موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٣٠ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦

دون بوسكو يروي قصته: حلمٌ وآفاقٌ

بقلم :
الأب داني قريو السالسي - لبنان
محطات من حياة القديس يوحنا بوسكو مع زوادة تربوية -روحية

محطات من حياة القديس يوحنا بوسكو مع زوادة تربوية -روحية

 

المحطة الرابعة: حلمٌ وآفاقٌ

 

بين التاسعة والعاشرة من عمري، حلمتُ حلمًا ظلّ مطبوعًا في أعماق نفسي طوال حياتي. أريد أن أروي لك هذا الحلم.

 

“وجدتُ نفسي في فناء واسع، ولاحظتُ عددًا كبيرًا من الأولاد المنهمكين في اللعب. انطلقت صيحات الفرح والمرح واللامبالاة، ثم فجأة بدأوا بالصراخ والكفر، واشتعلت المعركة بينهم، فتبادلوا اللكمات والركلات والشتائم. ولمّا سمعتُ ذلك الكفر، ألقيتُ بنفسي بينهم، مستعملًا قبضتي وصوتي لإسكاتهم. وعلى الرغم من أنّني كنتُ لا أزال صغيرًا، فإنّ الحماسة كانت تتّقد في داخلي لإخماد هذا الشرّ المتفجّر منهم.

 

عندئذٍ ظهر رجل وقور، يرتدي ثيابًا فاخرة. كان وجهه مشرقًا إلى حدٍّ لم أستطع معه التحديق فيه. ناداني باسمي، واقترح عليّ أن أجعلهم أصدقاء، لا باللكمات والركلات، بل بالكلمة الصالحة وبالأخلاق الحميدة. قال لي إنّ الخطيئة تجعل الإنسان حزينًا ووحيدًا، أمّا الصداقة مع الرب فهي كنزنا الثمين على الأرض وفي السماء، ويجب المحافظة عليها مهما كلّف الأمر.

 

أمام هذا التكليف الصعب، شعرتُ بالارتباك والحياء والخوف، وأجبته أنّني طفل فقير وجاهل، فكيف لي أن أتحدّث عن الدين لهؤلاء الصبية العنيفين؟ فقال لي: "سأجعل لك معلّمة تقودك، وبها تستطيع أن تصير عالمًا".

 

وفورًا رأيتُ إلى جانبه سيّدة لطيفة جليلة المنظر، يسطع نور عباءتها كأنّها مزيّنة بنجوم لامعة. وفجأة اختفى الأولاد جميعهم، وظهر مكانهم حشد من الجداء والكلاب والهررة والدببة، وسائر الحيوانات الشرسة التي لم أرَ مثلها من قبل. فقالت لي تلك السيّدة: "هذا هو حقلك. كن متواضعًا، وشجاعًا، وقويًّا. وما ستراه يحدث الآن لهذه الحيوانات، سيكون عليك أن تفعله لكثيرين من أبنائي".

 

وحين أدرتُ بصري، رأيتُ أنّ الوحوش الشرسة التي كانت تنهش بعضها بعضًا قد تحوّلت إلى حملان وديعة، تقفز وتجري وتثغو حول ذلك الرجل وتلك المرأة، كأنّها تكرّمهما. رأيتُ أشياء كثيرة تفوق قدرتي على الفهم، فأجهشتُ بالبكاء. عندها وضعت السيّدة الجميلة يدها على رأسي وقالت كلمات لن أنساها ما حييت: "في الوقت المناسب ستفهم كلّ شيء".

 

وانتهى الحلم في تلك اللحظة. تلاشى كلّ شيء، وبقيتُ مبهوتًا، أشعر بألم في يديّ من اللكمات التي وزّعتها، وبحرقة في وجهي من الصفعات التي تلقيتها من أولئك الصبية. وأؤكّد لك أنّني بنيتُ حياتي كلّها على أثر هذا الحلم.

 

في الحقيقة، ومع مرور السنين، وبمعونة الربّ وبدعم السيّدة العذراء، تمكّنّا من تحويل ذلك الحلم إلى واقع، يومًا بعد يوم. وفي اللحظات الصعبة، كنتُ أتعلّق بحلم طفولتي بثقة الغريق بخشبة الخلاص. آمنتُ بالربّ وبالعناية الإلهيّة.

وفقط في نهاية حياتي، عندما صرتُ شيخًا هرمًا، وتأمّلتُ مسيرتي كلّها، بكيتُ من الفرح والتأثّر لأنّني فهمتُ أخيرًا كلّ شيء. لقد مرّ أكثر من ستّين عامًا منذ ذلك الحين، وما زلتُ أذكر الحلم كأنّني رأيته بالأمس.

 

 

الزوادة: العناية الإلهية في حياتنا

 

ليست الأحلام دائمًا هروبًا من الواقع؛ أحيانًا تكون نبوءة طريق. حلم دون بوسكو لم يُعطِه برنامجًا جاهزًا، بل زرع في قلبه رسالة، وترك له الزمن ليكتشف معناها.

 

العناية الإلهيّة لا تكشف كلّ شيء دفعة واحدة، بل تقود الإنسان خطوة خطوة، بحسب نضجه وقدرته على الاحتمال. هذا الحلم بالنسبة لدون بوسكو لم يكن مجرد مشهد عابر، بل كان دعوة من إلهية ليكون أداة وعلامة محبة الله العالم.

 

حين لا نفهم ما يحدث في حياتنا، لا يعني أنّ الله صامت، بل أنّ الوقت لم يحن بعد. تقوم عناية الله بالإنسان كأبٍ يطالب ابنه بان يكون شريكًا له في العمل. وهذه الشراكة تتطلب من الإنسان الثقة الكاملة والثبات في الأمانة.

 

كان دون بوسكو يثق بالعناية الإلهية كثيرًأ، لأنه اختبرها، فكان يقدِّم الله بصفات الآب الذي يسهر على ابنائه ويُوفِّر لهم احتياجاتهم "أُنظُرُوا إِلى طُيورِ السَّماءِ كَيفَ لا تَزرَعُ ولا تَحصُدُ ولا تَخزُنُ في الأَهراء، وأَبوكُمُ السَّماويُّ يَرزُقُها. أَفَلَسْتُم أَنتُم أَثْمَنَ مِنها كثيراً؟" (متى 6: 26).

 

فإلى جانب الثقة تتطلب العناية الإلهية أيضا الثبات في الأمانة. إن هذه الثقة التي لا تتزعزع، هي أحد شروط الأمانة: "فقَد صِرْنا شُرَكاءَ المسيح، إِذا احتَفَظْنا بِالثِّقَةِ الَّتي كُنَّا علَيها في البَدْء ثابِتَةً إِلى النِّهاية، فلا نَدَعُها تَتَزَعزَع" (عب 3: 14)، لان عناية الله لا تقوم على طريقة قَدَر محتوم يؤدي بالإنسان الى سحق حريته، بل تتطلب منه أن يكون شريكا في العمل، متعاونًا من خلال ثباته في الأمانة. ويدبِّر الله حاجات من يدعوهم ليكونوا أبناءه وشهودًا لمحبته.

 

فالرب يريد أن يشاركك خيرات السماء ومعطيًا لك دور البطولة على الأرض.