موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
مسكت القلم لأخط كلمات على ورقة بيضاء، ولكنها لن تعود بيضاء بسبب حبر القلم الذي إما أن يعطي لها قيمة أكبر أو يقلل من شأن هذه الورقة ناصعة البياض. ورقة لا توجد لها حرية الاختيار، تترك نفسها واثقة بي، بأنني صاحب القرار فيما سيكون مصير هذه البيضاء ناصعة البياض. ورقة أُعطيت لي ليس بسبب استحقاقي إنما هبة مُنحت لكاتب عاشق لهذه الورقة الغاية في النقاء.
ورقة فريدة يُكتب عليها مرة واحدة ولا توجد إمكانية مسح أو شطب ما كُتب عليها لأنها تحتفظ بما خُط عليها طوال المسار.
ورقة قابلة للطي والتشكيل، سهلة الاتساخ مستعدة للتشبع بكل ما يُكتب عليها. ورقة لا تنسى أول نقطة وخط قلم، أتذكر يدي المرتعشة حينما حملتها في أول يوم وتملأ عيناي الدموع لعدم استحقاقي بأن أكون أول من يكتب على هذه الورقة الفريدة. فمن أنا حتى أُلوّث هذا النقاء بأفكار ومعتقدات وكلمات وحروف لا تعرف الورقة معناها.
ورقة تتكلم بما تحمل من عبارات كتبتها بيدي، وهذا يشعرني بمسؤولية أن أكتب بأيادٍ مسؤولة واثقة واعية بما سيقرر مصير هذه الورقة، فمصير الورقة يتحدد من قيمة ما كُتب عليها في عالم يؤمن بالأوراق أكثر من النقاء.
ورقتي البيضاء هي ابني المولود بنقاء، ابني الذي يحفظ كل صوت وحرف وكلمة أقولها على مسامعه منذ اللحظة التي سُلِّم ووُضع فيها في يدي المرتعشة، مرتعشة من عظمة المسؤولية، فلم أمسك ورقة نقية فريدة رقيقة في حياتي من قبل. هذه الورقة تحمل رسالة من خالقها مكتوب عليها: "جاءت إلى العالم فريدًا نقيًا مستعدًا لأحمل ما سيُكتب عليّ لأكون ما سأكون عليه" فكم حجم هذه المسؤولية، أنا من سيحدد مستقبل وقيمة هذه الورقة بكلمات وعبارات وأفكار ومعتقدات سأكتبها بحبر المشاعر وصوت القلب! كم من مسؤولية لا يدركها غير الذي عرف قيمة الكلمة، فالكلمة تخلق وتشفي وتحيي، وتجرح وتقتل. فالكلمة مسؤولية.
منذ الوهلة الأولى كان قراري أن أحافظ على قيمة هذه الورقة بما سيُكتب عليها، فما كتبت حرفًا إلا بعد أن فكرت وتأملت، ووضعت أمامي بأن كل ما سيُكتب لن يُمحى وسيحدد مستقبل نقاء هذه الورقة.
الرضيع المولود بنقاء وصفاء هو هذه الورقة، فكل ما سيتعلمه مني ومنا سيحدد قيمته ومستقبله، ولن يستطيع أحد أن يمحو الكلمات الأولى كما لن يستطيع أحد أن يمحو تأثير المشاعر والأحاسيس الأولى التي سيلمسها منا.
أدخل الأطفال إلى عالمنا النقاء، بل كل يوم مع ولادة طفل يدخل إلى عالمنا النقاء من جديد، ولكن للأسف بات هذا النقاء نقطة في بحر تلوث عالمنا الذي يسوده عدم النقاء والصفاء.
علينا نحن الآباء والأمهات والمربين معرفة قيمة كلامنا ومقدار مسؤوليتنا وتربيتنا لهؤلاء الأبرياء الأنقياء. كم جميل أن نكون مربّين، ولكن التربية مسؤولية كبيرة وُضعت في أيدينا، فيجب أن نحمل هذه المسؤولية بأيادٍ مسؤولة تملؤها الحنان والرقة لأن ما وُضع في أيدينا قابل للتمزق. ولا ننسى أننا من نحدد قيمة ومستقبل أبنائنا بكل ما نكتبه في داخلهم من أول يوم في حياتهم على أرضنا.
تشجعوا وتحمّلوا مسؤولية كتابة أهم وأجمل الكلمات لتكون عباراتنا منارة لهؤلاء الأنقياء، فمستقبلهم بين أيدينا.