُوَ الَّذِي سَيَفْتَدِي إِسْرَائِيلَ" فَتُظْهِرُ طَبِيعَةَ هٰذَا الرَّجَاءِ: فَهُمَا كَانَا يَنْتَظِرَانِ مَسِيحًا سِيَاسِيًّا وَعَسْكَرِيًّا، يُخَلِّصُ إِسْرَائِيلَ مِنْ نِيرِ الرُّومَانِ، وَيُعِيدُ المَجْدَ الأَرْضِيَّ لِلشَّعْبِ. لٰكِنَّهُمَا لَمْ يُدْرِكَا أَنَّ الفِدَاءَ الَّذِي جَاءَ بِهِ المَسِيحُ هُوَ خَلاَصُ الإِنْسَانِ مِنَ الخَطِيئَةِ وَالمَوْتِ. وَيُؤَكِّدُ القديس كيرلس الإسكندري أَنَّهُمَا "كَانَا يَتَكَلَّمَانِ عَنْ الفِدَاءِ، وَلٰكِنَّهُمَا لَمْ يَفْهَمَا طَبِيعَتَهُ الحَقِيقِيَّةَ" (PG 72). إِنَّهُمَا رَأَيَا الأَحْدَاثَ، لٰكِنَّهُمَا لَمْ يَمْلِكَا بُعْدَ النَّظَرِ الإِيمَانِيِّ الَّذِي يَتَجَاوَزُ الظَّاهِرَ نَحْوَ السِّرِّ. فَالصَّلِيبُ، فِي نَظَرِهِمَا، كَانَ هَزِيمَةً، بَيْنَمَا هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ انْتِصَارُ المَحَبَّةِ الإِلَهِيَّةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "فَهٰذَا هُوَ اليَوْمُ الثَّالِثُ مُذْ جَرَتْ تِلْكَ الأُمُورُ" فَتُضِيفُ بُعْدًا زَمَنِيًّا لِحُزْنِهِمَا: فَقَدْ مَرَّتْ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ دُونَ أَنْ يَرَيَا تَحَقُّقَ مَا كَانَا يَنْتَظِرَانِهِ، فَازْدَادَ شُعُورُهُمَا بِخَيْبَةِ الأَمَلِ. وَلٰكِنَّ المُفَارَقَةَ العَمِيقَةَ هِيَ أَنَّ "اليَوْمَ الثَّالِثَ" هُوَ بِعَيْنِهِ يَوْمُ القِيَامَةِ، الَّذِي تَحَقَّقَ فِيهِ الخَلاَصُ، غَيْرَ أَنَّهُمَا لَمْ يُدْرِكَا بَعْدُ هٰذَا السِّرَّ. وَيُشِيرُ القديس يوحنا الذهبي الفم إِلَى أَنَّهُمَا "كَانَا يَعْرِفَانِ الزَّمَنَ، وَلٰكِنَّهُمَا لَمْ يَفْهَمَا مَعْنَاهُ"، فَالمَشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي غِيَابِ الحَدَثِ، بَلْ فِي غِيَابِ الفَهْمِ (PG 60). وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ هٰذَا القَوْلُ عَنْ مَأْسَاةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَرَى الأَحْدَاثَ بِعَيْنِ الجَسَدِ، وَلٰكِنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ رُؤْيَتِهَا بِنُورِ الإِيمَانِ. فَحَيْثُ يَظُنُّ أَنَّ الرَّجَاءَ قَدِ انْتَهَى، يَكُونُ اللهُ قَدْ أَتَمَّ عَمَلَ الخَلاَصِ، وَبَدَأَ رَجَاءٌ جَدِيدٌ لا يَزُولُ.
22 "غَيْرَ أَنَّ نِسْوَةً مِنَّا قَدْ حَيَّرْنَنَا، فَإِنَّهُنَّ بَكَّرْنَ إِلَى القَبْرِ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "غَيْرَ أَنَّ" (ἀλλὰ) إِلَى اِسْتِدْرَاكٍ يَكْشِفُ عَنْ تَوَتُّرٍ دَاخِلِيٍّ فِي رِوَايَةِ التِّلْمِيذَيْنِ: فَبَيْنَمَا يُقِرَّانِ بِانْهِيَارِ رَجَائِهِمَا، يَظْهَرُ عُنْصُرٌ جَدِيدٌ يُرْبِكُهُمَا، وَلٰكِنَّهُ لا يَصِلُ بَعْدُ إِلَى مُسْتَوَى الإِيمَانِ. إِنَّهُ تَوَقُّفٌ عِنْدَ حَدِّ الحَيْرَةِ، دُونَ العُبُورِ إِلَى اليَقِينِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "نِسْوَةً مِنَّا" فَتُشِيرُ إِلَى النِّسْوَةِ اللَّوَاتِي كُنَّ شَاهِدَاتٍ لِلْقَبْرِ الفَارِغِ، وَهُنَّ: مَرْيَمُ المَجْدَلِيَّةُ، وَيُوَنَّا، وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ، وَسَائِرُ النِّسْوَةِ (لوقا 24: 10). وَهٰؤُلاَءِ يَنْتَمِينَ إِلَى "جَمَاعَتِنَا"، أَيْ إِلَى الدَّائِرَةِ القَرِيبَةِ مِنَ التَّلاَمِيذِ، مِمَّا يُضْفِي عَلَى شَهَادَتِهِنَّ قِيمَةً خَاصَّةً، مَعَ أَنَّهَا لَمْ تُقْنِعِ التِّلْمِيذَيْنِ بَعْدُ.
أَمَّا عِبَارَةُ "قَدْ حَيَّرْنَنَا" فَفِي الأَصْلِ تُفِيدُ الاِضْطِرَابَ وَالدَّهْشَةَ وَالتَّرَدُّدَ. فَالأَخْبَارُ الَّتِي نَقَلَتْهَا النِّسْوَةُ لَمْ تُؤَدِّ إِلَى الإِيمَانِ، بَلْ إِلَى الحَيْرَةِ، لأَنَّهَا تَتَجَاوَزُ تَوَقُّعَاتِهِمَا: قَبْرٌ فَارِغٌ، وَرُؤْيَا مَلاَئِكَةٍ يُعْلِنُونَ أَنَّهُ حَيٌّ (لوقا 24: 23). وَيُعَلِّقُ القديس كيرلس الإسكندري قَائِلًا: "لَمْ تَكُنِ الشَّهَادَةُ كَافِيَةً لِتُولِّدَ الإِيمَانَ، بَلْ أَثَارَتِ الدَّهْشَةَ، لأَنَّهَا حَمَلَتْ مَا يَفُوقُ الفَهْمَ البَشَرِيَّ" (PG 72).
وَتُضِيفُ عِبَارَةُ "فَإِنَّهُنَّ بَكَّرْنَ إِلَى القَبْرِ" بُعْدًا زَمَنِيًّا وَلِيتُورْجِيًّا، إِذْ تَدُلُّ عَلَى فَجْرِ يَوْمِ الأَحَدِ، لَحْظَةِ بُدُوءِ الخَلِيقَةِ الجَدِيدَةِ. لٰكِنَّ هٰذَا "البُكُورَ" لَمْ يُفْضِ بَعْدُ إِلَى إِشْرَاقِ الإِيمَانِ فِي قُلُوبِ التِّلْمِيذَيْنِ، بَلْ بَقِيَ فِي إِطَارِ الخَبَرِ الَّذِي يُثِيرُ التَّسَاؤُلَ. وَهُنَا تَتَّضِحُ مَرْحَلَةٌ أُسَاسِيَّةٌ فِي مَسِيرَةِ الإِيمَانِ: فَلَيْسَ كُلُّ خَبَرٍ عَنِ القِيَامَةِ يُؤَدِّي تِلْقَائِيًّا إِلَى الإِيمَانِ، بَلْ قَدْ يَبْقَى فِي مُسْتَوَى الحَيْرَةِ، مَا لَمْ يُفَسَّرْ فِي نُورِ الكِتَابِ وَيُعَاشْ فِي لِقَاءِ شَخْصِيٍّ مَعَ المَسِيحِ القَائِمِ. وَهٰذَا مَا سَيُتِمُّهُ يَسوعُ فِي مُتَابَعَةِ الطَّرِيقِ، حِينَ يُحَوِّلُ الحَيْرَةَ إِلَى إِيمَانٍ.
23 "فَلَمْ يَجِدْنَ جُثْمَانَهُ، فَرَجَعْنَ وَقُلْنَ إِنَّهُنَّ أَبْصَرْنَ فِي رُؤْيَا مَلائِكَةً قالوا إِنَّهُ حَيٌّ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "جُثْمَانَهُ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيّ σῶμα إِلَى جَسَدِ يَسوعَ المَيِّتِ، الَّذِي كَانَ مَوْضُوعَ تَوَقُّعِ النِّسْوَةِ عِنْدَ ذَهَابِهِنَّ إِلَى القَبْرِ. وَلٰكِنَّ غِيَابَ الجَسَدِ لا يُفْسَّرُ بَعْدُ فِي نَظَرِ التِّلْمِيذَيْنِ كَعَلاَمَةِ قِيَامَةٍ، بَلْ يَبْقَى مُجَرَّدَ حَدَثٍ مُحَيِّرٍ.
أَمَّا عِبَارَةُ "فَرَجَعْنَ وَقُلْنَ إِنَّهُنَّ أَبْصَرْنَ" فَتُظْهِرُ دَوْرَ النِّسْوَةِ كَأَوَّلِ شَاهِدَاتٍ لِحَدَثِ القِيَامَةِ. فَهُنَّ لَمْ يَكْتَفِينَ بِالمُعَايَنَةِ، بَلْ نَقَلْنَ الخَبَرَ إِلَى الرُّسُلِ، وَنِلْنَ كَرَامَةَ أَنْ يَكُنَّ أُولَ المُبَشِّرَاتِ بِالقِيَامَةِ. وَيُعَلِّقُ القديس يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا: "الَّذِينَ كَانُوا فِي الأَوَّلِ شُهُودًا لِلمَوْتِ، صَارُوا أَوَّلَ شُهُودٍ لِلْقِيَامَةِ"، فَالنِّسْوَةُ يَتَقَدَّمْنَ فِي الشَّهَادَةِ حَيْثُ تَأَخَّرَ الرِّجَالُ (PG 59).
أَمَّا عِبَارَةُ "مَلائِكَةً" فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيّ ἄγγελος، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ العِبْرِيَّةِ מַלְאָךְ، وَمَعْنَاهَا "رَسُول". وَتُشِيرُ إِلَى وَظِيفَتِهِمْ كَحَمَلَةِ رِسَالَةِ اللهِ وَشُهُودِ أَعْمَالِهِ الخَلاَصِيَّةِ. كَمَا يَقُولُ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ: "أَمَا هُمْ كُلُّهُمْ أَرْوَاحٌ مُكَلَّفُونَ بِالخِدْمَةِ، يُرْسَلُونَ مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ سَيَرِثُونَ الخَلاَصَ؟" (عبرانيين 1: 14). فَالْمَلائِكَةُ مَخْلُوقَاتٌ سَمَاوِيَّةٌ خُلِقَتْ لِتَخْدِمَ تَدْبِيرَ اللهِ، وَتُعْلِنَ مَقَاصِدَهُ فِي التَّارِيخِ.
وَأَمَّا ذِرْوَةُ الشَّهَادَةِ فَتَتَجَلَّى فِي قَوْلِهِمْ: "إِنَّهُ حَيٌّ"، وَهُوَ إِعْلاَنٌ قَاطِعٌ بِالقِيَامَةِ. لٰكِنَّ هٰذَا الإِعْلاَنَ، عَلَى وَضُوحِهِ، لَمْ يُتَرْجَمْ بَعْدُ إِلَى إِيمَانٍ فِي قُلُوبِ التِّلْمِيذَيْنِ، بَلْ بَقِيَ فِي مُسْتَوَى "الرُّؤْيَا" وَالخَبَرِ، الَّذِي يَحْمِلُ طَابِعًا فَوْقَ طَبِيعِيٍّ يَفُوقُ اِسْتِيعَابَهُمَا. وَيُشِيرُ القديس كيرلس الإسكندري إِلَى أَنَّ "الشَّهَادَةَ المَلاَئِكِيَّةَ كَانَتْ صَادِقَةً وَكَامِلَةً، لٰكِنَّهَا احْتَاجَتْ إِلَى قَلْبٍ مُسْتَعِدٍّ لِيَقْبَلَهَا"، فَالإِيمَانُ لا يَنْشَأُ مِنَ الخَبَرِ وَحْدَهُ، بَلْ مِنِ انْفِتَاحِ القَلْبِ عَلَى سِرِّ اللهِ (PG 72). وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ هٰذَا المَقْطَعُ أَنَّ القَبْرَ الفَارِغَ وَشَهَادَةَ المَلائِكَةِ هُمَا بَدَايَةُ الطَّرِيقِ نَحْوَ الإِيمَانِ، وَلَيْسَا نِهَايَتَهُ. فَالإِنْسَانُ قَدْ يَسْمَعُ إِعْلاَنَ القِيَامَةِ، وَلٰكِنَّهُ يَبْقَى مُتَرَدِّدًا، إِلَى أَنْ يَلْتَقِي بِالمَسِيحِ نَفْسِهِ، وَيَدْخُلَ فِي سِرِّ حَيَاتِهِ الجَدِيدَةِ.
24" فَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى القَبْرِ، فَوَجَدُوا الحَالَ عَلَى مَا قَالَتِ النِّسْوَةُ. أَمَّا هُوَ فَلَمْ يَرَوْهُ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَصْحَابِنَا" إِلَى بطرس الرسول وَيوحنا الرسول، كَمَا يَرِدُ فِي (يوحنا 20: 1–10)، حَيْثُ ذَهَبَا إِلَى القَبْرِ بَعْدَ شَهَادَةِ النِّسْوَةِ، فَوَجَدَا القَبْرَ فَارِغًا وَالأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً.
أَمَّا قَوْلُهُمَا "فَوَجَدُوا الحَالَ عَلَى مَا قَالَتِ النِّسْوَةُ" فَيُؤَكِّدُ تَطَابُقَ الشَّهَادَةِ: فَمَا أَعْلَنَتْهُ النِّسْوَةُ لَمْ يَكُنْ وَهْمًا، بَلْ وَاقِعًا مُثْبَتًا بِشَهَادَةِ الرُّسُلِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، لَمْ يَكُنْ هٰذَا كَافِيًا لِيُوَلِّدَ الإِيمَانَ فِي قَلْبَيِ التِّلْمِيذَيْنِ، بَلْ بَقِيَ فِي مُسْتَوَى المُعَايَنَةِ الحِسِّيَّةِ دُونَ فَهْمٍ لِسِرِّ القِيَامَةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "أَمَّا هُوَ فَلَمْ يَرَوْهُ" فَتُشِيرُ إِلَى غِيَابِ الرُّؤْيَةِ الشَّخْصِيَّةِ لِيَسوعَ القَائِمِ. فَبِحَسَبِ مَنْطِقِ تِلْمِيذَي عِمَّاوُسَ، لَمْ يَكُنِ القَبْرُ الفَارِغُ دَلِيلًا كَافِيًا، لأَنَّهُ لا يُعَوِّضُ عَنْ غِيَابِ اللِّقَاءِ المُبَاشِرِ مَعَ الرَّبِّ. وَمِنْ هُنَا يَتَسَرَّبُ اليَأْسُ إِلَى قُلُوبِهِمَا، فَيَرَيَانِ فِي القَبْرِ الفَارِغِ نِهَايَةً لِلرَّجَاءِ، لا بَدَايَةً لِلقِيَامَةِ. وَيُعَلِّقُ القديس كيرلس الإسكندري قَائِلًا: "إِنَّ مَا رَآهُ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا كَانَ كَافِيًا لِيَقُودَ إِلَى الإِيمَانِ، لٰكِنَّ القَلْبَ الَّذِي لَمْ يُنِرْهُ الفَهْمُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَتَجَاوَزَ ظَاهِرَ الأَشْيَاءِ" (PG 72). وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ هٰذَا المَقْطَعُ أَنَّ الشَّهَادَاتِ المُتَعَدِّدَةَ، مِنَ النِّسْوَةِ وَالرُّسُلِ، لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً فِي ذَاتِهَا لِتَحْوِيلِ القَلْبِ، مَا لَمْ يَدْخُلِ الإِنْسَانُ فِي خِبْرَةِ اللِّقَاءِ الشَّخْصِيِّ مَعَ المَسِيحِ القَائِمِ. وَهٰذَا مَا سَيُتِمُّهُ يَسوعُ بِنَفْسِهِ مَعَ التِّلْمِيذَيْنِ، حِينَ يَنْتَقِلاَنِ مِنَ مُجَرَّدِ سَمَاعِ الشَّهَادَةِ إِلَى مَعَايَنَةِ الحَقِّ. وَمَا يَزَالُ هٰذَا الوَاقِعُ حَاضِرًا فِي كُلِّ زَمَانٍ: فَبِالرَّغْمِ مِنْ غِنَى الشَّهَادَاتِ وَالأَدِلَّةِ عَلَى القِيَامَةِ، يَبْقَى الإِيمَانُ دَعْوَةً حُرَّةً، تَتَطَلَّبُ انْفِتَاحَ القَلْبِ، لا مُجَرَّدَ مُعَايَنَةِ العَلاَمَاتِ.
25 فَقالَ لَهُما: "يا قَلِيلَيِ الفَهْمِ وَبَطِيئَيِ القَلْبِ عَنِ الإِيمَانِ بِكُلِّ ما تَكَلَّمَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "يا قَلِيلَيِ الفَهْمِ" إِلَى تَوْبِيخٍ تَرْبَوِيٍّ مِنْ يَسوعَ لِتِلْمِيذَي عِمَّاوُسَ، لا لِإِدَانَتِهِمَا، بَلْ لِكَشْفِ قُصُورِ فَهْمِهِمَا لِسِرِّ الخَلاَصِ. فَبِالرَّغْمِ مِنْ مَعْرِفَتِهِمَا لِنُبُوءَاتِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ، لَمْ يُدْرِكَا أَنَّ طَرِيقَ المَجْدِ يَمُرُّ بِالآلاَمِ. وَقَدْ أَشَارَ يوحنا الإنجيلي إِلَى هٰذَا القُصُورِ قَائِلًا: "لَمْ يَكُونَا قَدْ فَهِمَا بَعْدُ مَا وَرَدَ فِي الكِتَابِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَقُومَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ" (يوحنا 20: 9).
أَمَّا عِبَارَةُ "بَطِيئَيِ القَلْبِ عَنِ الإِيمَانِ" καρδία) "القَلْب" فِي اللُّغَةِ الكِتَابِيَّةِ هُوَ مَرْكَزُ الفَهْمِ، لا العَاطِفَةِ فَقَطْ.
إِذًا المُشْكِلَةُ هِيَ فَهْمٌ لاهُوتِيٌّ مَشُوبٌ) فَتُعَبِّرُ عَنْ ثِقَلٍ دَاخِلِيٍّ فِي القَبُولِ، إِذْ لَمْ يَكُنِ النَّقْصُ فِي المَعْلُومَةِ، بَلْ فِي الاِنْفِتَاحِ القَلْبِيِّ. فَهُمَا قَبِلَا جُزْءًا مِنْ شَهَادَةِ الأَنْبِيَاءِ عَنْ مَجْدِ المَسِيحِ، وَلٰكِنَّهُمَا أَغْفَلا مَا يَخُصُّ آلاَمَهُ. رَأَيَا فِيهِ نَبِيًّا عَظِيمًا، لٰكِنَّهُمَا لَمْ يَبْلُغَا إِلَى الاِعْتِرَافِ بِهِ كَابْنِ اللهِ؛ وَآمَنَا بِصَلْبِهِ، لٰكِنَّهُمَا تَرَدَّدَا فِي قِيَامَتِهِ؛ وَتَوَقَّعَا فِدَاءً زَمَنِيًّا، وَلَمْ يُدْرِكَا الفِدَاءَ الخَلاَصِيَّ مِنَ الخَطِيئَةِ. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: "لَمْ يَكُنْ قَلْبُهُمَا خَالِيًا مِنَ الإِيمَانِ، بَلْ كَانَ بَطِيئًا؛ لِذٰلِكَ وَبَّخَهُمَا الرَّبُّ لِيُسْرِعَ خُطَاهُمَا نَحْوَ الحَقِّ" (PL 38).
وَتُظْهِرُ عِبَارَةُ "بِكُلِّ ما تَكَلَّمَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ" شُمُولِيَّةَ الإِعْلاَنِ الإِلَهِيِّ، فَالإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ لا يَنْتَقِي بَعْضَ النُّبُوءَاتِ وَيُهْمِلُ أُخْرَى، بَلْ يَقْبَلُهَا كُلَّهَا فِي وَحْدَتِهَا. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، تَتَجَلَّى نُبُوءَةُ أشعيا النبي (أشعيا 53) كَذِرْوَةٍ لاهُوتِيَّةٍ، حَيْثُ يَصِفُ "عَبْدَ الرَّبِّ" المُتَأَلِّمَ الَّذِي يَحْمِلُ خَطَايَا الشَّعْبِ وَيَفْتَدِيهِمْ مِنْ خِلاَلِ آلاَمِهِ. إِنَّ قِلَّةَ إِيمَانِ التِّلْمِيذَيْنِ هِيَ الَّتِي جَعَلَتْ "أَعْيُنَهُمَا تُحْجَبُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ" (لوقا 24: 16)، فَالمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي غِيَابِ النُّورِ، بَلْ فِي عَدَمِ الاِنْفِتَاحِ عَلَيْهِ. وَهٰذَا المَوْضُوعُ يَتَكَرَّرُ فِي إِنْجِيلِ مرقس الإنجيلي، حَيْثُ يَظْهَرُ ضَعْفُ فَهْمِ التَّلاَمِيذِ وَبُطْءُ إِيمَانِهِمْ (مرقس 6: 52؛ 8: 17–18؛ 9: 19). وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ هٰذَا التَّوْبِيخُ عَنْ حَقِيقَةٍ لاهُوتِيَّةٍ عَمِيقَةٍ: الإِيمَانُ لَيْسَ مَعْرِفَةً جُزْئِيَّةً أَوْ مُنْتَقَاةً، بَلْ قَبُولٌ شَامِلٌ لِتَدْبِيرِ اللهِ كُلِّهِ، حَيْثُ يَلْتَقِي الصَّلِيبُ وَالمَجْدُ فِي سِرٍّ وَاحِدٍ هُوَ سِرُّ الفِدَاءِ.
26 "أَمَا كانَ يَجِبُ عَلَى المَسِيحِ أَنْ يُعَانِيَ تِلْكَ الآلامَ فَيَدْخُلَ فِي مَجْدِهِ؟"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَمَا كانَ يَجِبُ عَلَى المَسِيحِ" (الفِعْلُ كانَ يَجِبُ ἔδει يَدُلُّ عَلَى الضَّرُورَةِ الإِلَهِيَّةِ (إِلَى الضَّرُورَةِ الإِلَهِيَّةِ (δεῖ) فِي تَدْبِيرِ الخَلاَصِ، أَيْ أَنَّ آلاَمَ المَسِيحِ لَيْسَتْ حَادِثًا عَرَضِيًّا، بَلْ جُزْءٌ أَسَاسِيٌّ مِنْ مُخَطَّطِ اللهِ المُعْلَنِ مُسْبَقًا فِي نُبُوءَاتِ الأَنْبِيَاءِ. فَالمَسِيحُ لا يَتَجَنَّبُ الآلاَمَ، بَلْ يَجْتَازُهَا كَطَرِيقٍ مُحَدَّدٍ نَحْوَ إِتْمَامِ الفِدَاءِ. َالصَّلِيبُ لَيْسَ حَادِثًا عَرَضِيًّا، بَلْ جُزْءٌ مِنْ تَدْبِيرِ اللهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "أَنْ يُعَانِيَ تِلْكَ الآلامَ" فَتُحِيلُ إِلَى شَهَادَةِ الأَنْبِيَاءِ عَنِ المَسِيحِ المُتَأَلِّمِ، حَيْثُ تَتَقَدَّمُ الآلاَمُ عَلَى المَجْدِ. وَيُؤَكِّدُ بطرس الرسول هٰذَا البُعْدَ قَائِلًا: "شَهِدَ رُوحُ المَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ بِمَا أُعِدَّ لِلمَسِيحِ مِنَ الآلامِ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنَ المَجْدِ" (1 بطرس 1: 11). وَهٰذِهِ الحَقِيقَةُ لَمْ تَكُنْ غَائِبَةً عَنْ تَعْلِيمِ يَسوعَ نَفْسِهِ، إِذْ أَنْبَأَ عَنْ آلاَمِهِ وَقِيَامَتِهِ مِرَارًا فِي إِنْجِيلِ لوقا الإنجيلي (لوقا 12: 50؛ 13: 32–33؛ 17: 25).
وَتُبَيِّنُ عِبَارَةُ "فَيَدْخُلَ فِي مَجْدِهِ" أَنَّ الآلاَمَ وَالمَجْدَ لَيْسَا وَاقِعَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ، بَلْ مُتَرَابِطَيْنِ فِي سِرٍّ وَاحِدٍ. فَالمَجْدُ لا يُعْطَى بَعْدَ الآلاَمِ كَمُكَافَأَةٍ خَارِجِيَّةٍ، بَلْ يَتَجَلَّى مِنْ خِلاَلِهَا. إِنَّهُ مَجْدُ المَحَبَّةِ الَّتِي تَبْذُلُ نَفْسَهَا حَتَّى المَوْتِ. وَلٰكِنَّ هٰذَا المَنْطِقَ الإِلَهِيَّ كَانَ صَعْبَ القَبُولِ لَدَى التَّلاَمِيذِ، لأَنَّهُ يَتَعَارَضُ مَعَ تَوَقُّعَاتِهِمْ عَنْ "مَسِيحٍ مَلِكٍ" مُنْتَصِرٍ. فَالصَّلِيبُ، كَمَا يَقُولُ بولس الرسول، هُوَ "عِثَارٌ لِليَهُودِ وَحَمَاقَةٌ لِلوَثَنِيِّينَ" (1 قورنتس 1: 23)، لأَنَّهُ يَقْلِبُ مَقَايِيسَ القُوَّةِ وَالمَجْدِ البَشَرِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ القديس إيريناوس أسقف ليون عَلَى هٰذِهِ الحَقِيقَةِ قَائِلًا: "لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي أَنْ يُخَلِّصَ الإِنْسَانَ إِلَّا مَنْ تَأَلَّمَ مِنْ أَجْلِهِ"، فَالفِدَاءُ يَتَحَقَّقُ بِالاِشْتِرَاكِ فِي آلاَمِ البَشَرِيَّةِ وَتَحْوِيلِهَا مِنَ الدَّاخِلِ (Adversus Haereses). وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ سُؤَالُ يَسوعَ لَيْسَ فَقَطْ خَطَأَ فَهْمِ التِّلْمِيذَيْنِ، بَلْ أَيْضًا الحَقِيقَةَ الجَوْهَرِيَّةَ لِلإِيمَانِ المَسِيحِيِّ: أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى المَجْدِ يَمُرُّ بِالصَّلِيبِ، وَأَنَّ الآلاَمَ لَيْسَتْ نِهَايَةً، بَلْ بَابًا إِلَى الحَيَاةِ الجَدِيدَةِ.
" 27فَبَدَأَ مِنْ مُوسَى وَجَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا فِي جَمِيعِ الكُتُبِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَبَدَأَ مِنْ مُوسَى وَجَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ" إِلَى أَنَّ يَسوعَ يَسِيرُ مَعَ التِّلْمِيذَيْنِ فِي قِرَاءَةٍ شَامِلَةٍ لِلكِتَابِ المُقَدَّسِ، وَفْقَ تَرْتِيبِهِ التَّقْلِيدِيِّ (الشَّرِيعَةِ وَالأَنْبِيَاءِ وَالمَزَامِيرِ). فَـ"مُوسَى" يُشِيرُ إِلَى أَسْفَارِ التَّوْرَاةِ الخَمْسَةِ، الَّتِي تَتَضَمَّنُ بَوَادِرَ الوَعْدِ الخَلاَصِيِّ، وَخُصُوصًا النُّبُوءَةَ الأُولَى: "أَجْعَلُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ المَرْأَةِ... هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ" (تكوين 3: 15)، الَّتِي تُعْتَبَرُ بِذْرَةَ رَجَاءِ الفِدَاءِ.
أَمَّا "جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ" فَتُحِيلُ إِلَى سِلْسِلَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ هَيَّأُوا الشَّعْبَ لِمَجِيءِ المَسِيحِ، مِنَ الأَنْبِيَاءِ الكِبَارِ كَـأشعيا النبي وَإِرْمِيَا وَحِزْقِيَال وَدَانِيال، إِلَى الأَنْبِيَاءِ الصِّغَارِ. وَرِسَالَتُهُمْ وَاحِدَةٌ: إِعْلاَنُ مَقَاصِدِ اللهِ وَتَهْيِئَةُ القُلُوبِ لِقَبُولِ المَسِيحِ. وَقَدْ أَكَّدَ يَسوعُ نَفْسُهُ هٰذَا البُعْدَ قَائِلًا: "تَتَصَفَّحُونَ الكُتُبَ... فَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي" (يوحنا 5: 39).
أَمَّا عِبَارَةُ "يُفَسِّرُ لَهُمَا فِي جَمِيعِ الكُتُبِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ" (διερμήνευεν مِنْهُ كَلِمَة Hermeneutics
يَدُلُّ عَلَى عَمَلٍ تَفْسِيرِيٍّ مُتَوَاصِلٍ) فتشير الى يَسوعُ نَفْسُهُ هُوَ مُفَسِّرُ الكِتَابِ، وَمِفْتَاحُ قِرَاءَتِهِ وذلك بإِعَادَةِ رَبْطِ أَحْدَاثِ آلاَمِ المَسِيحِ وَقِيَامَتِهِ بِتَارِيخِ الخَلاَصِ كُلِّهِ. فَالمَسِيحُ لا يُفَسِّرُ نَصًّا مُنْفَرِدًا، بَلْ يَكْشِفُ وَحْدَةَ الكِتَابِ المُقَدَّسِ، حَيْثُ تَتَّجِهُ جَمِيعُ الخُطُوطِ نَحْوَ شَخْصِهِ. وَيَتَجَلَّى ذٰلِكَ فِي نُصُوصٍ مِثْلَ مَا جَاءَ فِي سِفْرِ المَزَامِيرِ: "لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي مَثْوَى الأَمْوَاتِ" (مزمور 16: 10)، وَ"ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ... يَقْتَسِمُونَ بَيْنَهُمْ ثِيَابِي" (مزمور 22: 17–19). وَيُؤَكِّدُ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية أَنَّ "مَوْتَ يَسوعَ الفِدَائِيَّ يُتِمُّ بِنَوْعٍ خَاصٍّ نُبُوءَةَ أَشَعْيَا عَنِ العَبْدِ المُتَأَلِّمِ... وَبَعْدَ قِيَامَتِهِ أَعْطَى تِلْمِيذَي عِمَّاوُسَ هٰذَا التَّفْسِيرَ لِلكُتُبِ" (فقرة 601). إِنَّ هٰذَا التَّفْسِيرَ لَيْسَ مُجَرَّدَ شَرْحٍ عَقْلِيٍّ، بَلْ فِعْلٌ إِلَهِيٌّ يَفْتَحُ الذِّهْنَ وَالقَلْبَ مَعًا. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يُبْرِزُ بولس الرسول مَوْهِبَةَ التَّفْسِيرِ كَعَطِيَّةٍ رُوحِيَّةٍ فِي الكَنِيسَةِ (1 قورنتس 12: 30)، لأَنَّ فَهْمَ الكِتَابِ يَحْتَاجُ إِلَى إِرْشَادٍ. وَهٰذَا مَا يَتَّضِحُ فِي حِوَارِ فيلبس الشماس مَعَ الخَصِيِّ الحَبَشِيِّ: "كَيْفَ يُمْكِنُنِي إِنْ لَمْ يُرْشِدْنِي أَحَدٌ؟" (أعمال الرسل 8: 31). وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: "إِنَّ كَلِمَةَ اللهِ لا تُفْهَمُ بِمَعْزِلٍ عَنْ تَقْلِيدِ الكَنِيسَةِ وَتَفْسِيرِ الآبَاءِ"، فَالتَّفْسِيرُ هُوَ جُسْرٌ بَيْنَ النَّصِّ وَالحَيَاةِ. وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ هٰذَا المَشْهَدُ أَنَّ الكِتَابَ المُقَدَّسَ لا يُفْهَمُ إِلَّا فِي نُورِ المَسِيحِ، وَأَنَّ المَسِيحَ نَفْسَهُ هُوَ المُفَسِّرُ الحَقِيقِيُّ لَهُ. وَفِي البُعْدِ اللِّيتُورْجِيِّ، تَعِيشُ الكَنِيسَةُ هٰذَا النَّهْجَ فِي كُلِّ قُدَّاسٍ، حَيْثُ تُتْلَى القِرَاءَاتُ مِنَ العَهْدَيْنِ، ثُمَّ تُفَسَّرُ فِي العِظَةِ، عَلَى خُطَى المَسِيحِ فِي طَرِيقِ عِمَّاوُسَ.
28 وَلَمَّا قَرُبُوا مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي يَقْصِدَانِهَا، تَظَاهَرَ أَنَّهُ مَاضٍ إِلَى مَكَانٍ أَبْعَدَ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "تَظَاهَرَ أَنَّهُ مَاضٍ إِلَى مَكَانٍ أَبْعَدَ" إِلَى بُعْدٍ رُوحِيٍّ عَمِيقٍ فِي طَرِيقَةِ تَدَخُّلِ يَسوعَ: فَهُوَ لا يَفْرِضُ حُضُورَهُ عَلَى الإِنْسَانِ، بَلْ يَحْتَرِمُ حُرِّيَّتَهُ، وَيَنْتَظِرُ دَعْوَتَهُ الصَّادِقَةَ. فَالمَسِيحُ يَقْتَرِبُ وَيُرَافِقُ، لٰكِنَّهُ لا يَدْخُلُ إِلَّا إِذَا طُلِبَ مِنْهُ ذٰلِكَ.
إِنَّ هٰذَا "التَّظَاهُرَ" لَيْسَ خِدَاعًا، بَلْ أُسْلُوبٌ تَرْبَوِيٌّ، يَسْتَهْدِفُ إِيقَاظَ رَغْبَةِ التِّلْمِيذَيْنِ وَتَحْرِيكَ قَلْبَيْهِمَا لِيَدْعُوَاهُ إِلَى البَقَاءِ مَعَهُمَا. فَاللهُ، فِي تَوَاضُعِهِ، "يَنْتَظِرُ" الإِنْسَانَ، وَيَرْغَبُ فِي عَلاَقَةٍ حُرَّةٍ، لا مَفْرُوضَةٍ. وَهٰذَا مَا يَتَجَلَّى أَيْضًا فِي أَحْدَاثٍ أُخْرَى، كَمَا فِي مَشْهَدِ يَسوعَ عَلَى البُحَيْرَةِ، حَيْثُ بَدَا "كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَجَاوَزَهُمْ" (مرقس 6: 48)، لِيُثِيرَ إِيمَانَهُمْ وَيَسْتَدْعِي صُرَاخَهُمْ. وَيُعَلِّقُ القديس غريغوريوس الكبير قَائِلًا: "إِنَّهُمَا، لِكَوْنِهِمَا لا يَزَالَانِ غَرِيبَيْنِ فِي الإِيمَانِ، تَظَاهَرَ كَأَنَّهُ مَاضٍ إِلَى مَكَانٍ أَبْعَدَ"، أَيْ أَنَّ المَسِيحَ يُخْفِي نَفْسَهُ لِيُظْهِرَ شَوْقَ الإِنْسَانِ إِلَيْهِ (Hom. in Evang. 23). وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ هٰذَا المَشْهَدُ عَنْ حَقِيقَةٍ رُوحِيَّةٍ أَسَاسِيَّةٍ: اللهُ قَرِيبٌ دَائِمًا، وَلٰكِنَّهُ لا يَدْخُلُ إِلَى حَيَاةِ الإِنْسَانِ إِلَّا إِذَا فُتِحَ لَهُ البَابُ. إِنَّهُ يَقِفُ عَلَى مَشَارِفِ القَلْبِ، وَيَنْتَظِرُ الدَّعْوَةَ، لِيُحَوِّلَ الحُضُورَ العَابِرَ إِلَى شَرِكَةٍ دَائِمَةٍ.
29 فأَلَحَّا علَيه قالا: أُمكُثْ مَعَنا، فَقَدْ حَانَ المَسَاءُ وَمَالَ النَّهَارُ. فَدَخَلَ لِيَمْكُثَ مَعَهُمَا"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَأَلَحَّا عَلَيْهِ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيّ παρεβιάσαντο إِلَى تَمَسُّكٍ قَوِيٍّ وَإِصْرَارٍ مَمْلُوءٍ مَحَبَّةً، يَعْكِسُ تَقْلِيدَ الضِّيَافَةِ الشَّرْقِيَّةِ، حَيْثُ لا يُتْرَكُ الغَرِيبُ يَمْضِي دُونَ دَعْوَةٍ صَادِقَةٍ لِلمُكُوثِ. وَهٰذَا الإِلْحَاحُ لَيْسَ مُجَرَّدَ لِيَاقَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، بَلْ تَعْبِيرٌ عَنْ شَوْقٍ دَاخِلِيٍّ إِلَى مُوَاصَلَةِ الحِوَارِ مَعَ هٰذَا "الغَرِيبِ" الَّذِي بَدَأَ قَلْبُهُمَا يَلْتَهِبُ بِكَلِمَاتِهِ. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: "إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الحَيَاةَ، فَتَشَبَّهْ بِتِلْمِيذَي عِمَّاوُسَ... لَقَدْ أَلَحَّا عَلَيْهِ، وَلَوِ اكْتَفَيَا بِمَا سَمِعَا مِنْهُ، لَمَا بَلَغَا إِلَى مَعْرِفَتِهِ فِي كَسْرِ الخُبْزِ"(PL 38). فَالإِلْحَاحُ هُنَا يَصِيرُ طَرِيقًا إِلَى الاِنْكِشَافِ الأَعْمَقِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "أُمْكُثْ مَعَنَا" فَتُعَبِّرُ عَنْ تَحَوُّلٍ دَاخِلِيٍّ فِي مَوْقِفِ التِّلْمِيذَيْنِ: فَيسوعُ لَمْ يَعُدْ غَرِيبًا عَابِرًا، بَلْ صَارَ ضَيْفًا مَرْغُوبًا فِيهِ، بَلْ رَفِيقًا يَتُوقَانِ إِلَى بَقَائِهِ. إِنَّهُ اِنْتِقَالٌ مِنَ الجَهْلِ إِلَى الاِنْجِذَابِ، وَمِنَ الحَيْرَةِ إِلَى الشَّرِكَةِ. وَفِي هٰذَا المَعْنَى، يُصَبِّرُ البابا فرنسيس هٰذِهِ الصَّرْخَةَ قَائِلًا: "أُمْكُثْ مَعِي... لِأَنَّهُ بِدُونِكَ يَحُلُّ اللَّيْلُ" (عظة 26/4/2020).
وَتُضِيفُ عِبَارَةُ "فَقَدْ حَانَ المَسَاءُ وَمَالَ النَّهَارُ" بُعْدًا رَمْزِيًّا: فَالمَسَاءُ يُمَثِّلُ ظُلْمَةَ الشَّكِّ وَاليَأْسِ، وَالإِنْسَانُ يَحْتَاجُ إِلَى حُضُورِ المَسِيحِ كَنُورٍ فِي وَسَطِ هٰذِهِ العَتَمَةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "فَدَخَلَ لِيَمْكُثَ مَعَهُمَا" فَتُظْهِرُ اِسْتِجَابَةَ يَسوعَ لِلدَّعْوَةِ الحُرَّةِ. فَهُوَ الَّذِي "يَقِفُ عَلَى البَابِ وَيَقْرَعُ"، وَإِذَا فُتِحَ لَهُ، "يَدْخُلُ وَيَتَعَشَّى" (رؤيا 3: 20). وَفِي هٰذَا الدُّخُولِ يَبْدَأُ الاِنْكِشَافُ الأَعْمَقُ لِشَخْصِهِ، خُصُوصًا فِي سِرِّ "كَسْرِ الخُبْزِ"، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الضَّيْفُ إِلَى رَبٍّ. وَهٰكَذَا، يَتَحَقَّقُ وَعْدُ المَسِيحِ بِحُضُورِهِ الدَّائِمِ: "هَا أَنَا مَعَكُمْ طُولَ الأَيَّامِ إِلَى نِهَايَةِ العَالَمِ" (متى 28: 20). فَالمَسِيحُ لا يَمْكُثُ حَيْثُ لا يُدْعَى، وَلٰكِنَّهُ يَسْكُنُ حَيْثُ يُفْتَحُ لَهُ القَلْبُ. وَمِنْ هُنَا تَنْبَعُ الصَّلاَةُ الرُّوحِيَّةُ: "أُمْكُثْ مَعَنَا يَا رَبُّ، فِي مَسَاءِ أَيَّامِنَا، وَفِي كُلِّ لَحْظَةٍ يَتَسَرَّبُ إِلَيْنَا فِيهَا الحُزْنُ وَاليَأْسُ، لِيَلْتَهِبَ قَلْبُنَا بِنُورِ كَلِمَتِكَ، وَنَحْيَا فِي رَجَاءِ قِيَامَتِكَ".
30 " وَلَمَّا جَلَسَ مَعَهُمَا لِلطَّعَامِ، أَخَذَ الخُبْزَ وَبَارَكَ، ثُمَّ كَسَرَهُ وَنَاوَلَهُمَا".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَلَمَّا جَلَسَ مَعَهُمَا" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيّ (ἀνακλιθῆναι) إِلَى وَضْعِيَّةِ الاِتِّكَاءِ عَلَى الجَنْبِ عِنْدَ الطَّعَامِ، وَهِيَ عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الوَسَطِ اليَهُودِيِّ–الرُّومَانِيِّ. وَهٰذَا الجُلُوسُ لا يَدُلُّ فَقَطْ عَلَى تَنَاوُلِ طَعَامٍ عَادِيٍّ، بَلْ عَلَى دُخُولٍ فِي شَرِكَةٍ حَيَّةٍ، حَيْثُ يُصْبِحُ الغَرِيبُ ضَيْفًا، ثُمَّ يَنْكَشِفُ كَرَبٍّ.
أَمَّا عِبَارَةُ "لِلطَّعَامِ" فَتُؤَكِّدُ حَقِيقَةَ القِيَامَةِ الجَسَدِيَّةِ: فَالمَسِيحُ القَائِمُ لَيْسَ شَبَحًا، بَلْ هُوَ حَاضِرٌ بِجَسَدِهِ المُمَجَّدِ. وَإِنْ كَانَ الجَسَدُ المُمَجَّدُ لا يَحْتَاجُ إِلَى الطَّعَامِ، فَإِنَّ المُشَارَكَةَ فِيهِ هُنَا هِيَ عَلاَمَةٌ لِإِثْبَاتِ وَاقِعِ القِيَامَةِ وَحَقِيقَتِهَا.
أَمَّا الأَفْعَالُ الأَرْبَعَةُ: "أَخَذَ – بَارَكَ – كَسَرَ – نَاوَلَ" λαβών – εὐλόγησεν – κλάσας – ἐπεδίδου، (هٰذِهِ هِيَ صِيغَةُ العَشَاءِ الأَخِيرِ نَفْسُهَا) فتُشَكِّلُ بِنْيَةً لِيتُورْجِيَّةً وَاضِحَةً، تَتَطَابَقُ مَعَ أَفْعَالِ يَسوعَ فِي العَشَاءِ الأَخِيرِ (لوقا 22: 19).
فَعِبَارَةُ "بَارَكَ" تُشِيرُ إِلَى صَلاَةِ الشُّكْرِ (εὐχαριστία)، الَّتِي مِنْهَا أَخَذَ سِرُّ الإِفْخَارِسْتِيَّا اسْمَهُ. وَكَانَ طَلَبُ البَرَكَةِ فِي العَادَةِ اليَهُودِيَّةِ مِنْ صَلاَحِيَّةِ رَبِّ البَيْتِ، لٰكِنَّهُ هُنَا يُمَارَسُ مِنْ قِبَلِ يَسوعَ، فَيَنْكَشِفُ أَنَّهُ لَيْسَ ضَيْفًا فَقَطْ، بَلْ هُوَ رَبُّ المَائِدَةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "كَسَرَهُ" فَتَحْمِلُ دِلاَلَةً عَمِيقَةً، إِذْ تَرْتَبِطُ بِسِرِّ "كَسْرِ الخُبْزِ" فِي الكَنِيسَةِ الأُولَى، كَعَلاَمَةٍ عَلَى حُضُورِ المَسِيحِ الحَيِّ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يَقُولُ بولس الرسول" "أَلَيْسَ الخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ مُشَارَكَةً فِي جَسَدِ المَسِيحِ؟" (1 قورنتس 10: 16)، مُؤَكِّدًا أَنَّ هٰذَا الكَسْرَ هُوَ دُخُولٌ فِي شَرِكَةٍ حَيَّةٍ مَعَ الرَّبِّ. لَمْ يَكُنِ الخُبْزُ المَكْسُورُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا مُجَرَّدَ ذِكْرَى، بَلْ حُضُورًا حَيًّا لِـ يسوع المسيح القَائِمِ، الَّذِي يَتَجَلَّى فِي كَسْرِ الخُبْزِ وَيُعْطِي نَفْسَهُ شَرِكَةً حَقِيقِيَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: "لَمْ يَعْرِفُوا المَسِيحَ إِلَّا عِنْدَ كَسْرِ الخُبْزِ"، لِأَنَّ مَا كَانَ خَفِيًّا عَنْ عُيُونِهِمَا أُعْلِنَ لَهُمَا فِي السِّرِّ (PL 38). إِذًا، فَالإِفْخَارِسْتِيَّا لَيْسَتْ اِسْتِذْكَارًا لِحَدَثٍ مَاضٍ، بَلْ دُخُولٌ فِي حُضُورٍ حَيٍّ وَفَعَّالٍ، حَيْثُ يَلْتَقِي المُؤْمِنُ بِالرَّبِّ نَفْسِهِ، وَيَتَّحِدُ بِهِ اتِّحَادًا حَقِيقِيًّا.
وَأَمَّا عِبَارَةُ "نَاوَلَهُمَا" فَتُعِيدُ صَدَى كَلِمَاتِ التَّأْسِيسِ: "هٰذَا هُوَ جَسَدِي" (لوقا 22: 19)، مِمَّا يَجْعَلُ هٰذَا اللِّقَاءَ يَتَجَاوَزُ وَلِيمَةً عَائِلِيَّةً عَادِيَّةً، لِيُصْبِحَ لِقَاءً إِفْخَارِسْتِيًّا، حَيْثُ يَتَجَلَّى المَسِيحُ وَيُعْرَفُ. وَيُؤَكِّدُ المجمع الفاتيكاني الثاني أَنَّ الكَنِيسَةَ "لا تَنْفَكُّ، وَلا سِيَّمَا فِي اللِّيتُورْجِيَا المُقَدَّسَةِ، تَأْخُذُ خُبْزَ الحَيَاةِ عَلَى مَائِدَتَي الكَلِمَةِ وَجَسَدِ المَسِيحِ، وَتُقَدِّمُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ" (Dei Verbum, 21)، فَتَجْمَعُ بَيْنَ تَفْسِيرِ الكُتُبِ وَكَسْرِ الخُبْزِ فِي وَحْدَةٍ لِيتُورْجِيَّةٍ وَاحِدَةٍ. وَهٰكَذَا، فِي لَحْظَةِ "كَسْرِ الخُبْزِ"، يُرْفَعُ الحِجَابُ عَنْ أَعْيُنِ التِّلْمِيذَيْنِ، وَيَعْرِفَانِ الرَّبَّ. فَالإِفْخَارِسْتِيَّا لَيْسَتْ ذِكْرَى فَقَطْ، بَلْ حُضُورٌ حَيٌّ يُنِيرُ العَيْنَ وَيُحَوِّلُ القَلْبَ. وَمِنْ هُنَا، كُلَّمَا نَكْسِرُ الخُبْزَ فِي القُدَّاسِ الإِلَهِيِّ، نَدْخُلُ فِي هٰذِهِ الخِبْرَةِ نَفْسِهَا، وَنُصْبِحُ شُهُودًا لِقِيَامَةِ الرَّبِّ، وَمُبَشِّرِينَ بِحُضُورِهِ الحَيِّ فِي وَسَطِ كَنِيسَتِهِ.
31" فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ، فَغَابَ عَنْهُمَا".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا"διηνοίχθησαν οἱ ὀφθαλμοί (الفِعْلُ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ يدل على ان اللهُ هُوَ الَّذِي يَفْتَحُ) إِلَى لَحْظَةِ الاِنْكِشَافِ الرُّوحِيِّ الَّتِي تَحَقَّقَتْ فِي سِرِّ "كَسْرِ الخُبْزِ". فَالإِدْرَاكُ هُنَا لَيْسَ بَصَرِيًّا فَقَطْ، بَلْ إِيمَانِيٌّ، حَيْثُ أُعْطِيَ التِّلْمِيذَانِ نَظْرَةً جَدِيدَةً تُمَكِّنُهُمَا مِنْ رُؤْيَةِ المَسِيحِ الحَيِّ فِي حَيَاتِهِمَا وَفِي تَارِيخِهِمَا. إِنَّهُ اِنْفِتَاحُ العَيْنِ الَّذِي يَتَوَازَى مَعَ اِنْفِتَاحِ الكِتَابِ وَالقَلْبِ. وَيُعَلِّقُ ثيؤفلاكتيوس البلغاري قَائِلًا: "تُفْتَحُ أَعْيُنُ الَّذِينَ يَتَقَبَّلُونَ الخُبْزَ المُقَدَّسَ، لِيَعْرِفُوا المَسِيحَ، لأَنَّ جَسَدَ الرَّبِّ يَحْمِلُ فِيهِ قُوَّةً عَظِيمَةً غَيْرَ مَنْطُوقٍ بِهَا". فَالمَعْرِفَةُ هُنَا هِيَ ثَمَرَةُ الشَّرِكَةِ الإِفْخَارِسْتِيَّةِ ونِعْمَةٌ إِفْخَارِسْتِيَّةٌ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَعَرَفَاهُ" فَتَدُلُّ عَلَى مَعْرِفَةٍ شَخْصِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، لا تَقِفُ عِنْدَ التَّعَرُّفِ الخَارِجِيِّ، بَلْ تَدْخُلُ فِي عَلاَقَةٍ حَيَّةٍ مَعَ المَسِيحِ. فَهُمَا لَمْ يَعُودَا يَرَيَانِ فِيهِ مُجَرَّدَ "يَسوعَ النَّاصِرِيِّ"، بَلِ الرَّبَّ القَائِمَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، الحَاضِرَ فِي كَلِمَتِهِ وَفِي كَسْرِ الخُبْزِ. إِذًا، إِنَّ يسوع المسيح القَائِمَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، يُرِيدُ أَنْ يُعَلِّمَ خَاصَّتَهُ كَيْفِيَّةَ التَّعَرُّفِ عَلَيْهِ، حَيْثُ اخْتَارَ أَنْ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ: فِي الكَلِمَةِ وَفِي سِرِّ الإِفْخَارِسْتِيَّا.
وَأَمَّا عِبَارَةُ "فَغَابَ عَنْهُمَا" فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيّ ἄφαντος ἐγένετο، أَيْ "صَارَ خَفِيًّا/ غَيْرَ مَرْئِيٍّ "، وَلا تَعْنِي غِيَابًا حَقِيقِيًّا، بَلْ اِنْتِقَالًا فِي طَرِيقَةِ الحُضُورِ. يَخْتَفِي جَسَدِيًّا، لَكِنَّهُ يَصِيرُ حَاضِرًا سِرِّيًّا. فَالمَسِيحُ لَمْ يَعُدْ يُدْرَكُ بِالحَوَاسِّ الجَسَدِيَّةِ، بَلْ يُعْرَفُ بِالإِيمَانِ. وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى طَبِيعَةِ الجَسَدِ المُمَجَّدِ، الَّذِي لا يَخْضَعُ لِقَوَانِينِ العَالَمِ المَادِّيِّ، بَلْ يَنْتَمِي إِلَى بُعْدٍ جَدِيدٍ مِنَ الوُجُودِ. وَيُشِيرُ القديس أوغسطينوس إِلَى أَنَّهُ "عِنْدَمَا عَرَفَاهُ، غَابَ عَنْهُمَا، لِكَيْ لا يَتَعَلَّقَا بِرُؤْيَتِهِ الحِسِّيَّةِ، بَلْ يَثْبُتَا فِي الإِيمَانِ"، فَالمَسِيحُ يُرِيدُ أَنْ يُرَبِّي تَلاَمِيذَهُ عَلَى الإِيمَانِ لا عَلَى المُعَايَنَةِ (PL 38). وَهٰكَذَا، تَكْتَمِلُ مَسِيرَةُ التِّلْمِيذَيْنِ: مِنَ الجَهْلِ إِلَى الفَهْمِ، وَمِنَ الحَيْرَةِ إِلَى الإِيمَانِ، وَمِنَ الطَّرِيقِ إِلَى المَائِدَةِ. فَالمَسِيحُ الَّذِي اِنْكَشَفَ لَهُمَا فِي كَسْرِ الخُبْزِ، يَبْقَى حَاضِرًا فِي كَنِيسَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ مَرْئِيًّا بِالعَيْنِ، فَإِنَّهُ يُعَاشُ وَيُعْرَفُ فِي سِرِّ الإِيمَانِ.
32 فَقالَ أَحَدُهُما لِلآخَرِ: أَمَا كانَ قَلْبُنا مُتَّقِدًا فِي صَدْرِنا، حِينَ كانَ يُحَدِّثُنا فِي الطَّرِيقِ وَيَشْرَحُ لَنا الكُتُبَ؟"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَمَا كانَ قَلْبُنا مُتَّقِدًا فِي صَدْرِنا" إِلَى الأَثَرِ الدَّاخِلِيِّ لِكَلِمَةِ المَسِيحِ فِي التِّلْمِيذَيْنِ، حَيْثُ تَحَوَّلَ الحُزْنُ إِلَى فَرَحٍ، وَاليَأْسُ إِلَى رَجَاءٍ. فَالقَلْبُ "المُتَّقِدُ" هُوَ القَلْبُ الَّذِي لَمَسَتْهُ نِعْمَةُ اللهِ، وَانْفَتَحَ عَلَى سِرِّ الحَقِيقَةِ. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: "كَانَتِ الكَلِمَةُ تُشْعِلُهُمَا مِنَ الدَّاخِلِ، لِكَيْ يَفْهَمَا مَا كَانَا يَسْمَعَانِهِ" (PL 38).
أَمَّا عِبَارَةُ " مُتَّقِدًا " (καιομένη يَعْنِي الاِشْتِعَالَ) فَتُشِيرُ إِلَى عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ، الَّذِي يُحَوِّلُ كَلِمَةَ اللهِ إِلَى نَارٍ حَيَّةٍ فِي القَلْبِ. فَالكَلِمَةُ الإِلَهِيَّةُ لَيْسَتْ مَعْلُومَةً جَامِدَةً، بَلْ قُوَّةٌ تُحْيِي وَتُغَيِّرُ. وَكَمَا يَقُولُ القديس كيرلس الإسكندري: "عِنْدَمَا يَتَكَلَّمُ المَسِيحُ، يُشْعِلُ القُلُوبَ بِنُورِ الحَقِّ" (PG 72). كَلِمَةُ اللهِ تُشْعِلُ القَلْبَ، وَالإِفْخَارِسْتِيَّا تَفْتَحُ العَيْنَيْنِ. وَيُعِيدُ يسوع المسيح القَائِمُ لِقَاءَ تِلْمِيذَيْ عِمَّاوُس إِلَى المَكَانِ الَّذِي هُوَ حَاضِرٌ فِيهِ بِالفِعْلِ، وَالَّذِي سَيَبْقَى فِيهِ حَاضِرًا إِلَى الأَبَدِ: فِي الكَلِمَةِ وَفِي كَسْرِ الخُبْزِ، حَيْثُ كُلُّ شَيْءٍ يَشْهَدُ لَهُ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ. وَلِهٰذَا تَتَّقِدُ قُلُوبُهُمَا، لأَنَّهُمَا لَا يَسْمَعَانِ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ، بَلْ يَخْتَبِرَانِ حُضُورَ الحَيِّ الَّذِي يُنِيرُ الذِّهْنَ وَيُشْعِلُ القَلْبَ. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: "كَانَ الرَّبُّ يُكَلِّمُهُمَا فِي الطَّرِيقِ، فَأَشْعَلَ قُلُوبَهُمَا، لِكَيْ يَتَعَرَّفَا عَلَيْهِ فِي كَسْرِ الخُبْزِ" (PL 38). كَمَا يُؤَكِّدُ القديس غريغوريوس الكبير أَنَّ "المَعْرِفَةَ الحَقِيقِيَّةَ لِلْمَسِيحِ لا تَتِمُّ بِالعَيْنِ الجَسَدِيَّةِ، بَلْ بِالقَلْبِ المُتَّقِدِ بِنَارِ الكَلِمَةِ وَالسِّرِّ" (Hom. in Evang., 23). إِذًا، فَاتِّقَادُ القَلْبِ هُوَ عَلاَمَةُ الحُضُورِ الإِلَهِيِّ: حِينَ يَتَكَلَّمُ المَسِيحُ فِي الكَلِمَةِ، وَيَتَجَلَّى فِي الإِفْخَارِسْتِيَّا، يَتَحَوَّلُ القَلْبُ مِنَ البُرُودِ إِلَى الحَرَارَةِ، وَمِنَ الحُزْنِ إِلَى الفَرَحِ، وَمِنَ الشَّكِّ إِلَى الإِيمَانِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "فِي الطَّرِيقِ" فَتَحْمِلُ بُعْدًا لاهُوتِيًّا عَمِيقًا، إِذْ تُمَثِّلُ مَسِيرَةَ الإِيمَانِ. فَعَلَى الطَّرِيقِ ظَهَرَ يَسوعُ، وَعَلَى الطَّرِيقِ سَارَ مَعَهُمَا، وَعَلَى الطَّرِيقِ كَشَفَ لَهُمَا مَعْنَى القِيَامَةِ. إِنَّهُ الإِلَهُ الَّذِي يَلْتَقِي الإِنْسَانَ فِي مَسِيرَتِهِ، حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَهُ الإِنْسَانُ. وَكَمَا يُشِيرُ البابا فرنسيس: "إِنَّهَا قِصَّةٌ تَبْدَأُ وَتَنْتَهِي عَلَى الطَّرِيقِ"، أَيْ فِي مَسِيرَةِ الحَيَاةِ نَفْسِهَا.
وَأَمَّا عِبَارَةُ "يَشْرَحُ لَنا الكُتُبَ" فَتُبْرِزُ دَوْرَ التَّفْسِيرِ الإِلَهِيِّ فِي إِيقَاظِ الإِيمَانِ. فَلَمْ يَكُنِ الاِتِّقَادُ نَاتِجًا عَنْ تَجْرِبَةٍ عَاطِفِيَّةٍ فَقَطْ، بَلْ عَنْ فَهْمٍ جَدِيدٍ لِلكِتَابِ المُقَدَّسِ، حَيْثُ انْكَشَفَ أَنَّ جَمِيعَ رُمُوزِهِ وَنُبُوءَاتِهِ تَتَحَقَّقُ فِي شَخْصِ المَسِيحِ وَفِي آلاَمِهِ وَقِيَامَتِهِ. وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ هٰذَا الاِعْتِرَافُ أَنَّ الإِيمَانَ يَنْبَعُ مِنْ لِقَاءِ الكَلِمَةِ بِالقَلْبِ: فَحَيْثُ يُشْرَحُ الكِتَابُ بِنُورِ المَسِيحِ، يَلْتَهِبُ القَلْبُ، وَيَتَحَوَّلُ الإِنْسَانُ مِنْ مُسْتَمِعٍ مُتَرَدِّدٍ إِلَى شَاهِدٍ حَيٍّ. وَمِنْ هُنَا تَنْبُعُ صَرْخَةُ الإِيمَانِ:"يَا يَسوعُ، أَنْتَ حَقِيقَةٌ حَيَّةٌ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ، فَأَشْعِلْ قُلُوبَنَا بِنُورِ كَلِمَتِكَ، لِنَعْرِفَكَ وَنَشْهَدَ لَكَ فِي كُلِّ طَرِيقٍ".
33" فَقَامَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ نَفْسِهَا، وَرَجَعَا إِلَى أُورَشَلِيمَ، فَوَجَدَا الأَحَدَ عَشَرَ وَالَّذِينَ مَعَهُمْ مُجْتَمِعِينَ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَقَامَا" (ἀναστάντες نَفْسُ جِذْرِ "القِيَامَة (ἀνάστασις إِلَى قُوَّةِ القِيَامَةِ الَّتِي فَعَلَتْ فِيهِمَا، فَلَمْ يَعُودَا تِلْمِيذَيْنِ مُنْكَسِرَيْنِ، بَلْ شَاهِدَيْنِ مُنْطَلِقَيْنِ. إِنَّهُ قِيَامٌ رُوحِيٌّ يُوَازِي قِيَامَ المَسِيحِ نَفْسِهِ، حَيْثُ يَنْتَقِلُ الإِنْسَانُ مِنَ الحُزْنِ إِلَى الفَرَحِ، وَمِنَ اليَأْسِ إِلَى الرَّجَاءِ. مَنْ يَلْتَقِي بِالمَسِيحِ القَائِمِ، يَدْخُلُ فِي حَرَكَةِ القِيَامَةِ نَفْسِهَا.
أَمَّا عِبَارَةُ "فِي تِلْكَ السَّاعَةِ نَفْسِهَا" فَتُبْرِزُ عَجَلَتَهُمَا وَحَمَاسَهُمَا، فَلَمْ يَنْتَظِرَا، بَلْ بَادَرَا حَالًا إِلَى مُشَارَكَةِ خِبْرَتِهِمَا مَعَ الجَمَاعَةِ. لَمْ يَأْبَهَا بِتَعَبِ الطَّرِيقِ وَلا بِخَطَرِ السَّفَرِ لَيْلًا، لأَنَّ الفَرَحَ الَّذِي مَلَأَ قَلْبَيْهِمَا دَفَعَهُمَا إِلَى الشَّهَادَةِ.
وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "رَجَعَا إِلَى أُورَشَلِيمَ" إِلَى تَحَوُّلٍ جِذْرِيٍّ فِي الاِتِّجَاهِ: فَبَعْدَ أَنْ كَانَا يَهْرُبَانِ مِنْ أُورَشَلِيمَ، عَادَا إِلَيْهَا. وَهٰذَا الرُّجُوعُ لَيْسَ جُغْرَافِيًّا فَقَطْ، بَلْ كَنَسِيٌّ وَإِيمَانِيٌّ، أَيْ عَوْدَةٌ إِلَى جَمَاعَةِ الرُّسُلِ وَإِلَى مَرْكَزِ الخَلاَصِ. وَهٰكَذَا يُحَقِّقُ اللهُ فِيهِمَا مَا قَالَهُ النَّبِيُّ هوشع النبي: "أَشْفِي ارْتِدَادَهُمْ" (هوشع 14: 5). إِنَّ مَسِيرَتَهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ مَعَ يَسوعَ قَدْ حَوَّلَتْ كِيَانَهُمَا: فَالاِكْتِئَابُ صَارَ رَجَاءً، وَالحُزْنُ صَارَ فَرَحًا، وَالهُرُوبُ صَارَ رُجُوعًا، وَالصَّمْتُ صَارَ بَشَارَةً. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: "إِذْ عَرَفَاهُ، لَمْ يَسْتَطِيعَا أَنْ يَحْتَفِظَا بِالفَرَحِ لأَنْفُسِهِمَا، بَلْ أَسْرَعَا لِيُبَشِّرَا بِهِ" (PL 38).
أَمَّا عِبَارَةُ "الأَحَدَ عَشَرَ" فَتُشِيرُ إِلَى جَمَاعَةِ الرُّسُلِ بَعْدَ خُرُوجِ يهوذا الإسخريوطي، وَإِنْ بَقِيَ الاِسْمُ التَّقْلِيدِيُّ "الاِثْنَا عَشَرَ" مُسْتَعْمَلًا (1 قورنتس 15: 5).
أَمَّا "الَّذِينَ مَعَهُمْ" فَتُشِيرُ إِلَى الجَمَاعَةِ الأُوسَعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
وَكَانُوا "مُجْتَمِعِينَ"، كَمَا يُضِيفُ يوحنا الإنجيلي: "وَالأَبْوَابُ مُغْلَقَةٌ خَوْفًا مِنَ اليَهُودِ" (يوحنا 20: 19)، وَهٰذَا يُظْهِرُ أَنَّ الجَمَاعَةَ كَانَتْ لا تَزَالُ فِي حَالَةِ خَوْفٍ، لٰكِنَّهَا تَنْتَظِرُ اللِّقَاءَ بِالرَّبِّ. وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ هٰذَا المَشْهَدُ أَنَّ اللِّقَاءَ بِالمَسِيحِ القَائِمِ لا يَبْقَى خِبْرَةً فَرْدِيَّةً، بَلْ يَقُودُ إِلَى الشَّرِكَةِ وَالشَّهَادَةِ. فَالإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ يُعِيدُ الإِنْسَانَ إِلَى الجَمَاعَةِ، وَيَجْعَلُهُ مُبَشِّرًا بِحُضُورِ المَسِيحِ الحَيِّ فِي كَنِيسَتِهِ.
34 "وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الرَّبَّ قَامَ حَقًّا، وَتَرَاءَى لِسِمْعَانَ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَكَانُوا يَقُولُونَ" إِلَى أَنَّ الجَمَاعَةَ الرَّسُولِيَّةَ سَبَقَتْ تِلْمِيذَي عِمَّاوُسَ فِي إِعْلاَنِ خَبَرِ القِيَامَةِ. فَعِنْدَ وُصُولِهِمَا، لَمْ يَجِدَا جَمَاعَةً مُتَرَدِّدَةً، بَلْ جَمَاعَةً بَدَأَتْ تُبَشِّرُ، وَإِنْ كَانَ إِيمَانُهَا لا يَزَالُ فِي طَوْرِ التَّبَلْوُرِ. إِنَّهُ لِقَاءٌ بَيْنَ شَهَادَتَيْنِ: شَهَادَةِ الجَمَاعَةِ وَشَهَادَةِ الخِبْرَةِ الشَّخْصِيَّةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "إِنَّ الرَّبَّ قَامَ حَقًّا" فَتَحْمِلُ الكَلِمَةُ المِفْصَلِيَّةُ "حَقًّا" (ὄντως) دِلاَلَةً لاهُوتِيَّةً حَاسِمَةً: فَالقِيَامَةُ لَمْ تَعُدْ مَوْضُوعَ شَكٍّ أَوْ جِدَالٍ، بَلْ حَقِيقَةٌ مُعْلَنَةٌ وَمُثْبَتَةٌ بِشَهَادَةِ الرُّسُلِ. إِنَّهُ الإِعْلاَنُ الكِرَازِيُّ الأَوَّلُ الَّذِي سَيُصْبِحُ أُسَاسَ بَشَارَةِ الكَنِيسَةِ.
وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "وَتَرَاءَى لِسِمْعَانَ" إِلَى ظُهُورٍ خَاصٍّ لِلرَّبِّ القَائِمِ لِـسمعان بطرس، وَهُوَ ظُهُورٌ لَا تُفَصِّلُهُ الأَنَاجِيلُ، لٰكِنَّهُ مُثْبَتٌ فِي التَّقْلِيدِ الرَّسُولِيِّ، كَمَا يَذْكُرُ بولس الرسول: "تَرَاءَى لِصَخْرٍ، ثُمَّ لِلاِثْنَيْ عَشَرَ" (1 قورنتس 15: 5). وَيُرَجَّحُ أَنَّ هٰذَا الظُّهُورَ سَبَقَ ظُهُورَهُ لِتِلْمِيذَي عِمَّاوُسَ، وَيَحْمِلُ بُعْدًا رَعَوِيًّا عَمِيقًا، إِذْ يَخُصُّ بُطْرُسَ الَّذِي أَنْكَرَ الرَّبَّ، فَيُعِيدُهُ إِلَى الشَّرِكَةِ وَالرِّسَالَةِ. وَيُعَلِّقُ القديس يوحنا الذهبي الفم أَنَّ "ظُهُورَ المَسِيحِ لِبُطْرُسَ أَوَّلًا يُظْهِرُ عِنَايَتَهُ بِمَنْ سَقَطَ، لِيُقِيمَهُ وَيُثَبِّتَهُ"، فَالنِّعْمَةُ تَسْبِقُ وَتُرَمِّمُ (PG 59).
أَمَّا اسْمُ "سِمْعَانَ" (Σίμων)، فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ العِبْرِيَّةِ שִׁמְעוֹן، وَمَعْنَاهُ "المُسْتَمِعُ". وَقَدْ دَعَاهُ يَسوعُ بطرس الرسول بِاسْمٍ جَدِيدٍ "كِيفَا" (כֵּיפָא، أَيْ صَخْرَة)، وَبِاليُونَانِيَّةِ Πέτρος، لِيَدُلَّ عَلَى دَعْوَتِهِ كَأَسَاسٍ لِلْكَنِيسَةِ (يوحنا 1: 42؛ متى 16: 18). وَهٰكَذَا، تَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ عَنْ تَلاَقِي الشَّهَادَةِ الجَمَاعِيَّةِ وَالشَّهَادَةِ الشَّخْصِيَّةِ: فَالإِيمَانُ بِالقِيَامَةِ لَيْسَ خِبْرَةً فَرْدِيَّةً مَعْزُولَةً، بَلْ حَقِيقَةٌ تُعَاشُ وَتُعْلَنُ فِي وَسَطِ الجَمَاعَةِ، الَّتِي تَشْهَدُ مَعًا: "إِنَّ الرَّبَّ قَامَ حَقًّا".
35"فَرَوَيَا مَا حَدَثَ فِي الطَّرِيقِ، وَكَيْفَ عَرَفَاهُ عِنْدَ كَسْرِ الخُبْزِ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَرَوَيَا مَا حَدَثَ فِي الطَّرِيقِ" إِلَى بُعْدٍ كِرَازِيٍّ أَسَاسِيٍّ: فَخِبْرَةُ اللِّقَاءِ بِالمَسِيحِ لا تُحْتَفَظُ بِهَا لِلذَّاتِ، بَلْ تَتَحَوَّلُ إِلَى شَهَادَةٍ مُعْلَنَةٍ. فَالتِّلْمِيذَانِ، الَّلذَانِ كَانَا قَبْلَ قَلِيلٍ فِي حَالَةِ هُرُوبٍ وَصَمْتٍ، يُصْبِحَانِ الآنَ مُبَشِّرَيْنِ، يَشْهَدَانِ لِمَا اخْتَبَرَاهُ. وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ بولس الرسول بِقَوْلِهِ: "وَيْلٌ لِي إِنْ لَمْ أُبَشِّرْ!" (1 قورنتس 9: 16)، فَالمَحَبَّةُ الحَقِيقِيَّةُ تَدْفَعُ إِلَى المُشَارَكَةِ وَالإِعْلاَنِ.
وَتَحْمِلُ عِبَارَةُ "فِي الطَّرِيقِ" بُعْدًا رُوحِيًّا مُتَجَدِّدًا: فَالحَيَاةُ كُلُّهَا مَسِيرَةٌ، وَالإِيمَانُ هُوَ طَرِيقٌ نَسِيرُ فِيهِ مَعَ اللهِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يُشِيرُ البابا فرنسيس إِلَى أَنَّ "الإِنْسَانَ يَصِيرُ بِحَسَبِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسِيرُ فِيهِ"، دَاعِيًا إِلَى اخْتِيَارِ طَرِيقِ اللهِ لا طَرِيقِ الأَنَا (عظة 26/4/2020).
أَمَّا عِبَارَةُ "وَكَيْفَ عَرَفَاهُ" فَتُبَيِّنُ أَنَّ غَايَةَ المَسِيرَةِ وَالتَّفْسِيرِ هِيَ المَعْرِفَةُ الشَّخْصِيَّةُ لِلمَسِيحِ. لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ مُجَرَّدَ فَهْمٍ ذِهْنِيٍّ لِلنُّصُوصِ، بَلْ دُخُولًا فِي عَلاَقَةٍ حَيَّةٍ مَعَ الرَّبِّ القَائِمِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ "عِنْدَ كَسْرِ الخُبْزِ" (ἐν τῇ κλάσει τοῦ ἄρτου) فَتُشِيرُ إِلَى اللَّحْظَةِ الإِفْخَارِسْتِيَّةِ الَّتِي فِيهَا انْكَشَفَ يَسوعُ لَهُمَا. فَـ"كَسْرُ الخُبْزِ" لَيْسَ فِعْلًا عَادِيًّا، بَلْ تَعْبِيرٌ لِيتُورْجِيٌّ عَنِ الشَّرِكَةِ وَالوِحْدَةِ وَالحُضُورِ الحَقِيقِيِّ لِلمَسِيحِ. وَفِي هٰذَا السِّرِّ، يَتَحَوَّلُ الخُبْزُ إِلَى مَكَانِ لِقَاءِ الرَّبِّ وَمَعْرِفَتِهِ. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: "لَمْ يَعْرِفَاهُ فِي الطَّرِيقِ، بَلْ فِي كَسْرِ الخُبْزِ، لِيُعْلِنَ أَنَّ الَّذِينَ يَشْتَرِكُونَ فِي جَسَدِهِ هُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهُ حَقًّا" (PL 38). وَهٰكَذَا، تَخْتَتِمُ رِوَايَةُ عِمَّاوُسَ بِحَرَكَتَيْنِ مُتَكَامِلَتَيْنِ: التَّفْسِيرُ فِي الطَّرِيقِ، وَكَسْرُ الخُبْزِ فِي المَائِدَةِ. فَبَيْنَ الكَلِمَةِ وَالسِّرِّ، يَنْفَتِحُ الإِنْسَانُ عَلَى مَعْرِفَةِ المَسِيحِ، وَيَتَحَوَّلُ مِنْ مُسْتَمِعٍ إِلَى شَاهِدٍ، وَمِنْ تِلْمِيذٍ مُتَرَدِّدٍ إِلَى مُبَشِّرٍ بِقُوَّةِ القِيَامَةِ.
ثانيًا: تَطْبيقاتُ النَّصِّ الإِنْجيليّ (لوقا 24: 13–35)
بَعْدَ دِراسةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقائِعِ النَّصِّ الإِنْجيليّ (لوقا 24: 13–35)، يُمْكِنُ اسْتِنْتاجُ ثَلاثَةِ عَناصِرَ رَئيسيَّةٍ لِظُهورِ المَسيحِ القائِم: ظُهورُهُ على الطَّريق، والإيمانُ بهِ مِن خِلالِ الكِتابِ المُقَدَّس، ومَعْرِفَتُهُ في كَسْرِ الخُبْزِ (الإفخارستيّا).
1) ظُهورُ المَسيحِ القائِمِ على طَريقِ عِمَّاوُس
يَرْوي لوقا الإِنْجيليّ ظُهورَ المَسيحِ القائِمِ على طَريقِ عِمَّاوُس قائِلًا: "بَينَما هُما يَتَحَدَّثانِ ويَتَجادَلان، إِذا يَسوعُ نَفْسُهُ قَدْ دَنا مِنهُما وأَخَذَ يَسيرُ مَعَهُما" (لوقا 24: 15). إِنَّ هذا الظُّهورَ يُظْهِرُ مُبادَرَةَ اللهِ الَّذي يَقتَرِبُ مِنَ الإِنسانِ في مَسيرَتِهِ، حتّى وَإِنْ كانَ هذا الإِنسانُ غارِقًا في الحُزْنِ وَاليَأْس.
يُعَدُّ الظُّهورُ في اللاهوتِ الكِتابيّ وَسيلَةً مِن وَسائِلِ الوَحْي، يَجْعَلُ بِها اللهُ ما هُوَ غَيْرُ مَرْئيٍّ حاضِرًا بِشَكْلٍ مَرْئيّ. وَأَقْدَمُ قائِمَةٍ لِظُهوراتِ المَسيحِ القائِمِ نَجِدُها عِندَ بولس الرسول في رِسالَتِهِ إِلى أَهْلِ قورنثس (نَحوَ سَنَة 55م)، حَيثُ يَقول: "إِنَّهُ تَراءَى لِصَخْر، ثُمَّ لِلاِثْنَيْ عَشَر، ثُمَّ تَراءَى لأَكثَرَ مِن خَمْسِمِائَةِ أَخٍ مَعًا… ثُمَّ تَراءَى لِيَعقوب، ثُمَّ لِجَميعِ الرُّسُل، وَآخِرَ الأَمْرِ تَراءَى لي أَنَا أَيضًا" (1 قورنتس 15: 5–8). وَتَنْدَرِجُ ظُهوراتُ عِمَّاوُس ضِمْنَ الظُّهوراتِ الخاصَّةِ الَّتي تَهْدِفُ إِلى إِضاءةِ طَريقِ الإِيمانِ في قَلْبِ الإِنسان.
إِنَّ ما يُمَيِّزُ هٰذا الظُّهورَ أَنَّهُ لا يَحْصُلُ في مَكانٍ مُقَدَّسٍ أَو في ليتورجيا ظاهِرَة، بَلْ في "الطَّريق"، أَي في وَسَطِ الحَياةِ اليَوميَّة. فالمسيحُ القائِمُ لا يَنْتَظِرُ الإِنسانَ في النِّهايَة، بَلْ يُلاقِيهِ في مَسيرَتِهِ، في حَيْرَتِهِ، وَحَتّى في ضِياعِهِ.
وَيُلاحَظُ أَنَّ لوقا يُرَكِّزُ على مَوضوعِ "الطَّريق"، حَيثُ تَتَكَرَّرُ هٰذِهِ الكَلِمَةُ (لوقا 24: 32، 35)، لِتُصْبِحَ مِفتاحًا لاهوتيًّا لِفَهْمِ النَّصّ. فَطَريقُ الذَّهابِ مِن أُورَشَليمَ إِلى عِمَّاوُس كانَ طَريقَ هُروبٍ مَمْلُوءًا حُزْنًا وَيَأْسًا؛ أَمَّا طَريقُ العَودَةِ فَأَصْبَحَ طَريقَ رُجوعٍ وَرَجاءٍ وَشَهادَة.
في المَسيرَةِ الأُولى، كانَ يَسوعُ يَسيرُ مَعَهُما وَلٰكِنَّهُما لَمْ يَعْرِفاه؛ أَمَّا في الثَّانِيَة، فَلَمْ يَعودا يَرَيانهُ، وَلٰكِنَّهُما أَصْبَحا يَعِيشانِ حُضورَهُ في داخِلِهِما. في الأُولى كانا مُنْغَلِقَيْنِ على خَيْبَتِهِما؛ أَمَّا في الثَّانِيَة فَانْفَتَحا على الرَّجاءِ وَانْطَلَقا لِلشَّهادَة.
يُعَبِّرُ هٰذا التَّحَوُّلُ عَنِ انْتِقالٍ داخِليٍّ عَميق: مِنَ التَّمَحْوُرِ حَوْلَ «الأَنا» وَالأَلَمِ الشَّخْصيّ، إِلى الانْفِتاحِ على اللهِ وَتَدْبيرِهِ الخَلاصيّ. وَفي هٰذا السِّياق، يُشِيرُ البابا فرنسيس إِلى أَنَّ الإِنسانَ يَقِفُ دَوْمًا أَمامَ طَريقَيْن: طَريقٍ يَدَعُ فيهِ خَيْباتِ الحَياةِ تُقَيِّدُهُ وَتُغْرِقُهُ في الحُزْن، وَطَريقٍ آخَرَ يَضَعُ فيهِ يَسوعَ في المَركَز، فَيَسيرُ مَعَهُ نَحْوَ الرَّجاءِ.
إِنَّ طَريقَ عِمَّاوُس لَيْسَ حادِثَةً ماضِيَةً فَحَسْب، بَلْ هُوَ أَيْقونَةٌ لِمَسيرَةِ كُلِّ مُؤْمِن: فَالمسيحُ القائِمُ يَسيرُ مَعَنا، يَشْرَحُ لَنا الكِتاب، وَيُحَوِّلُ طُرُقَنا مِن طُرُقِ هُروبٍ إِلى طُرُقِ رِسالَة، وَمِنَ الحُزْنِ إِلى الفَرَح، وَمِنَ اليَأْسِ إِلى الرَّجاءِ.
2) ظُهُورُ المَسِيحِ القَائِمِ وَالإِيمَانُ بِهِ عَنْ طَرِيقِ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ (لوقا 24: 25–27)
آمَنَ تِلْمِيذَا عِمَّاوُسَ بِيَسوعَ القَائِمِ عَنْ طَرِيقِ تَفْسِيرِهِ لَهُمَا الكُتُبَ المُقَدَّسَةَ، كَمَا شَهِدَا قَائِلَيْنِ: "أَمَا كانَ قَلْبُنا مُتَّقِدًا في صَدْرِنا، حِينَ كانَ يُحَدِّثُنا في الطَّريقِ وَيَشْرَحُ لَنا الكُتُبَ؟" (لوقا 24: 32). وَتُظْهِرُ دِرَاسَةُ المُفْرَدَاتِ الكِتَابِيَّةِ أَنَّ الإِيمَانَ يَقُومُ عَلَى قُطْبَيْنِ مُتَكَامِلَيْنِ:
الأَوَّلُ، מַאֲמִין (فِي العِبْرِيَّةِ) وَπίστις (فِي اليُونَانِيَّةِ)، أَيْ الثِّقَةُ الَّتِي تَتَّجِهُ نَحْوَ شَخْصٍ وَتُلْزِمُ الإِنْسَانَ بِكُلِّيَّتِهِ؛ وَالثَّانِي، בִטָּח، أَيْ سَعْيُ العَقْلِ الَّذِي، بِفَضْلِ الكَلِمَةِ وَالعَلاَمَاتِ، يَبْلُغُ حَقَائِقَ لا تُعَايَنُ بِالعَيْنِ (عبرانيين 11: 1).
اِعْتَمَدَ يَسوعُ أُسْلُوبًا تَرْبَوِيًّا عَمِيقًا فِي مُرَافَقَتِهِ لِلتِّلْمِيذَيْنِ: دَنَا مِنْهُمَا، وَسَأَلَهُمَا، وَأَصْغَى إِلَيْهِمَا، ثُمَّ فَسَّرَ لَهُمَا الكُتُبَ. تَظَاهَرَ بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ الأَحْدَاثِ لِيُفْسِحَ لَهُمَا المَجَالَ لِلتَّعْبِيرِ، ثُمَّ أَعَادَ قِرَاءَةَ حَدَثِ الصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ فِي ضَوْءِ تَدْبِيرِ اللهِ الخَلاَصِيِّ. فَبَدَأَ "مِنْ مُوسَى وَجَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ"، مُبَيِّنًا مَا يَخْتَصُّ بِهِ فِي جَمِيعِ الكُتُبِ (لوقا 24: 27).
وَهٰكَذَا أَظْهَرَ أَنَّ مَسِيرَةَ الخَلاَصِ تَمْتَدُّ مِنْ وَعْدِ "نَسْلِ المَرْأَةِ" فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ (3: 15)، إِلَى صُورَةِ العَبْدِ المُتَأَلِّمِ عِنْدَ أشعيا النبي (فصل 53)، وَإِلَى الإِنْسَانِ المَطْعُونِ فِي نُبُوءَةِ زَكَرِيَّا (12: 10)، وَإِلَى "مَلاَكِ العَهْدِ" فِي نُبُوءَةِ مَلاَخِي (3: 1). وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، أَكَّدَ لَهُمَا أَنَّ آلاَمَ المَسِيحِ لَيْسَتْ صُدْفَةً أَوْ إِكْرَاهًا، بَلْ تَحْقِيقٌ لِمَشِيئَةِ اللهِ الأَزَلِيَّةِ: "أَمَا كانَ يَجِبُ عَلَى المَسِيحِ أَنْ يُعَانِيَ تِلْكَ الآلامَ فَيَدْخُلَ فِي مَجْدِهِ؟" (لوقا 24: 26).
وَبِهٰذَا التَّفْسِيرِ، فَتَحَ يَسوعُ أَذْهَانَ التِّلْمِيذَيْنِ لِيُدْرِكَا أَنَّ الَّذِي صُلِبَ هُوَ عَيْنُهُ المَسِيحُ المَلِكُ المُنْتَظَرُ، القَائِمُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ. فَانْتَقَلا مِنَ الشَّكِّ إِلَى نُورِ الإِيمَانِ، وَمِنَ الرَّفْضِ إِلَى القَبُولِ، وَمِنْ خَيْبَةِ الأَمَلِ إِلَى الرَّجَاءِ، وَمِنَ اليَأْسِ إِلَى الفَرَحِ، وَمِنْ تِلْمِيذَيْنِ مُحْبَطَيْنِ إِلَى شَاهِدَيْنِ مُبَشِّرَيْنِ.
إِنَّ القِرَاءَةَ العَمِيقَةَ وَالمُتَجَدِّدَةَ لِلكِتَابِ المُقَدَّسِ تَبْقَى الوَسِيلَةَ الأَسَاسِيَّةَ لِلاِّلْتِقَاءِ بِالمَسِيحِ القَائِمِ. فَالعَهْدُ القَدِيمُ يُنِيرُ العَهْدَ الجَدِيدَ، وَيَقُودُ إِلَى الإِنْجِيلِ، حَيْثُ يَتَجَلَّى تَمَامُ الوَحْيِ. وَفِي هٰذَا الإِطَارِ، يُؤَكِّدُ سينودس الأساقفة: "عِنْدَمَا نَقْرَأُ الكِتَابَ المُقَدَّسَ فِي الكَنِيسَةِ، نَسْمَعُ صَوْتَ المَسِيحِ نَفْسِهِ يَتَكَلَّمُ". وَيُعَلِّقُ القديس إيرونيموس قَائِلًا: "عَدَمُ فَهْمِ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ هُوَ عَدَمُ فَهْمِ المَسِيحِ"، مُشِيرًا إِلَى أَنَّ الكِتَابَ هُوَ مَكَانُ اللِّقَاءِ الحَيِّ مَعَهُ. كَمَا يُبَيِّنُ البابا يوحنا بولس الثاني أَنَّ "سَمَاعَ كَلِمَةِ اللهِ هَيَّأَ تِلْمِيذَي عِمَّاوُسَ لِمَعْرِفَةِ المَسِيحِ عَلَى المَائِدَةِ عِنْدَ كَسْرِ الخُبْزِ". وَهٰكَذَا، يَتَّضِحُ أَنَّ اللِّقَاءَ الشَّخْصِيَّ بِالمَسِيحِ القَائِمِ، مِنْ خِلاَلِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ، هُوَ الَّذِي يُوَلِّدُ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ، وَيُشْعِلُ القَلْبَ، وَيُحَوِّلُ الحَيَاةَ إِلَى مَسِيرَةِ شَهَادَةٍ حَيَّةٍ فِي نُورِ القِيَامَةِ.
3) ظُهُورُ المَسِيحِ القَائِمِ وَمَعْرِفَتُهُ عَنْ طَرِيقِ الإِفْخَارِسْتِيَّا (لوقا 24: 28–32)
إِذَا كَانَتِ الوَسِيلَةُ الأُولَى لِلِّقَاءِ بِالمَسِيحِ وَالإِيمَانِ بِهِ هِيَ الكَلِمَةُ المُفَسَّرَةُ، فَإِنَّ الوَسِيلَةَ الثَّانِيَةَ لِمَعْرِفَتِهِ مَعْرِفَةً حَيَّةً وَوِجْدَانِيَّةً هِيَ الإِفْخَارِسْتِيَّا. فَقَدْ عَرَفَ تِلْمِيذَا عِمَّاوُسَ الرَّبَّ فِي "كَسْرِ الخُبْزِ" (لوقا 24: 28–32)، حَيْثُ يَقُولُ النَّصُّ: "لَمَّا جَلَسَ مَعَهُمَا لِلطَّعَامِ أَخَذَ الخُبْزَ وَبَارَكَ، ثُمَّ كَسَرَهُ وَنَاوَلَهُمَا".
إِنَّ الأَفْعَالَ الأَرْبَعَةَ: "أَخَذَ – بَارَكَ – كَسَرَ – نَاوَلَ" هِيَ عَيْنُهَا الأَفْعَالُ الإِفْخَارِسْتِيَّةُ الَّتِي أَسَّسَهَا يَسوعُ فِي العَشَاءِ الأَخِيرِ، وَبِهَا يُدْخِلُ التِّلْمِيذَيْنِ فِي سِرِّ حُضُورِهِ الحَيِّ. فَلَيْسَ "كَسْرُ الخُبْزِ" مُجَرَّدَ عَمَلٍ مَادِّيٍّ، بَلْ عَلاَمَةٌ سِرِّيَّةٌ لِلشَّرِكَةِ وَالحُضُورِ الإِلَهِيِّ.
وَفِي هٰذِهِ اللَّحْظَةِ، "انْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ" (لوقا 24: 31)، وَكَمَا شَهِدَا أَنْفُسُهُمَا: "كَيْفَ عَرَفَاهُ عِنْدَ كَسْرِ الخُبْزِ" (لوقا 24: 35). فَالإِفْخَارِسْتِيَّا هِيَ مَكَانُ الاِنْكِشَافِ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الإِيمَانُ مِنْ مَعْرِفَةٍ نَظَرِيَّةٍ إِلَى خِبْرَةِ لِقَاءٍ شَخْصِيٍّ.
إِنَّ مَعْرِفَةَ يَسوعَ المَسِيحِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَفْكَارٍ أَوْ مَفَاهِيمَ، بَلْ دُخُولٌ فِي عَلاَقَةٍ حَيَّةٍ مَعَهُ. وَفِي الإِفْخَارِسْتِيَّا، يَتَحَقَّقُ هٰذَا اللِّقَاءُ، حَيْثُ يَرْتَفِعُ حِجَابُ الجَهْلِ وَضَعْفِ الإِيمَانِ، وَيَنْكَشِفُ المَسِيحُ كَحَاضِرٍ فِي وَسَطِ شَعْبِهِ. وَيُؤَكِّدُ البابا بندكتس السادس عشر أَنَّهُ "إِذَا فَكَّرْنَا وَعِشْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَ المَسِيحِ، تَنْفَتِحُ أَعْيُنُنَا"، أَيْ أَنَّ الاِتِّحَادَ بِهِ فِي السِّرِّ يُنِيرُ البَصِيرَةَ الدَّاخِلِيَّةَ.
إِنَّ المَسِيحَ الرَّبَّ حَاضِرٌ حُضُورًا حَقِيقِيًّا فِي الإِفْخَارِسْتِيَّا، بِجَسَدِهِ وَدَمِهِ وَنَفْسِهِ وَلَاهُوتِهِ، وَلٰكِنَّهُ يُدْرَكُ بِعَيْنَيِ الإِيمَانِ. فَنَحْنُ نَرَى خُبْزًا وَخَمْرًا، أَمَّا الإِيمَانُ فَيُعْلِنُ أَنَّ هٰذَا هُوَ جَسَدُ الرَّبِّ وَدَمُهُ الأَقْدَسُ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يَقُولُ القديس كيرلس الأورشليمي: "إِنْ كَانَتِ الحَوَاسُّ تُنْكِرُ ذٰلِكَ، فَالإِيمَانُ يُثَبِّتُهُ"، مُؤَكِّدًا سُمُوَّ الإِيمَانِ عَلَى المُعَايَنَةِ الحِسِّيَّةِ.
وَهٰكَذَا، تَصِيرُ الإِفْخَارِسْتِيَّا طَرِيقًا نَحْوَ السَّمَاءِ، حَيْثُ نَسِيرُ مَعَ المَسِيحِ الحَيِّ، وَنَتَغَذَّى بِحُضُورِهِ، وَنَتَحَوَّلُ إِلَى شُهُودٍ لِقِيَامَتِهِ. فَلِنَشْكُرِ اللهَ عَلَى عَطِيَّةِ هٰذَا السِّرِّ، وَلْنَحْيَا فِي وَعْيِ حُضُورِهِ الدَّائِمِ، سَائِرِينَ مَعَهُ نَحْوَ مَجْدِ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.
· الإِفْخَارِسْتِيَّا شُكْرٌ
تَعْنِي كَلِمَةُ "الإِفْخَارِسْتِيَّا" (Εὐχαριστία) فِي أَصْلِهَا اليُونَانِيِّ "الشُّكْرَ" وَ"عِرْفَانَ الجَمِيلِ"، أَيْ الاِمْتِنَانَ لِعَطَايَا اللهِ. وَمِنْ هٰذَا المُنْطَلَقِ، فَإِنَّ القُدَّاسَ الإِلَهِيَّ هُوَ فِعْلُ شُكْرٍ سَامٍ يُقَدِّمُهُ المُؤْمِنُونَ لِلآبِ، مُتَّحِدِينَ بِذَبِيحَةِ المَسِيحِ.
وَفِي المَفْهُومِ المَسِيحِيِّ، لا تَقِفُ الإِفْخَارِسْتِيَّا عِنْدَ مَعْنَى الشُّكْرِ فَقَطْ، بَلْ تَدُلُّ عَلَى العَمَلِ الخَلاَصِيِّ الَّذِي أَسَّسَهُ يَسوعُ عَشِيَّةَ آلاَمِهِ، حِينَ قَدَّمَ ذَاتَهُ ذَبِيحَةً عَلَى الصَّلِيبِ، وَسَلَّمَ كَنِيسَتَهُ سِرَّ حُضُورِهِ، قَائِلًا: "أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَرَهُ وَنَاوَلَهُم إِيَّاهُ وَقَالَ: هٰذَا هُوَ جَسَدِي يُبْذَلُ مِنْ أَجْلِكُمْ. اِصْنَعُوا هٰذَا لِذِكْرِي… هٰذِهِ الكَأْسُ هِيَ العَهْدُ الجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُرَاقُ مِنْ أَجْلِكُمْ" (لوقا 22: 19–20). وَيُؤَكِّدُ البابا يوحنا بولس الثاني أَنَّ "ذَبِيحَةَ المَسِيحِ وَذَبِيحَةَ الإِفْخَارِسْتِيَّا هُمَا ذَبِيحَةٌ وَاحِدَةٌ"(الإفخارستيا في علاقتها بالكنيسة 2003). . فَالإِفْخَارِسْتِيَّا لَيْسَتْ تِذْكَارًا مَجَرَّدًا، بَلْ حُضُورٌ حَيٌّ وَفَعَّالٌ لِذَبِيحَةِ الصَّلِيبِ فِي الزَّمَنِ الحَاضِرِ.
وَعِنْدَمَا يُعَادُ "كَسْرُ الخُبْزِ" فِي القُدَّاسِ، مَعَ كَلِمَاتِ التَّأْسِيسِ وَأَفْعَالِ الرَّبِّ، يَصِيرُ الخُبْزُ وَالخَمْرُ مَوْضِعَ حُضُورِهِ السِّرِّيِّ، وَمَكَانَ اللِّقَاءِ بِهِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يُذَكِّرُنَا بولس الرسول بِأَنَّهُ "تَسَلَّمَ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمَهُ إِلَى الكَنِيسَةِ"، مُؤَكِّدًا أَنَّ الإِفْخَارِسْتِيَّا هِيَ وَدِيعَةُ الإِيمَانِ وَقَلْبُ التَّقْلِيدِ الرَّسُولِيِّ (1 قورنتس 11: 23–26).
إِنَّ الإِفْخَارِسْتِيَّا هِيَ:
سِرُّ الذَّبِيحَةِ، لأَنَّهَا تَجْعَلُ حَاضِرًا تَقْدِيمَ المَسِيحِ ذَاتَهُ؛
وَسِرُّ المَحَبَّةِ، لأَنَّهَا تُظْهِرُ بَذْلَهُ الكَامِلَ؛
وَسِرُّ الوَحْدَةِ، لأَنَّهَا تَجْمَعُ المُؤْمِنِينَ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ.
إِنَّهَا سِرُّ الإِيمَانِ العَظِيمِ، وَمِحْوَرُ العِبَادَةِ المَسِيحِيَّةِ، حَيْثُ يَتَجَسَّدُ حُضُورُ المَسِيحِ القَائِمِ، وَيَتَحَقَّقُ سِرُّ مَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ فِي حَيَاةِ الكَنِيسَةِ. لِذٰلِكَ، لِنُجَدِّدْ إِيمَانَنَا وَنُرَدِّدْ بِقَلْبٍ وَاحِدٍ: يَا يَسوعُ، نُؤْمِنُ بِذَبِيحَتِكَ مِنْ أَجْلِنَا وَمِنْ أَجْلِ جَمِيعِ النَّاسِ، وَنَشْكُرُكَ عَلَى عَطِيَّةِ حُضُورِكَ الدَّائِمِ فِي سِرِّ الإِفْخَارِسْتِيَّا.
· الإِفْخَارِسْتِيَّا "تِذْكَار"
تَنْطَوِي الإِفْخَارِسْتِيَّا عَلَى اسْتِحْضَارِ أَعْظَمِ عَجَائِبِ اللهِ، وَهِيَ تَضْحِيَةُ الاِبْنِ المُتَجَسِّدِ مِنْ أَجْلِ خَلاَصِ البَشَرِيَّةِ. فالإِفْخَارِسْتِيَّا لَيْسَتْ ذِكْرَى مَاضِيَةً فَحَسْب، بَلْ "تِذْكَار" حَيٌّ وَفَعَّالٌ، أَيْ حُضُورٌ مُتَجَدِّدٌ لِلْحَدَثِ الخَلاَصِيِّ فِي الزَّمَنِ الحَاضِرِ. فَالتِّذْكَارُ فِي المَفْهُومِ الكِتَابِيِّ (ἀνάμνησις) لَيْسَ اِسْتِعَادَةً ذِهْنِيَّةً، بَلْ دُخُولٌ فِي وَاقِعِ الحَدَثِ نَفْسِهِ، وَمُشَارَكَةٌ فِي فِعْلِهِ الخَلاَصِيِّ. وَمِنْ هُنَا يَصِحُّ القَوْلُ، كَمَا عَبَّرَ جبران خليل جبران، إِنَّ "التِّذْكَارَ هُوَ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ اللِّقَاءِ".
فِي الإِفْخَارِسْتِيَّا، يَبْقَى يَسوعُ حَاضِرًا فِي كَنِيسَتِهِ بَعْدَ غِيَابِهِ الجَسَدِيِّ، وَيَتَرَدَّدُ صَوْتُهُ فِي أَعْمَاقِ القُلُوبِ: "اِصْنَعُوا هٰذَا لِذِكْرِي" (لوقا 22: 19). فَالمَكَانُ المُفَضَّلُ لِحُضُورِهِ هُوَ القُرْبَانُ الأَقْدَسُ، حَيْثُ يَتَجَلَّى حُبُّهُ فِي أَقْصَى عَطَائِهِ. وَيُؤَكِّدُ البابا بولس السادس أَنَّ "يَسوعَ حَاضِرٌ بِجَسَدِهِ كَمَا نَحْنُ حَاضِرُونَ أَمَامَهُ"، فَمَاذَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْطِيَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى؟
وَتَكْتَمِلُ هٰذِهِ الحَقِيقَةُ فِي يَسوعَ نَفْسِهِ، الَّذِي هُوَ "خُبْزُ الحَيَاةِ: "مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلَنْ يَجُوعَ" (يوحنا 6: 35)، وَ"مَنْ أَكَلَ جَسَدِي وَشَرِبَ دَمِي ثَبَتَ فِيَّ وَثَبَتُّ فِيهِ" (يوحنا 6: 56). فَبِهٰذَا السِّرِّ، يَتَّحِدُ الإِنْسَانُ بِالمَسِيحِ، وَيَدْخُلُ فِي حَيَاتِهِ الإِلَهِيَّةِ. وَفِي التَّقْلِيدِ اللِّيتُورْجِيِّ، تُعَبِّرُ الكَنِيسَةُ عَنْ هٰذِهِ الحَقِيقَةِ بِلُغَةٍ لاهُوتِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، كَمَا فِي القُدَّاسِ المَارُونِيِّ: "وَحَّدْتَ يَا رَبُّ لاهُوتَكَ بِنَاسُوتِنَا… أَخَذْتَ مَا لَنَا وَوَهَبْتَنَا مَا لَكَ، لِتُحْيِينَا وَتُخَلِّصَنَا".
الإِفْخَارِسْتِيَّا هِيَ أَيْضًا سِرُّ الشَّرِكَةِ وَالوَحْدَةِ، حَيْثُ يَتَّحِدُ المُؤْمِنُونَ بِجَسَدِ المَسِيحِ، كَمَا يُعْلِنُ بولس الرسول: "أَلَيْسَ الخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ مُشَارَكَةً فِي جَسَدِ المَسِيحِ؟ … فَنَحْنُ عَلَى كَثْرَتِنَا جَسَدٌ وَاحِدٌ" (1 قورنتس 10: 16–17). فَالإِفْخَارِسْتِيَّا تَجْمَعُ المُؤْمِنِينَ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ، وَتُحَوِّلُهُمْ إِلَى شَرِكَةٍ حَيَّةٍ فِي المَسِيحِ.
وَيَتَجَلَّى هٰذَا السِّرُّ فِي شَخْصِ يَسوعَ نَفْسِهِ، "خُبْزِ الحَيَاةِ"، الَّذِي يُعْطِي الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَمَا يُعْلِنُ يسوع المسيح: "أَنَا خُبْزُ الحَيَاةِ… مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَثْبُتْ فِيهِ" (يوحنا 6: 35، 55–56). فَالكَلِمَةُ وَالسِّرُّ يَلْتَقِيَانِ: الكَلِمَةُ تُنِيرُ، وَالسِّرُّ يُدْخِلُ فِي الشَّرِكَةِ. وَيُعَبِّرُ الطَّقْسُ المَارُونِيُّ عَنْ هٰذَا السِّرِّ بِعُمْقٍ لاهُوتِيٍّ بَلِيغٍ: "وَحَّدْتَ يَا رَبُّ لاهُوتَكَ بِنَاسُوتِنَا، وَنَاسُوتَنَا بِلَاهُوتِكَ، حَيَاتَكَ بِمَوْتِنَا، وَمَوْتَنَا بِحَيَاتِكَ…"، مُظْهِرًا تَبَادُلَ الحَيَاةِ بَيْنَ اللهِ وَالإِنْسَانِ.
وَفِي كُلِّ اِحْتِفَالٍ إِفْخَارِسْتِيٍّ، يُعْلِنُ المُؤْمِنُونَ مَوْتَ الرَّبِّ وَقِيَامَتَهُ، كَمَا يَقُولُ بولس الرسول: "كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هٰذَا الخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هٰذِهِ الكَأْسَ، تُعْلِنُونَ مَوْتَ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَأْتِي" (1 قورنتس 11: 26). فَهٰذَا "التِّذْكَارُ" هُوَ تَقْدِيمٌ مُتَجَدِّدٌ يَسْتَحْضِرُ العَمَلَ الخَلاَصِيَّ، وَيَجْعَلُهُ فَعَّالًا فِي الحَاضِرِ. وَيُعَلِّقُ القديس لاون الكبير قَائِلًا: "إِنَّ مَا يَنْجُمُ عَنْ المُشَارَكَةِ فِي جَسَدِ المَسِيحِ وَدَمِهِ هُوَ أَنْ نَتَحَوَّلَ إِلَى مَا نَتَنَاوَلُهُ"، فَنَصِيرُ حَامِلِينَ المَسِيحَ فِي حَيَاتِنَا كُلِّهَا.
وَمِنْ هُنَا، تُصْبِحُ الإِفْخَارِسْتِيَّا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً مَعَ ذَبِيحَةِ الصَّلِيبِ، تَتَجَدَّدُ فِي الزَّمَانِ دُونَ أَنْ تَتَكَرَّرَ فِي جَوْهَرِهَا، وَتَبْقَى كَنْزًا لا مِثْلَ لَهُ أُوكِلَ إِلَى الكَنِيسَةِ لِيَكُونَ مَكَانَ لِقَاءِ دَائِمٍ مَعَهُ. وَكَمَا يَقُولُ القديس يوحنا فيانِّي: "يَسوعُ فِي بَيْتِ القُرْبَانِ يَنْتَظِرُنَا"، فَهُوَ حَاضِرٌ بِقَلْبِهِ المُحِبِّ، يَدْعُونَا لِنَقْتَرِبَ وَنَتَحَدَّثَ إِلَيْهِ. فَلْنَعِشْ هٰذَا التِّذْكَارَ كَلِقَاءٍ حَيٍّ، وَكَمَسِيرَةِ اِتِّحَادٍ، وَكَعَلاَمَةِ مَحَبَّةٍ تُحَوِّلُ حَيَاتَنَا إِلَى شَهَادَةٍ دَائِمَةٍ لِحُضُورِ المَسِيحِ القَائِمِ.
· الإِفْخَارِسْتِيَّا طَرِيقٌ لِلسَّمَاءِ
لا تَتِمُّ مَعْرِفَةُ يَسوعَ فِي آخِرِ المَطافِ إِلَّا فِي "كَسْرِ الخُبْزِ". فَالإِيمَانُ لا يَقْتَصِرُ عَلَى اتِّبَاعِ يَسوعَ كَنَبِيٍّ ضَحَّى بِنَفْسِهِ، بَلْ يَتَضَمَّنُ أَنْ نَحْيَا بِحَيَاتِهِ، هُوَ الَّذِي قَامَ وَيُقِيمُنَا، وَنَلْتَقِيهِ حَقًّا فِي سِرِّ الإِفْخَارِسْتِيَّا.
الإِفْخَارِسْتِيَّا هِيَ ذَبِيحَةُ يَسوعَ عَلَى الصَّلِيبِ، الَّتِي تَفْتَحُ لَنَا الطَّرِيقَ إِلَى السَّمَاءِ (عبرانيين 9: 24). فَلَمْ يَعُدِ الطَّرِيقُ شَرِيعَةً أَوْ نِظَامًا، بَلْ شَخْصًا حَيًّا، هُوَ يسوع المسيح نَفْسُهُ، القَائِلُ: "أَنَا الطَّرِيقُ وَالحَقُّ وَالحَيَاةُ، لا يَمْضِي أَحَدٌ إِلَى الآبِ إِلَّا بِي" (يوحنا 14: 6). وَلِهٰذَا يُؤَكِّدُ: "إِذَا لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَنْ تَكُونَ فِيكُمُ الحَيَاةُ. مَنْ أَكَلَ جَسَدِي وَشَرِبَ دَمِي فَلَهُ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنا 6: 53–54).
وَيُعَلِّقُ البابا يوحنا بولس الثاني أَنَّ "المُسَافِرَ الإِلَهِيَّ، يَسوعَ القَائِمَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، يُرَافِقُنَا فِي طُرُقِ حَيَاتِنَا… وَيُفَسِّرُ لَنَا الكُتُبَ وَيُعْطِينَا جَسَدَهُ وَدَمَهُ حَيَاةً لِنُفُوسِنَا". كَمَا يُؤَكِّدُ أَنَّنَا فِي الإِفْخَارِسْتِيَّا "نَشْتَرِكُ فِي لِيتُورْجِيَا السَّمَاءِ وَنَتَّحِدُ بِالحَمَلِ الجَالِسِ عَلَى العَرْشِ"، فَتَصِيرُ الأَرْضُ مَفْتُوحَةً عَلَى السَّمَاءِ.
إِنَّ الإِفْخَارِسْتِيَّا هِيَ العَلاَمَةُ الكُبْرَى لِقِيَامَةِ الرَّبِّ، وَسِرُّ الدُّخُولِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ، حَيْثُ يَلْتَقِي عَالَمُ السَّمَاءِ بِعَالَمِ الأَرْضِ، وَتَدْخُلُ الكَنِيسَةُ الحَاجَّةُ فِي مَجْدِ اللهِ. وَيُعَلِّقُ الكاردينال يواكيم ميسنر أَنَّ "المَسِيحَ فِي الإِفْخَارِسْتِيَّا لا يُرِيدُ فَقَطْ أَنْ يَبْقَى مَعَنَا، بَلْ أَيْضًا أَنْ يَأْخُذَنَا مَعَهُ إِلَى الآبِ".
قَبْلَ لِقَاءِ تِلْمِيذَيْ عِمَّاوُسَ بِالمَسِيحِ القَائِمِ، كَانَا فِي حَالَةٍ مِنَ الكَآبَةِ وَاليَأْسِ (لوقا 24: 17–21)، أَمَّا بَعْدَ أَنْ رَأَيَاهُ وَسَمِعَاهُ وَاشْتَرَكَا مَعَهُ فِي "كَسْرِ الخُبْزِ"، فَقَدْ حَدَثَ تَغْيِيرٌ جَذْرِيٌّ فِي حَيَاتِهِمَا: فَتَحَوَّلَ اليَأْسُ إِلَى رَجَاءٍ، وَالحُزْنُ إِلَى فَرَحٍ، وَالخَوْفُ إِلَى ثِقَةٍ، وَأَصْبَحَا شَاهِدَيْنِ لِلْمَسِيحِ القَائِمِ، عَائِدَيْنِ إِلَى أُورَشَلِيمَ لِيُبَشِّرَا إِخْوَتَهُمَا (لوقا 24: 33–35).
وَيُؤَكِّدُ القديس كيرلس الأورشليمي أَنَّ "مَنْ يَتَنَاوَلُ جَسَدَ المَسِيحِ يَصِيرُ شَرِيكًا فِي الحَيَاةِ الإِلَهِيَّةِ"، فَالإِفْخَارِسْتِيَّا لا تَمْنَحُ مَعْرِفَةً فَقَطْ، بَلْ تُدْخِلُ فِي شَرِكَةٍ مُحَوِّلَةٍ. وَيُضِيفُ القديس أوغسطينوس: "صِرْ مَا تَتَنَاوَلُهُ، وَتَنَاوَلْ مَا أَنْتَ"، مُشِيرًا إِلَى أَنَّ المُؤْمِنَ يَتَحَوَّلُ إِلَى جَسَدِ المَسِيحِ الَّذِي يَتَغَذَّى بِهِ (PL 38).
إِنَّ الإِيمَانَ بِالمَسِيحِ وَمَعْرِفَتَهُ فِي الإِفْخَارِسْتِيَّا لا يَتْرُكُنَا سَاكِنِينَ، بَلْ يَدْفَعُنَا إِلَى الرِّسَالَةِ وَالشَّهَادَةِ. فَمَنْ يَلْتَقِي بِالمَسِيحِ الحَيِّ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْقَى صَامِتًا، بَلْ يَنْطَلِقُ لِيُبَشِّرَ بِهِ كَطَرِيقٍ إِلَى السَّمَاءِ. وَيُخْتِمُ البابا يوحنا بولس الثاني هٰذَا البُعْدَ قَائِلًا: "عِنْدَمَا نَتَأَمَّلُ يَسوعَ فِي الإِفْخَارِسْتِيَّا، يَصِيرُ جُزْءًا مِنَّا، وَيَفْتَحُ لَنَا طَرِيقَ الآبِ"، فَنَدْخُلُ مَعَهُ فِي مَجْدِهِ. فَلْنَعِشْ إِذًا حَيَاتَنَا سَاجِدِينَ وَعَابِدِينَ بِالحَقِّ، سَائِرِينَ مَعَ المَسِيحِ فِي طَرِيقِ الإِفْخَارِسْتِيَّا، حَتَّى نَبْلُغَ مَعَهُ مَجْدَ السَّمَاءِ.
الخُلاصَة
قَامَ يَسوعُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي التَّارِيخِ، وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ فِي لَحْظَةِ قِيَامَتِهِ، لٰكِنَّ الإِنْجِيلَ المُقَدَّسَ يَكْشِفُ لَنَا عَنْ حُضُورِهِ الحَيِّ فِي حَيَاةِ المُؤْمِنِينَ، كَمَا تَجَلَّى لِتِلْمِيذَيْ عِمَّاوُس. فَقَدْ كَشَفَ الرَّبُّ عَنْ نَفْسِهِ لَهُمَا، وَشَجَّعَهُمَا فِي شِدَّتِهِمَا، وَأَظْهَرَ لَهُمَا المَعْنَى العَمِيقَ لِصَلِيبِهِ وَقِيَامَتِهِ.
يُقَدِّمُ النَّصُّ الإنجيلي (لوقا 24: 13–35) بِنْيَةً لاهوتيّةً مُتَكَامِلَةً:
1. لمَسِيرَة حَيَاةُ الإِنْسَانِ.
2. المُبَادَرَة اللهُ يَتَدَخَّلُ.
3. التَّفْسِير: الكَلِمَةُ تُنِيرُ.
4. كَسْرُ الخُبْز: السِّرُّ يَكْشِفُ.
5. الإِرْسَالِيَّة: الشَّهَادَةُ تَنْطَلِقُ.
إِنَّهَا أَيْقُونَةُ الكَنِيسَةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ: مَائِدَةُ الكَلِمَةِ + مَائِدَةُ الإِفْخَارِسْتِيَّا = لِقَاءُ المَسِيحِ القَائِمِ. وَبِهٰذَا، لا يَبْقَى نَصُّ عِمَّاوُس مَجَرَّدَ حَدَثٍ مَاضٍ، بَلْ يُصْبِحُ طَرِيقًا حَيًّا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ يَبْحَثُ عَنِ المَسِيحِ… فَيَجِدُهُ يَسِيرُ مَعَهُ.
وَتَمَّ هٰذَا الاِنْكِشَافُ فِي بِنْيَةٍ لِيتُورْجِيَّةٍ وَاضِحَةٍ:
أَوَّلًا، فِي قِرَاءَةِ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ وَتَفْسِيرِهَا (لوقا 24: 27)،
ثَانِيًا، فِي "كَسْرِ الخُبْزِ" (لوقا 24: 30–31).
وَهٰكَذَا نَقَلَ يَسوعُ تِلْمِيذَيْهِ مِنْ شَكِّ الصَّلِيبِ (لوقا 24: 18–21) إِلَى نُورِ الإِيمَانِ، مِنْ خِلاَلِ الكَلِمَةِ وَالسِّرِّ، أَيْ مِنْ خِلاَلِ التَّفْسِيرِ وَالإِفْخَارِسْتِيَّا. لذلك يُعَدُّ هذا النَصُّ ن أَغْنَى النُّصوصِ اللُّوقاوِيَّةِ لاهوتيًّا وَلُغَوِيًّا، حَيْثُ يَكْشِفُ البِنْيَةَ الثُّنَائِيَّةَ لِلحَيَاةِ الكَنَسِيَّةِ: كَلِمَةُ الله (تَفْسِيرُ الكُتُب) وَالإِفْخَارِسْتِيَّا (كَسْرُ الخُبْز).
إِنَّ "كَسْرَ الخُبْزِ"، أَيْ القُدَّاسَ الإِلَهِيَّ، يَبْقَى إِلَى اليَوْمِ العَلاَمَةَ الحَيَّةَ لِحُضُورِ المَسِيحِ فِي وَسَطِ كَنِيسَتِهِ. وَلَيْسَ الإِنْسَانُ هُوَ الَّذِي بَادَرَ أَوَّلًا إِلَى البَحْثِ عَنِ اللهِ، بَلِ اللهُ هُوَ الَّذِي يَبْحَثُ عَنِ الإِنْسَانِ، وَيُبَادِرُ لِمُلاَقَاتِهِ، كَمَا فَعَلَ مَعَ تِلْمِيذَيْ عِمَّاوُس. وَمِنْ هُنَا، يَتَجَلَّى أَنَّ الطَّرِيقَ الوَحِيدَ إِلَى الآبِ هُوَ يسوع المسيح، الَّذِي قَالَ: "أَنَا الطَّرِيقُ وَالحَقُّ وَالحَيَاةُ، لا يَمْضِي أَحَدٌ إِلَى الآبِ إِلَّا بِي" (يوحنا 14: 6).
فِي مُسِيرَتِنَا مَعَ تِلْمِيذَيْ عِمَّاوُس، نَكْتَشِفُ مَسِيرَتَنَا الإِيمَانِيَّةَ نَحْنُ أَيْضًا:
مِنَ الاِنْجِذَابِ إِلَى يَسوعَ وَتَعَالِيمِهِ،
إِلَى دَعْوَتِهِ لَنَا،
وَإِلَى صُعُوبَاتِ اتِّبَاعِهِ،
حَتَّى نَبْلُغَ فِي النِّهَايَةِ مَعْرِفَتَهُ كَرَبٍّ قَائِمٍ حَيٍّ.
وَهٰذِهِ هِيَ مَسِيرَةُ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَخُصُوصًا كُلِّ مُكَرَّسٍ، يَعِيشُ دَعْوَتَهُ عَبْرَ مَرَاحِلَ مُتَعَدِّدَةٍ: مِنْ سَمَاعِ صَوْتِ اللهِ، إِلَى الاِخْتِبَارِ، إِلَى التَّنْقِيَةِ، حَتَّى يَصِلَ إِلَى الاِكْتِشَافِ الحَقِيقِيِّ لِلهِ فِي حَيَاتِهِ. إِنَّهَا دَعْوَةٌ لَنَا جَمِيعًا أَنْ نَسِيرَ مَعَ المَسِيحِ، وَنُصْغِيَ إِلَى كَلِمَتِهِ، وَنَكْتَشِفَهُ فِي كَسْرِ الخُبْزِ، لِنَتَحَوَّلَ مِنْ تِلْمِيذٍ مُتَرَدِّدٍ إِلَى شَاهِدٍ حَيٍّ لِقُوَّةِ القِيَامَةِ. فَيَبْقَى السُّؤَالُ الجَوْهَرِيُّ: لِمَاذَا لا نَتْبَعُ هٰذَا الطَّرِيقَ؟
دُعَاء
يَا رَبَّنَا يسوع المسيح القَائِمَ مِنَ المَوْتِ، يَا مَنْ ظَهَرْتَ لِتِلْمِيذَيْنِ فِي طَرِيقِهِمَا إِلَى عِمَّاوُس،
تَعَالَ وَسِرْ مَعَنَا فِي طَرِيقِ حَيَاتِنَا، وَافْتَحْ قُلُوبَنَا لِفَهْمِ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ، لِيَزْدَادَ إِيمَانُنَا بِكَ رَبًّا وَإِلَهًا.
تَعَالَ وَاكْشِفْ لَنَا عَنْ ذَاتِكَ فِي "كَسْرِ الخُبْزِ" فِي القُدَّاسِ الإِلَهِيِّ،
لِتَنْفَتِحَ أَعْيُنُنَا عَلَى حُضُورِكَ الحَيِّ، فِي جَسَدِكَ وَدَمِكَ، وَرُوحِكَ وَلَاهُوتِكَ، فِي سِرِّ القُرْبَانِ الأَقْدَسِ.
يَا إِلَهَنَا القَرِيبَ مِنَّا، أَشْعِلْ قُلُوبَنَا بِنَارِ مَحَبَّتِكَ، لِنَفْرَحَ بِحُضُورِكَ، وَنُسَبِّحَ اسْمَكَ العَلِيَّ، وَنَشْهَدَ لِقِيَامَتِكَ المَجِيدَةِ.
تَعَالَ يَا رَبُّ، "اُمْكُثْ مَعَنَا، فَقَدْ حَانَ المَسَاءُ وَمَالَ النَّهَارُ" (لوقا 24: 29)، لَكَ المَجْدُ مَعَ الآبِ وَالرُّوحِ القُدُسِ، الآنَ وَكُلَّ أَوَانٍ، وَإِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ.
قِصَّةٌ وَعِبْرَة
يُرْوَى أَنَّ شَابًّا كَانَ يَعِيشُ أَزْمَةَ إِيمَانٍ عَمِيقَةً. كَانَ قَدْ خَدَمَ فِي الكَنِيسَةِ لِسِنِينَ، لٰكِنَّهُ بَعْدَ سِلْسِلَةٍ مِنَ الصُّعُوبَاتِ الشَّخْصِيَّةِ وَخَيْبَاتِ الأَمَلِ، بَدَأَ يَشْعُرُ بِأَنَّ اللهَ بَعِيدٌ، وَأَنَّ الصَّلاَةَ لَمْ تَعُدْ تَعْنِي لَهُ شَيْئًا. فَقَرَّرَ أَنْ يَبْتَعِدَ قَلِيلًا، فَسَافَرَ إِلَى قَرْيَةٍ هَادِئَةٍ لِيُعِيدَ تَرْتِيبَ أَفْكَارِهِ.
وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، خَرَجَ يَتَمَشَّى وَحْدَهُ فِي طَرِيقٍ رِيفِيٍّ طَوِيلٍ. كَانَ يَمْشِي وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ، يُرَاجِعُ كُلَّ مَا حَدَثَ فِي حَيَاتِهِ، وَيَطْرَحُ أَسْئِلَةً بِلاَ إِجَابَاتٍ: لِمَاذَا يَسْمَحُ اللهُ بِالأَلَمِ؟ أَيْنَ هُوَ فِي لَحَظَاتِ الاِنْكِسَارِ؟ هَلِ الإِيمَانُ مُجَرَّدُ فِكْرَةٍ جَمِيلَةٍ لا تَصْمُدُ أَمَامَ الوَاقِعِ؟
وَبَيْنَمَا هُوَ غَارِقٌ فِي أَفْكَارِهِ، اِقْتَرَبَ مِنْهُ رَجُلٌ بَسِيطُ المَظْهَرِ، وَسَارَ مَعَهُ. لَمْ يَسْأَلْهُ الشَّابُّ مَنْ يَكُونُ، بَلْ بَدَأَ يُحَدِّثُهُ بِشَكْلٍ عَفَوِيٍّ. تَحَدَّثَ عَنْ خَيْبَاتِهِ، عَنْ فَقْدَانِ رَجَائِهِ، عَنْ شُكُوكِهِ. وَكَانَ الرَّجُلُ يُصْغِي بِصَبْرٍ، ثُمَّ بَدَأَ يُفَسِّرُ لَهُ حَيَاتَهُ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، رَابِطًا بَيْنَ مَا يَعِيشُهُ وَبَيْنَ مَعْنًى أَعْمَقَ لِلأَلَمِ وَالرَّجَاءِ، وَكَأَنَّهُ يَفْتَحُ أَمَامَهُ كِتَابًا جَدِيدًا.
شَعَرَ الشَّابُّ بِأَنَّ قَلْبَهُ بَدَأَ يَهْدَأُ، وَأَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهِ يَشْتَعِلُ مِنْ جَدِيدٍ، لٰكِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ لِمَاذَا. وَعِنْدَمَا أَوْشَكَ عَلَى الوُصُولِ، قَالَ لِلرَّجُلِ: "اُمْكُثْ مَعِي، فَإِنَّ اللَّيْلَ يَقْتَرِبُ". فَدَخَلَ الرَّجُلُ مَعَهُ.
جَلَسَا إِلَى المَائِدَةِ، وَأَخَذَ الرَّجُلُ خُبْزًا، وَشَكَرَ، وَكَسَرَهُ، وَقَدَّمَهُ لَهُ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، اِنْفَتَحَتْ عَيْنَا الشَّابِّ، وَكَأَنَّ نُورًا دَاخِلِيًّا أَضَاءَ قَلْبَهُ، وَأَدْرَكَ فَجْأَةً: لَمْ يَكُنْ هٰذَا الرَّجُلُ غَرِيبًا… لَقَدْ كَانَ الرَّبُّ نَفْسُهُ يُرَافِقُهُ طُولَ الطَّرِيقِ! وَلٰكِنْ فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا، غَابَ عَنْهُ.
بَقِيَ الشَّابُّ وَحْدَهُ، لٰكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ كَمَا كَانَ. قَامَ فَوْرًا، وَعَادَ إِلَى مَدِينَتِهِ، لا لِيَبْحَثَ عَنْ أَجْوِبَةٍ، بَلْ لِيَشْهَدَ أَنَّ الرَّبَّ حَيٌّ، وَأَنَّهُ يُرَافِقُ الإِنْسَانَ حَتَّى فِي أَحْلَكِ طُرُقِهِ.
العِبْرَة
هٰذِهِ القِصَّةُ لَيْسَتْ إِلَّا صُورَةً حَيَّةً لِخِبْرَةِ تِلْمِيذَيْ عِمَّاوُس:
· كَثِيرًا مَا نَسِيرُ فِي حَيَاتِنَا مُثْقَلِينَ بِالحُزْنِ وَالشَّكِّ، دُونَ أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ الرَّبَّ يَسِيرُ مَعَنَا.
· نَحْنُ نَبْحَثُ عَنِ اللهِ، لٰكِنَّ الحَقِيقَةَ الأَعْمَقَ أَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يَبْحَثُ عَنَّا وَيَلْتَقِينَا فِي الطَّرِيقِ.
· لا يُعْرَفُ المَسِيحُ فِي الأَفْكَارِ فَقَطْ، بَلْ فِي الكَلِمَةِ الَّتِي تُشْعِلُ القَلْبَ، وَفِي كَسْرِ الخُبْزِ الَّذِي يَفْتَحُ العَيْنَيْنِ.
· أَحْيَانًا لا نُدْرِكُ حُضُورَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ "يَغِيبَ"، حِينَ نَكْتَشِفُ أَنَّهُ كَانَ مَعَنَا طُولَ الطَّرِيقِ.
فَطَرِيقُ عِمَّاوُس هُوَ طَرِيقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا: مِنَ الحُزْنِ إِلَى الفَرَحِ، مِنَ الشَّكِّ إِلَى الإِيمَانِ، وَمِنَ الهُرُوبِ إِلَى الرِّسَالَةِ.
حَجٌّ سَنَوِيٌّ تَقْلِيدِيٌّ لِذِكْرَى تَرَائِي يَسوعَ لِتِلْمِيذَيْ عِمَّاوُس
فِي كُلِّ اِثْنَيْنِ بَعْدَ عِيدِ الفِصْحِ مِنْ كُلِّ عَامٍ، تُحْيِي كَنِيسَةُ الأَرَاضِي المُقَدَّسَةِ ذِكْرَى ظُهُورِ يسوع المسيح لِتِلْمِيذَيْ عِمَّاوُس، مِنْ خِلَالِ حَجٍّ لِيتُورْجِيٍّ تَقْلِيدِيٍّ ذِي بُعْدٍ رُوحِيٍّ عَمِيقٍ. فَتقِيمُ حراسة الأراضي المقدسة قُدَّاسًا اِحْتِفَالِيًّا فِي عِمَّاوُس القبيبة، حَيْثُ يَتَجَدَّدُ تَذْكَارُ "كَسْرِ الخُبْزِ" الَّذِي فِيهِ عَرَفَ التِّلْمِيذَانِ الرَّبَّ. كَمَا يُقِيمُ بطريرك القدس اللاتيني قُدَّاسًا مُمَاثِلًا فِي عِمَّاوُس اللطرون، مُؤَكِّدًا وَحْدَةَ التَّقْلِيدِ وَتَنَوُّعَ الشَّوَاهِدِ الجُغْرَافِيَّةِ لِهٰذَا الحَدَثِ الإِنْجِيلِيِّ.
إِنَّ هٰذَا الحَجَّ لَيْسَ مُجَرَّدَ اِحْتِفَالٍ تِذْكَارِيٍّ، بَلْ خِبْرَةُ لِقَاءٍ مُتَجَدِّدٍ مَعَ المَسِيحِ القَائِمِ، الَّذِي يَسِيرُ مَعَ كُلِّ مُؤْمِنٍ فِي طُرُقِ حَيَاتِهِ، وَيُرَافِقُهُ فِي أَحْزَانِهِ وَقَلَقِهِ وَتَحَدِّيَاتِهِ، كَمَا رَافَقَ تِلْمِيذَيْ عِمَّاوُس. فِي هٰذَا اللِّقَاءِ، يُفَسِّرُ الرَّبُّ الكُتُبَ المُقَدَّسَةَ فِي ضَوْءِ سِرِّهِ، وَيُغَذِّي المُؤْمِنِينَ مِنْ «خُبْزِ الحَيَاةِ»، فَيَبْقَى مَعَهُمْ كَمَا وَعَدَ: "هَا أَنَا مَعَكُمْ طُولَ الأَيَّامِ إِلَى نِهَايَةِ العَالَمِ" (متى 28: 20). وَهٰكَذَا، يُصْبِحُ حَجُّ عِمَّاوُس أَيْقُونَةً حَيَّةً لِمَسِيرَةِ الإِيمَانِ: مَسِيرَةٌ نَلْتَقِي فِيهَا بِالمَسِيحِ فِي الكَلِمَةِ وَالإِفْخَارِسْتِيَّا، وَنَتَحَوَّلُ فِيهَا مِنْ تِلْمِيذٍ مُتَرَدِّدٍ إِلَى شَاهِدٍ لِقِيَامَتِهِ، وَمِنْ سَالِكٍ فِي طَرِيقِ الحُزْنِ إِلَى حَاجٍّ فِي طَرِيقِ الرَّجَاءِ.