موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٩ فبراير / شباط ٢٠٢٦

هل دمّرنا أبناءنا حين خفنا أن نجرحهم؟

بقلم :
الأب داني قريو السالسي - لبنان
الأب داني قريو السازياني - لبنان

الأب داني قريو السازياني - لبنان

 

في السنوات الأخيرة، دخل إلى عالم التربية خطابٌ جديد، متأثر ببعض مدارس علم النفس المعاصر، وبموجة الفيديوهات القصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، رافعاً شعاراً ضمنياً “اللطف المطلق”، و”التسامح غير المشروط”، و”حماية الطفل من أي جرح نفسي”. وبدا وكأن التربية الصالحة اختُزلت في الابتسام الدائم، وتجنّب المواجهة، وإلغاء الحدود، والخوف من كلمة “لا”.

 

لكننا اليوم، للأسف، نبدأ في قطف ثمار هذه التربية الرخوة: أبناء هشّون من الداخل، ينكسرون من ملاحظة عابرة، ويتألمون من نظرة، ويعتبرون كل تصحيح إهانة، وكل توجيه هجومًا على كرامتهم. جيلٌ لم يُدرَّب على الاحتمال، ولا على الصبر، ولا على قبول الرفض، فصار ضعيفًا أمام أول صدمة، وأعزل أمام أول تحدٍّ، ولا مبالٍ تجاه أي شيء.

 

أما نحن، أبناء الأمس، فقد تربّينا في بيوتنا ومدارسنا على مزيج حكيم من الشدّ واللين، من الحزم والحنان. كان أهلنا آباءً وأمهاتٍ صالحين، لا “لطيفين” بالمعنى السطحي للكلمة. أحبّونا بصدق، لكنهم لم يجعلوا منّا مركز الكون، ولم يعفونا من المسؤولية، ولم يربّونا على أن العالم مدين لنا بالتصفيق الدائم. ربّونا على الوقوف بعد السقوط، لا على البكاء عند كل عثرة. وعلّمونا أن الكرامة لا تُصان بالهروب من الألم، بل بمواجهته بشجاعة.

 

من هنا تبرز الحاجة الملحّة اليوم إلى إعادة اكتشاف الفرق الجوهري بين “المربّي اللطيف” و”المربّي الصالح”.

 

في عالم المدراس ومراكز التعليم المسيحي، يسهل على المربّي أن يكون “لطيفًا”، لكن الأصعب – والأجمل طبعاً– أن يكون “صالحًا”. فاللطف وحده لا يصنع أجيالًا ناضجة، كما أن القسوة لا تبني إنسانًا متوازنًا. بين هذين الحدّين، تقف التربية الحقيقية كرسالة أخلاقية وروحية، قبل أن تكون مهنة أو مهارة.

 

فما الفرق إذن بين المربّي اللطيف والمربّي الصالح؟

 

المربّي اللطيف ينسجم مع الجميع، يتجنب الصدام، ويسعى إلى إرضاء التلاميذ وأهلهم والإدارة. غالبًا ما يساير، ويؤجّل المواجهة، ويخشى أن يُساء فهمه أو أن يخسر محبة الآخرين. لكنه في كثير من الأحيان لا يملك موقفًا واضحًا ممّا هو صواب أو خطأ، ولا حدودًا ثابتة لما يقبله أو يرفضه.

 

أمّا المربّي الصالح، فله مبادئ واضحة، وقيم لا يساوم عليها، وحدود تربوية يحميها بمحبة وحزم في آنٍ معًا. يعرف ماذا يريد أن يزرع في نفوس أولاده وتلاميذه، وماذا يجب أن يُقتلع قبل أن يكبر.

 

عندما تأتي ساعة الاختبار “الغش، العنف، الظلم، الاستهزاء، التنمر.... “، قد يختار المربّي اللطيف الصمت تحت ذريعة الشفقة“ حتى لا “تتعقّد الأمور”، بينما يقف المربّي الصالح ويقول بهدوء وثبات: هذا لا يليق، وهذا لن أسمح به.

 

فمثلاً: عندما يغشّ تلميذ في الامتحان:

 

المربّي اللطيف قد يتغاضى بدافع الشفقة.

المربّي الصالح يعاقب بعدل، ويشرح الخطأ، ويعطي فرصة جديدة للتوبة والتصحيح.

 

وعندما يسخر طلاب من زميل ضعيف:

 

المربّي اللطيف يطلب منهم التوقف وينهي الموضوع سريعًا.

المربّي الصالح يحوّل الموقف إلى درس في الكرامة الإنسانية، ويُشعر المظلوم أنه غير متروك.

 

وعندما يطالب الأهل بتخفيف المعايير التربوية:

 

المربّي اللطيف يرضخ خوفًا من الخلاف.

المربّي الصالح يحاور باحترام، لكنه لا يفرّط برسالة التربية. فهو لديه قيم ومُثُل عليا يقتدي فيها ويسير عليها.

 

 

كان يسوع المسيح معلّماً ومربّياً مثالياً. لم يكن قاسيًا، لكنه لم يكن مسايرًا على حساب الحق.

 

· كان لطيفًا مع الخطأة، لكنه حازمًا مع الرياء: “ولا أنا أدينك. اذهبي ولا تعودي تخطئين“ (يو 8: 11).

 

· احتضن الأطفال ووضعهم في الوسط، لكنه وبّخ التلاميذ حين منعوهم: “دعوا الأطفال يأتون إليّ ولا تمنعوهم“ (مر 10: 14).

 

· كان رحيمًا مع الضعفاء، لكنه شديدًا مع الظلم: “طرد الباعة من الهيكل دفاعًا عن قدسية بيت الله“ (را. يو 2: 13–16).

 

المحبة لا تعني التراخي، والحزم لا يناقض الرحمة. كان يعرف متى يصمت، ومتى يتكلم، ومتى يغفر، ومتى يواجه.

المربّي الصالح لا يبحث عن المشاكل، لكنه لا يهرب منها. وإذا تعرّض أحد أولاده للأذى، أو انتُهكت كرامتهم، يقف مدافعًا، بالحكمة لا بالعنف، وبالثبات لا بالعدوانية.

 

 

خاتمة

نحن بحاجة اليوم إلى مربّين صالحين، لا مجرد مربّين لطفاء. إلى أشخاص يشبهون المسيح: قلوبهم واسعة كالبحر، لكن جذورهم ثابتة كالصخر. فالتربية الحقيقية ليست أن نصنع أشخاصًا يرضون الجميع، بل أن نرافق أناسًا يعرفون ماذا يؤمنون به، ويملكون الشجاعة ليعيشوه بمحبة. كما قال الرب يسوع: “تعرفون الحق، والحق يحرّركم“ (يو 8: 32).