موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النَّص الإنْجيلي (متى 13: 1-23)
1 في ذلكَ اليوم خَرَجَ يسوعُ مِنَ البَيت، وجلَسَ بِجانِبِ البَحر. 2فازْدَحَمَت عليهِ جُموعٌ كَثيرة، حتَّى إِنَّه رَكِبَ سَفينةً وجَلَسَ، والجَمْعُ كُلُّه قائمٌ على الشَّاطِئ.3فكلَّمَهُم بالأَمثالِ على أُمورٍ كثيرةٍ قال: ((هُوَذا الزَّارِعُ قد خرَجَ لِيَزرَع. 4وبَينما هو يَزرَع، وقَعَ بَعضُ الحَبِّ على جانِبِ الطَّريق، فجاءَتِ الطُّيورُ فأَكَلَتْه. 5ووَقَعَ بَعضُه الآخَرُ على أَرضٍ حَجِرةٍ لم يكُنْ له فيها تُرابٌ كثير، فنَبَتَ مِن وقتِه لأَنَّ تُرابَه لَم يَكُن عَميقاً. 6فلمَّا أَشرقَتِ الشَّمسُ احتَرَق، ولَم يكُن له أَصلٌ فيَبِس. 7ووَقَعَ بَعضُه الآخَرُ على الشَّوك فارتفعَ الشَّوكُ فخَنقَه. 8ووَقَعَ بَعضُه الآخَرُ على الأَرضِ الطَّيِّبة فأَثمَرَ، بَعضُه مِائة، وبعضُه سِتِّين، وبعضُه ثَلاثين. 9فمَن كانَ له أُذُنان فَلْيَسمَعْ! )).10فدَنا تَلاميذُه وقالوا له: ((لِماذا تُكلِّمُهم بالأَمثال؟)) 11فأَجابَهم: ((لأَنَّكم أُعطيتُم أَنتُم أَن تعرِفوا أَسرارَ مَلكوتِ السَّمَوات، وأَمَّا أُولَئِكَ فلم يُعطَوا ذلك. 12لأَنَّ مَن كانَ لَه شَيء، يُعْطى فيَفيض. ومَن ليس لَه شَيء، يُنتَزَعُ منه حتَّى الَّذي له. 13وإِنَّما أُكلِّمُهم بِالأَمثال لأَنَّهم يَنظُرونَ ولا يُبصِرون، ولأَنَّهم يَسمَعونَ ولا يَسمَعون ولا هم يَفهَمون. 14وفِيهِم تَتِمُّ نُبُوءةُ أَشَعيا حَيثُ قال: ((تَسمعونَ سَماعاً ولا تَفهَمون وتَنظُرونَ نظَراً ولا تُبصِرون. 15فقد غَلُظَ قَلبُ هذا الشَّعب وأَصَمُّوا آذانَهم وأَغمَضوا عُيونَهم لِئَلاَّ يُبصِروا بِعيونِهم ويَسمَعوا بِآذانِهم ويَفهَموا بِقُلوبِهم ويَرجِعوا. أَفأَشفيهم؟)). 16وأَمَّا أَنتُم، فَطُوبى لِعُيونِكم لأَنَّها تُبصِر، ولآذانِكم لأَنَّها تَسمعَ. 17الحَقَّ أَقولُ لَكم إِنَّ كثيراً مِنَ الأَنبِياءِ والصِدِّيقينَ تَمَنَّوا أَن يَرَوا ما تُبصِرونَ فلَم يَرَوا، وأَن يَسمَعوا ما تَسمَعونَ فلَم يَسمَعوا.18 ((فَاسْمَعوا أَنتم مَثَلَ الزَّارِع: 19كُلُّ مَن سَمِعَ كَلِمَةَ الملكوت ولم يَفهَمْها، يَأتي الشِّرِّيرُ ويَخطَفُ ما زُرِعَ في قَلبِه: فهذا هوَ الَّذي زُرِعَ في جانِبِ الطَّريق. 20وأَمَّا الَّذي زُرِعَ في الأَرضِ الحَجِرة، فهُو الَّذي يَسمَعُ الكَلِمة ويَتَقَبَّلُها لِوَقْتِهِ فَرِحاً، 21ولكن لا أَصلَ لَه في نَفْسِه، فلا يَثبُتُ على حالة. فإِذا حَدَثَت شِدَّةٌ أَوِ اضطِهادٌ مِن أَجلِ الكَلِمة عَثَرَ لِوَقْتِه. 22وأَمَّا الَّذي زُرِعَ في الشَّوك فهو الذي يَسمَعُ الكَلِمة، ويكونُ له مِن هَمِّ الحَياةِ الدُّنيا وفِتنَةِ الغِنى ما يَخنُقُ الكَلِمة فلا تُخرِجُ ثَمَراً. 23وأَمَّا الَّذي زُرِعَ في الأَرضِ الطَّيِّبة، فهُو الَّذي يَسمَعُ الكَلِمة ويَفهَمُها فيُثمِرُ ويُعطي بَعضُه مِائة، وبَعْضُه سِتِّين، وبَعضُه ثلاثين)).
مُقَدِّمَة
يُسَلِّطُ إِنجيلُ الأَحَدِ (متى 13: 1-23) الأَضواءَ على تَعليمِ يَسوعَ في خِتامِ خِدمَتِهِ العَلَنِيَّةِ في الجَليلِ عَن مَلَكوتِ اللهِ مِن خِلالِ الأَمثالِ، بَعدَ أَن عَلَّمَ بِالمَواعِظِ. وَقَد جَمَعَ متّى الإِنجيليُّ سَبعَةَ أَمثالٍ، مُبتَدِئًا بِمَثَلِ الزّارِعِ (متّى 13: 1-23)، وَهُوَ آخِرُ جُهدٍ بَذَلَهُ يَسوعُ لِيَحمِلَ التَّلاميذَ وَالجُموعَ السّامِعينَ على اتِّخاذِ مَوقِفٍ حاسِمٍ تُجاهَ كَلِمَةِ اللهِ. فالمَثَلُ لا يَهدِفُ إِلى نَقلِ مَعلومَةٍ فَحَسب، بَل يَدعو السّامِعينَ إِلى التَّفكيرِ، وَيُواجِهُهُم بِضَرورَةِ الاِختِيارِ، لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ "حَيَّةٌ فَعّالَةٌ، أَمضى مِن كُلِّ سَيفٍ ذي حَدَّين" (العِبرانيّين 4: 12)، فَهِيَ إِمَّا كَلِمَةُ حَياةٍ تُولِدُ الإِنسانَ وِلادَةً جَديدَةً (1 بطرس 1: 23)، وَإِمَّا تَكونُ مِعيارًا لِلدَّينونَةِ لِمَن يَرفُضُها، كَما قالَ الرَّبُّ: "الكَلِمَةُ الَّتي تَكَلَّمتُ بِها هِيَ تَدينُهُ في اليَومِ الأَخيرِ" (يوحنّا 12: 48). ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم أَنَّ يَسوعَ لَم يَختَرِ الأَمثالَ لِيُخفِيَ الحَقَّ، بَل لِيُوقِظَ قُلوبَ السّامِعينَ وَيَستَثيرَ فِكرَهُم، فَيَبحَثوا بِجِدٍّ عَنِ الحَقِّ، قائِلًا: "إِنَّ المَثَلَ يَجذِبُ السّامِعَ إِلى التَّأمُّلِ، وَيَجعَلُهُ يَكتَشِفُ الحَقَّ بِنَفسِهِ"(467، PG 57).
ويُضيفُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ أَنَّ البِذارَ الَّتي يَزرَعُها المَسيحُ هِيَ كَلِمَةُ اللهِ الحَيَّةُ، وَأَنَّ ثَمَرَها لا يَتَوَقَّفُ عَلَى قُوَّتِها، بَل عَلَى استِعدادِ القَلبِ لِقَبولِها، إذ يقو: "إِنَّ الكَلِمَةَ الإِلٰهِيَّةَ تَبقى قادِرَةً عَلَى الإِثمارِ دَومًا، غَيرَ أَنَّ الثَّمَرَ يَختَلِفُ بِاختِلافِ الأَرضِ الَّتي تَستَقبِلُها"(425 ، PG 72). ويُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس أَنَّ السّامِعينَ لَيسوا مَجرَّدَ مُستَمِعينَ لِلكَلِمَةِ، بَل مَدعُوّونَ إِلى التَّجاوُبِ مَعَها، قائِلًا: "لا يَكفي أَن تَسمَعَ كَلِمَةَ اللهِ، بَل يَجِبُ أَن تُصبِحَ أَرضًا صالِحَةً تُثمِرُ ثَمَرًا"(472، PL 38).
وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ، تَبقى الضَّرورَةُ مُلِحَّةً لِأَن "تُصبِحَ كَلِمَةُ اللهِ أَكثَرَ فَأَكثَرَ قَلبَ كُلِّ نَشاطٍ كَنَسِيٍّ"، كَما أَكَّدَ البابا بندكتسُ السّادِسُ عَشَرَ في الإرشاد الرسولي 2010، رقم 1Verbum Domini,). وَمِن هُنا تَكمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحثِ في وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَحليلِهِ، ثُمَّ استِخلاصِ تَطبيقاتِهِ الرُّوحِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، لِكَي تَصيرَ كَلِمَةُ اللهِ، عَلَى حَدِّ تَعبيرِ القِدِّيسِ ايرونيموس، "غِذاءَ النَّفسِ اليَوميَّ، فَجَهلُ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ هُوَ جَهلٌ بِالمَسيحِ"(17، PL 24).
أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 13: 1-23)
1. "في ذٰلِكَ اليَومِ خَرَجَ يَسوعُ مِنَ البَيتِ، وجَلَسَ بِجانِبِ البَحرِ"
تُشيرُ عِبارَةُ "في ذٰلِكَ اليَومِ" إِلى انتِقالٍ جَديدٍ في أُسلوبِ خِدمَةِ يَسوعَ التَّعليمِيَّةِ، إِذ يَبتَدِئُ بِتَعليمِ الجُموعِ في الخِطابِ الثّالِثِ في إِنجيلِ مَتّى، وَهُوَ "خِطابُ الأَمثالِ" (متّى 13)، بَعدَ أَن واجَهَ رَفضَ القادَةِ الدِّينيِّينَ وَقَساوَةَ قُلوبِهِم (متّى 12). فالأَمثالُ لَيسَت تَغييرًا في مَضمونِ الرِّسالَةِ، بَل في طَريقَةِ تَقديمِها؛ فَهِيَ تُعلِنُ الحَقَّ لِمَن يَطلُبُهُ بِقَلبٍ مُتواضِعٍ وَمُنفتِحٍ، وَفي الوَقتِ نَفسِهِ تَدعو السّامِعينَ إِلى التَّأَمُّلِ وَالتَّمييزِ وَاتِّخاذِ المَوقِفِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: "إِنَّ المَسيحَ لَم يَستَعمِلِ الأَمثالَ لِيُخفِيَ الحَقَّ، بَل لِيُثيرَ رَغبَةَ السّامِعينَ في البَحثِ عَنهُ، فَيُصبِحُ التَّعلِيمُ أَثبَتَ في قُلوبِهِم" (472، PG 57). وَهٰكَذا تَحمِلُ الأَمثالُ بُعدًا رَعَوِيًّا وَلاهوتِيًّا في آنٍ واحِدٍ، فَتَكشِفُ أَسرارَ المَلَكوتِ لِلمُؤمِنينَ، وَتُواجِهُ في الوَقتِ نَفسِهِ قَساوَةَ قُلوبِ الرّافِضينَ.
أَمَّا عِبارَةُ "خَرَجَ" فَتُشيرُ إِلى حَرَكَةِ المَسيحِ نَحوَ العالَمِ، فَهُوَ الَّذي "خَرَجَ مِن عِندِ الآبِ وَأَتى إِلى العالَم" (يوحنّا 13: 3؛ 16: 28)، لِيُعلِنَ لِلبَشَرِ بُشرى الخَلاصِ. وَلا يَقتَصِرُ هٰذا الخُروجُ عَلى الانتِقالِ المَكانيِّ، بَل يَحمِلُ بُعدًا لاهوتيًّا خَلاصيًّا، يُجسِّدُ مُبادَرَةَ اللهِ الَّذي يَخرُجُ لِلبَحثِ عَنِ الإِنسانِ. وَيُعَلِّقُ العَلّامَةُ أوريجانوس قائلًا: "عِندما يَكونُ يَسوعُ مَعَ الجُموعِ يَكونُ خارِجَ البَيتِ، لأَنَّ الجُموعَ خارِجُ البَيتِ. إِنَّهُ يَترُكُ البَيتَ وَيَذهَبُ إِلى الَّذينَ لا يَقدِرونَ أَن يَأتوا إِلَيهِ" (1000، PG 13). فَخُروجُهُ إِذًا هُوَ خُروجُ المَحبَّةِ الَّتي تَبحَثُ عَنِ الضّالِّ وَتَدعوهُ إِلى الخَلاصِ.
أَمَّا عِبارَةُ "البَيتِ" فَتُشيرُ ظاهِرًا إِلى المَنزِلِ الَّذي كانَ يُقيمُ فيهِ يَسوعُ، وَلٰكِنَّها تَحمِلُ أَيضًا مَعنًى رَمزيًّا، فَالبَيتُ في إِنجيلِ متّى يُشيرُ إِلى جَماعَةِ المُؤمِنينَ، أَيِ الكَنيسَةِ، الَّتي يَجتَمِعُ فيها أَهلُ اللهِ لِسَماعِ الكَلِمَةِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه إِلى أَنَّ البَيتَ يُمثِّلُ أَوَّلًا شَعبَ العَهدِ القَديمِ، وَخُروجَ يَسوعَ مِنهُ يُمهِّدُ لِتَوسيعِ دَعوَةِ الخَلاصِ لِتَشمَلَ جَميعَ الأُمَمِ (1009، PL 9).
أَمَّا عِبارَةُ "وجَلَسَ بِجانِبِ البَحرِ" فَتُشيرُ إِلى المَكانِ الَّذي اعتادَ يَسوعُ أَن يَلتَقيَ فيهِ الجُموعَ وَيُعَلِّمَهُم (مرقس 4: 1). وَالجُلوسُ هُنا هُوَ جُلسَةُ المُعَلِّمِ الرَّبّانِيِّ الَّذي يَجلِسُ لِيُعلِّمَ بِسُلطانٍ.
أَمَّا "البَحرُ" فَيُشيرُ إِلى بَحرِ طَبَرِيَّةَ، وَهُوَ في الرَّمزِ الكِتابِيِّ يُمثِّلُ العالَمَ المُضطَرِبَ، المَملوءُ بِالصِّراعاتِ وَالمُقاوَمَةِ لِكَلِمَةِ اللهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم أَنَّ المَسيحَ لَم يَجلِس في الهَيكَلِ فَحَسب، بَل خَرَجَ إِلى شاطِئِ البَحرِ، "لِيُظهِرَ أَنَّ تَعليمَهُ مُوَجَّهٌ إِلى الجَميعِ، وَأَنَّهُ لا يَحجُبُ كَلِمَةَ الخَلاصِ عَن أَحَدٍ" (385، PG 57). وهكذا يُفتَتِحُ يَسوعُ خِطابَ الأَمثالِ بِصُورَةٍ لاهوتيَّةٍ عَميقَةٍ: فَهُوَ يَخرُجُ مِنَ البَيتِ لِيَلتَقيَ العالَمَ، وَيَجلِسُ عِندَ البَحرِ لِيَزرَعَ كَلِمَةَ اللهِ في قُلوبِ النّاسِ، مُعلِنًا أَنَّ رِسالَةَ المَلَكوتِ لَيسَت حِكرًا عَلى فِئَةٍ دونَ أُخرى، بَل هِيَ دَعوَةٌ شامِلَةٌ لِكُلِّ مَن يَملِكُ أُذُنًا تُصغي وَقَلبًا يَقبَلُ الكَلِمَةَ وَيُثمِرُ بِها.
2. "فَازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى إِنَّهُ رَكِبَ سَفِينَةً وَجَلَسَ، وَالْجَمْعُ كُلُّهُ قَائِمٌ عَلَى الشَّاطِئِ"
تُشيرُ عِبارَةُ "جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ" إلى كَثرَةِ الَّذينَ أَقبَلوا إِلى يَسوعَ وَتَنوُّعِهِم، فَقَد جاءوا مِن مُختَلَفِ المُدُنِ وَالقُرى لِيَسمَعوا كَلِمَةَ اللهِ، وَيَطلُبوا الشِّفاءَ وَالخَلاصَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائلًا: "إِنَّ الجُموعَ لَم تَجتَمِعْ حَولَهُ لِتَسمَعَ تَعاليمَهُ فَحَسب، بَل لِتُعايِنَ أَعمالَهُ، وَتَنالَ شِفاءَها، وَتَشبَعَ جوعَها، وَتَتمتَّعَ بِجَمالِ حُضورِهِ"(385، PG 57). وَيُظهِرُ هٰذا الاِزدِحامُ أَنَّ يَسوعَ أَصبَحَ مَركَزَ الرَّجاءِ لِلشَّعبِ، لأَنَّهُ جَمَعَ بَينَ سُلطانِ الكَلِمَةِ وَرَحمَةِ العَمَلِ.
أَمَّا عِبارَةُ "رَكِبَ سَفِينَةً" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ يَسوعَ استَخدَمَ أَحَدَ قَوارِبِ الصَّيدِ مِنبَرًا طَبيعيًّا يُخاطِبُ مِنهُ الجُموعَ المُحتَشِدَةَ عَلَى الشّاطِئِ (مرقس 3: 9). وَفِي التَّفسيرِ الآبائِيِّ، تَحمِلُ السَّفينَةُ بُعدًا رَمزيًّا، فَهِيَ تُشيرُ إِلى الكَنيسَةِ الَّتي تُبحِرُ في بَحرِ العالَمِ، وَالمَسيحُ في وَسَطِها يُعَلِّمُ وَيَقودُ شَعبَهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: "السَّفينَةُ تُمثِّلُ الكَنيسَةَ، الَّتي فيها يَجلِسُ المَسيحُ مُعَلِّمًا، وَمِنها يَنشُرُ كَلِمَةَ الحَياةِ إِلى العالَمِ"(1011، PL 9).
أَمَّا عِبارَةُ "وَجَلَسَ" فَتُشيرُ إِلى وَضعِيَّةِ المُعَلِّمِ الرَّبّانِيِّ، فَقَد جَرَتِ العادَةُ عِندَ المُعَلِّمينَ في إِسرائيلَ أَن يَجلِسوا عِندَ التَّعليمِ، دَلالَةً عَلَى سُلطانِهِم. وَهٰكَذا يَجلِسُ يَسوعُ لا كَواحِدٍ مِنَ الكَتَبَةِ، بَل كَصاحِبِ سُلطانٍ، كَما سَبَقَ أَن شَهِدَتِ الجُموعُ: "كانَ يُعَلِّمُهُم كَمَن لَهُ سُلطانٌ، لا مِثلَ كَتَبَتِهِم" (متّى 7: 29). وَيُشيرُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ إِلى أَنَّ جُلوسَ المَسيحِ يَدُلُّ عَلَى ثَباتِ الحَقِّ الإِلٰهِيِّ، فَهُوَ "يَجلِسُ كَمُعَلِّمِ الحَقِّ، لِيُثبِتَ كَلِمَةَ الحَياةِ في قُلوبِ سامِعيهِ" (429 ، PG 72).
أَمَّا عِبارَةُ "وَالجَمعُ كُلُّهُ قائِمٌ عَلَى الشّاطِئِ" فَتُشيرُ إِلى شَوقِ الجُموعِ وَاستِعدادِها لِسَماعِ كَلِمَةِ اللهِ، فَقَد بَقُوا واقِفينَ إِكرامًا لِلمُعَلِّمِ وَرَغبَةً في الاِستِماعِ إِلَيهِ. وَيَرى القِدِّيسُ أُوغُسطينوس في هٰذِهِ الصُّورَةِ رَمزًا لِحالِ البَشَرِيَّةِ، فَالشّاطِئُ يُمثِّلُ العالَمَ، وَالسَّفينَةُ تُمثِّلُ الكَنيسَةَ، وَالمَسيحُ يَدعو الجَميعَ مِنها إِلى دُخولِ شَرِكَةِ الخَلاصِ، قائِلًا: "كانَ الجَمعُ عَلَى الشّاطِئِ، أَمَّا المَسيحُ فَكانَ في السَّفينَةِ، لِيَدعو الواقِفينَ عَلَى الشّاطِئِ إِلى الدُّخولِ إِلى سَفينَةِ الوَحدَةِ" (605، PL 38). وهكذا تُظهِرُ هٰذِهِ الآيَةُ يَسوعَ مُعَلِّمًا إِلٰهِيًّا يَجلِسُ في سَفينَةِ الكَنيسَةِ، وَيُخاطِبُ الجُموعَ الواقِفَةَ عَلَى شاطِئِ العالَمِ، مُعلِنًا أَنَّ كَلِمَةَ اللهِ مُوَجَّهَةٌ إِلى الجَميعِ، وَأَنَّ الكَنيسَةَ سَتَبقى، عَبرَ العُصورِ، السَّفينَةَ الَّتي يَواصِلُ المَسيحُ مِن خِلالِها تَعليمَ البَشَرِيَّةِ وَقِيادَتَها نَحوَ مِيناءِ الخَلاصِ.
3. "فَكَلَّمَهُم بِالأَمثالِ على أُمورٍ كَثيرَةٍ قالَ: هُوَذا الزَّارِعُ قَد خَرَجَ لِيَزرَعَ"
تُشيرُ عِبارَةُ "فَكَلَّمَهُم" إلى أَنَّ يَسوعَ وَجَّهَ كَلامَهُ إِلى الجَميعِ دونَ تَمييزٍ، فَدَعوَتُهُ وَرِسالَتُهُ شَامِلَتانِ لِكُلِّ إِنسانٍ، إِذ "يُريدُ أَنَّ جَميعَ النّاسِ يَخلُصونَ وَإِلى مَعرِفَةِ الحَقِّ يُقبِلونَ" (1 طيموثاوس 2: 4). ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "إِنَّ المَسيحَ لَم يَخصَّ بِتَعليمِهِ فِئَةً دونَ أُخرى، بَل بَذَرَ كَلِمَتَهُ أَمامَ الجَميعِ، لأَنَّ نِعمَةَ الخَلاصِ مَعروضَةٌ لِكُلِّ مَن يَقبَلُها"(432، PG 72).
أَمَّا عِبارَةُ "بِالأَمثالِ" فَتُشيرُ إِلى أُسلوبٍ تَعليميٍّ يَستَخدِمُ صُوَرًا وَأَحداثًا مُستَمَدَّةً مِنَ الطَّبيعَةِ وَالحَياةِ اليَوميَّةِ، لِيُعلِنَ مِن خِلالِها حَقائِقَ رُوحِيَّةً وَلاهوتِيَّةً عَميقَةً. وَكَلِمَةُ "مَثَل" في الأَصلِ اليونانيِّ παραβολή تَعني: "وَضعَ شَيئَينِ جَنبًا إِلى جَنبٍ لِغايَةِ المُقارَنَةِ"، أَي إِنَّ المَثَلَ يَنطَلِقُ مِن واقِعٍ مَحسوسٍ وَمَألوفٍ لِيَقودَ السّامِعَ إِلى حَقيقَةٍ إِلٰهِيَّةٍ غَيرِ مَنظورَةٍ. فَهُوَ لَيسَ مُجرَّدَ قِصَّةٍ أَو تَشبيهٍ أَدَبِيٍّ، بَل وَسيلَةٌ إِلٰهِيَّةٌ يَكشِفُ بِها المَسيحُ أَسرارَ مَلَكوتِ اللهِ لِمَن لَهُ قَلبٌ مُنفتِحٌ وَمُستَعِدٌّ لِلإِيمانِ، وَفي الوَقتِ نَفسِهِ يَدعو السّامِعَ إِلى التَّأَمُّلِ وَالتَّمييزِ وَاتِّخاذِ المَوقِفِ. فَالمَثَلُ يَكشِفُ سِرَّ اللهِ وَسِرَّ مَلَكوتِهِ بِطَريقَةٍ تُقَرِّبُ الحَقيقَةَ الإِلٰهِيَّةَ إِلى ذِهنِ الإِنسانِ وَقَلبِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيُّ: "إِنَّ المَسيحَ يَستَعمِلُ الأَمثالَ لِيَقودَ السّامِعينَ مِنَ الأُمورِ المَنظورَةِ إِلى فَهمِ الأَسرارِ غَيرِ المَنظورَةِ"(693، PG 72). وَيَختَلِفُ المَثَلُ عَنِ الحِكمَةِ (παροιμία) الَّتي تَكونُ عِبارَةً وَجيزَةً تَحمِلُ مَعنًى أَدبيًّا أَو أَخلاقيًّا، كَما في أَمثالِ سُلَيمانَ: "مَخافَةُ الرَّبِّ رَأسُ العِلمِ، والحِكمَةَ والتَّأديبَ يَستَهينُ بِهِما الأَغبِياءُ" (أمثال 1: 7). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "إِنَّ يَسوعَ يَستَعمِلُ الأَمثالَ لِيَجذِبَ السّامِعينَ إِلى التَّأمُّلِ، فَلا يَتَجاوَزوا الكَلِماتِ، بَل يَبحَثوا عَنِ المَعنى الكامِنِ فيها" (389 ، PG 57). ويُضيفُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "المَثَلُ يَفتَحُ بابَ الحَقِّ لِمَن يَقرَعُ بِالإِيمانِ، وَيُغلِقُهُ في وَجهِ المُتكَبِّرِ الَّذي يَكتَفي بِظاهِرِ الكَلامِ"(1363، PL 35). وَقَد وَرَدَ في الأَناجيلِ الإِزائيَّةِ نَحوُ ثَلاثينَ مَثَلًا، وَجَمَعَ متّى الإِنجيليُّ في هٰذا الفَصلِ سَبعَةَ أَمثالٍ تَدورُ كُلُّها حَولَ أَسرارِ مَلَكوتِ السَّماواتِ: مَثَلُ الزّارِعِ (13: 1-23)، وَالزُّؤانِ (13: 24-30)، وَحَبَّةِ الخَردَلِ (13: 31-32)، وَالخَميرَةِ (13: 33)، وَالكَنزِ المَخفِيِّ وَاللُّؤلُؤَةِ الثَّمينَةِ (13: 44-46)، وَالشَّبَكَةِ (13: 47-50)، وَالكَنزِ الجَديدِ وَالقَديمِ (13: 51-52). وَتُظهِرُ هٰذِهِ الأَمثالُ خُصوصِيَّةَ تَعليمِ يَسوعَ، وَتُميِّزُ بَينَ الإِعلانِ المُوَجَّهِ إِلى الجُموعِ وَالتَّفسيرِ الَّذي خَصَّ بِهِ تَلاميذَهُ (متّى 13: 10-17). وَيُؤَكِّدُ متّى بِخاصَّةٍ البُعدَ السِّرِّيَّ لِلأَمثالِ، فَهِيَ تَدعو السّامِعينَ إِلى الإِيمانِ وَالتَّمييزِ، لأَنَّ "لَكُم أُعطِيَ أَن تَعرِفوا أَسرارَ مَلَكوتِ السَّماوات، وأَمَّا أُولئكَ فَلَم يُعطَوا"(متّى 13: 11).
أَمَّا عِبارَةُ "على أُمورٍ كَثيرَةٍ" فَتُشيرُ إِلى غِنى تَعليمِ يَسوعَ وَتَنَوُّعِه، فَالأَمثالُ لا تَقتَصِرُ عَلَى مَوضوعٍ واحِدٍ، بَل تُضيءُ مُختَلِفَ جَوانِبِ مَلَكوتِ اللهِ وَتَدبيرِ الخَلاصِ.
أَمَّا عِبارَةُ "هُوَذا الزَّارِعُ" فَتُشيرُ أَوَّلًا إِلى يَسوعَ نَفسِهِ، الَّذي يَخرُجُ لِيَبذُرَ كَلِمَةَ اللهِ في قُلوبِ البَشَرِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "يَدعو يَسوعُ تَعاليمَهُ بَذارًا، وَنُفوسَ البَشَرِ حَقلًا، وَيَدعو نَفسَهُ الزّارِعَ"(390، PG 57). وَيُضيفُ القِدِّيسُ ايرونيموس: "الزّارِعُ هُوَ المَسيحُ، وَالبِذارُ هِيَ كَلِمَةُ اللهِ، وَالحُقولُ هِيَ قُلوبُ البَشَرِ" ( 91 ،26 PL).
أَمَّا عِبارَةُ "قَد خَرَجَ"، فَفي الأَصلِ اليونانيِّ ἐξῆλθεν، فَتُعيدُ القارِئَ إِلى الآيَةِ الأُولى مِنَ الفَصلِ، حَيثُ "خَرَجَ يَسوعُ مِنَ البَيتِ" (متّى 13: 1). وَهٰذا الرَّبطُ يُظهِرُ أَنَّ الزّارِعَ هُوَ يَسوعُ نَفسُهُ الَّذي خَرَجَ مِن عِندِ الآبِ لِيَزرَعَ كَلِمَةَ الحَياةِ في العالَمِ.
أَمَّا عِبارَةُ "لِيَزرَعَ" فَتُشيرُ إِلى عَمَلِ الفَلّاحِ الَّذي يَنثُرُ البِذارَ بِسَخاءٍ وَثِقَةٍ، دُونَ أَن يُمَيِّزَ بَينَ أَنواعِ الأَرضِ، رَغمَ عِلمِهِ أَنَّ بَعضَها لَن يُثمِرَ. وَهٰكَذا يَفعَلُ اللهُ مَعَ البَشَرِ، فَيُقَدِّمُ كَلِمَتَهُ لِلجَميعِ بِلا مُحاباةٍ، وَيَدعو كُلَّ إِنسانٍ إِلى الخَلاصِ، مُحتَرِمًا حُرِّيَّتَهُ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ غِريغوريوسُ الكَبيرُ: «إِنَّ الزّارِعَ لا يَبخَلُ بِالبِذارِ، بَل يَبذُرُها في كُلِّ مَكانٍ، لأَنَّهُ يَرجو أَن تَجِدَ قُلوبًا صالِحَةً تُثمِرُ"(1135، PL 76). فَبِذارُ المَلَكوتِ هِيَ إِعلانُ اللهِ الَّذي يُخاطِبُ البَشَرَ جَميعًا، وَيَدعو كُلَّ واحِدٍ إِلى شَرِكَةِ الحَياةِ مَعَهُ. إِنَّها البُشرى السّارَّةُ بِأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ بَذارُ حَياةٍ وَخَلاصٍ لِكُلِّ إِنسانٍ، لا لِفِئَةٍ دُونَ أُخرى. فَلا وُجودَ لِمُمتازينَ وَمُستَبعَدينَ أَمامَ اللهِ، لأَنَّهُ "يُريدُ أَن يَخلُصَ جَميعُ النّاسِ وَيَبلُغوا إِلى مَعرِفَةِ الحَقِّ" (1 طيموثاوس 2: 4). وَهٰذا هُوَ جَمالُ المَلَكوتِ وَقُوَّتُهُ: أَنَّ كَلِمَةَ اللهِ تُزرَعُ في قَلبِ كُلِّ إِنسانٍ، الغَنِيِّ وَالفَقيرِ، البارِّ وَالخاطِئِ، الكَبيرِ وَالصَّغيرِ، وَتَنتَظِرُ أَن تَجِدَ أَرضًا طَيِّبَةً تُؤتِي ثَمَرًا وَفيرًا. وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ، يَقومُ العَمَلُ التَّبشيرِيُّ لَيسَ عَلَى البَلاغَةِ أَو المَنطِقِ البَشَرِيِّ فَحَسب، بَل عَلَى بَذرِ كَلِمَةِ اللهِ الحَيَّةِ في تُربَةِ القُلوبِ، كَما يُعَلِّمُ الرَّسولُ بُطرُسُ: "إِنَّكُم وُلِدتُم وِلادَةً ثانِيَةً، لا مِن زَرعٍ فاسِدٍ، بَل مِن زَرعٍ غَيرِ فاسِدٍ، مِن كَلِمَةِ اللهِ الحَيَّةِ الباقِيَةِ" (1 بطرس 1: 23). فَنَجاحُ البِشارَةِ لا يَعتمِدُ أَوَّلًا عَلَى مَهارَةِ الزّارِعِ، بَل عَلَى قُوَّةِ الكَلِمَةِ الإِلٰهِيَّةِ وَاستِعدادِ القَلبِ لِقَبولِها وَالإِثمارِ بِها.
4. وَبَينَما هُوَ يَزرَعُ، وَقَعَ بَعضُ الحَبِّ عَلى جانِبِ الطَّريق، فَجاءَتِ الطُّيورُ فَأَكَلَتْهُ.
تُشيرُ عِبارَةُ "الحَبِّ" إِلى كَلِمَةِ اللهِ، أَي رِسالَةِ المَلَكوتِ الَّتي جاءَ يَسوعُ يُعلِنُها مِن عِندِ الآبِ. فَالبِذارُ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ الَّتي تَحمِلُ في ذاتِها قُوَّةَ الحَياةِ وَالخَلاصِ، كَما يُوضِّحُ لوقا الإِنجيليُّ: "البِذارُ هِيَ كَلِمَةُ اللهِ" (لوقا 8: 11). وَإِذا كانَتِ البِذارُ تُشيرُ إِلى كَلِمَةِ اللهِ، فَإِنَّها تُشيرُ أَيضًا، بِمَعنًى أَعمَقَ، إِلى المَسيحِ نَفسِهِ، لأَنَّهُ "الكَلِمَةُ" المُتَجَسِّدُ (يوحنا 1: 1، 14)، الَّذي أَلقَى نَفسَهُ في تُربَةِ العالَمِ لِيَمَنَحَ الحَياةَ. وَلهٰذا شَبَّهَ يَسوعُ نَفسَهُ بِحَبَّةِ الحِنطَةِ الَّتي تَقَعُ في الأَرضِ وَتَموتُ لِتُثمِرَ ثَمَرًا كَثيرًا (يوحنا 12: 24). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "المَسيحُ هُوَ الزّارِعُ، وَهُوَ أَيضًا البِذارُ، لأَنَّهُ يُعطِي الكَلِمَةَ، وَهُوَ الكَلِمَةُ ذاتُها" (PL 38).
أَمَّا عِبارَةُ "جانِبِ الطَّريق" فَتُشيرُ إِلى المَمَرِّ الَّذي يَعبُرُهُ النّاسُ نَحوَ الحُقولِ، حَيثُ تَبقى البِذارُ مَكشوفَةً عَلى السَّطحِ، فلا تَدخُلُ إِلى التُّربَةِ وَلا تُغطَّى بِالتُّرابِ. وَتُرمِزُ هٰذِهِ الأَرضُ إِلى القَلبِ القاسِي وَغَيرِ المُبالي، الَّذي لا يَفتَحُ نَفسَهُ لِكَلِمَةِ اللهِ، فَتَبقى خارِجَهُ دُونَ أَن تَتَجَذَّرَ فِيهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيُّ: " الطَّريقُ صُلبٌ عَلى الدَّوامِ، تَطَؤُهُ أَقدامُ العابرينَ، وَلهٰذا لا يَستَطيعُ أَن يَقبَلَ البِذارَ" (696، (PG 72. وَيُؤَكِّدُ لوقا الإِنجيليُّ هٰذا المَعنى بِقَولِهِ:" بَعضُ الحَبِّ وَقَعَ عَلى جانِبِ الطَّريقِ، فَداسَتهُ الأَقدامُ»" (لوقا 8: 5)، فَالقَلبُ الَّذي تَتَسلَّطُ عَلَيهِ انشِغالاتُ العالَمِ وَقَساوَةُ الخَطيئَةِ يَفقِدُ القُدرَةَ عَلى قَبولِ الكَلِمَةِ.
أَمَّا عِبارَةُ "الطُّيورُ" فَتُشيرُ، وَفْقًا لِتَفسيرِ يَسوعَ نَفسِهِ، إِلى الشِّرِّيرِ، أَيِ الشَّيطانِ، الَّذي يَختَطِفُ الكَلِمَةَ مِنَ القَلبِ قَبلَ أَن تَتَجَذَّرَ وَتُثمِرَ (مرقس 4: 15؛ متّى 13: 19). فَهُوَ قُوَّةٌ شَخصِيَّةٌ تُقاوِمُ عَمَلَ اللهِ وَتَسعى إِلى مَنعِ نُموِّ المَلَكوتِ في قُلوبِ البَشَرِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: "لَيسَ العَيبُ في البِذارِ، بَلْ في الطَّريقِ الَّذي لَم يَتْرُكْ لِلكَلِمَةِ أَنْ تَدخُلَ إِلى الدّاخِلِ"(467، PG 57). وَمِنْ هُنا يَظهَرُ أَنَّ السَّبَبَ الأَوَّلَ لِعَدَمِ إِثمارِ كَلِمَةِ اللهِ لَيسَ ضَعفَ الكَلِمَةِ، بَلْ قَساوَةُ القَلبِ الَّتي تَسمَحُ لِلشِّرِّيرِ بِأَنْ يَختَطِفَها قَبلَ أَنْ تَتَجَذَّرَ. فَاللهُ يَبذُرُ الكَلِمَةَ بِسَخاءٍ، أَمَّا إِثمارُها فَيَتَوَقَّفُ عَلى انفِتاحِ القَلبِ وَاستِعدادِهِ لِقَبولِها وَالمُثابَرَةِ عَلَيها.
5. "وَوَقَعَ بَعضُهُ الآخَرُ عَلَى أَرضٍ حَجِرَةٍ، لَم يَكُنْ لَهُ فِيها تُرابٌ كَثيرٌ، فَنَبَتَ مِن وَقتِهِ، لأَنَّ تُرابَهُ لَم يَكُنْ عَميقًا"
تُشيرُ عِبارَةُ "أَرضٍ حَجِرَةٍ"، في الأَصلِ اليونانيِّ πετρώδη، إلى أَماكِنَ صَخرِيَّةٍ، لا إلى أَرضٍ مَملوءةٍ بِالحِجارَةِ، بَل إلى طَبَقَةٍ رَقيقَةٍ مِنَ التُّربَةِ تُغَطِّي صَخرًا صُلبًا، فَلا تَستَطيعُ الجُذورُ أَن تَتَعَمَّقَ فِيها. وَكانَ هٰذا النَّوعُ مِنَ الأَراضي شائِعًا في الجَليلِ، حَيثُ تَبدُو الأَرضُ في ظاهِرِها صالِحَةً لِلزِّراعَةِ، لٰكِنَّها تَخفِي تَحتَها صَخرًا يَمنَعُ نُموَّ الجُذورِ. وَيُمثِّلُ هٰذا النَّوعُ مِنَ التُّربَةِ القَلبَ الَّذي يَستَقبِلُ كَلِمَةَ اللهِ بِحَماسٍ عابِرٍ، دُونَ أَن يَسمَحَ لَها بِأَن تَتَجَذَّرَ في أَعماقِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لَم يَقُلِ الرَّبُّ إِنَّ البِذارَ فَسَدَ، بَل إِنَّ الأَرضَ لَم تُعطِهِ فُرصَةً لِيُرسِلَ جُذورَهُ إِلى العُمقِ، فَكانَ العَيبُ في التُّربَةِ لا في البِذارِ", 391) PG 57).
أَمَّا عِبارَةُ "فَنَبَتَ مِن وَقتِهِ" فَتُشيرُ إلى سُرعَةِ إِنباتِ الحَبِّ، لأَنَّ الحَرارَةَ تَصِلُ إِلَيهِ بِسُرعَةٍ مِن خِلالِ طَبَقَةِ التُّربَةِ الرَّقيقَةِ. وَهُوَ رَمزٌ لِمَن يَقبَلُ كَلِمَةَ اللهِ بِانفِعالٍ وَحَماسٍ وَقْتِيٍّ، لٰكِنَّهُ لا يُثابِرُ عَلَيها. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "إِنَّهُم يَفرَحونَ بِالكَلِمَةِ، وَلٰكِنَّهُم لا يَثبُتونَ فيها، لأَنَّ الفَرَحَ وَحدَهُ لا يَكفي ما لَم يَكُنْ لَهُ جِذرُ المَحبَّةِ وَالمُثابَرَةِ" (472، PL 38).
أَمَّا عِبارَةُ "لأَنَّ تُرابَهُ لَم يَكُنْ عَميقًا" فَتُشيرُ إلى غِيابِ العُمقِ الرُّوحِيِّ، أَي إِلى القَلبِ الَّذي يَفتَقِرُ إِلى الثَّباتِ وَالصَّبرِ وَالتَّجَذُّرِ في الإِيمانِ. وَيُضيفُ لوقا الإِنجيليُّ أَنَّ النَّباتَ "يَبِسَ لِأَنَّهُ لَم تَكُنْ لَهُ رُطوبَةٌ" (لوقا 8: 6)، وَالرُّطوبَةُ هُنا رَمزٌ لِعَمَلِ النِّعمَةِ الإِلٰهِيَّةِ وَحَياةِ الصَّلاةِ الَّتي تُبقي الإِيمانَ حَيًّا وَمُثمِرًا. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "إِنَّ الَّذينَ يَقبَلونَ الكَلِمَةَ بِفَرَحٍ، وَلٰكِن دُونَ أَن يَتَأَصَّلوا في المَحبَّةِ وَالصَّبرِ، يَذبُلونَ عِندَ أَوَّلِ تَجرِبَةٍ، لأَنَّ جُذورَ الإِيمانِ لَم تَبلُغْ عُمقَ القَلبِ"(605، PG 72). وَيُضيفُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "لا يَكفي أَن تَبدَأَ حَسَنًا، بَل يَجِبُ أَن تُثابِرَ إِلى النِّهايَةِ؛ فَالثَّمَرُ لا يَأتِي مِن سُرعَةِ الإِنباتِ، بَل مِن عُمقِ الجُذورِ"1139 ، PL 76).
وهكذا يُمثِّلُ هٰذا النَّوعُ مِنَ الأَرضِ الصَّنفَ الثّانيَ مِنَ السّامِعينَ، الَّذينَ يَستَقبِلونَ كَلِمَةَ اللهِ بِحَماسٍ وَفَرَحٍ، لٰكِنَّهُم لا يَسمَحونَ لَها بِأَن تَتَجَذَّرَ في أَعماقِهِم بِالصَّلاةِ وَالمُثابَرَةِ وَقَبولِ التَّجارِبِ، فَيَذبُلُ إِيمانُهُم عِندَ أَوَّلِ مِحنَةٍ أَوِ اضطِهادٍ، لأَنَّ القَلبَ الَّذي يَفتَقِرُ إِلى العُمقِ لا يَستَطيعُ أَن يُثمِرَ ثَمَرًا دائِمًا لِمَلَكوتِ اللهِ.
6. "فَلَمَّا أَشرَقَتِ الشَّمسُ احتَرَقَ، وَلَم يَكُنْ لَهُ أَصلٌ فَيَبِسَ"
تُشيرُ عِبارَةُ "احتَرَقَ" إلى أَنَّ حَرارَةَ الشَّمسِ أَذهَبَت رُطوبَةَ النَّباتِ، وَلَم يَجِدْ في التُّربَةِ الرَّقيقَةِ ما يُعينُهُ على مُقاوَمَةِ الحَرارَةِ، لأَنَّ جُذورَهُ لَم تَستَطِعِ التَّعَمُّقَ بِسَبَبِ الصَّخرِ الكامِنِ تَحتَها. وَيُفسِّرُ يَسوعُ نَفسُهُ هٰذِهِ الصُّورَةَ قائلًا: "إِذا حَدَثَ ضيقٌ أَوِ اضطِهادٌ مِن أَجلِ الكَلِمَةِ، سُرعانَ ما يَعثرُ" (متّى 13: 21). فَالشَّمسُ لا تُشيرُ إلى الشَّرِّ في ذاتِها، بَل تُرمِزُ إلى التَّجارِبِ وَالضِّيقاتِ وَالاضطِهاداتِ الَّتي تَكشِفُ حَقيقَةَ الإِيمانِ وَمِقدارَ تَجَذُّرِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لَم يَقُلِ المَسيحُ إِنَّ الشَّمسَ أَضرَّت بِالنَّباتِ، بَل إِنَّ ضَعفَ الجُذورِ هُوَ الَّذي جَعَلَهُ يَذبُلُ. فَالتَّجارِبُ لا تُهلِكُ مَن لَهُ جِذرٌ، بَل تُظهِرُ قُوَّةَ الإِيمانِ" (392 ، PG 57).
أَمَّا عِبارَةُ "وَلَم يَكُنْ لَهُ أَصلٌ" فَتُشيرُ إلى عَدَمِ التَّجَذُّرِ في الإِيمانِ وَالحَياةِ الرُّوحِيَّةِ، فَالمُؤمِنُ الَّذي يَكتَفي بِالحَماسِ العاطِفِيِّ دُونَ أَن يَبنيَ عَلاقَتَهُ بِالمَسيحِ عَلَى الصَّلاةِ وَكَلِمَةِ اللهِ وَالأَسرارِ، يَسقُطُ عِندَ أَوَّلِ تَجرِبَةٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "الجِذرُ هُوَ المَحبَّةُ؛ فَحَيثُ لا تَكُونُ المَحبَّةُ مُتَأَصِّلَةً، لا يَستَطيعُ الإِيمانُ أَن يَثبُتَ"(588، PL 36).
أَمَّا عِبارَةُ "فَيَبِسَ" فَتُشيرُ إلى النِّهايَةِ الحَتمِيَّةِ لِلإِيمانِ السَّطحِيِّ الَّذي يَفتَقِرُ إلى المُثابَرَةِ. فَالضِّيقُ وَالاضطِهادُ لا يُنشِئانِ الضَّعفَ، بَل يَكشِفانِ ما كانَ مَخفِيًّا في القَلبِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "التَّجارِبُ لا تُفسِدُ الأَبرارَ، بَل تُنقِّيهِم؛ أَمَّا النُّفوسُ غَيرُ المُتَجَذِّرَةِ فَإِنَّها تَذبُلُ لأَنَّها لَم تَتَأَسَّسْ عَلَى الصَّخرَةِ، أَي عَلَى المَسيحِ" (1140 ، PL 76). وهٰذا هُوَ السَّبَبُ الثّانيُ لِعَدَمِ إِثمارِ البِذارِ، أَي كَلِمَةِ اللهِ؛ فَبَعضُ النّاسِ يَندَفِعونَ نَحوَ الإِنجيلِ بِحَماسٍ، لٰكِنَّهُم يَتَوَقَّفونَ عِندَ أَوَّلِ ضِيقٍ، أَو خَوفٍ، أَو حَياءٍ، أَوِ اضطِهادٍ، لأَنَّ إِيمانَهُم لَم يَتَجَذَّرْ في المَسيحِ. وَفي هٰذا السِّياقِ قالَ أَحَدُ الوُعّاظِ: "إِنَّ رِبحَ نَفسٍ لِلمَسيحِ يَحتاجُ إِلى 5% مِنَ الجُهدِ، أَمَّا المُحافَظَةُ عَلَيها في عَلاقَةٍ حَيَّةٍ مَعَهُ فَتَحتاجُ إِلى 95% مِنَ المُثابَرَةِ وَالتَّنشِئَةِ الرُّوحِيَّةِ".وهٰكذا يُعلِّمُنا يَسوعُ أَنَّ الإِيمانَ الحَقيقيَّ لا يَقاسُ بِبِداياتِهِ المُتحَمِّسَةِ، بَل بِقُدرَتِهِ عَلَى الثَّباتِ وَالإِثمارِ عِندَ مَجيءِ التَّجارِبِ، لأَنَّ "مَن يَثبُتْ إِلى المُنتَهى فَذاكَ يَخلُصُ" (متّى 24: 13).
7. "وَوَقَعَ بَعضُهُ الآخَرُ عَلَى الشَّوكِ، فَارتَفَعَ الشَّوكُ فَخَنَقَهُ"
تُشيرُ عِبارَةُ "الشَّوكِ" إلى الأَعشابِ البَرِّيَّةِ الشَّوكِيَّةِ الَّتي تَنمُو طَبيعِيًّا في الحُقولِ، وَتَمتازُ بِقُوَّتِها وَسُرعَةِ نُموِّها، فَتُنافِسُ الزَّرعَ عَلَى الرُّطوبَةِ وَالغِذاءِ وَضَوءِ الشَّمسِ، حَتّى تُضعِفَهُ وَتَمنَعَهُ مِنَ الإِثمارِ. وَيُفسِّرُ يَسوعُ نَفسُهُ هٰذَا الرَّمزَ بِأَنَّهُ يُشيرُ إلى هُمومِ الدُّنيا، وَغُرورِ الغِنى، وَشَهواتِ الحَياةِ الَّتي تَتَسَلَّلُ إِلى القَلبِ، فَتَخنُقُ كَلِمَةَ اللهِ وَتَمنَعُها مِنَ الإِثمارِ (متّى 13: 22؛ مرقس 4: 19؛ لوقا 8: 14). فَهُمومُ الدُّنيا، وَالتَّعَلُّقُ بِالثَّروَةِ، وَالسَّعيُ إِلى المَنصِبِ وَالشُّهرَةِ، وَطَلَبُ مَديحِ النّاسِ، كُلُّها تُزاحِمُ كَلِمَةَ اللهِ حَتّى تُفقِدَها فاعِلِيَّتَها في القَلبِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الكَبير: "إِنَّ الشَّوكَ هُوَ هُمومُ الحَياةِ وَغِناها وَمَلَذّاتُها، فَهِيَ تَتَكَاثَرُ في القَلبِ حَتّى لا تَدَعَ كَلِمَةَ اللهِ تُثمِرُ ثَمَرًا كامِلًا" (533 ، PG 72). وَيُوضِّحُ القِدِّيسُ إِكْلِيمَنْدُس الإِسكَندَرِيُّ أَنَّ المَشكِلَةَ لَيسَت في المالِ بِحَدِّ ذاتِهِ، بَل في التَّعَلُّقِ بِهِ وَسُوءِ استِعمالِهِ، قائِلًا: "لَيسَ الغِنى هُوَ الشَّرَّ، بَل سُوءُ استِعمالِ الغِنى؛ فَالمالُ أَداةٌ، وَإِنَّما يُصبِحُ خَطَرًا إِذا مَلَكَ القَلبَ"(621، PG 9). أَمَّا إِنجيلُ مَرقُسَ فَيُضيفُ: "وَسائِرُ الشَّهَواتِ" (مرقس 4: 19)، أَي شَهواتِ العَظَمَةِ، وَالسُّلطَةِ، وَالقُوَّةِ، وَالاِنتِقامِ، وَاللَّذَّةِ، وَكُلِّ ما يَستَعبِدُ القَلبَ وَيُبعِدُهُ عَنِ اللهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لَم يَقُلِ الرَّبُّ إِنَّ الشَّوكَ أَتلَفَ البِذارَ مُباشَرَةً، بَل خَنَقَها، أَي إِنَّ الهُمومَ لا تُزيلُ الكَلِمَةَ فَورًا، بَل تَخنُقُها شَيئًا فَشَيئًا حَتّى تَفقِدَ قُوَّتَها"(393، PG 57).
أَمَّا عِبارَةُ «"فَخَنَقَهُ" فَتُشيرُ إلى فِعلٍ يُستَعمَلُ أَصلًا لِخَنقِ الإِنسانِ أَوِ الحَيَوانِ، لٰكِنَّهُ نُسِبَ هُنا إِلى النَّباتِ عَلَى سَبيلِ الاِستِعارَةِ، لِيُصَوِّرَ قُوَّةَ الشَّوكِ الَّذي يَمنَعُ الحَياةَ عَنِ النَّباتِ وَيَقطَعُ عَنهُ أَسبابَ النُّموِّ وَالإِثمارِ. وَكَذٰلِكَ تَفعَلُ هُمومُ العالَمِ وَمَلَذّاتُهُ، فَهِيَ لا تَقتُلُ الإِيمانَ دَفعَةً واحِدَةً، بَل تُضَيِّقُ عَلَيهِ شَيئًا فَشَيئًا حَتّى يَذبُلَ وَيُصبِحَ بِلا ثَمَرٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "إِذا سَمَحَ الإِنسانُ لِهُمومِ العالَمِ أَن تَملأَ قَلبَهُ، فَإِنَّها تَخنُقُ الكَلِمَةَ الإِلٰهِيَّةَ، فَلا يَبقى فيها مَوضِعٌ لِثَمَرِ الفَضيلَةِ" (1141 ، PL 76). وهٰذا هُوَ السَّبَبُ الثّالِثُ لِعَدَمِ إِثمارِ البِذارِ؛ فَلَيسَتِ المُشكِلَةُ في كَلِمَةِ اللهِ، وَلا في الزّارِعِ، بَل في القَلبِ الَّذي يَسمَحُ لِهُمومِ العالَمِ وَغُرورِ الغِنى وَشَهواتِ الحَياةِ أَن تَستَولِيَ عَلَيهِ، فَتَحجُبَ نُورَ الإِنجيلِ، وَتَمنَعَ كَلِمَةَ المَلَكوتِ مِن أَن تُثمِرَ ثَمَرًا يَبقى لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ.
8." وَوَقَعَ بَعضُهُ الآخَرُ عَلَى الأَرضِ الطَّيِّبَةِ، فَأَثمَرَ: بَعضُهُ مِائَةً، وَبَعضُهُ سِتِّينَ، وَبَعضُهُ ثَلاثينَ"
تُشيرُ عِبارَةُ "الأَرضِ الطَّيِّبَةِ" إلى القَلبِ المُستَعِدِّ لِقَبولِ كَلِمَةِ اللهِ، المُنَظَّفِ مِن قَساوَةِ الطَّريقِ، وَعُمقِ الصَّخرِ، وَأَشواكِ هُمومِ العالَمِ. فَهِيَ الأَرضُ الَّتي تَسمَعُ الكَلِمَةَ، وَتَفهَمُها، وَتَقبَلُها بِالإِيمانِ، وَتَحفَظُها في القَلبِ، فَتُثمِرُ ثِمارًا رُوحِيَّةً وَمَلَكوتِيَّةً. وَيُفَسِّرُ يَسوعُ نَفسُهُ هٰذِهِ الأَرضَ قائِلًا: "هٰذا هُوَ الَّذي يَسمَعُ الكَلِمَةَ وَيَفهَمُها، فَيُثمِرُ، فَيُعطي مِائَةً أَو سِتِّينَ أَو ثَلاثينَ"(متّى 13: 23). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لَم يَنسُبِ المَسيحُ الإِثمارَ إِلى طَبيعَةِ البِذارِ وَحدَها، بَل إِلى استِعدادِ الأَرضِ أَيضًا؛ فَإِذا كانَ القَلبُ صالِحًا، أَثمَرَتِ الكَلِمَةُ بِغِنى" (394، PG 57).
أَمَّا عِبارَةُ "فَأَثمَرَ، بَعضُهُ مِائَةً، وَبَعضُهُ سِتِّينَ، وَبَعضُهُ ثَلاثينَ" فَتُشيرُ إلى دَرَجاتِ الإِثمارِ الَّتي تُحقِّقُها كَلِمَةُ اللهِ في القُلوبِ، بِحَسَبِ استِعدادِ كُلِّ إِنسانٍ وَتَعاوُنِهِ مَعَ النِّعمَةِ الإِلٰهِيَّةِ. فَالثَّمَرُ وَاحِدٌ في نَوعِهِ، لٰكِنَّهُ يَختَلِفُ في مِقدارِهِ. وَيُذَكِّرُنا هٰذا بِما قالَهُ يَسوعُ: "فَالأَرضُ مِن نَفسِها تُخرِجُ العُشبَ أَوَّلًا، ثُمَّ السُّنبُلَ، ثُمَّ القَمحَ الَّذي يَملأُ السُّنبُلَ" (مرقس 4: 28)، فَنُموُّ المَلَكوتِ يَتِمُّ تَدريجِيًّا حَتّى يَبلُغَ كَمالَهُ.
وَقَد ذَكَرَ بَعضُ شُرّاحِ الكِتابِ المُقَدَّسِ أَنَّ سَنابِلَ الحِنطَةِ كانَت تُثمِرُ أَحيانًا ثَلاثينَ حَبَّةً، وَأُخرى سِتِّينَ، وَأُخرى مِائَةً، وَهٰذا يُعبِّرُ عَن تَفاوُتِ المُؤمِنينَ في الاِستِجابَةِ لِلنِّعمَةِ، وَفي مُمارَسَةِ الفَضيلَةِ وَالمَحبَّةِ وَالرَّحمَةِ، وَفي ظُهورِ ثِمارِ الرُّوحِ القُدُسِ في حَياتِهِم. وَيُلاحَظُ أَنَّ لوقا الإِنجيليَّ يَذكُرُ أَعظَمَ دَرَجَةٍ مِنَ الإِثمارِ فَحَسبُ، إِذ يَقولُ: "فَأَثمَرَ مِائَةَ ضِعفٍ" (لوقا 8: 8)، وَهُوَ ما يُذَكِّرُ بِبَرَكَةِ اللهِ لِإِسحقَ: "زَرَعَ إِسحقُ في تِلكَ الأَرضِ، فَأَصابَ في تِلكَ السَّنَةِ مِائَةَ ضِعفٍ، وَبارَكَهُ الرَّبُّ" (التكوين 26: 12). وَهٰذا الإِثمارُ الغَزيرُ لَيسَ نَتيجَةَ جُهدٍ بَشَرِيٍّ فَحَسبُ، بَل ثَمَرَةُ عَمَلِ نِعمَةِ اللهِ في القَلبِ المُنفتِحِ عَلَيهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "إِذا وَقَعَتِ الكَلِمَةُ الإِلٰهِيَّةُ في نَفسٍ طاهِرَةٍ، أَرسَلَت جُذورًا عَميقَةً، وَأَنتَجَت سَنابِلَ مَملوءَةً بِالثَّمَرِ" (608، PG 72). وَيُضيفُ القِدِّيسُ إيريناوس اللِّيونيُّ: "مَجدُ اللهِ هُوَ الإِنسانُ الحَيُّ، وَحَياةُ الإِنسانِ هِيَ رُؤيَةُ اللهِ" ( 1120 ، PG 7). فَكُلَّما انفَتَحَ الإِنسانُ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ وَعاشَها، ازدادَ إِثمارُهُ وَصارَ حَياتُهُ مَجدًا للهِ. لِذٰلِكَ فَإِنَّ المَثَلَ لا يَقتَصِرُ عَلَى وَصفِ أَنواعِ الأَراضي، بَل يَدعو كُلَّ إِنسانٍ إِلى أَن يَسأَلَ نَفسَهُ: أَيُّ نَوعٍ مِنَ الأَرضِ أَنا؟ فَالمَسيحُ لا يَزالُ يَبذُرُ كَلِمَتَهُ بِسَخاءٍ، وَما يَطلُبُهُ هُوَ قَلبٌ طَيِّبٌ وَمُتَواضِعٌ، يَحفَظُ الكَلِمَةَ وَيُثمِرُ بِالصَّبرِ، كَما قالَ لوقا الإِنجيليُّ: "أَمَّا الَّذي في الأَرضِ الطَّيِّبَةِ، فَهُمُ الَّذينَ يَحفَظونَ الكَلِمَةَ في قَلبٍ صالِحٍ وَطَيِّبٍ، وَيُثمِرونَ بِالصَّبرِ" (لوقا 8: 15).
9. "فَمَنْ كانَ لَهُ أُذُنانِ فَلْيَسْمَعْ!"
تُشيرُ عِبارَةُ "فَمَنْ كانَ لَهُ أُذُنانِ فَلْيَسْمَعْ!" إلى دَعوَةِ يَسوعَ المُلحَّةِ لِلإِصغاءِ الرُّوحيِّ، لا إلى السَّماعِ الجَسَدِيِّ فَحَسب. فَهِيَ دَعوَةٌ إلى كُلِّ مَن يَملِكُ الاستِعدادَ لِقَبولِ كَلِمَةِ اللهِ وَفَهمِها وَالعَمَلِ بِها. وَقَد تَكَرَّرَت هٰذِهِ العِبارَةُ مِرارًا في العَهدِ الجَديدِ (مرقس 4: 9؛ لوقا 14: 35؛ رؤيا 2: 7)، لِتُؤَكِّدَ أَنَّ وحيَ اللهِ يَحتاجُ إلى قَلبٍ مُنفَتِحٍ وَعَقلٍ مُتيقِّظٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "إِنَّ المَسيحَ لا يَدعو إلى مُجرَّدِ السَّماعِ، بَل إلى السَّماعِ الَّذي يُنتِجُ الفَهمَ وَالطّاعَةَ"(395، PG 57).
أَمَّا عِبارَةُ "أُذُنانِ" فَلا تُشيرُ إلى العُضوِ الجَسَدِيِّ فَحَسب، بَل إلى أُذُنِ القَلبِ القادِرَةِ عَلَى الإِصغاءِ لِصَوتِ اللهِ. وَهٰذا ما سَبَقَ أَن أَعلَنَهُ موسى لِلشَّعبِ قائِلًا: "ولَم يُعطِكُمُ الرَّبُّ إِلى هٰذا اليَومِ قُلوبًا لِتَعرِفوا، وَعُيونًا لِتُبصِروا، وَآذانًا لِتَسمَعوا" (تثنية 29: 4). فَالاستِجابَةُ لِكَلِمَةِ اللهِ تَحتاجُ إلى تَحَوُّلِ القَلبِ قَبلَ حاسَّةِ السَّمعِ.
أَمَّا عِبارَةُ "فَلْيَسْمَعْ!" فَتُشيرُ إلى ضَرورَةِ الإِنصاتِ بِانتِباهٍ وَتَمييزٍ، لِفَهمِ مَعنى التَّعليمِ الَّذي يُقَدِّمُهُ يَسوعُ. فَالمَثَلُ لا يَنقُلُ مَعلومَةً فَحَسب، بَل يَدعو السّامِعَ إلى اتِّخاذِ مَوقِفٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "إِنَّ كَثيرينَ يَسمَعونَ الصَّوتَ، وَلٰكِنَّ القَليلينَ هُمُ الَّذينَ يُصغونَ بِالقَلبِ؛ فَالسَّماعُ الحَقيقيُّ هُوَ الَّذي يَتَحوَّلُ إلى عَمَلٍ"(605، PL 38). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إيرونيموس عَلَى قَولِ أَشَعْيا: "يُنَبِّهُ أُذُني صَباحًا فَصَباحًا لِأَسمَعَ كَتِلميذٍ" (أشعيا 50: 4)، قائِلًا: "إِنَّ الرَّبَّ يَهَبُ أُذُنَ القَلبِ، فَيُصبِحُ الإِنسانُ قادِرًا عَلَى سَماعِ كَلامِ اللهِ لا بِالأُذُنِ الجَسَدِيَّةِ، بَل بِالقَلبِ المُستنيرِ"(474، PL 24). وَيُؤَكِّدُ يَسوعُ هٰذا المَعنى بِقَولِهِ: "فَانتَبِهوا كَيفَ تَسمَعونَ" (لوقا 8: 18)، أَي لَيسَ المُهِمُّ أَن نَسمَعَ فَحَسب، بَل أَن نَسمَعَ بِإِيمانٍ وَفَهمٍ وَطاعَةٍ. فَمَن يَفتَحُ قَلبَهُ لِلكَلِمَةِ يَسمَعُ وَيَفهَمُ وَيَلتَزِمُ، فَيَدخُلُ في سِرِّ المَلَكوتِ وَيُثمِرُ ثَمَرًا دائِمًا. أَمَّا مَن يُغلِقُ قَلبَهُ بِالكِبرِياءِ وَالأَنانِيَّةِ، فَهُوَ يَسمَعُ دُونَ أَن يَفهَمَ، وَيَنظُرُ دُونَ أَن يُبصِرَ، كَما قالَ النَّبِيُّ أَشَعْيا: "سَماعًا تَسمَعونَ وَلا تَفهَمونَ، وَنَظَرًا تَنظُرونَ وَلا تُبصِرونَ" (أشعيا 6: 9؛ متّى 13: 14). وَيُخَتِمُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير هٰذَا المَعنى قائِلًا: "إِنَّ كَلِمَةَ اللهِ لا تُثمِرُ فيمَن يَسمَعُها بِالأُذُنِ فَقَط، بَل فيمَن يَحفَظُها في القَلبِ وَيُتَرجِمُها إِلى أَعمالٍ"(1137، PL 76). لِذٰلِكَ فَإِنَّ خِتامَ المَثَلِ يَتحَوَّلُ إلى سُؤالٍ يُوَجِّهُهُ يَسوعُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنّا: هَل نَسمَعُ كَلِمَةَ اللهِ سَماعًا يَقودُ إلى الإِيمانِ وَالعَمَلِ، أَم نَكتَفي بِسَماعِها دُونَ أَن تَتَجَذَّرَ في قُلوبِنا؟ فَإِنَّ "كونوا عامِلينَ بِالكَلِمَةِ، لا سامِعينَ فَقَط خادِعينَ أَنفُسَكُم" (يعقوب 1: 22).
10. "فَدَنا تَلاميذُهُ وقالوا لَهُ: لِماذا تُكَلِّمُهُم بِالأَمثالِ؟"
تُشيرُ عِبارَةُ "تَلاميذُهُ" إلى جَميعِ الَّذينَ سَمِعوا يَسوعَ، وَتَقَبَّلوا كَلِمَتَهُ، وَبَقُوا مَعَهُ يَطلُبونَ مَزيدًا مِنَ الفَهمِ، وَلَيسَ إلى الاِثنَي عَشَرَ رَسولًا فَحَسب، كَما يُوضِّحُ إِنجيلُ مَرقُس: "فَلَمَّا انفَرَدَ، سَأَلَهُ الَّذينَ حَولَهُ مَعَ الاثْنَي عَشَرَ عَنِ الأَمثالِ" (مرقس 4: 10). فَالتِّلميذُ الحَقيقيُّ هُوَ الَّذي لا يَكتَفي بِسَماعِ الكَلِمَةِ، بَل يَقتَرِبُ مِنَ المُعَلِّمِ لِيَفهَمَها وَيَعيشَها. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "إِنَّ التَّلاميذَ أَظهَروا غَيرَةً رُوحِيَّةً، فَلَم يَخجَلوا مِنَ السُّؤالِ، بَلِ اقتَرَبوا مِن يَسوعَ لِيَتَعَلَّموا ما عَجَزوا عَن فَهمِهِ"(396، PG 57).
أَمَّا عِبارَةُ "تُكَلِّمُهُم"، في الأَصلِ اليونانيِّ λαλεῖς αὐτοῖς، فَتُشيرُ إلى مُخاطَبَةِ الجُموعِ، وَبِخاصَّةٍ القادَةِ الدِّينِيِّينَ مِنَ الكَتَبَةِ وَالفَرِّيسيِّينَ، الَّذينَ كانوا يَسمَعونَ كَلامَ يَسوعَ، لٰكِنَّهُم لَم يَقبَلوهُ بِإِيمانٍ، فَبَقِيَ مَعناهُ خَفيًّا عَنهُم بِسَبَبِ قَساوَةِ قُلوبِهِم، لا بِسَبَبِ غُموضِ التَّعليمِ نَفسِهِ.
أَمَّا عِبارَةُ "لِماذا تُكَلِّمُهُم بِالأَمثالِ؟" فَتُشيرُ إلى سُؤالِ التَّلاميذِ عَنِ السَّبَبِ الَّذي دَفَعَ يَسوعَ إلى اعتِمادِ هٰذا الأُسلوبِ التَّعليميِّ. وَالأَمثالُ لا تُقَدَّمُ لِإِخفاءِ الحَقِّ عَمَّن يَطلُبُهُ بِإِخلاصٍ، بَل لِكَشفِهِ لِمَن يَمتَلِكُ قَلبًا مُستَعِدًّا لِلاِستِماعِ. فَهِيَ تُظْهِرُ استِعدادَ السّامِعِ قَبلَ أَن تُظْهِرَ مَضمونَ الرِّسالَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "لَيسَ المَثَلُ سِتارًا يُخفِي الحَقَّ عَن طالِبِهِ، بَل هُوَ بابٌ يَفتَحُهُ مَن يَقرَعُ بِالإِيمانِ" (1363، PL 35). وَيَنتمي هٰذا الأُسلوبُ إلى التَّقليدِ الرُّؤيوِيِّ الَّذي يَعرِضُ الأَسرارَ الإِلٰهِيَّةَ بِصُوَرٍ وَرُموزٍ تَحتاجُ إلى تَفسيرٍ وَتَأَمُّلٍ، كَما قالَ صاحِبُ المَزامير: "أَفتَحُ فَمي بِالأَمثالِ، وَأُفيضُ بِأَلغازِ الزَّمَنِ القَديمِ" (مزمور 78: 2). وَيُشيرُ مَتّى الإِنجيليُّ بِذٰلِكَ إلى أَنَّ الأَمثالَ تُصبِحُ وَسيلَةً لِكَشفِ أَسرارِ المَلَكوتِ لِلمُؤمِنينَ، وَفي الوَقتِ نَفسِهِ تَكشِفُ عَن عَمى مَن يَرفُضونَ الإِيمانَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: ": «إِنَّ الأَمثالَ لا تُغلِقُ بابَ الحَقيقَةِ، بَل تَدعو السّامِعَ إلى أَن يَطلُبَ مَعناها؛ فَمَن يَطلُبُ يَجِدُ، وَمَن يَرفُضُ يَبقى خارِجَ السِّرِّ"(1005، PL 9). وَمِن هُنا يُفَسِّرُ مَتّى الإِنجيليُّ سَبَبَ عَدَمِ استِجابَةِ كَثيرينَ لِكَرازَةِ يَسوعَ، ثُمَّ لِكَرازَةِ الكَنيسَةِ بَعدَهُ. فَلَم يَكُنِ الفَشَلُ في الكَلِمَةِ، بَل في القُلوبِ الَّتي رَفَضَت قَبولَها. فَالَّذينَ كانَت لَهُم رَغبَةٌ صادِقَةٌ في مَعرِفَةِ الحَقِّ، فَهِموا الأَمثالَ وَدَخَلوا إلى أَسرارِ المَلَكوتِ، أَمَّا الَّذينَ أَغلَقوا قُلوبَهُم بِالكِبرِياءِ وَعَدَمِ الإِيمانِ، فَبَقِيَتِ الأَمثالُ بِالنِّسبَةِ إِلَيهِم مُجرَّدَ قِصَصٍ لا مَعنى لَها. وَكَما يَقولُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "الكَلِمَةُ الوَاحِدَةُ تُنيرُ المُتواضِعَ، وَتُدينُ المُتكَبِّرَ؛ لِأَنَّ العَيبَ لَيسَ في النُّورِ، بَل في العَينِ الَّتي تَرفُضُ أَن تُبصِرَ"(1100، PL 76).
11" فَأَجابَهُم: لأَنَّكُمْ أُعْطِيتُمْ أَنْتُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا أُولَئِكَ فَلَمْ يُعْطَوْا ذٰلِكَ"
تُشيرُ عِبارَةُ "فَأَجابَهُم" إلى جوابِ يَسوعَ على سُؤالِ التَّلاميذِ: "لِماذا تُكَلِّمُهُم بِالأَمثالِ؟" (متّى 13: 10). ويُميِّزُ يسوعُ في جوابِهِ بين نوعَينِ من السّامعين: فهناك مَن استَناروا بكلامِهِ، فصارَت الأمثالُ بالنِّسبةِ إليهم طريقًا إلى معرفةِ أسرارِ الملكوت، وهناك مَن أغلَقوا قلوبَهم، فبقيت الأمثالُ عندهم مُجرَّدَ قصصٍ وأحاديثَ لا تنفذُ إلى أعماقِهم. وهكذا يُصبحُ الإنجيلُ، كما يقولُ بولسُ الرسولُ، "لِهٰؤُلاءِ رائِحَةً تَسيرُ بِهِم مِن مَوتٍ إِلى مَوتٍ، وَلأُولئِكَ رائِحَةً تَسيرُ بِهِم مِن حَياةٍ إِلى حَياةٍ" (2 قورنتس 2: 16). ويُعلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لَم تَكُنِ الأَمثالُ سَبَبَ العَمى، بَل أَظهَرَت عَمى الَّذينَ أَغلَقوا أَعيُنَهُم بِإِرادَتِهِم"(397، PG 57).
أَمَّا عِبارَةُ "أَنْتُمْ" فَتُشيرُ إلى التَّوكيدِ على التَّلاميذِ الَّذينَ دَخَلوا في شَرِكَةِ الإِيمانِ مَعَ يَسوعَ، فَصاروا "أَهلَ البَيتِ"، في مُقابِلِ "أُولئِكَ" الَّذينَ بَقُوا "مِن خارِجٍ" (مرقس 4: 11)، بِسَبَبِ رَفضِهِم الإِيمانَ. فَلَيسَ الامتيازُ هُنا امتيازًا شَخصيًّا، بَل ثَمَرَةُ الاِستِجابَةِ لِدَعوَةِ المَسيحِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: "إِنَّ التَّلاميذَ دَخَلوا إِلى أَسرارِ المَلَكوتِ، لا لأَنَّهُم أَفضَلُ مِن غَيرِهِم، بَل لأَنَّهُم آمَنوا بِالَّذي يُعلِنُها"(1010، PL 9).
أَمَّا عِبارَةُ "لأَنَّكُمْ أُعْطِيتُمْ" فَتُشيرُ إلى أَنَّ مَعرِفَةَ أَسرارِ المَلَكوتِ هِيَ عَطيَّةٌ إِلٰهِيَّةٌ تُمنَحُ بِالنِّعمَةِ، لا أَجرًا يَستَحِقُّهُ الإِنسانُ. فَاللهُ يُريدُ خَلاصَ الجَميعِ، كَما يُؤَكِّدُ بولسُ الرسولُ: "إِنَّهُ يُريدُ أَنْ يَخلُصَ جَميعُ النّاسِ وَيَبلُغوا إِلى مَعرِفَةِ الحَقِّ" (1 تيموثاوس 2: 4)، لٰكِنَّ هٰذِهِ العَطيَّةَ لا تُثمِرُ إِلّا في القُلوبِ المُنفتِحَةِ عَلَى الإِيمانِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "لَو لَم تُعطَ النِّعمَةُ، لَمَا عَرَفَ أَحَدٌ الحَقَّ؛ فَمَعرِفَةُ اللهِ هِبَةٌ تَسبِقُ كُلَّ استِحقاقٍ بَشَرِيٍّ"(980، PL 44).
أَمَّا عِبارَةُ "أَنْ تَعْرِفُوا" فَتُشيرُ إلى المَعرِفَةِ الإِنجيليَّةِ الَّتي تَعني الدُّخولَ في شَرِكَةِ حَياةٍ مَعَ المَسيحِ، لا مُجرَّدَ اِكتِسابِ مَعلومَاتٍ دِينِيَّةٍ. فَالتَّلاميذُ يَختَبِرونَ يَسوعَ وَيُشارِكونَهُ في وَحيِ المَلَكوتِ، حَتّى يَبلُغوا إِلى الاِعتِرافِ بِهِ، كَما قالَ بُطرُسُ: "أَنْتَ المَسيحُ ابنُ اللهِ الحَيِّ" (متّى 16: 16). هٰذِهِ المَعرِفَةُ ثَمَرَةُ دَعوَةِ اللهِ وَعَمَلِ نِعمَتِهِ، كَما يُؤَكِّدُ بولسُ الرسولُ: "فالَّذينَ سَبَقَ أَنْ قَضى لَهُم بِذٰلِكَ دَعاهُم أَيضًا، وَالَّذينَ دَعاهُم بَرَّرَهُم أَيضًا، وَالَّذينَ بَرَّرَهُم مَجَّدَهُم أَيضًا" (رومة 8: 30).
أَمَّا عِبارَةُ "أَسْرارَ" فَتُشيرُ إلى ما لا يَستَطيعُ العَقلُ البَشَرِيُّ أَنْ يَبلُغَهُ بِقُدُراتِهِ الذّاتِيَّةِ، بَل يَحتاجُ إلى وَحيِ اللهِ. وَكَلِمَةُ "السِّرِّ" في العَهدِ الجَديدِ لا تَعني أَمرًا غامِضًا يَبقى مَخفِيًّا، بَل حَقيقَةً إِلٰهِيَّةً كانَت مَكتومَةً ثُمَّ أُعلِنَت في المَسيحِ، كَما يَقولُ بولسُ: "كَيْفَ أُطلِعتُ عَلَى السِّرِّ بِوَحيٍ" (أفسس 3: 3). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "أَسرارُ المَلَكوتِ هِيَ التَّدبيرُ الخَلاصِيُّ الَّذي كانَ مَخفِيًّا، ثُمَّ أَعلَنَهُ الابنُ لِلَّذينَ يُؤمِنونَ بِهِ"(612، PG 72).
أَمَّا عِبارَةُ "مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" فَتُشيرُ إلى تَدبيرِ اللهِ الخَلاصِيِّ الَّذي أُعلِنَ في يَسوعَ المَسيحِ، وَإِلى بِدايَةِ الأَزمِنَةِ المَسيحانِيَّةِ الَّتي بَدَأَت بِمَجيئِهِ، وَبِها "لَمّا بَلَغَ مِلءُ الزَّمانِ أَرسَلَ اللهُ ابنَهُ" (غلاطية 4: 4). وَهٰذا المَلَكوتُ هُوَ مِحوَرُ أَقوالِ يَسوعَ وَأَعمالِهِ، وَهُوَ السِّرُّ الَّذي لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَنْ يَكشِفَهُ إِلّا اللهُ بِواسِطَةِ ابنِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إيريناوس اللِّيونيُّ: "إِنَّ الابنَ هُوَ الَّذي يُظهِرُ الآبَ، وَبِهِ يَنكَشِفُ سِرُّ المَلَكوتِ لِلمُؤمِنينَ"(939 ، PG 7).
أَمَّا عِبارَةُ "وَأَمَّا أُولئِكَ فَلَمْ يُعْطَوْا ذٰلِكَ" فَلا تَعني أَنَّ اللهَ حَرَمَهُم مِن نِعمَتِهِ، بَل تُشيرُ إلى أَنَّهُم أَغلَقوا قُلوبَهُم بِإِرادَتِهِم، فَلَم يَقبَلوا العَطيَّةَ المَعروضَةَ عَلَيهِم. فَاللَّهُ يَدعو الجَميعَ، لٰكِنَّ الاِستِجابَةَ تَبقى حُرَّةً. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "إِنَّ النُّورَ يَشرُقُ عَلَى الجَميعِ، غَيرَ أَنَّ الَّذي يُغلِقُ عَينَيهِ يَبقى في الظُّلمَةِ، لا لِعَيبٍ في النُّورِ، بَل لِرَفضِهِ أَنْ يُبصِرَ"( 1102 ، PL 76). وهكذا تُعلِنُ هذه الآيةُ أَنَّ أَمثالَ يَسوعَ لا تُفهَمُ فَهمًا حَقيقيًّا إِلّا في ضَوءِ الإِيمانِ بِشَخصِهِ وَالإِقرارِ بِأَنَّ مَلَكوتَ اللهِ قَد حَضَرَ في شَخصِهِ. فَمَن قَبِلَ المَسيحَ انكَشَفَ لَهُ السِّرُّ، وَمَن رَفَضَهُ بَقِيَ السِّرُّ مُغلَقًا عَلَيهِ، لا لأَنَّ اللهَ أَرادَ حِرمانَهُ، بَل لأَنَّهُ رَفَضَ أَنْ يَفتَحَ قَلبَهُ لِعَطيَّةِ النِّعمَةِ.
12. "لأَنَّ مَنْ كانَ لَهُ شَيْءٌ، يُعْطَى فَيَفِيضُ. وَمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، يُنْتَزَعُ مِنْهُ حَتَّى الَّذِي لَهُ"
تُشيرُ عِبارَةُ "مَنْ كانَ لَهُ شَيْءٌ" إلى مَن يَملِكُ استعدادًا داخليًّا لِقَبولِ كَلِمَةِ اللهِ، ويَقتَني مَعرِفَةَ المَلَكوتِ بالإيمانِ بِيَسوعَ، مِن خِلالِ الإصغاءِ بِأُذُنِهِ، والإدراكِ بِعَقلِهِ، والتَّقبُّلِ بِقَلبِهِ، والعملِ بِما سَمِعَ. فَلَيسَ المَقصودُ امتلاكَ مَعرِفَةٍ عَقليَّةٍ فَحَسب، بَل قَلبًا مُنفتِحًا لِنِعمَةِ اللهِ. ويُعلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "مَن يُحِبُّ الحَقَّ يَنمو في الحَقِّ، لأَنَّ اللهَ يُعطي المُحِبَّ ما يَزدادُ بِهِ حُبًّا وَمَعرِفَةً"(1608، PL 35).
أَمَّا عِبارَةُ "يُعْطَى فَيَفِيضُ" فَتُشيرُ إلى أَنَّ اللهَ يَهَبُ مَن يَتجاوَبُ مَعَ نِعمَتِهِ مَزيدًا مِنَ الفَهمِ وَالاِستنارَةِ، فَتَنمو مَعرِفَتُهُ لِمَلَكوتِ اللهِ نُموًّا مُستَمِرًّا. فَمَن كانَ أَمينًا في الإصغاءِ إلى الكَلِمَةِ، يَزدادُ غِنًى رُوحيًّا، ويَتَذوَّقُ أَسرارَ اللهِ بِعُمقٍ أَكبَر. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "النِّعمَةُ لا تَبقى ثابِتَةً، بَل تَنمو في الَّذينَ يَحفَظونَ كَلِمَةَ اللهِ، فَيُضافُ إِلى إِيمانِهِم نُورٌ جَديدٌ"(429، PG 72).
أَمَّا عِبارَةُ "وَمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ" فَتُشيرُ إلى مَن لا يَنتَفِعُ بِسَماعِ كَلِمَةِ اللهِ، ولا يَستَجيبُ لَها بِالإِيمانِ وَالطّاعَةِ. وَالمَقصودُ بِصِفَةٍ خاصَّةٍ الكَتَبَةُ وَالفَرِّيسِيُّونَ الَّذينَ ظَنُّوا أَنَّهُم يَمتَلِكونَ المَعرِفَةَ، غَيرَ أَنَّهُم رَفَضوا المَسيحَ، فَأَصبَحَت مَعرِفَتُهُم الشَّرعيَّةُ بِلا ثَمَرٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: "مَن يَرفُضُ المَسيحَ يَفقِدُ حتّى ما يَظُنُّ أَنَّهُ يَملِكُهُ مِن مَعرِفَةِ النّاموسِ، لأَنَّ الحَقَّ كُلَّهُ في المَسيحِ"(1017، PL 9).
أَمَّا عِبارَةُ "يُنْتَزَعُ مِنْهُ حَتَّى الَّذِي لَهُ" فَتُشيرُ إلى خَسارَةِ الإِنسانِ ما حَصَلَ عَلَيهِ مِن مَعرِفَةٍ رُوحيَّةٍ إِذا أَهمَلَها، وَرَفَضَ أَنْ يَعيشَها. فَالمَعرِفَةُ الَّتي لا تَتحَوَّلُ إِلى إِيمانٍ وَحَياةٍ تَضمَحِلُّ وَتُفقَدُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لَم يَقُلِ المَسيحُ هٰذا لِيُخيفَ السّامعينَ، بَل لِيُوقِظَ فيهِمُ الغِيرَةَ، فَإِنَّ إِهمالَ العَطيَّةِ يُفْقِدُ الإِنسانَ حتّى ما نالَهُ" (407، PG 57). وَقَد أَوضَحَ يَسوعُ هٰذا المَبدَأَ في مَثَلِ الوَزَناتِ، فَالَّذي تَسَلَّمَ خَمسَ وَزَناتٍ تَاجَرَ بِها فَرَبِحَ خَمسًا أُخرَى، أَمَّا الَّذي دَفَنَ وَزنَتَهُ في الأَرضِ، فَقَد خَسِرَها، وَقيلَ في شَأنِهِ: "خُذوا مِنهُ الوَزنَةَ وأَعطوها لِلَّذي عِندَهُ العَشْرُ وَزَنات" (متّى 25: 28). ويُعلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "العَطيَّةُ الَّتي لا تُستَثمَرُ تَذبُلُ، أَمَّا الَّتي تُستَعمَلُ في خِدمَةِ اللهِ فَتَنمو وَتُثمِرُ"(1139، PL 76). وتُعلِنُ هٰذِهِ الآيةُ مَبدَأً رُوحيًّا أَساسِيًّا في الحَياةِ المَسيحيَّةِ: فَمَن يُصغِي إلى كَلِمَةِ اللهِ وَيَحفَظُها وَيَعمَلُ بِها، يَنمو في الإِيمانِ وَالمَعرِفَةِ وَالقَداسَةِ؛ أَمَّا مَن يُهمِلُها، فَإِنَّهُ يَفقِدُ تَدريجيًّا حتّى النُّورَ الَّذي كانَ عِندَهُ. فَلا وُقوفَ في الحَياةِ الرُّوحيَّةِ؛ إِمَّا نُموٌّ أَو تَراجُعٌ. وَكَما يَقولُ القِدِّيسُ باسيليوس الكبير: "إِنَّ النَّفسَ الَّتي لا تَتَقَدَّمُ في الفَضيلَةِ تَرتَدُّ إلى الوَراءِ، لأَنَّ الثَّباتَ في الطَّريقِ الرُّوحيِّ وَهمٌ"(917، PG 31). وهكذا تُعلِّمُنا هٰذِهِ الآيةُ أَنَّ الإِيمانَ الحَيَّ يَنمو بِالمُمارَسَةِ، وَأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ لا تُثمِرُ إِلّا في القَلبِ الَّذي يُصغِي وَيَحفَظُ وَيُطَبِّقُ، فَيَزدادُ غِنًى بِنِعمَةِ اللهِ يَومًا بَعدَ يَومٍ.
13. " وَإِنَّمَا أُكَلِّمُهُمْ بِالأَمْثَالِ، لأَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ وَلا يُبْصِرُونَ، وَلأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ وَلا يَسْمَعُونَ وَلا هُمْ يَفْهَمُونَ"
تُشيرُ عِبارَةُ "وَإِنَّما" في الأَصلِ اليوناني διὰ τοῦτοبِمَعنى لِهٰذا السَّبَب) إلى النَّتيجَةِ المُباشِرَةِ لِلمَبدَإِ الَّذي ذَكَرَهُ يَسوعُ في الآيَةِ السّابِقَةِ (متّى 13: 12)، وهو أَنَّ مَن يَقبَلُ نِعمَةَ اللهِ يَزدادُ نُورًا، أَمَّا مَن يَرفُضُها فَيَزدادُ عَمىً. فَالأَمثالُ لَيسَت وَسيلَةً لِإِخفاءِ الحَقِّ، بَل لِكَشفِ مَوقِفِ القَلبِ أَمامَ كَلِمَةِ اللهِ. ويُعلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لَم يَتكَلَّمِ المَسيحُ بِالأَمثالِ لِيَحرِمَ النّاسَ مِنَ الحَقِّ، بَل لِيَدفَعَهُم إِلى البَحثِ عَنهُ، فَمَن يَطلُبُ يَجِد، وَمَن يُهمِلُ يَبقى في جَهلِهِ"(409، PG 57).
أَمَّا عِبارَةُ "لأَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ وَلا يُبْصِرُونَ" فَتُشيرُ إلى أَنَّ مَسؤوليَّةَ العَمى الرُّوحيِّ تَقَعُ عَلَى الإِنسانِ لا عَلَى اللهِ. فَاللهُ يُعلِنُ ذاتَهُ لِلجَميعِ، لٰكِنَّ الَّذينَ يُقاوِمونَ الحَقَّ يُغلِقونَ قُلوبَهُم، فَيَفشَلونَ في إِدراكِ حَضورِ اللهِ في شَخصِ يَسوعَ. لِذٰلِكَ لَم يَكُنِ العَمى ناتِجًا عَن نَقصٍ في الوَحيِ، بَل عَن قَساوَةِ القَلبِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "العَينُ المَريضَةُ لا تَلومُ الشَّمسَ، بَل تَحتاجُ أَنْ تُشفَى؛ وهٰكَذا القَلبُ المُتكَبِّرُ لا يَرى نُورَ المَسيحِ، لا لأَنَّ النُّورَ غائِبٌ، بَل لأَنَّهُ رَفَضَ أَنْ يَنفَتِحَ عَلَيهِ" ( 558 ، PL 38). وَتُشيرُ هٰذِهِ العِبارَةُ أَيضًا إلى حالَةِ الشَّعبِ اليَهودِيِّ، ولا سِيَّما الفَرِّيسِيِّينَ وَالكَتَبَةِ، الَّذينَ رَأَوا يَسوعَ بِأَعيُنِهِم، وَشاهَدوا مُعجِزاتِهِ، وَلٰكِنَّهُم لَم يُؤمِنوا بِهِ، فَبَقُوا في عَماهُمُ الرُّوحيِّ. أَمَّا التَّلاميذُ، فَقَدِ انفتَحَت بَصيرَتُهُم بِالإِيمانِ، فَعَرَفوا في يَسوعَ مَسيحَ اللهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "لَم تَكُنِ المُعجِزاتُ تَنقُصُهُم، بَل الإِيمانُ؛ فَقَد رَأَوا الأَعمالَ، وَلٰكِنَّهُم لَم يَرَوا مَن يَعمَلُها"(561، PG 72).
أَمَّا عِبارَةُ "وَلأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ وَلا يَسْمَعُونَ وَلا هُمْ يَفْهَمُونَ" فَتُشيرُ إلى أَنَّهُم يَسمَعونَ بِالآذانِ، لٰكِنَّهُم لا يُصغونَ بِالقَلبِ، وَلا يَطلُبونَ مَعنى الكَلِمَةِ وَلا يَستَجيبونَ لَها. فَقَد أَخَذوا المَثَلَ في ظاهِرِهِ، وَلَم يَسعَوا إِلى اِكتِشافِ حَقيقَتِهِ الرُّوحيَّةِ، فَبَقِيَ عِندَهُم مُجرَّدَ قِصَّةٍ جَميلَةٍ بِلا ثَمَرٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إيرونيموس: "لا يَكفي أَنْ تَصِلَ الكَلِمَةُ إِلى الأُذُنِ، بَل يَجِبُ أَنْ تَنزِلَ إِلى القَلبِ، فَهُناكَ تُصبِحُ حَياةً"(92، PL 26). وَيُحقِّقُ يَسوعُ بِذٰلِكَ نُبوءَةَ إِشَعيا النَّبِيِّ: "تَسمَعونَ سَماعًا وَلا تَفهَمونَ، وَتَنظُرونَ نَظرًا وَلا تُبصِرونَ" (إشعيا 6: 9)، فَلَيسَ المَقصودُ أَنَّ اللهَ يَمنَعُ النّاسَ مِنَ الفَهمِ، بَل أَنَّهُ يَكشِفُ ما اختاروه بِحُرِّيَّتِهِم. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: " إِنَّ الحَقَّ نَفسَهُ الَّذي يُنيرُ المُتواضِعينَ، يُصبِحُ دَينونَةً لِلمُتكَبِّرينَ، لأَنَّهُم رَفَضوا النُّورَ"(1108، PL 76). ولذلك يُوضِّحُ صاحِبُ الرِّسالَةِ إلى العِبرانيِّينَ سَبَبَ عَدَمِ الفَهمِ قائِلًا:" لأَنَّكُمْ كُسالى عَنِ الإِصغاءِ" (العبرانيين 5: 11). فَالمُشكِلَةُ لَيسَت في الكَلِمَةِ، بَل في القَلبِ الَّذي فَقَدَ الرَّغبَةَ في الإصغاءِ. ويُعلِّقُ القِدِّيسُ باسيليوس الكبير: «إِنَّ أُذُنَ الجَسَدِ تَسمَعُ الأَصواتَ، أَمَّا أُذُنُ القَلبِ فَهِيَ الَّتي تَسمَعُ صَوتَ اللهِ"(244، PG 29).
وهكذا تُعلِّمُنا هٰذِهِ الآيةُ أَنَّ الدُّخولَ إلى مَلَكوتِ اللهِ أَو البَقاءَ خارِجَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَوقِفِ الإِنسانِ مِن شَخصِ يَسوعَ وَكَلامِهِ. فَلَيسَ هُناكَ مَوقِفٌ مُحايدٌ: فَمَن يَقبَلُ المَسيحَ يَنفَتِحُ لَهُ سِرُّ المَلَكوتِ، وَمَن يَرفُضُهُ يَبقى في عَماهُ الرُّوحيِّ. وكما يُؤكِّدُ بولسُ الرسولُ: "الإِنسانُ البَشَرِيُّ لا يَقبَلُ ما هو مِن رُوحِ الله، فإِنَّهُ حَماقَةٌ عِندَهُ، وَلا يَستَطيعُ أَنْ يَعرِفَهُ، لأَنَّهُ لا يُحكَمُ فيه إِلّا بِالرُّوحِ" (1 قورنتس 2: 14).
14. "وَفِيهِمْ تَتِمُّ نُبُوءَةُ أَشَعْيا، حَيْثُ قالَ: تَسْمَعُونَ سَماعًا وَلا تَفْهَمُونَ، وَتَنْظُرُونَ نَظَرًا وَلا تُبْصِرُونَ"
تُشيرُ عِبارَةُ "وَفِيهِمْ تَتِمُّ نُبُوءَةُ أَشَعْيا" إلى أنَّ رَفْضَ كثيرٍ مِنَ اليَهودِ لِيسوعَ لَم يَكُنْ أَمْرًا مُفاجِئًا، بَل هُوَ امتِدادٌ لِتاريخٍ طَويلٍ مِن مُقاوَمَةِ كَلِمَةِ اللهِ. ويَستَشهِدُ متّى الإنجيليُّ بِنُبوءَةِ أَشَعْيا: "اِسْمَعوا سَماعًا وَلا تَفْهَموا، وَانْظُروا نَظَرًا وَلا تَعْرِفوا" (أشعيا 6: 9-10)، لِيُبَيِّنَ أَنَّ القَساوَةَ الَّتي واجَهَها النَّبيُّ قَد تَكرَّرَت في رَفْضِ المَسيحِ. ويُعلِّقُ القِدِّيسُ إيريناوس اللِّيونيُّ: "مَا أَعلَنَهُ الأَنبِياءُ بِالرُّموزِ وَالنُّبوءَاتِ، تَمَّ كُلُّهُ في المَسيحِ؛ فَرَفْضُ الشَّعبِ لَهُ كانَ قَد سَبَقَت الإِشارَةُ إِلَيهِ"(1015، PG 7).
أَمَّا عِبارَةُ "تَسْمَعُونَ سَماعًا وَلا تَفْهَمُونَ، وَتَنْظُرُونَ نَظَرًا وَلا تُبْصِرُونَ" فَتُشيرُ إلى المَسؤوليَّةِ الشَّخصيَّةِ لِلإِنسانِ في رَفضِ الحَقِّ. فَالناسُ سَمِعوا كَلِمَةَ اللهِ وَشاهَدوا أَعمالَهُ، لٰكِنَّهُم لَم يَفتَحوا قُلوبَهُم لِلإِيمانِ. فَالخَلَلُ لَم يَكُنْ في الوَحيِ، بَل في القَلبِ الَّذي رَفَضَ أَنْ يَستَجيبَ. ويُعلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم:" لَم يَحجُبِ اللهُ النُّورَ عَنهُم، بَل هُم أَغمَضوا عُيونَهُم بِإِرادَتِهِم، فَبَقُوا في الظُّلمَةِ"(411، PG 57). وتُصوِّرُ هذه الآيةُ حالَةَ الشَّعبِ الَّذي أُرسِلَ إِلَيهِ أَشَعْيا، ثُمَّ حالَةَ كَثيرٍ مِن مُعاصِري يَسوعَ. فَكَما لَم يُصغِ إِسرائيلُ إلى صَوتِ النَّبيِّ، هٰكَذا لَم يَقبَلوا المَسيحَ، مَعَ أَنَّهُم شاهَدوا مُعجِزاتِهِ وَسَمِعوا تَعاليمَهُ. وَقَد وَصَفَ لوقا هٰذِهِ الحالَةَ بِالاقتِباسِ نَفسِهِ:" فَقَد غَلُظَ قَلْبُ هٰذا الشَّعْبِ، وَأَصَمُّوا آذانَهُمْ، وَأَغْمَضُوا عُيُونَهُمْ، لِئَلّا يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَسْمَعُوا بِآذانِهِمْ، وَيَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ" (أعمال الرسل 28: 27). ويُعلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "إِنَّهُم لَم يَفقِدوا القُدرَةَ عَلَى السَّمعِ أَو البَصَرِ، بَل أَغلَقوا أَبوابَ قُلوبِهِم، فَحَرَموا أَنفُسَهُم مِن نِعمَةِ الفَهمِ"(564، PG 72).
أَمَّا عِبارَةُ "تَسْمَعُونَ سَماعًا" فَتُشيرُ إلى السَّماعِ الخارِجِيِّ الَّذي يَتَوَقَّفُ عِندَ الأُذُنِ، دُونَ أَنْ يَبلُغَ العَقلَ وَالقَلبَ. فَهُم يُدرِكونَ الأَلفاظَ، لٰكِنَّهُم لا يَقبَلونَ رِسالَتَها الخَلاصِيَّةَ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ إيرونيموس: "كَثيرونَ يَسمَعونَ بِالأُذُنِ، وَقَليلونَ يَسمَعونَ بِالقَلبِ؛ فَالسَّماعُ الحَقيقيُّ هُوَ الَّذي يُثمِرُ طاعَةً"(94، PL 26).
أَمَّا عِبارَةُ "تَنْظُرُونَ نَظَرًا وَلا تُبْصِرُونَ" فَتُشيرُ إلى إِدراكِ المَظاهرِ الخارِجيَّةِ دُونَ النَّفاذِ إِلى الحَقيقَةِ الرُّوحيَّةِ. فَقَد رَأَوا مُعجِزاتِ يَسوعَ، لٰكِنَّهُم لَم يَرَوا فِيها عَمَلَ اللهِ وَحُضورَ المَسيحِ المُخلِّصِ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "كانوا يَرَونَ بِأَعيُنِ الجَسَدِ، وَلٰكِنَّهُم لَم يَمتَلِكوا عُيونَ القَلبِ الَّتي تُعايِنُ الحَقَّ"(561، PL 38). والجَديرُ بِالذِّكرِ أَنَّ متّى الإنجيليَّ، لِأَنَّهُ يَكتُبُ إلى المُؤمِنينَ مِن أَصلٍ يَهودِيٍّ، يُكثِرُ مِنَ الاِستِشهادِ بِنُبوءَاتِ العَهدِ القَديمِ لِيُظهِرَ أَنَّ يَسوعَ هُوَ تَتميمُها. أَمَّا مَرقُسُ وَلوقا، اللَّذانِ يَكتُبانِ بِصِفَةٍ خاصَّةٍ لِلأُمَمِ، فَلَم يَورِدا هٰذا الاِقتِباسَ بِهٰذا التَّفصيلِ، لِأَنَّ قُرّاءَهُما لَم يَكونوا مُلِمِّينَ بِالنُّبوءَاتِ اليَهودِيَّةِ. وهكذا تُعلِّمُنا هٰذِهِ الآيةُ أَنَّ خَطَرَ الحَياةِ الرُّوحيَّةِ لا يَكمُنُ في الجَهلِ، بَل في قَساوَةِ القَلبِ. فَمَن يَرفُضُ النُّورَ يَزدادُ عَمىً، وَمَن يَفتَحُ قَلبَهُ لِكَلِمَةِ اللهِ يَنالُ نُورَ الإِيمانِ وَفَهْمَ أَسرارِ المَلَكوتِ. وكما يَقولُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "إِنَّ الكَلِمَةَ الإِلٰهِيَّةَ تُنيرُ المُتواضِعينَ، أَمَّا المُتكَبِّرونَ فَيَجْعَلونَها بِقَساوَةِ قُلوبِهِم دَينونَةً عَلَى أَنفُسِهِم"(1110، PL 76).
15." فَقَدْ غَلُظَ قَلْبُ هٰذَا الشَّعْبِ، وَأَصَمُّوا آذانَهُمْ، وَأَغْمَضُوا عُيُونَهُمْ، لِئَلَّا يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَسْمَعُوا بِآذانِهِمْ، وَيَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا، فَأَشْفِيَهُمْ"
تُشيرُ عِبارَةُ "فَقَدْ" في الأَصلِ اليوناني γὰρ (بِمَعنى لأَنَّ) إلى تَعليلِ ما سَبَقَ، أَي إِنَّ سَبَبَ عَدَمِ فَهْمِ الشَّعبِ لِأَمثالِ يَسوعَ لا يَعودُ إلى غُموضِ تَعليمِهِ، بَل إلى قَساوَةِ قُلوبِهِم. فَقَد كانَ يَسوعُ يَشتاقُ إلى أَنْ يَسمَعُوا وَيُؤمِنوا وَيَرجِعوا إِلَيهِ، لِيَنالوا الشِّفاءَ وَالخَلاصَ، لٰكِنَّ الكِبرياءَ وَالعِنادَ وَالتَّعَلُّقَ بِالشَّهواتِ أَغلَقَت قُلوبَهُم، فَلَم يَعرِفوا المَسيحَ، بَل رَفَضوهُ وَصَلَبوهُ. ويُعلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لَم يَجعَلْهُمُ اللهُ عُمْيانًا، بَل هُمُ الَّذينَ أَغلَقوا عُيونَهُم بِإِرادَتِهِم، فَصارَت قَساوَةُ قُلوبِهِم سَبَبَ هَلاكِهِم"(412 ، PG 57).
أَمَّا عِبارَةُ "غَلُظَ قَلْبُ هٰذَا الشَّعْبِ"، وفي الأَصلِ اليوناني ἐπαχύνθη (بِمَعنى: صارَ غَليظًا أَو قاسيًا)، فَتُشيرُ إلى قَساوَةِ القَلبِ الرُّوحيَّةِ، الَّتي جَعَلَتِ الإِنسانَ يَفقِدُ حَساسيَّتَهُ لِصَوتِ اللهِ. وَهِيَ الصِّفَةُ الَّتي وَصَفَ بِها الإِنجيلُ الفَرِّيسِيِّينَ، كَما في مَرقُسَ: ": «فَنَظَرَ إِلَيهِم غاضِبًا، حَزينًا عَلَى قَساوَةِ قُلوبِهِم" (مرقس 3: 5). فَقَساوَةُ القَلبِ تَعني أَنَّ الإِنسانَ يُخضِعُ الرُّوحَ لِلجَسَدِ، وَيُصبِحُ غَيرَ قادِرٍ عَلَى تَذَوُّقِ الأُمورِ الرُّوحيَّةِ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "القَلبُ القاسِي هُوَ الَّذي يَرفُضُ النِّعمَةَ، فَيُصبِحُ غَيرَ قابِلٍ لِبِذارِ كَلِمَةِ اللهِ"(566، PG 72). وَيُفسِّرُ بولسُ الرَّسولُ هٰذِهِ القَساوَةَ قائِلًا: "قَد أَظلَمَت بَصائِرُهُم، وَجَعَلَهُم جَهلُهُم غُرَباءَ عَن حَياةِ اللهِ لِقَساوَةِ قُلوبِهِم. فَلَمّا فَقَدوا كُلَّ حِسٍّ، اِستَسلَموا إِلى الفُجورِ" (أفسس 4: 18-19). ويُعلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "القَلبُ القاسِي لا يَفقِدُ سَمعَهُ الجَسَدِيَّ، بَل يَفقِدُ سَمعَهُ الدّاخِلِيَّ، فَلا يَعودُ يَلتَقِطُ صَوتَ الحَقِّ"(641، PL 36).
أَمَّا عِبارَةُ "وَأَصَمُّوا آذانَهُمْ، وَأَغْمَضُوا عُيُونَهُمْ" فَتُشيرُ إلى عَمَلٍ إِرادِيٍّ قاموا بِهِ. فَهُم لَم يَكونوا عَاجِزينَ عَنِ السَّماعِ أَو الرُّؤيَةِ، بَل رَفَضوا أَنْ يَفتَحوا آذانَهُم وَعُيونَهُم لِوَحيِ اللهِ، لِئَلّا يَنقادوا إلى التَّوبَةِ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ إيرونيموس: "أَغمَضوا عُيونَهُم بِإِرادَتِهِم، لِئَلّا يَرَوا النُّورَ الَّذي يَدعوهُم إِلى التَّغيير"(ِ95 ، PL 26).
أَمَّا عِبارَةُ "لِئَلَّا يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَسْمَعُوا بِآذانِهِمْ، وَيَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا" فَلا تَعني أَنَّ اللهَ لا يُريدُ خَلاصَهُم، بَل تُشيرُ إلى أَنَّ ما اختاروه بِحُرِّيَّتِهِم في البِدايَةِ أَصبَحَ دَينونَةً لَهُم في النِّهايَةِ. فَقَد تَرَكَهُمُ اللهُ يَحصُدونَ نَتيجَةَ خِياراتِهِم، وَيَغرَقونَ في الظُّلمَةِ الَّتي فَضَّلوها عَلَى النُّورِ، كَما قالَ أَشَعْيا: "لأَنِّي دَعَوتُ وَلَم تُجيبوا، وَتَكَلَّمتُ وَلَم تَسمَعوا، وَصَنَعوا الشَّرَّ في عَينَيَّ، وَما لَم أَشَأِ اختاروا" (أشعيا 66: 4). ويُعلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "إِنَّ اللهَ لا يَغلِقُ بابَ التَّوبَةِ، بَل الإِنسانُ هُوَ الَّذي يُغلِقُهُ عَلَى نَفسِهِ بِالإِصرارِ عَلَى الخَطيئَةِ"(1112، PL 76).
أَمَّا عِبارَةُ "فَأَشْفِيَهُمْ" فَتُشيرُ إلى الغايَةِ الَّتي يَرجوها اللهُ مِن دَعوَةِ الإِنسانِ إِلَى التَّوبَةِ، وَهِيَ الشِّفاءُ مِن مَرَضِ الخَطيئَةِ. فَالاستِفهامُ هُنا يَحمِلُ مَعنى الأَسَى، لا الرَّفضِ؛ إِذ يُظهِرُ شَوقَ اللهِ إِلَى خَلاصِ شَعبِهِ. وَهُوَ صَدًى لِنُبوءَةِ أَشَعْيا: "غَلِّظْ قَلبَ هٰذا الشَّعبِ... لِئَلّا يَرجِعَ فَيُشفَى" (أشعيا 6: 9-10)، الَّتي وَرَدَت بِصِيغَةِ القَضاءِ عَلَى مَن رَفَضَ النِّعمَةَ، لا بِصِيغَةِ رَغبَةِ اللهِ في حِرمانِهِ. وَيُؤَكِّدُ يَسوعُ نَفسُهُ هٰذِهِ الحَقيقَةَ قائِلًا: "كَم مَرَّةً أَرَدتُ أَنْ أَجمَعَ أَبناءَكِ... فَلَم تُريدوا" (متّى 23: 37). ويُعلِّقُ القِدِّيسُ أَمبروسيوس: "المَسيحُ طَبيبُ النُّفوسِ، وَلا يَحرِمُ أَحَدًا مِن دَوائِهِ، لٰكِنَّ المَريضَ الَّذي يَرفُضُ العِلاجَ يَبقى في مَرَضِهِ"(1654، PL 15). وهكذا تُعلِّمُنا هٰذِهِ الآيةُ أَنَّ اللهَ يُريدُ خَلاصَ الجَميعِ وَشِفاءَهُم، لٰكِنَّهُ يَحتَرِمُ حُرِّيَّةَ الإِنسانِ. فَقَساوَةُ القَلبِ لا تَأتي مِنَ اللهِ، بَل مِن رَفضِ الإِنسانِ المُتَكرِّرِ لِلنِّعمَةِ، حَتّى يَفقِدَ قُدرَتَهُ عَلَى رُؤيَةِ الحَقِّ وَسَماعِ صَوتِ اللهِ. لِذٰلِكَ تَبقى دَعوَةُ المَسيحِ دَعوَةً دائِمَةً: أَنْ نَفتَحَ عُيونَ القَلبِ، وَنُصغِي بِالإِيمانِ، وَنَرجِعَ إِلَيهِ، فَيَشفِيَنا بِنِعمَتِهِ وَرَحمَتِهِ.
16. وَأَمَّا أَنْتُمْ، فَطُوبَى لِعُيُونِكُمْ لأَنَّهَا تُبْصِرُ، وَلآذَانِكُمْ لأَنَّهَا تَسْمَعُ"
تُشيرُ عِبارَةُ "وَأَمَّا أَنْتُمْ" إلى المُفارَقَةِ الواضِحَةِ بَينَ التَّلاميذِ وَبَينَ الكَتَبَةِ وَالفَرِّيسِيِّينَ. فَبَعدَ أَنْ تَحَدَّثَ يَسوعُ عَن قَساوَةِ قُلوبِ الَّذينَ رَفَضوا كَلِمَةَ اللهِ، يَلتَفِتُ إلى تَلاميذِهِ لِيُعلِنَ امتيازَهُم الرُّوحيَّ، لا لِأَنَّهُم أَفضَلُ مِن غَيرِهِم بِطَبيعَتِهِم، بَل لأَنَّهُم قَبِلوا نِعمَةَ اللهِ بِالإِيمانِ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لَم يَقُلْ: طُوبى لَكُم لأَنَّكُم أَذكِياءُ، بَل لأَنَّكُم قَبِلْتُم ما رَفَضَهُ الآخَرونَ، فَالإِيمانُ هُوَ الَّذي فَتَحَ عُيونَكُم"(414، PG 57).
أَمَّا عِبارَةُ "فَطُوبَى" فَتُشيرُ إلى إِعلانِ سَعادَةٍ إِلٰهِيَّةٍ وَبَرَكَةٍ خاصَّةٍ، تُذكِّرُ بِالتَّطويباتِ الَّتي اِفتَتَحَ بِها يَسوعُ عِظَتَهُ عَلَى الجَبَلِ (متّى 5: 3-12). فَهِيَ لا تُعبِّرُ عَن مَشاعِرَ عابِرَةٍ، بَل عَن نِعمَةِ اللهِ الَّتي يَنالُها مَن يَنفَتِحُ عَلَى وَحيِهِ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "إِنَّ الطُّوبَى الحَقيقِيَّةَ لَيسَت في رُؤيَةِ الأَعيُنِ الجَسَدِيَّةِ، بَل في الإِيمانِ الَّذي يُنيرُ القَلبَ"( 613 ، PL 38).
أَمَّا عِبارَةُ "لِعُيُونِكُمْ لأَنَّهَا تُبْصِرُ، وَلآذَانِكُمْ لأَنَّهَا تَسْمَعُ" فَلا تُشيرُ إلى حاسَّتَي البَصَرِ وَالسَّمعِ بِالمَعنى الجَسَدِيِّ، بَل إلى البَصيرَةِ الرُّوحيَّةِ وَالإِصغاءِ المُؤمِنِ. فَالعَينُ الَّتي تُبصِرُ هِيَ الَّتي تُدرِكُ في يَسوعَ مَسيحَ اللهِ، وَالأُذُنُ الَّتي تَسمَعُ هِيَ الَّتي تُصغِي إلى كَلِمَتِهِ وَتُطيعُها. فَنُبصِرُ بِالإِيمانِ، وَنَسمَعُ بِالطّاعَةِ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "لَم تَكُنْ أَعيُنُ التَّلاميذِ أَفضَلَ مِن غَيرِها، بَل نِعمَةُ الإِيمانِ هِيَ الَّتي جَعَلَتها تُعايِنُ مَجدَ الابنِ"(569، PG 72). وتُشيرُ هٰذِهِ الآيةُ أَيضًا إلى أَنَّ النُّورَ الإِلٰهيَّ قَد بَزَغَ بِمَجيءِ المَسيحِ، فَما كانَ الأَنبِياءُ يَرَونَهُ مِن بَعيدٍ بِالرَّجاءِ، شاهَدَهُ التَّلاميذُ مُتَجَسِّدًا أَمامَ أَعيُنِهِم. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: "طُوبَى لِلتَّلاميذِ، لأَنَّهُم لَم يَسمَعوا الوَعدَ فَحَسب، بَل رَأَوا المُوعودَ بِهِ حاضِرًا بَينَهُم"(1020، PL 9). ولذلك، فَإِنَّ هٰذِهِ الطُّوبَى لا تَقتَصِرُ عَلَى الرُّسُلِ وَحدَهُم، بَل تَشمَلُ كُلَّ مَن يَفتَحُ عَينَي قَلبِهِ لِيُؤمِنَ بِالمَسيحِ، وَيُصغِي إلى كَلِمَتِهِ لِيَعمَلَ بِها. وَكَما يَقولُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "العَينُ الَّتي تُبصِرُ المَسيحَ بِالإِيمانِ، وَالأُذُنُ الَّتي تَسمَعُ كَلِمَتَهُ بِالطّاعَةِ، هُما أَعظَمُ هِبَةٍ يَمنَحُها اللهُ لِلإِنسانِ" (1114، PL 76). وهكذا تُعلِّمُنا هٰذِهِ الآيةُ أَنَّ الإِيمانَ هُوَ البَصَرُ الحَقيقِيُّ، وَالطّاعَةَ هِيَ السَّماعُ الحَقيقِيُّ. فَمَن يُؤمِنُ بِالمَسيحِ يَرَى نُورَ الحَقِّ، وَمَن يُطيعُ كَلِمَتَهُ يَدخُلُ في شَرِكَةِ مَلَكوتِ اللهِ، وَيَختَبِرُ الطُّوبَى الَّتي وَعَدَ بِها الرَّبُّ تَلاميذَهُ.
17. "الحَقَّ أَقولُ لَكُم: إِنَّ كَثيرًا مِنَ الأَنبِياءِ وَالصِّدِّيقينَ تَمَنَّوا أَن يَرَوا ما تُبصِرونَ فَلَم يَرَوا، وَأَن يَسمَعوا ما تَسمَعونَ فَلَم يَسمَعوا"
تُشيرُ عِبارَةُ "الحَقَّ أَقولُ لَكُم" إلى إعلانٍ إلهيٍّ بالغِ الأهمِّيَّةِ، إذ يُؤكِّدُ يَسوعُ بِسُلطانِهِ الإلهيِّ عَظيمَ الامتيازِ الَّذي نالَهُ تلاميذُه. فَلَيسَ هٰذا مُجرَّدَ تَشجيعٍ، بَل كَشفٌ لِمَرحَلَةٍ جَديدةٍ في تاريخِ الخَلاصِ، انتَقَلَ فيها وَعدُ اللهِ مِنَ الانتِظارِ إلى التَّحقُّقِ في شَخصِ المَسيحِ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "إِنَّ يَسوعَ لا يُبارِكُ التَّلاميذَ لِأَنَّهُم رَأَوا بِأَعيُنِهِم، بَل لِأَنَّهُم عَرَفوا بِالإِيمانِ مَن هُوَ الَّذي يَرَونَهُ"(415، PG 57).
أَمَّا عِبارَةُ "الأَنبِياءِ وَالصِّدِّيقينَ" فَتُشيرُ إلى أَهلِ العَهدِ القَديمِ، أَي إِلى الأَنبِياءِ وَالأَبرارِ الَّذينَ عاشوا في رَجاءِ المَواعيدِ الإِلٰهيَّةِ وَانتَظَروا مَجيءَ المَسيحِ. وَيَستَعمِلُ لوقا الإِنجيليُّ عِبارَةَ "الأَنبِياءِ وَالمُلوكِ" (لوقا 10: 24)، أَمَّا متّى فَيَذكُرُ "الأَنبِياءِ وَالصِّدِّيقينَ" لِيُبرِزَ البُعدَ الرُّوحيَّ وَالأَخلاقيَّ لِشَعبِ العَهدِ القَديمِ، الَّذينَ عاشوا بِالإِيمانِ وَالبِرِّ وَانتَظَروا تَحقُّقَ الخَلاصِ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: "الأَنبِياءُ أَعلَنوا المَسيحَ بِالنُّبوءةِ، وَالصِّدِّيقونَ انتَظَروهُ بِالإِيمانِ، أَمَّا التَّلاميذُ فَقَد شاهَدوهُ بِالعَينِ"(1008، PL 9).
أَمَّا عِبارَةُ "تَمَنَّوا أَن يَرَوا ما تُبصِرونَ فَلَم يَرَوا" فَتُشيرُ إلى شَوقِ الأَنبِياءِ وَالأَبرارِ لِرُؤيَةِ المَسيحِ المُتَجَسِّدِ وَمُعايَنَةِ تَحقُّقِ مَواعيدِ اللهِ. فَقَد عاشوا عَلَى الرَّجاءِ، وَلكِنَّهُم لَم يَنالوا تَحقُّقَ ما أُعلِنَ لَهُم، بَل رَأَوهُ بِالإِيمانِ مِن بَعيدٍ. وَيُؤكِّدُ كاتِبُ الرِّسالَةِ إلى العِبرانيِّينَ: "في الإِيمانِ ماتَ أُولئِكَ جَميعًا ولَم يَحصُلوا عَلَى المَواعيد، بَل رَأَوها وَحَيَّوها عَن بُعد" (العبرانيين 11: 13). وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "كانَ الأَنبِياءُ يَرَونَ المَسيحَ بِعُيونِ القَلبِ، أَمَّا الرُّسُلُ فَرَأَوهُ بِعُيونِ الجَسَدِ وَالقَلبِ مَعًا"(638، PL 38).
أَمَّا عِبارَةُ "وَأَن يَسمَعوا ما تَسمَعونَ فَلَم يَسمَعوا" فَتُشيرُ إلى رَغبَةِ أَهلِ العَهدِ القَديمِ في سَماعِ كَلِماتِ المَسيحِ نَفسِهِ، لا مَا أُعلِنَ عَنهُ بِوَاسِطَةِ الرُّموزِ وَالنُّبوءاتِ فَحَسب. فَالتَّلاميذُ لَم يَسمَعوا تَفسيرَ المَواعيدِ فَقط، بَل سَمِعوا المُوعودَ بِهِ نَفسَهُ. وَقَد شَرَحَ الرَّسولُ بُطرُسُ هٰذا الامتيازَ قائِلًا: "عَن هٰذا الخَلاصِ كانَ فَحصُ الأَنبِياءِ وَبَحثُهُم، فَتَنَبَّأوا بِالنِّعمَةِ المُعَدَّةِ لَكُم" (1 بطرس 1: 10-12). وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "إِنَّ الأَنبِياءَ سَمِعوا صَوتَ اللهِ بِالرُّوحِ، أَمَّا الرُّسُلُ فَسَمِعوا الكَلِمَةَ المُتَجَسِّدَ يَتَكلَّمُ مَعَهُم وَجهًا لِوَجهٍ"(604، PG 72). وتُظهِرُ هٰذِهِ الآيةُ أَنَّ التَّلاميذَ يَقِفونَ عِندَ نُقطَةِ التِقاءِ العَهدَينِ؛ فَهُم وَرَثَةُ إِيمانِ الأَنبِياءِ، وَشُهودُ تَحقُّقِ نُبوءَاتِهِم. وَيُؤكِّدُ القِدِّيسُ إيريناوس اللِّيونيُّ: "ما أَعلَنَهُ الأَنبِياءُ بِالرَّمزِ، أَظهَرَهُ المَسيحُ بِالحَقيقَةِ، فَرَأَى التَّلاميذُ بِأَعيُنِهِم ما كانَ الأَوَّلونَ يَنتَظِرونَهُ بِالرَّجاءِ"(954، PG 7). وتُعلِّمُنا هٰذِهِ الآيةُ أَنَّ أَعظَمَ امتيازٍ نالَهُ التَّلاميذُ لَيسَ مُجرَّدَ رُؤيَةِ المُعجِزاتِ أَو سَماعِ التَّعليمِ، بَل الدُّخولُ في زَمَنِ اكتمالِ الوَحيِ وَحُضورِ المَسيحِ نَفسِهِ. َهٰذِهِ الطُّوبَى تَبقى لِكُلِّ مُؤمِنٍ يَفتَحُ قَلبَهُ لِلمَسيحِ، فَيَراهُ بِعَينِ الإِيمانِ، وَيَسمَعُ كَلِمَتَهُ بِطاعَةٍ، وَيَعيشُها في حَياتِهِ اليَوميَّةِ.
18-19 "فَاسْمَعوا أَنتُم مَثَلَ الزَّارِع: كُلُّ مَن سَمِعَ كَلِمَةَ المَلَكوتِ ولَم يَفهَمْها، يَأتي الشِّرِّيرُ ويَخطَفُ ما زُرِعَ في قَلبِه: فَهٰذا هُوَ الَّذي زُرِعَ في جانِبِ الطَّريق"
تُشيرُ عِبارَةُ "فَاسْمَعوا أَنتُم مَثَلَ الزَّارِع" إلى انتقالِ يَسوعَ مِن رِوايَةِ المَثَلِ إلى تَفسيرِهِ الخاصِّ لِتَلاميذِهِ. فَالفِعلُ "اِسمَعوا" لا يَعني مُجرَّدَ الإِصغاءِ بِالأُذُنِ، بَل يَدعو إلى فَهمِ الكَلِمَةِ وَقَبولِها وَالعَمَلِ بِها. وَيُشدِّدُ يَسوعُ بِالضَّميرِ "أَنتُم" عَلَى الامتيازِ الَّذي أُعطِيَ لِلتَّلاميذِ، إذ كُشِفَ لَهُم سِرُّ المَلكوتِ، وَأُعطُوا أَن يَعرِفوا مَعنى المَثَلِ، بِخِلافِ الَّذينَ اكتَفَوا بِسَماعِهِ مِن غَيرِ فَهمٍ (متّى 13: 11). وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لَم يَترُكِ الرَّبُّ تَلاميذَهُ في حَيرَةٍ، بَل فَسَّرَ لَهُم المَثَلَ، لِيُظهِرَ أَنَّ مَعرِفَةَ أَسرارِ المَلكوتِ هِبَةٌ لِمَن يَطلُبُها بِإِيمانٍ"(419، PG 57).
أَمَّا عِبارَةُ "كَلِمَةُ المَلَكوتِ" فَتُشيرُ إلى بُشرى الخَلاصِ، أَي كَلِمَةِ اللهِ (דָּבָר יְהוָה) الَّتي يُعلِنُها المَسيحُ، وَالَّتي تَحمِلُ في ذاتِها قُوَّةَ اللهِ الفاعِلَةَ وَالحَيَّةَ، فَهِيَ لَيسَت مُجرَّدَ كَلامٍ بَشَرِيٍّ، بَل كَلِمَةٌ إِلٰهِيَّةٌ خَلّاقَةٌ وَمُحيِيَةٌ، تَصنَعُ ما تُعلِنُهُ، كَما يَقولُ أَشَعْيا النَّبِيُّ: "لا تَرجِعُ إِلَيَّ فارِغَةً، بَل تُتِمُّ ما شِئتُ، وَتَنجَحُ فيما أَرسَلتُها لَهُ" (أشعيا 55: 11). وَهِيَ نَفسُها البِذارُ الَّذي يَبذُرُهُ الزَّارِعُ في قُلوبِ النّاسِ. وَيُوضِّحُ لوقا الإِنجيليُّ هٰذا المَعنى بِقَولِهِ: "البِذارُ هِيَ كَلِمَةُ اللهِ" (لوقا 8: 11). وَهُنا يَنتَقِلُ التَّركيزُ مِنَ الزَّارِعِ إِلَى السّامِعِ؛ فَالمُشكِلَةُ لَيسَتْ في البِذارِ، بَلْ في نَوعِيَّةِ الأَرضِ الَّتي تَستَقبِلُها. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "البِذارُ صالِحٌ دائِمًا، لأَنَّهُ كَلِمَةُ اللهِ، وَإِنَّما يَختَلِفُ الثَّمَرُ بِاختِلافِ القُلوبِ الَّتي تَستَقبِلُهُ" (692، PG 72).
أَمَّا عِبارَةُ "ولَم يَفهَمْها" فَلا تُشيرُ إلى نَقصٍ في القُدرَةِ العَقليَّةِ، بَلْ إلى غِيابِ الفَهمِ الرُّوحيِّ النّاشِئِ عَنِ الإِيمانِ وَالاستِعدادِ الدّاخِلِيِّ لِتَقَبُّلِ كَلِمَةِ اللهِ. فَفي اللُّغَةِ الكِتابِيَّةِ، لا يَعني الفَهمُ مُجرَّدَ إِدراكِ المَعنى الذِّهنِيِّ، بَلْ أَن تَتَجَذَّرَ الكَلِمَةُ في القَلبِ، وَتُحَوِّلَ الإِنسانَ، وَتَقودَهُ إلى الطّاعَةِ وَالتَّوبَةِ وَتَجدِيدِ الحَياةِ. فَالفَهمُ الحَقيقِيُّ هُوَ الَّذي يَحمِلُ الإِنسانَ على اتِّخاذِ قَرارِ الرُّجوعِ إلى اللهِ، وَرَفضِ قَساوَةِ القَلبِ، وَالسَّيرِ في طَريقِ المَلَكوتِ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "لَيسَ السَّمعُ هُوَ الَّذي يُخَلِّصُ، بَل السَّمعُ المَصحوبُ بِالفَهمِ وَالمَحبَّةِ"(558، PL 38). وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ: "الَّذي يَفهَمُ الكَلِمَةَ لا يَكتَفي بِسَماعِها، بَلْ يَحفَظُها وَيُحوِّلُها إلى أَعمالٍ" (475، PG 57).
أَمَّا عِبارَةُ "يَأتي الشِّرِّيرُ" فَتُشيرُ إلى الشَّيطانِ، عَدُوِّ اللهِ وَالإِنسانِ، الَّذي يَسعى إلى إِحباطِ عَمَلِ الكَلِمَةِ في القَلبِ. وَيُسمِّيهِ مَرقُسُ "الشَّيطانَ" (مرقس 4: 15)، وَيُسمِّيهِ لوقا "إِبليسَ" (لوقا 8: 12)، لِيُؤكِّدا أَنَّ الرَّفضَ الرُّوحيَّ لَيسَ مُجرَّدَ ضَعفٍ بَشَرِيٍّ، بَل هُناكَ صِراعٌ رُوحيٌّ حَقيقِيٌّ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "إِذا أَهمَلَ الإِنسانُ الكَلِمَةَ، وَجَدَ الشِّرِّيرُ قَلبًا خالِيًا، فَيَختَطِفُ ما لَم يَتَجَذَّرْ فِيهِ"(1102، PL 76).
أَمَّا عِبارَةُ "ويَخطَفُ ما زُرِعَ في قَلبِه" فَتُشيرُ إلى السُّرعَةِ الَّتي يَنتَزِعُ بِها الشَّيطانُ الكَلِمَةَ مِن قَلبِ الإِنسانِ الَّذي لَم يَحفَظْها بِالتَّأَمُّلِ وَالإِيمانِ. فَالقَلبُ هُوَ مَركَزُ الشَّخصِيَّةِ وَالقَرارِ وَالإِيمانِ في الكِتابِ المُقَدَّسِ، وَإِذا لَم يَتَجَذَّرْ فِيهِ الزَّرعُ، أَصبَحَ فَريسَةً سَهلَةً لِلشِّرِّيرِ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ إيريناوس اللِّيونيُّ: "إِنَّ الَّذي لا يَحفَظُ الكَلِمَةَ بِالإِيمانِ، يَترُكُها لِتُنتَزَعَ مِنهُ، كَما تُختَطَفُ البُذورُ عَن وَجهِ الطَّريقِ"(1118، PG 7).
أَمَّا عِبارَةُ "فَهٰذا هُوَ الَّذي زُرِعَ في جانِبِ الطَّريق" فَتُشيرُ إلى الإِنسانِ ذِي القَلبِ القاسِي أَو المُنشَغِلِ، الَّذي يَسمَعُ الكَلِمَةَ دُونَ أَن يَفتَحَ لَها قَلبَهُ، فَتَبقَى عَلَى السَّطحِ دُونَ أَن تُخرِجَ جُذورًا. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ أوريجانوس: "الطَّريقُ هُوَ القَلبُ الَّذي أَلفَ مَرورَ الأَفكارِ الدُّنيويَّةِ، فَأَصبَحَ صُلبًا لا يَقبَلُ البِذارَ الإِلٰهِيَّ"(1001، PG 13). وهكذا يُبيِّنُ يَسوعُ أَنَّ أَوَّلَ عائِقٍ أَمامَ نُموِّ كَلِمَةِ اللهِ لَيسَ ضَعفَ الكَلِمَةِ، بَل قَساوَةُ القَلبِ وَعَدَمُ الفَهمِ الرُّوحيِّ. فَحيثُ لا تُستَقبَلُ الكَلِمَةُ بِالإِيمانِ وَالتَّأَمُّلِ، يَجِدُ الشِّرِّيرُ الفُرصَةَ لِيَختَطِفَها، أَمَّا القَلبُ المُنفتِحُ عَلَى اللهِ فَيَحفَظُها، فَتُثمِرُ ثَمَرًا يَبقى لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ.
20" وَأَمَّا الَّذِي زُرِعَ فِي الأَرْضِ الحَجِرَةِ، فَهُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الكَلِمَةَ وَيَتَقَبَّلُهَا لِلْوَقْتِ بِفَرَحٍ"
تُشيرُ عِبارَةُ "وَأَمَّا الَّذِي زُرِعَ فِي الأَرْضِ الحَجِرَةِ" إلى الصِّنفِ الثّاني مِن سامِعي كَلِمَةِ الله، وَهُم الَّذينَ يَقبَلونَ البِشارَةَ بِحَماسٍ، لكِنَّهُم يَفتَقِرونَ إلى العُمقِ الرُّوحيِّ وَالثَّباتِ. فَالأَرضُ الحَجِرَةُ لا تَدُلُّ على قُلوبٍ رافِضَةٍ لِلكَلِمَةِ، بَل على قُلوبٍ مُندَفِعَةٍ بِغَيرِ تَأَصُّلٍ، لَم تَحسِبْ نَفَقَةَ اتِّباعِ المَسيحِ، مِن إِنكارِ الذّاتِ وَحَملِ الصَّليبِ وَاحتمالِ الاضطِهاداتِ، كما أوضَحَ يَسوعُ في شُروطِ التَّلمَذَةِ: "فَمَن مِنكُم لا يَترُكُ كُلَّ ما يَملِكُ، لا يَقدِرُ أَن يَكونَ لي تِلميذًا" (لوقا 14: 25-33). ويُعلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لَم يَكُنِ العَيبُ في البِذارِ، بَل في الأَرضِ الَّتي لَم تَسمَح لِلجُذورِ أَن تَتَعَمَّقَ، فَضاعَ الثَّمَرُ بِسَبَبِ سَطحِيَّةِ القَلبِ"(421، PG 57).
أَمَّا عِبارَةُ "وَيَتَقَبَّلُها لِلْوَقْتِ بِفَرَحٍ" فَتُشيرُ إلى فَرَحٍ أَوَّلِيٍّ ناتِجٍ عَنِ الانفِعالِ العاطِفيِّ، لا عَنِ الاقتِناعِ الرَّاسِخِ وَالإِيمانِ المُتَجَذِّرِ. فَهُوَ يَفرَحُ بِجِدَّةِ الرِّسالَةِ وَجَمالِها، لكِنَّهُ لَم يَسمَح لِلكَلِمَةِ أَن تُغَيِّرَ أَعماقَ حَياتِهِ. وَهٰذا ما وَصَفَهُ حِزقيالُ النَّبيُّ بِقَولِهِ: "إِنَّما أَنتَ لَهُم كَأُغنِيَّةِ حُبٍّ لِذي صَوتٍ مُطرِبٍ يُحسِنُ العَزفَ، فَيَستَمِعونَ كَلامَكَ وَلا يَعمَلونَ بِهِ" (حزقيال 33: 32). ويُعلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "كَثيرونَ يَفرَحونَ بِالحَقِّ ما دامَ لا يُطالِبُهُم بِتَغييرِ حَياتِهِم، فَإِذا جاءَ الامتِحانُ انطَفَأَ فَرَحُهُم"(562، PL 38). ويُبيِّنُ يَسوعُ أَنَّ الفَرَحَ الحَقيقِيَّ لَيسَ هُوَ الفَرَحَ اللَّحظِيَّ، بَل الفَرَحَ الَّذي يَنمُو مَعَ الثَّباتِ في الكَلِمَةِ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "إِنَّ الَّذي يَقبَلُ الكَلِمَةَ بِسُرورٍ دُونَ أَن يُثبِّتَها في قَلبِهِ، يُشبِهُ زَرعًا نَما سَريعًا، لَكِنَّهُ لَم يَجِدْ جُذورًا تَحمِلُهُ"(696، PG 72). ويُضيفُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "لَيسَ كُلُّ بَدايَةٍ صالِحَةٍ تُؤَدِّي إلى نِهايَةٍ صالِحَةٍ؛ فَالطُّوبَى لَيسَت لِمَن يَبدَأُ بِالحَماسِ، بَل لِمَن يَثبُتُ إلى المُنتَهى"(1105، PL 76). وهكذا تُعلِّمُنا هٰذِهِ الآيةُ أَنَّ الإِيمانَ لا يَقومُ عَلَى الانفِعالِ العاطِفيِّ، بَل عَلَى الثَّباتِ وَالتَّجَذُّرِ في كَلِمَةِ اللهِ. فَالفَرَحُ الأَوَّلِيُّ هِبَةٌ جَميلَةٌ، لَكِنَّهُ يَحتاجُ إلى عُمقِ الإِيمانِ وَالمُثابَرَةِ، لِئَلّا يَبقى فَرَحًا عابِرًا، بَل يَتحَوَّلَ إلى حَياةٍ مُثمِرَةٍ في المَسيحِ.
21 "وَلٰكِنْ لا أَصْلَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، فَلا يَثْبُتُ. فَإِذا حَدَثَتْ شِدَّةٌ أَوِ اضْطِهادٌ مِنْ أَجْلِ الكَلِمَةِ، عَثَرَ لِلْوَقْتِ"
تُشيرُ عِبارَةُ "وَلٰكِنْ لا أَصْلَ لَهُ فِي نَفْسِهِ" إلى السببِ الحقيقيِّ لفشلِ الصِّنفِ الثاني مِن سامِعي كَلِمَةِ اللهِ. فَالمُشكِلَةُ لَيسَت في البِذارِ، بَل في غِيابِ الجُذورِ الرُّوحيَّةِ الرّاسِخَةِ، كالإيمانِ العَميقِ، وَالتَّوبَةِ الصّادِقَةِ، وَالمَحبَّةِ الثّابِتَةِ للهِ. فَالكَلِمَةُ لا تَتَجَذَّرُ في القَلبِ، بَل تَبقَى سَطحِيَّةً، فَلا تَقدِرُ أَن تُقاوِمَ مِحَنَ الحَياةِ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لَم يَقُلِ الرَّبُّ إِنَّ البِذارَ جَفَّ، بَل إِنَّهُ لَم يَجِدْ جُذورًا؛ فَالإِهمالُ في تَغذِيَةِ الكَلِمَةِ هُوَ سَبَبُ الهَلاكِ لا الكَلِمَةُ نَفسُها"(421، PG 57).
وتُشيرُ عِبارَةُ "فَلا يَثبُتُ" إلى عَدَمِ الاستِمرارِ وَالمُثابَرَةِ في الحَياةِ الرُّوحيَّةِ. فَالإِيمانُ لا يَنمو بِالحَماسِ اللَّحظِيِّ، بَل بِالصَّبرِ وَالثَّباتِ. وَكَما يَقولُ الرَّبُّ: "وأَمَّا الَّذي يَثبُتُ إلى المُنتَهى فَهُوَ الَّذي يَخلُصُ" (متّى 24: 13). وَيُشَبِّهُ يَسوعُ هٰذا الإِنسانَ بِالَّذي بَنى بَيتَهُ عَلَى الرَّملِ: "فَنَزَلَ المَطَرُ وَسالَتِ الأَودِيَةُ وَعَصَفَتِ الرِّياحُ، فَضَرَبَتْ ذٰلِكَ البَيتَ فَسَقَطَ، وَكانَ سُقوطُهُ شَديدًا" (متّى 7: 26-27). وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "الإِيمانُ الَّذي لا يَتَجَذَّرُ بِالمَحبَّةِ، لا يَصمُدُ أَمامَ التَّجارِبِ"(565، PL 38).
أَمَّا عِبارَةُ "فَإِذا حَدَثَتْ شِدَّةٌ أَوِ اضطِهادٌ مِن أَجلِ الكَلِمَةِ" فَتُشيرُ إلى الامتِحاناتِ الَّتي تُرافِقُ الحَياةَ المَسيحِيَّةَ، سَواءٌ أَكانَت ضِيقًا، أَم اضطِهادًا، أَم تَجارِبَ يَوميَّةً. وَيُركِّزُ لوقا الإِنجيليُّ عَلَى التَّجرِبَةِ الَّتي يَتَعَرَّضُ لَها المُؤمِنُ في مَسيرَتِهِ: "إِنَّما يُؤمِنونَ إلى حين، وَعِندَ التَّجرِبَةِ يَرتَدُّونَ" (لوقا 8: 13)، بَينَما يُشدِّدُ مَرقُسُ عَلَى الاضطِهادِ مِن أَجلِ الإِنجيلِ (مرقس 4: 17). وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "لا يَكشِفُ الاضطِهادُ ضَعفَ الكَلِمَةِ، بَل ضَعفَ القَلبِ الَّذي لَم يَتَجَذَّرْ فِيها"(697، PG 72).
أَمَّا عِبارَةُ "عَثَرَ لِلْوَقْتِ"، فَالفِعلُ اليُونانِيُّ σκανδαλίζεται يَعني: يَعثُرُ، أَو يَسقُطُ، أَو يَقَعُ في الفَخِّ. وَيُشيرُ إلى الارتِدادِ عَنِ الإِيمانِ عِندَ أَوَّلِ تَجرِبَةٍ، لأَنَّ القَلبَ لَم يَتَأَسَّسْ عَلَى صَخرَةِ المَسيحِ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "إِنَّ مَن يَقبَلُ الكَلِمَةَ بِالفَرَحِ دُونَ الصَّبرِ، يَترُكُها عِندَ أَوَّلِ مَشقَّةٍ؛ فَالضِّيقُ لا يُسقِطُ الإِيمانَ الحَقيقيَّ، بَل يَنقِّيهِ وَيُثَبِّتُهُ"(1107، PL 76). وَيُؤكِّدُ الرَّسولُ بولُسُ أَنَّ الثَّباتَ هُوَ عَلامَةُ الإِيمانِ الحَيِّ، قائِلًا: «لا نَنفَكُّ نَذكُرُ نَشاطَ إِيمانِكُم، وَجَهدَ مَحَبَّتِكُم، وَثَباتَ رَجائِكُم بِرَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ" (1 تسالونيقي 1: 3). فَالإِيمانُ لا يُقاسُ بِقُوَّةِ البِداياتِ، بَل بِأَمانَةِ المُواصَلَةِ. وهكذا تُعلِّمُنا هٰذِهِ الآيةُ أَنَّ الكَلِمَةَ الإِلٰهِيَّةَ لا تُثمِرُ إِلّا في القَلبِ الَّذي يَتَجَذَّرُ في الإِيمانِ وَيَثبُتُ بِالصَّبرِ. فَالتَّجارِبُ وَالاضطِهاداتُ لا تُفسِدُ الإِيمانَ الحَقيقيَّ، بَل تُظهِرُ أَصالَتَهُ وَتُنقِّيهِ، أَمَّا الإِيمانُ السَّطحِيُّ فَيَذبُلُ عِندَ أَوَّلِ رِيحِ مِحنَةٍ.
22. "وَأَمَّا الَّذِي زُرِعَ فِي الشَّوْكِ، فَهُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الكَلِمَةَ، وَيَكُونُ لَهُ مِنْ هَمِّ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِتْنَةِ الغِنَى مَا يَخْنُقُ الكَلِمَةَ فَلَا تُخْرِجُ ثَمَرًا"
تُشيرُ عِبارَةُ "وَأَمَّا الَّذِي زُرِعَ فِي الشَّوْكِ" إلى الصِّنفِ الثّالِثِ مِن سامِعي كَلِمَةِ اللهِ، الَّذينَ يَقبَلونَها، لَكِنَّهُم يَترُكونَها تُزاحَمُ بِاهتِماماتِ العالَمِ وَإِغرَاءاتِهِ، فَتَفقِدُ قُدرَتَها عَلَى الإِثمارِ. فَلَيسَ العَيبُ في الكَلِمَةِ، بَل في القَلبِ الَّذي لَم يُزِلِ الأَشواكَ قَبلَ استِقبالِ البِذارِ. ويُعلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لَم يَقُلِ الرَّبُّ إِنَّ الشَّوكَ أَتلَفَ البِذارَ، بَل إِنَّ صاحِبَ الحَقلِ تَرَكَ الشَّوكَ يَنمو مَعَها؛ فَاللَّومُ يَقَعُ عَلَى الإِهمالِ لا عَلَى طَبيعَةِ الأَرضِ"(422 ، PG 57).
أَمَّا عِبارَةُ "هَمِّ الحَيَاةِ الدُّنْيَا" فَتُشيرُ إلى القَلَقِ وَالاضطِرابِ الَّذَينِ يُسَبِّبُهُما الانشِغالُ المُفرِطُ بِأُمورِ الحَياةِ الزَّمَنِيَّةِ، مِن مالٍ وَلِباسٍ وَمَأكَلٍ وَمَشرَبٍ، وَهُوَ ما حَذَّرَ مِنهُ يَسوعُ في العِظَةِ عَلَى الجَبَلِ: "فَلا تَهتَمّوا لِلغَدِ" (متّى 6: 24-34). وَلا يَدعو يَسوعُ إلى إِهمالِ واجِباتِ الحَياةِ، بَل إلى عَدَمِ جَعْلِها المَركَزَ الَّذي يَستَعبِدُ القَلبَ. ويُعلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "الهَمُّ المُفرِطُ لا يَترُكُ في النَّفسِ مَكانًا لِنُموِّ الكَلِمَةِ، فَيَملأُ القَلبَ بِما هُوَ زائِلٌ وَيُفرِغُهُ مِمَّا هُوَ أَبَدِيٌّ"(1106، PL 76).
أَمَّا عِبارَةُ "فِتْنَةِ الغِنَى"، وَفِي الأَصلِ اليُونانِيِّ ἡ ἀπάτη τοῦ πλούτου، فَتَعني "غُرورَ الغِنَى وَخِداعَهُ"، وَتُشيرُ إلى الوَهْمِ الَّذي يُولِّدُهُ المالُ، حَيثُ يَظُنُّ الإِنسانُ أَنَّ الأَمانَ وَالسَّعادَةَ يَكمُنانِ فِيهِ. فَالغِنَى في حَدِّ ذاتِهِ لَيسَ شَرًّا، وَإِنَّما التَّعَلُّقُ بِهِ وَالاعتمادُ عَلَيهِ بَدَلًا مِنَ اللهِ. وَيُحَذِّرُ يَسوعُ قائِلًا: "لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِلَّهِ وَلِلمالِ" (متّى 6: 24). وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ إكليمندس الإِسكَندَرِيُّ: "لَيسَ المالُ هُوَ الَّذي يُهلِكُ الإِنسانَ، بَل العُبودِيَّةُ لَهُ، وَسوءُ استِعمالِهِ"(621، PG 9). وتَلتَقي كَلِماتُ يَسوعَ مَعَ تَعليمِ الرَّسولِ بولُسَ: "أَمَّا الَّذينَ يُريدونَ أَن يَغتَنوا، فَيَقَعونَ في التَّجرِبَةِ وَالفَخِّ وَكَثيرٍ مِنَ الشَّهَواتِ الغَبِيَّةِ المُؤذِيَةِ الَّتي تُغرِقُ النّاسَ في الدَّمارِ وَالهَلاكِ" (1 تيموثاوس 6: 9). فَالمُشكِلَةُ لَيسَت في الخَيراتِ الزَّمَنِيَّةِ، بَل في أَن تَحتَلَّ مَكانَ اللهِ في القَلبِ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ باسيليوس الكبير: "لَيسَ الغِنَى شَرًّا، وَإِنَّما شَرُّهُ أَن يَملِكَ القَلبَ، فَيَصيرَ الإِنسانُ خادِمًا لِما خُلِقَ لِيَخدُمَهُ"(281، PG 31).
أَمَّا عِبارَةُ "يَخنُقُ الكَلِمَةَ" فَتُشيرُ إلى أَنَّ الهُمومَ وَالتَّعَلُّقَ بِالغِنَى لا يَقتُلانِ الكَلِمَةَ فَورًا، بَل يُضعِفانِها تَدريجِيًّا حَتّى تُصبِحَ عَقيمَةً. وَالصُّورَةُ هُنا زِراعِيَّةٌ دَقيقَةٌ؛ فَالأَشواكُ لا تَقتَلُ الزَّرعَ بِلَحظَةٍ، بَل تُنافِسُهُ عَلَى النُّورِ وَالماءِ وَالغِذاءِ، فَتَمنَعُهُ مِنَ الإِثمارِ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "الأَشواكُ هِيَ الرَّغَباتُ الَّتي لا تُقتَلَعُ مِنَ القَلبِ، فَتُضيِّقُ عَلَى الكَلِمَةِ حَتّى لا تَقدِرَ أَن تُثمِرَ"(564 ، PL 38).
أَمَّا عِبارَةُ "فَلَا تُخرِجُ ثَمَرًا" فَتُشيرُ إلى أَنَّ كَلِمَةَ اللهِ تَبقَى حَيَّةً، لَكِنَّها لا تُنتِجُ ثِمارَ التَّوبَةِ وَالقَداسَةِ وَالمَحبَّةِ بِسَبَبِ انقِسامِ القَلبِ بَينَ اللهِ وَالعالَمِ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ أوريجانوس: "لا يَستَطيعُ القَلبُ أَن يُثمِرَ لِلَّهِ ما دامَتِ الأَشواكُ تَملَؤُهُ؛ فَلا بُدَّ مِنِ اقتِلاعِها قَبلَ أَن يَنمو الزَّرعُ الإِلٰهيُّ"(1008، PG 13). وهكذا يُعلِّمُنا يَسوعُ أَنَّ الخَطَرَ الأَكبَرَ عَلَى الحَياةِ الرُّوحِيَّةِ لَيسَ الاضطِهادَ وَحسْب، بَل الانشِغالَ المُفرِطَ بِهُمومِ العالَمِ وَخِداعِ الغِنَى. فَالقَلبُ الَّذي يَنقَسِمُ بَينَ اللهِ وَالمادَّةِ يَبقَى عَقيمًا، أَمَّا الَّذي يَجعَلُ اللهَ أَوَّلًا فَيُثمِرُ ثَمَرًا يَبقى لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ.
23. " وَأَمَّا الَّذِي زُرِعَ فِي الأَرْضِ الطَّيِّبَةِ، فَهُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الكَلِمَةَ وَيَفْهَمُهَا، فَيُثْمِرُ، فَيُعْطِي بَعْضُهُ مِائَةً، وَبَعْضُهُ سِتِّينَ، وَبَعْضُهُ ثَلاثِينَ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَأَمَّا الَّذِي زُرِعَ فِي الأَرْضِ الطَّيِّبَةِ" إِلَى الصِّنْفِ الرَّابِعِ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلِمَةَ اللهِ وَيَقْبَلُونَهَا بِقُلُوبِهِمْ إِيمَانًا وَعَمَلًا. فَهُمْ لا يَكْتَفُونَ بِالإِصْغَاءِ، بَلْ يَجْعَلُونَ الكَلِمَةَ تَتَجَذَّرُ فِي أَعْمَاقِ حَيَاتِهِمْ، فَتُحَوِّلُهُمْ وَتُغَيِّرُ سُلُوكَهُمْ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيُّ: "الأَرْضُ الطَّيِّبَةُ هِيَ النَّفْسُ الَّتِي تَحْفَظُ الكَلِمَةَ بِالإِيمَانِ، وَتُثْمِرُ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ"(601، PG 72).
"فِي اللُّغَةِ الكِتابِيَّةِ، لا تَدُلُّ كَلِمَةُ "الأَرْضِ الطَّيِّبَةِ" عَلَى الكَمالِ أَو عَدَمِ الوُقوعِ فِي الضَّعفِ، وَلا عَلَى التَّماثُلِ بَيْنَ المُؤمِنينَ، بَلْ عَلَى القَلْبِ المُنْفَتِحِ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ، المُستَعِدِّ لِقَبُولِها وَالإِصغاءِ إِلَيْها وَالتَّجاوُبِ مَعَها. فَهِيَ الأَرْضُ الَّتي تَسمَحُ لِلبِذارِ أَنْ تَتَجَذَّرَ وَتَنمو وَتُؤتِي ثَمَرًا. وَإِنَّ سِمَتَها الأَساسِيَّةَ هِيَ التَّواضُعُ، لأَنَّ المُتواضِعَ يَعتَرِفُ بِحاجَتِهِ إِلَى اللهِ، وَيَدَعُ كَلِمَتَهُ تُغَيِّرُهُ وَتُجَدِّدُهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "الأَرْضُ الطَّيِّبَةُ هِيَ القَلْبُ المُتواضِعُ الَّذي يَحفَظُ الكَلِمَةَ وَيُثمِرُ بِالصَّبرِ"(472، PL 38). وَمِنْ هُنا، فَإِنَّ الأَرْضَ الطَّيِّبَةَ لَيسَتْ وَصفًا لِقَلْبٍ كامِلٍ، بَلْ لِقَلْبٍ قابِلٍ لِلتَّوبَةِ وَالتَّجَدُّدِ، يَدَعُ نِعمَةَ اللهِ تَعمَلُ فِيهِ يَومًا بَعدَ يَومٍ. فَالأَرْضُ الطَّيِّبَةُ لَيسَتْ نُقطَةَ انطِلاقٍ، بَلْ ثَمَرَةَ مَسيرَةِ نُموٍّ رُوحِيٍّ مَعَ اللهِ، يَتَدَرَّجُ فيها الإِنسانُ بِقُوَّةِ النِّعمَةِ وَبِتَعاوُنِهِ الحُرِّ مَعَها. إِنَّها مَسيرَةٌ تَحتَرِمُ حُرِّيَّةَ الإِنسانِ، وَلا تَطلُبُ مِنهُ جَوابًا كامِلًا مِنَ البِدايَةِ، بَلْ تَدعوهُ إِلى الاِنفِتاحِ المُستَمِرِّ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ، حَتّى تُحَوِّلَ قَلبَهُ وَتُؤهِّلَهُ لِيُؤتِيَ ثَمَرًا يَبقى لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "يَسْمَعُ الكَلِمَةَ" فَتُشِيرُ إِلَى عَمَلِ الأُذُنِ الَّتِي تُصْغِي إِلَى وَحْيِ اللهِ، فِي حِينِ تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَيَفْهَمُهَا" إِلَى عَمَلِ القَلْبِ وَالعَقْلِ مَعًا، أَيْ إِلَى الإِيمَانِ الَّذِي يَتَرْجَمُ نَفْسَهُ فِي الطَّاعَةِ وَالمُمَارَسَةِ، لا فِي المُجَرَّدِ المَعْرِفَةِ. وَقَدْ سَبَقَ أَنْ أَوْضَحَ يَسُوعُ هٰذَا المَبْدَأَ بِقَوْلِهِ: "فَمَثَلُ مَنْ يَسْمَعُ كَلامِي هٰذَا وَيَعْمَلُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ عَاقِلٍ بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ" (متّى 7: 24). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوس: "لَيْسَ السَّامِعُ هُوَ المَمْدُوحُ، بَلِ السَّامِعُ الَّذِي يَعْمَلُ بِمَا سَمِعَ" (549، PL 38).
أَمَّا عِبَارَةُ "فَيُثْمِرُ" فَتُشِيرُ إِلَى النَّتِيجَةِ الطَّبِيعِيَّةِ لِقَبُولِ الكَلِمَةِ وَفَهْمِهَا وَالعَمَلِ بِهَا، إِذْ تَصِيرُ حَيَاةُ الإِنْسَانِ مِرْآةً لِحُضُورِ المَلَكُوتِ فِي العَالَمِ. وَالثَّمَرُ هُنَا لا يَعْنِي الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ فَقَطْ، بَلْ يَعْنِي أَيْضًا نُمُوَّ الإِيمَانِ، وَقُدْرَةَ التِّلْمِيذِ عَلَى نَقْلِ البِشَارَةِ إِلَى الآخَرِينَ. وَيُؤَكِّدُ الرَّبُّ يَسُوعُ هٰذَا المَعْنَى بِقَوْلِهِ: "أَنَا اخْتَرْتُكُمْ وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا فَتُثْمِرُوا وَيَبْقَى ثَمَرُكُمْ" (يوحنّا 15: 16). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لا يَطْلُبُ المَسِيحُ مِنَّا أَنْ نَقْبَلَ الكَلِمَةَ فَقَطْ، بَلْ أَنْ نُظْهِرَ ثَمَرَهَا فِي السِّيرَةِ، فَالثَّمَرُ هُوَ البُرْهَانُ عَلَى خُصُوبَةِ الأَرْضِ"(476، PG 58).
أَمَّا عِبارَةُ "وَيُعْطِي بَعْضُهُ مِائَةً، وَبَعْضُهُ سِتِّينَ، وَبَعْضُهُ ثَلاثِينَ" فَتُشِيرُ إِلَى تَفَاوُتِ الثِّمَارِ الرُّوحِيَّةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، لا بِحَسَبِ مِقْدَارِ النِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَمُعْطاةٌ لِلجَمِيعِ، بَلْ بِحَسَبِ مِقْدَارِ تَعَاوُنِ الإِنْسَانِ مَعَهَا، وَأَمَانَتِهِ فِي قَبُولِ كَلِمَةِ اللهِ، وَمُثَابَرَتِهِ عَلَى الصَّلاةِ وَالمَحَبَّةِ وَالخِدْمَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوس: "لَيْسَ الجَمِيعُ يُؤْتُونَ الثَّمَرَ نَفْسَهُ، وَلٰكِنَّ الجَمِيعَ يَصِيرُونَ مَقْبُولِينَ إِذَا أَثْمَرُوا بِحَسَبِ النِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَهُمْ"(96، PL 26). وَيُضِيفُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "اللهُ يَطلُبُ الثَّمَرَ، لا المُساواةَ في مِقدارِ الثَّمَرِ(605، PL 38). فَعَلاقَةُ الإِنسانِ بِيَسوعَ لا تُلغِي فَردانِيَّتَهُ، بَلْ تُقَدِّسُها وَتُكمِلُها؛ فَلا تُنتِجُ أَشخاصًا مُتَشابِهينَ، بَلْ تَلاميذَ مُتَنَوِّعينَ يَتَّحِدونَ في الإِيمانِ وَالمَحَبَّةِ، وَيَختَلِفونَ في المَواهِبِ وَالدَّعواتِ وَأَنواعِ الثِّمارِ. فَكُلُّ واحِدٍ يَحمِلُ ثَمَرَهُ الخاصَّ بِحَسَبِ تاريِخِهِ وَدَعوَتِهِ وَأَمانَتِهِ لِلنِّعمَةِ، لِكَي يَتَمَجَّدَ اللهُ في تَنَوُّعِ أَبنائِهِ، كَما يَقولُ الرَّسولُ بُولُسُ: "فَأَنواعُ المَواهِبِ مُختَلِفَةٌ، وَلكِنَّ الرُّوحَ واحِدٌ" (1 قورنتس 12: 4). وَمِنْ هُنا يَحمِلُ المَثَلُ رِسالَةَ رَجاءٍ لِكُلِّ إِنسانٍ، فَلَيسَتِ الأَرضُ، أَي قَلبُ الإِنسانِ، واقِعًا جامِدًا أَو مَصيرًا مَحتومًا، بَلْ واقِعًا حَيًّا يَستَطيعُ أَنْ يَتَغَيَّرَ بِنِعمَةِ اللهِ. فَمَهما كانَتِ التُّربَةُ قاسِيَةً أَو مُحجِرَةً أَو مُختَنِقَةً بِالأَشواكِ، فَإِنَّها تَستَطيعُ أَنْ تُصبِحَ أَرضًا طَيِّبَةً إِذا انْفَتَحَتْ لِحُضورِ اللهِ، الَّذي يَعمَلُ بِرَحمَتِهِ المَجانِيَّةِ وَمَحَبَّتِهِ المُخَلِّصَةِ، فَتُؤتِي ثَمَرًا يَبقى لِلْحَياةِ الأَبَدِيَّةِ (يوحنا 15: 16).
أَمَّا ذِكْرُ المِائَةِ، ثُمَّ السِّتِّينَ، ثُمَّ الثَّلاثِينَ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَرَاجُعِ حَمَاسِ الكَنِيسَةِ عَبْرَ الزَّمَنِ، بَلْ عَلَى تَنَوُّعِ دَرَجَاتِ الاِسْتِجَابَةِ لِلنِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ وَاخْتِلَافِ المَوَاهِبِ وَالثِّمَارِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ. وَمَعَ ذٰلِكَ يُحَذِّرُ يَسُوعُ مِنْ أَنَّ فُتُورَ المَحَبَّةِ يُؤَدِّي إِلَى ضَعْفِ الثَّمَرِ، إِذْ يَقُولُ: "وَيَزْدَادُ الإِثْمُ، فَتَفْتُرُ المَحَبَّةُ فِي أَكْثَرِ النَّاسِ» (متّى 24: 12). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "الثَّمَرُ لا يُقاسُ بِكَثْرَةِ الأَعْمَالِ، بَلْ بِمِقْدَارِ المَحَبَّةِ الَّتِي تُنْجَزُ بِهَا"(1139، PL 76). وهكذا تُؤَكِّدُ هٰذِهِ الآيةُ أَنَّ خُصُوبَةَ كَلِمَةِ اللهِ لا تَعْتَمِدُ عَلَى قُوَّةِ البِذَارِ، فَهِيَ دَائِمًا صَالِحَةٌ وَحَيَّةٌ، بَلْ عَلَى اسْتِعْدَادِ القَلْبِ لِسَمَاعِهَا وَفَهْمِهَا وَالعَمَلِ بِهَا. فَكُلَّمَا تَعَمَّقَتِ الكَلِمَةُ فِي النَّفْسِ، ازْدَادَ ثَمَرُهَا لِمَجْدِ اللهِ وَخَيْرِ الكَنِيسَةِ وَالعَالَمِ.
ثانياً: تَطبيقاتُ النَّصِّ الإِنجيليِّ (متى 13: 1-23)
بَعْدَ دِراسَةٍ مُوجَزَةٍ عَنْ وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَحليلِهِ (متى 13: 1-23)، نَسْتَنْتِجُ أَنَّهُ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ مَثَلِ الزَّارِعِ، وَهُوَ أَوَّلُ أَمْثالِ المَلَكوتِ فِي إِنجيلِ مَتّى وَأَساسُها جَميعًا. فَالمَثَلُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَشْبيهٍ مَأْخوذٍ مِنَ الحَياةِ اليَومِيَّةِ يُسْتَخْدَمُ فِي التَّعليمِ، بَلْ هُوَ إِعْلانٌ عَنْ سِرِّ مَلَكوتِ اللهِ فِي شَخْصِ يَسوعَ المَسيحِ وَعَمَلِهِ الخَلاصِيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "بَدَأَ الرَّبُّ بِمَثَلِ الزَّارِعِ، لأَنَّ قَبُولَ الكَلِمَةِ هُوَ أَساسُ كُلِّ فَضيلَةٍ"(475، (PG 58.
وَيَنْقَسِمُ المَثَلُ إِلى ثَلاثَةِ أَقْسامٍ رَئيسَةٍ: المَثَلُ (13: 3-9)، وَغايَةُ الكَلامِ بِالأَمْثالِ (13: 10-17)، وَتَفْسيرُ المَثَلِ (13: 18-23). وَمِنْ هُنا نَتَساءَلُ: ما مَضْمُونُ مَثَلِ الزَّارِعِ؟ وَما غايَتُهُ؟ وَما الرِّسالَةُ الرُّوحِيَّةُ الَّتِي يُريدُ يَسوعُ أَنْ يُعْلِنَها مِنْ خِلالِهِ؟
1) ما هُوَ مُحْتَوَى مَثَلِ الزَّارِعِ؟ (متى 13: 3-9)
عِنْدَما ازْدَحَمَ النّاسُ حَوْلَ يَسوعَ، صَعِدَ إِلى سَفينَةٍ راسِيَةٍ عَلَى شاطِئِ بَحْرِ الجَليلِ، وَجَلَسَ فيها، بَيْنَما بَقِيَتِ الجُموعُ واقِفَةً عَلَى الشّاطِئِ (متى 13: 1-2). وَمِنْ هٰذا المَوْضِعِ أَخَذَ يُعْلِنُ لَهُمْ أَسْرارَ مَلَكوتِ اللهِ، مُسْتَخْدِمًا لُغَةَ الأَمْثالِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ بَساطَةِ الصُّورَةِ وَعُمْقِ الحَقيقَةِ الإِلٰهِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ العَلّامَةُ أُوريجانوس: "إِنَّ المَثَلَ يَفْتَحُ بابَ الحَقيقَةِ لِمَنْ يَطْلُبُها، وَيُبْقِيها خَفِيَّةً عَمَّنْ يَرْفُضُها"872، PG 13).
وَيُصَوِّرُ مَثَلُ الزَّارِعِ نَتائِجَ بَذْرِ كَلِمَةِ اللهِ فِي أَرْبَعَةِ أَنْواعٍ مِنَ الأَرْضِ: الطَّريقِ، وَالأَرْضِ المُحَجَّرَةِ، وَالأَرْضِ المَمْلُوءَةِ بِالشَّوْكِ، وَالأَرْضِ الطَّيِّبَةِ. وَلا يَعُودُ الاخْتِلافُ إِلى البِذارِ، فَهِيَ واحِدَةٌ وَصالِحَةٌ فِي جَميعِ الأَحْوالِ، بَلْ إِلى نَوْعِيَّةِ الأَرْضِ الَّتِي تَسْتَقْبِلُها، أَيْ إِلى مَوْقِفِ الإِنْسانِ مِنْ كَلِمَةِ اللهِ. وَيَقُولُ القِدِّيسُ كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيُّ: "البِذارُ واحِدَةٌ، لٰكِنَّ اخْتِلافَ الثِّمارِ ناشِئٌ عَنِ اخْتِلافِ القُلُوبِ الَّتِي تَسْتَقْبِلُها"(705، PG 72).
وَيُظْهِرُ المَثَلُ ثَلاثَ أَراضٍ لَمْ تُثْمِرْ بِسَبَبِ قَساوَةِ القَلْبِ، أَوِ السَّطْحِيَّةِ، أَوِ الانْشِغالِ بِهُمُومِ العالَمِ، فِي مُقابِلِ أَرْضٍ طَيِّبَةٍ أَثْمَرَتْ ثَلاثَ دَرَجاتٍ: مِائَةً، وَسِتِّينَ، وَثَلاثِينَ. وَهٰذا التَّفاوُتُ لا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلافِ قِيمَةِ كَلِمَةِ اللهِ، بَلْ عَلَى اخْتِلافِ تَجاوُبِ المُؤْمِنينَ مَعَها وَتَعاوُنِهِمْ مَعَ النِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوس: "لَيْسَ الجَميعُ يُؤْتُونَ الثَّمَرَ نَفْسَهُ، وَلٰكِنَّ الجَميعَ يُمْدَحُونَ إِذا أَثْمَرُوا بِحَسَبِ النِّعْمَةِ الَّتِي نالُوها"(96، PL 26).
وَيَخْتَلِفُ تَرْتيبُ الثِّمارِ بَيْنَ مَتّى وَمَرْقُسَ؛ فَفِي مَتّى تَرِدُ الأَرْقامُ مِائَةً، ثُمَّ سِتِّينَ، ثُمَّ ثَلاثِينَ، بَيْنَما يَذْكُرُها مَرْقُسُ ثَلاثِينَ، ثُمَّ سِتِّينَ، ثُمَّ مِائَةً (مرقس 4: 20). وَيَبْدُو أَنَّ مَرْقُسَ يُبْرِزُ النُّمُوَّ التَّدْرِيجِيَّ لِمَلَكوتِ اللهِ، فِي حِينِ يُشَدِّدُ مَتّى عَلَى وَفْرَةِ الثِّمارِ وَتَنَوُّعِها، دُونَ أَنْ يَعْنِيَ ذٰلِكَ بِالضَّرورَةِ وُجُودَ فُتُورٍ فِي كَنيسَةِ مَتّى، بَلِ اخْتِلافًا فِي المَقْصِدِ اللاَّهُوتِيِّ لِكُلِّ إِنْجِيلِيٍّ.
وَيَخْتِمُ يَسوعُ المَثَلَ بِنداءٍ شَخْصِيٍّ مُوَجَّهٍ إِلى كُلِّ سامِعٍ: "فَمَنْ كانَ لَهُ أُذُنانِ فَلْيَسْمَعْ" (متى 13: 9)، أَيْ لِيُصْغِ بِقَلْبٍ مُنْفَتِحٍ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ وَيَسْتَجِبْ لَها. فَالمَثَلُ لا يَدْعُو الإِنْسانَ إِلى الإِعْجابِ بِالقِصَّةِ، بَلْ إِلى اتِّخاذِ مَوْقِفٍ عَمَلِيٍّ مِنْها. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوس: "لَيْسَتِ العِبْرَةُ فِي أَنْ تَسْمَعَ الكَلِمَةَ، بَلْ فِي أَنْ تَصيرَ أَنْتَ الأَرْضَ الَّتِي تَحْمِلُ ثَمَرَها"(560، (PL 38.
وَهٰكَذا يَكْشِفُ مَثَلُ الزَّارِعِ ثِقَةَ يَسوعَ المُطْلَقَةَ بِفَاعِلِيَّةِ كَلِمَةِ اللهِ؛ فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ فَشَلِ البِذارِ فِي ثَلاثَةِ أَنْواعٍ مِنَ الأَرْضِ، فَإِنَّ الحَصادَ النِّهائِيَّ يَكُونُ وَفيرًا. لِذٰلِكَ يَدْعُو يَسوعُ كُلَّ إِنْسانٍ إِلى أَنْ يَكُونَ الأَرْضَ الطَّيِّبَةَ الَّتِي تَحْفَظُ الكَلِمَةَ وَتَعْمَلُ بِها، فَتُؤْتِيَ ثَمَرًا يَبْقَى لِمَجْدِ اللهِ وَخَيْرِ الكَنيسَةِ وَالعالَمِ. كَما يُعْلِنُ، فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، أَنَّ مَجِيءَ المَلَكوتِ قَدْ بَدَأَ بِشَخْصِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الزَّارِعُ الَّذِي خَرَجَ لِيَبْذُرَ كَلِمَةَ الحَياةِ فِي قُلُوبِ البَشَرِ.
2) ما هي غايةُ مَثَلِ الزَّارِعِ؟ (متى 13: 10-17)
بَعْدَ أَنْ أَلْقَى يَسوعُ مَثَلَ الزَّارِعِ، تَقَدَّمَ إِلَيْهِ التَّلاميذُ بِسُؤالٍ جَوْهَرِيٍّ: "لِماذا تُكَلِّمُهُمْ بِالأَمْثالِ؟" (متى 13: 10). وَبِهٰذا السُّؤالِ يَبْدَأُ يَسوعُ مَرْحَلَةً جَديدَةً مِنَ التَّعليمِ الخَاصِّ بِتَلاميذِهِ، كاشِفًا لَهُمْ الغايَةَ اللاَّهوتِيَّةَ مِنَ الأَمْثالِ، لا بِوَصْفِها أُسلوبًا أَدَبِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ وَسِيلَةً لِكَشْفِ أَسْرارِ مَلَكوتِ اللهِ لِمَنْ يَسْتَعِدُّ لِقَبُولِها. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لَمْ يَتَكَلَّمِ المَسيحُ بِالأَمْثالِ لِيُخْفِيَ الحَقَّ، بَلْ لِيُوقِظَ السَّامِعِينَ وَيَحُثَّهُمْ عَلَى البَحْثِ عَنْ مَعْناهُ"(463، PG 57).
فَأَجابَهُمْ يَسوعُ: "لأَنَّكُمْ أُعْطِيتُمْ أَنْتُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرارَ مَلَكوتِ السَّماواتِ، وَأَمَّا أُولٰئِكَ فَلَمْ يُعْطَوْا ذٰلِكَ" (متى 13: 11). فَلَيْسَ السَّبَبُ تَمْييزًا إِلٰهِيًّا بَيْنَ النّاسِ، بَلِ اخْتِلافًا فِي اسْتِعْدادِهِمْ لِقَبُولِ النِّعْمَةِ. فَالتَّلاميذُ، بِإِيمانِهِمْ وَتَواضُعِهِمْ، أَصْبَحُوا مِنْ أَهْلِ البَيْتِ، فَوُهِبُوا مَعْرِفَةَ أَسْرارِ المَلَكوتِ، أَمَّا الَّذِينَ أَغْلَقُوا قُلُوبَهُمْ عَلَى الحَقِّ، فَبَقُوا خَارِجَهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسْقُف بواتييه: "الإِيمانُ يَفْتَحُ بابَ الأَسْرارِ، أَمَّا الكِبْرِياءُ فَيُغْلِقُهُ"(957، PL 9).
وَيُوَجِّهُ يَسوعُ الأَمْثالَ إِلَى الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا بَعْدُ مَعْرِفَةَ الحَقِّ الرُّوحِيِّ، وَفِي طَليعَتِهِمُ الكَتَبَةُ وَالفَرِّيسِيُّونَ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَمْتَلِكُونَ المَعْرِفَةَ، وَهُمْ فِي الحَقيقَةِ فُقَراءُ إِلَيْها. وَهٰذا ما يُفَسِّرُ قَوْلَ يَسوعَ: "وَمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، يُنْتَزَعُ مِنْهُ حَتَّى الَّذِي لَهُ" (متى 13: 12). فَمَنْ يَرْفُضُ النُّورَ الَّذِي أُعْطِيَ لَهُ، يَفْقِدُ حَتَّى القَدْرَ القَليلَ مِنَ الفَهْمِ الَّذِي يَمْلِكُهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوس: "مَنْ يَحْتَقِرُ النِّعْمَةَ، يَخْسَرُ حَتَّى مَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَمْلِكُه"(556، PL 38).
وَيُلْقِي مَتّى الإِنْجِيلِيُّ مَسْؤُولِيَّةَ العَمَى الرُّوحِيِّ عَلَى الإِنْسانِ، لا عَلَى اللهِ. فَاللهُ لا يَحْجُبُ الحَقَّ عَمَّنْ يَطْلُبُهُ، بَلِ الإِنْسانُ هُوَ الَّذِي يَحْجُبُ نَفْسَهُ عَنِ الحَقِّ بِقَساوَةِ قَلْبِهِ. فَعَدَمُ التَّعَرُّفِ إِلَى سِرِّ المَلَكوتِ فِي شَخْصِ يَسوعَ يَقُودُ إِلَى مَزيدٍ مِنَ العَمَى، كَما يَقُولُ: "لأَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ وَلا يُبْصِرُونَ، وَيَسْمَعُونَ وَلا يَسْمَعُونَ وَلا يَفْهَمُونَ" (متى 13: 13). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيُّ: "لَمْ تُحْجَبِ الحَقيقَةُ عَنْهُمْ، بَلْ هُمْ حَجَبُوا أَنْفُسَهُمْ عَنْ نُورِها"(708، PG 72).
وَكَما كانَ الأَمْرُ فِي أَيّامِ أَشَعْيا، كَذٰلِكَ كانَ فِي زَمَنِ يَسوعَ؛ فَقَدْ أَغْمَضَ كَثيرونَ عُيُونَهُمْ عَنِ الحَقِّ الرُّوحِيِّ. فَمَنْ رَفَضَ شَخْصَ يَسوعَ وَتَعْلِيمَهُ، رَفَضَ المَلَكوتَ نَفْسَهُ، وَمَنْ قَبِلَهُ بِالإِيمانِ، دَخَلَ إِلَى سِرِّ المَلَكوتِ. وَلا وُجُودَ لِمَوْقِفٍ حِيادِيٍّ، بَلْ يَبْقَى الإِنْسانُ أَمامَ خِيارَيْنِ: قَبُولُ المَسيحِ أَوْ رَفْضُهُ، الحَياةُ أَوِ الهَلاكُ.
لِذٰلِكَ يُطَوِّبُ يَسوعُ تَلاميذَهُ قائِلًا: "وَأَمَّا أَنْتُمْ، فَطُوبَى لِعُيُونِكُمْ لأَنَّهَا تُبْصِرُ، وَلآذَانِكُمْ لأَنَّهَا تَسْمَعُ" (متى 13: 16). فَالإِبْصارُ هُنَا هُوَ إِبْصارُ الإِيمانِ، وَالسَّمْعُ هُوَ سَمْعُ الطّاعَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوس: "لَيْسَتِ الطُّوبَى لِعُيُونِ الجَسَدِ، بَلْ لِعُيُونِ القَلْبِ الَّتِي تُدْرِكُ المَسيحَ بِالإِيمانِ"(94، PL 26).
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَحُونَ قُلُوبَهُمْ لِكَلِمَةِ اللهِ يَسْمَعُونَها وَيَفْهَمُونَها وَيَلْتَزِمُونَ بِها، فَيَدْخُلُونَ فِي أَسْرارِ المَلَكوتِ وَيُؤْتُونَ ثَمَرًا وَفيرًا. أَمَّا الَّذِينَ يُغْلِقُونَ قُلُوبَهُمْ بِالكِبْرِياءِ أَوِ الاِنْشِغالِ بِالعالَمِ، فَتَبْقَى الكَلِمَةُ عِنْدَهُمْ مُجَرَّدَ لُغْزٍ لا يَفْهَمُونَهُ، وَيَسْتَمِرُّونَ فِي حَياةٍ سَطْحِيَّةٍ، أَوْ يَبْقَوْنَ أَسْرَى أَهْوائِهِمْ. وَيُلَخِّصُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير هٰذِهِ الحَقيقَةَ بِقَوْلِهِ: "الكَلِمَةُ الإِلٰهِيَّةُ تَكُونُ نُورًا لِمَنْ يُحِبُّ الحَقَّ، وَحُجَّةً عَلَى مَنْ يَرْفُضُهُ"(1102، PL 76).
3) ما هو تفسيرُ مَثَلِ الزَّارِعِ؟ (متى 13: 18-23)
يُقَدِّمُ يَسوعُ تَفْسيرًا لِمَثَلِ الزَّارِعِ بَعْدَ إِجابَتِهِ عَنْ سُؤالِ التَّلاميذِ: «لِماذا تُكَلِّمُهُمْ بِالأَمْثالِ؟" (متى 13: 10). فَبَيْنَما فَهِمَ الفَرِّيسِيُّونَ المَثَلَ فَهْمًا حَرْفِيًّا وَتَوَقَّفُوا عِنْدَ صُورَتِهِ الخارِجِيَّةِ، أُعْطِيَ التَّلاميذُ أَنْ يَفْهَمُوا مَعْناهُ الرُّوحِيَّ، لأَنَّهُمْ قَبِلُوا كَلِمَةَ اللهِ بِالإِيمانِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لَمْ يَكُنِ اخْتِلافُ الفَهْمِ ناتِجًا عَنِ اخْتِلافِ الكَلامِ، بَلْ عَنِ اخْتِلافِ القُلُوبِ الَّتِي سَمِعَتْهُ"(477، PG 58).
وَيُؤَكِّدُ يَسوعُ فِي تَفْسيرِهِ حَقيقَتَيْنِ مُتَكامِلَتَيْنِ: الأُولى، أَنَّ كَلِمَةَ اللهِ لا بُدَّ أَنْ تُؤْتِيَ ثَمَرًا فِي النِّهايَةِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ وُجُودِ أَنْواعٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ الفَشَلِ؛ وَالثّانِيَةُ، أَنَّ كُلَّ إِنْسانٍ مَدْعُوٌّ لِيَكُونَ أَرْضًا طَيِّبَةً تَحْمِلُ ثَمَرًا وَفيرًا. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيُّ: "إِنَّ المَسيحَ لا يَلومُ البِذارَ، بَلْ يَدْعُو كُلَّ إِنْسانٍ إِلى أَنْ يُصْلِحَ أَرْضَ قَلْبِهِ"(709، PG 72).
وانطلاقًا من ذلك، يُصنِّفُ يَسوعُ مُسْتَمِعِي كَلِمَةِ اللهِ إِلَى ثَلاثَةِ نَماذِجَ لِلفَشَلِ، وَنَمُوذَجٍ واحِدٍ لِلنَّجاحِ.
أ) نماذجُ الفشلِ في تَقَبُّلِ كَلِمَةِ الله
الفشلُ الأوّل: الشِّريرُ يَخْطَفُ الكَلِمَةَ
يُمَثِّلُ الحَبُّ الَّذِي وَقَعَ عَلَى جانِبِ الطَّريقِ الإِنْسانَ الَّذِي يَسْمَعُ كَلِمَةَ اللهِ سَمْعًا سَطْحِيًّا، دُونَ أَنْ تَدْخُلَ إِلَى قَلْبِهِ. فَيَأْتِي الشِّريرُ وَيَخْطَفُها قَبْلَ أَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "إِنْ يَبِسَ الزَّرْعُ، فَلَيْسَ ذٰلِكَ بِسَبَبِ الحَرارَةِ، بَلْ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ"(463، PG 57).
فَقَدْ يَرْغَبُ الإِنْسانُ فِي الصَّلاةِ وَالمَحَبَّةِ وَالشَّهادَةِ، لٰكِنَّهُ لا يُواظِبُ، وَلا يَتَأَمَّلُ فِي كَلِمَةِ اللهِ، فَيَتْرُكُها دُونَ أَنْ تُغَيِّرَ حَياتَهُ. وَيَقُولُ البابا فَرَنْسيس: "إِنَّهُ قَلْبٌ حَيْثُ حِجارَةُ الكَسَلِ أَقْوَى مِنَ الأَرْضِ الطَّيِّبَةِ، وَحَيْثُ المَحَبَّةُ عابِرَةٌ وَغَيْرُ ثابِتَةٍ" (عِظَة 19 تمّوز 2017). لِذٰلِكَ يُوصِي بُطْرُسُ الرَّسولُ: "إِنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كالأَسَدِ الزَّائِرِ يَرودُ فِي طَلَبِ فَرِيسَةٍ لَهُ، فَقاوِمُوهُ راسِخِينَ فِي الإِيمانِ" (1 بطرس 5: 8-9).
الفشلُ الثاني: الشِّدَّةُ وَالاضْطِهادُ
يُمَثِّلُ الزَّرْعُ الَّذِي نَبَتَ سَرِيعًا ثُمَّ احْتَرَقَ بِحَرارَةِ الشَّمْسِ الإِنْسانَ الَّذِي يَقْبَلُ الكَلِمَةَ بِحَماسٍ، لٰكِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الجُذورِ الرُّوحِيَّةِ، فَلا يَثْبُتُ أَمامَ الضِّيقِ وَالاضْطِهادِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "التَّجارِبُ لا تُسْقِطُ الإِيمانَ الحَقيقيَّ، بَلْ تُظْهِرُ مِقْدارَ تَجَذُّرِهِ"(1107، PL 76). ولذلك يُشَجِّعُ بُولُسُ الرَّسولُ المُؤْمِنِينَ قائِلًا: "إِنِّي أَرَى أَنَّ آلامَ الزَّمَنِ الحاضِرِ لا تُعادِلُ المَجْدَ الَّذِي سَيَتَجَلَّى فِينا" (رومة 8: 18).
الفشلُ الثالث: هُمومُ الحَياةِ وَفِتْنَةُ الغِنَى
يُمَثِّلُ الشَّوْكُ الإِنْسانَ الَّذِي يَسْمَعُ الكَلِمَةَ، لٰكِنَّهُ يَسْمَحُ لِهُمُومِ الحَياةِ وَإِغْراءِ الغِنَى وَشَهَواتِ العالَمِ أَنْ تَخْنُقَها، فَتُصْبِحَ عَقِيمَةً. وَيُوضِّحُ القِدِّيسُ إِكْلِيمِنْدُس الإِسْكَنْدَرِيُّ: "لَيْسَ المالُ هُوَ الشَّرَّ، بَلْ سُوءُ اسْتِعْمالِهِ وَالتَّعَلُّقُ بِهِ"(604، PG 9). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "بِإِرادَتِكَ تَقْدِرُ أَنْ تَمْنَعَ نُمُوَّ الأَشْواكِ، وَأَنْ تَسْتَعْمِلَ الغِنَى لِلْخَيْرِ"464 ، PG 57).
لِذٰلِكَ لا يَتَحَدَّثُ يَسوعُ عَنِ العالَمِ فِي حَدِّ ذاتِهِ، بَلْ عَنْ هُمُومِ العالَمِ، وَلا عَنِ الغِنَى، بَلْ عَنْ فِتْنَةِ الغِنَى الَّتِي تَسْتَعْبِدُ القَلْبَ. وَمِنْ هُنا تَأْتِي وَصِيَّتُهُ: "لا تَهْتَمُّوا لِحَياتِكُمْ... فَأَبُوكُمُ السَّماوِيُّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتاجُونَ إِلى هٰذِهِ كُلِّها" (متى 6: 25-34).
إِذًا، فَالخَلَلُ لا يَكْمُنُ فِي الزَّارِعِ وَلا فِي البِذارِ، بَلْ فِي الأَرْضِ الَّتِي تَسْتَقْبِلُ البِذارَ، أَيْ فِي مِقْدارِ اسْتِعْدادِ القَلْبِ لِقَبُولِ كَلِمَةِ اللهِ. هٰذِهِ النَّماذِجُ تُظْهِرُ أَنَّ اللهَ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَبْرَ تارِيخِ الخَلاصِ عَنْ مُخاطَبَةِ الإِنْسانِ، غَيْرَ أَنَّ كَثِيرِينَ لَمْ يَبْذُلُوا الجُهْدَ اللازِمَ لِلإِصْغاءِ إِلَيْهِ. لِذٰلِكَ يَدْعُونا يَسوعُ إِلَى المُبادَرَةِ بِالإِصْغاءِ، وَقَبُولِ الكَلِمَةِ بِإِيمانٍ، وَأَلّا نُلْقِيَ اللَّوْمَ عَلَى الأَشْياءِ فِي حَدِّ ذاتِها، بَلْ عَلَى الفَسادِ الَّذِي قَدْ يَتَسَلَّلُ إِلَى قُلُوبِنا، فَيَمْنَعُ كَلِمَةَ اللهِ مِنْ أَنْ تُؤْتِيَ ثَمَرَها.
ب) وَنَمُوذَجٍ واحِدٍ لِلنَّجاحِ في تَقَبُّلِ كَلِمَةِ الله
كَما أَنَّهُ لَيْسَ أَمامَ الزَّارِعِ خِيارٌ سِوى أَنْ يَبذُرَ الحَبَّ في كُلِّ مَكانٍ، وَيُخاطِرَ بِثِقَةٍ كامِلَةٍ أَنَّ جُزءًا مِنَ البِذارِ سَيَقَعُ في الأَرضِ الطَّيِّبَةِ، كَذلِكَ كَلِمَةُ اللهِ مُوَجَّهَةٌ إِلى جَميعِ النّاسِ دُونَ اسْتِثْناءٍ، وَهِيَ لا تَرجِعُ فارِغَةً إِذا وَجَدَتْ قَلبًا مُستَعِدًّا لِقَبولِها. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "الزَّارِعُ لا يَختارُ مَن يَزرَعُ لَهُ، بَل يَبذُرُ لِلجَميعِ، لأَنَّ اللهَ يُريدُ أَنْ يَخلُصَ الجَميعُ"(605، PL 38).
هٰذِهِ الحَقيقَةُ يُعبِّرُ عَنها أَشَعْيا النَّبِيُّ بِصُورَةِ المَطَرِ الَّذِي يُخصِبُ الأَرضَ، فَيَقولُ: "كَما يَنزِلُ المَطَرُ وَالثَّلجُ مِنَ السَّماءِ... فَكَذلِكَ تَكونُ كَلِمَتي الَّتي تَخرُجُ مِن فَمي: لا تَرجِعُ إِلَيَّ فارِغَةً، بَل تُتِمُّ ما شِئتُ، وَتَنجَحُ فيما أَرسَلتُها لَهُ" (أشعيا 55: 10-11). فَفاعِلِيَّةُ الكَلِمَةِ مَضمُونَةٌ، لٰكِنَّ ثَمَرَها يَرتَبِطُ بِاسْتِعْدادِ القَلْبِ الَّذِي يَستَقبِلُها.
إِنَّ نَجاحَ كَلِمَةِ اللهِ يَكمُنُ في الأَرضِ الطَّيِّبَةِ، الَّتي تُمَثِّلُ الإِنسانَ الَّذِي "يَسمَعُ الكَلِمَةَ وَيَفهَمُها، فَيُثمِرُ وَيُعطي بَعضُه مِائَةً، وَبَعضُه سِتِّينَ، وَبَعضُه ثَلاثينَ" (متى 13: 23). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "يَستَقبِلُ المَسيحُ مَن يَأتونَ أَوَّلًا، وَلا يَرفُضُ مَن يَأتونَ ثانِيًا، وَيُهَيِّئُ دَائِمًا مَكانًا لِمَن يَأتونَ ثالِثًا"(466، PG 57). مُشيرًا إِلى أَنَّ نِعمَةَ اللهِ تَبقى مَفتوحَةً لِكُلِّ مَن يَرغَبُ في التَّوبَةِ وَالثَّباتِ.
وَقِيلَ إِنَّ بَعْضَ السَّنابِلِ كانَ يُنتِجُ ثَلاثينَ حَبَّةً، وَبَعضُها سِتِّينَ، وَأُخْرَى مِائَةً، وَهٰذِهِ الدَّرَجاتُ تُعَبِّرُ عَنْ تَفاوُتِ المُؤمِنينَ في قَبولِ كَلِمَةِ اللهِ، وَنُموِّهِمْ في الإِيمانِ وَالمَحَبَّةِ، وَقُربِهِمْ مِنَ المَسيحِ، وَغَيْرَتِهِمْ عَلَى عِبادَةِ اللهِ، وَمُمارَسَةِ الفَضيلَةِ وَالرَّحمَةِ، وَظُهورِ ثِمارِ الرُّوحِ القُدُسِ في حَياتِهِمْ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيُّ: "لا يُطالِبُ اللهُ الجَميعَ بِالثَّمَرِ نَفسِهِ، بَلْ بِالأَمانَةِ في قَبولِ النِّعمَةِ وَالتَّعاوُنِ مَعَها"( 712 ، PG 72).
فَالَّذِينَ يَفتَحونَ قُلوبَهُمْ لِكَلِمَةِ اللهِ، وَيَسمَعونَها، وَيَفهَمونَها، وَيُؤمِنونَ بِها، وَيُمارِسونَها، يَثبُتونَ فيها عَلَى الرَّغمِ مِنَ التَّجارِبِ وَالمِحَنِ وَالاضطِهاداتِ وَهُمومِ الحَياةِ، فَيُصبِحونَ شُرَكَاءَ في أَسرارِ المَلَكوتِ، وَيُؤتُونَ ثَمَرًا يَبقى لِلْحَياةِ الأَبَدِيَّةِ.
وَيَعرِضُ الإِنجيلُ اليَومَ أَمامَنا نَماذِجَ مُختَلِفَةً مِنَ البَشَرِ الَّذينَ سَمِعوا كَلِمَةَ اللهِ، وَيُظهِرُ تَفاوُتَ استِجابَتِهِمْ لَها، ثُمَّ يَترُكُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنّا حُرِّيَّةَ الاِختِيارِ: أَيُّ نَوعٍ مِنَ الأَرضِ أُريدُ أَنْ أَكونَ؟ وَكَأَنَّ يَسوعَ، عِندَما يَختِمُ المَثَلَ بِقَولِهِ: "فَمَن كانَ لَهُ أُذُنانِ فَلْيَسمَعْ"، يُخاطِبُ كُلَّ واحِدٍ مِنّا قائلًا: ما نَوعُ أَرضِ قَلبِكَ؟ أَهِيَ أَرضٌ قاسِيَةٌ، أَمْ سَطْحِيَّةٌ، أَمْ مُختَنِقَةٌ بِهُمومِ العالَمِ، أَمْ أَرضٌ طَيِّبَةٌ تُثمِرُ لِلَّهِ؟
إِنَّ الإِصغاءَ إِلَى كَلِمَةِ اللهِ هُوَ الشَّرطُ الأَساسِيُّ لِنُمُوِّ الحَياةِ الرُّوحِيَّةِ، لأَنَّ "كَيفَ يُؤمِنونَ بِمَن لَم يَسمَعوا بِهِ؟" (رومة 10: 14). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوس:"الأُذُنُ الَّتِي تُصغِي إِلَى اللهِ تَصيرُ قَلبًا يُثمِرُ"(96، PL 26). فَإِذا أَصغَيْنا بِإِيمانٍ، تَعَمَّقَتْ جُذورُنا في المَسيحِ، وَتَحَرَّرْنا مِن هُمومِ العالَمِ وَجاذِبِيَّةِ الغِنَى، وَأَثمَرَتْ حَياتُنا ثِمارًا تَبقى.
وَنَستَنتِجُ أَنَّ التَّلاميذَ فَهِموا أَنَّ تَأسيسَ مَلَكوتِ اللهِ لا يَخلو مِن صُعوباتٍ وَمُقاوَماتٍ، وَأَنَّ بِداياتِهِ لا تَبدو دَائِمًا ناجِحَةً، غَيْرَ أَنَّ المَثَلَ يُؤَكِّدُ أَنَّ المَسيحَ يَعمَلُ بِثَباتٍ وَأَمانَةٍ وَسْطَ كُلِّ هٰذِهِ الصِّعابِ، وَأَنَّ النَّصرَ النِّهائِيَّ هُوَ لِكَلِمَةِ اللهِ. لِذٰلِكَ يَدعونا يَسوعُ إِلَى الثَّباتِ فيه قائِلًا: "اُثبُتوا فِيَّ وَأَنا أَثبُتُ فيكُم... إِنَّ ما يُمَجَّدُ بِهِ أَبي أَنْ تُثمِروا ثَمَرًا كَثيرًا وَتَكونوا لي تَلاميذَ... أَنا اختَرتُكُم وَأَقَمتُكُم لِتَذهَبوا فَتُثمِروا وَيَبقى ثَمَرُكُم" (يوحنا 15: 4، 8، 16).
وهكذا يَبقى نِداءُ يَسوعَ مُوَجَّهًا إِلَى كُلِّ إِنسانٍ لِيَكونَ الأَرضَ الطَّيِّبَةَ الَّتِي تَستَقبِلُ كَلِمَةَ اللهِ بِقَلبٍ مُؤمِنٍ وَمُتَواضِعٍ وَمُستَعِدٍّ لِلإِثمارِ. فَقَدْ أَظهَرَ اللهُ ذاتَهُ لِلبَشَرِ، وَكَما يَقولُ البابا بندكتس السادس عشر: "اللهُ تَكَلَّمَ، وَلَم يَعُدِ المَجهولُ الأَكبَرُ، بَل أَظهَرَ ذاتَهُ"(6، (Verbum Domini لِذٰلِكَ فَلنَستَقبِلْ كَنزَ الكَلِمَةِ الإِلٰهِيَّةِ المُعلَنَةِ، وَلنَجعَلْها مِحوَرَ حَياتِنا، لأَنَّ البِشارَةَ كُلَّها تَقومُ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ المَسموعَةِ، وَالمُتَأَمَّلِ فيها، وَالمَعِيشَةِ بِأَمانَةٍ.
ج) ما هو معيارُ تَقَبُّلِ كَلِمَةِ اللهِ أَوْ رَفْضِها؟
يُبيِّنُ مَثَلُ الزَّارِعِ أَنَّ الاخْتِلافَ بَيْنَ النّاسِ لا يَكمُنُ في البِذارِ، فَهِيَ واحِدَةٌ وَصالِحَةٌ لِلجَميعِ، وَلا في الزَّارِعِ الَّذِي يَبذُرُ بِسَخاءٍ دُونَ تَمييزٍ، بَلْ في اسْتِعْدادِ القَلْبِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ كَلِمَةَ اللهِ. وَمِنْ خِلالِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ يُمكِنُ تَحديدُ ثَلاثَةِ مَعاييرَ أَساسِيَّةٍ لِقَبولِ الكَلِمَةِ أَوْ رَفْضِها.
المعيارُ الأوَّلُ: المُبادَرَةُ الإِلٰهِيَّةُ (النِّعمَةُ)
يَبدأُ الخَلاصُ دَائِمًا بِمُبادَرَةِ اللهِ، فَهُوَ الَّذِي يَدعُو وَيُعْطِي نِعْمَةَ مَعْرِفَةِ المَلَكوتِ. لِذٰلِكَ قالَ يَسوعُ لِتَلاميذِهِ: "لأَنَّكُمْ أُعْطِيتُمْ أَنْتُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرارَ مَلَكوتِ السَّماواتِ، وَأَمَّا أُولٰئِكَ فَلَمْ يُعْطَوْا ذٰلِكَ" (متى 13: 11). وَلٰكِنَّ هٰذِهِ العَطِيَّةَ لا تَعْنِي تَعَسُّفًا مِنَ اللهِ أَوْ تَمييزًا بَيْنَ النّاسِ، بَلْ تَفْتَرِضُ قَلْبًا مُنْفَتِحًا عَلَى النِّعْمَةِ. فَمَنْ يَتَجاوَبُ مَعَ العَطِيَّةِ الإِلٰهِيَّةِ يُعْطَى المَزيدَ، كَما قالَ يَسوعُ: "لأَنَّ مَنْ كانَ لَهُ شَيْءٌ يُعْطَى فَيَفِيضُ" (متى 13: 12). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "إِنَّ اللهَ يَسبِقُ الإِنسانَ بِنِعْمَتِهِ، لٰكِنَّهُ لا يُكَلِّلُ إِلَّا مَنْ يَتَعاوَنُ مَعَها"(901 ، PL 44).
المعيارُ الثّاني: حُرِّيَّةُ الإِنسانِ
إِنَّ كَلِمَةَ اللهِ لا تُفرَضُ عَلَى الإِنسانِ بِالقُوَّةِ، وَلا تُكرِهُ أَحَدًا عَلَى الإِيمانِ، بَلْ تَدعوهُ بِالمَحَبَّةِ وَتَحْتَرِمُ حُرِّيَّتَهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِيريناوُس: "خَلَقَ اللهُ الإِنسانَ حُرًّا، لِيَكُونَ طاعَتُهُ نابِعَةً مِنَ المَحَبَّةِ لا مِنَ الإِكراهِ"(939، PG 7).
وَهٰذا ما يُفَسِّرُ عَدَمَ قُبولِ الجَميعِ لِلبِشارَةِ، وَإِمكانِيَّةَ رَفْضِها. فَالإِنجيلُ يَقُولُ: "لأَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ وَلا يُبْصِرُونَ، وَيَسْمَعُونَ وَلا يَسْمَعُونَ وَلا هُمْ يَفْهَمُونَ" (متى 13: 13). وَهُنا يَلْتَقِي لاهوتُ النِّعمَةِ بِـ لاهوتِ الحُرِّيَّةِ؛ فَاللهُ يَهَبُ النِّعمَةَ، وَالإِنسانُ يَبْقَى حُرًّا فِي أَنْ يَقبَلَها أَوْ يَرْفُضَها. فَكَلِمَةُ اللهِ تَكشِفُ ذَاتَها، لٰكِنَّها لا تُلغِي حُرِّيَّةَ الإِنسانِ، وَالحَدُّ الفاصِلُ بَيْنَ الإِيمانِ وَالرَّفْضِ يَمُرُّ فِي قَلْبِ الإِنسانِ نَفْسِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لَمْ يَحْجُبِ المَسيحُ النُّورَ عَنْ أَحَدٍ، بَلِ العُيونُ المَريضَةُ هِيَ الَّتِي لَمْ تَستَطِعْ أَنْ تَراهُ"(467 ، PG 57). لِذٰلِكَ فَإِنَّ يَسوعَ لا يُريدُ عَمَى النّاسِ، بَلْ يَكتَفِي بِإِظهارِ وَاقِعِهِمْ، وَيَستَخدِمُ الأَمْثالَ لِيَدعُوَهُمْ إِلَى اكْتِشافِ قَساوَةِ قُلُوبِهِمْ، وَالحاجَةِ إِلَى التَّوبَةِ وَالانْفِتاحِ عَلَى الحَقِّ.
المعيارُ الثّالِثُ: السَّمْعُ المُثمِرُ بِالعَمَلِ
إِنَّ سِرَّ اللهِ لَيْسَ مَعْلُومَةً تُفرَضُ عَلَى العَقلِ، بَلْ حَقيقَةً تُكشَفُ لِمَنْ يُصغِي بِإِيمانٍ، وَيَجْتَهِدُ فِي فَهْمِها، وَيُتَرْجِمُها إِلَى حَياةٍ. فَالمَعْرِفَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ لَيْسَتْ مَعْرِفَةً ذِهْنِيَّةً مُجَرَّدَةً، بَلْ مَعْرِفَةٌ تُغَيِّرُ القَلْبَ وَالسُّلوكَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: " لا يَكْفِي أَنْ نَسْمَعَ الكَلِمَةَ، بَلْ يَجِبُ أَنْ نُحَوِّلَها إِلَى أَعْمالٍ، لِئَلَّا تَكونَ شَهادَةً عَلَيْنا"1139، PL 76).
لِذٰلِكَ فَالسَّماعُ ضَرورِيٌّ، لٰكِنَّهُ لا يَكْفِي وَحْدَهُ لِلخَلاصِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى طاعَةٍ وَثَمَرٍ، كَما يُؤَكِّدُ الرَّسولُ يَعقوبُ: "كُونُوا عامِلِينَ بِالكَلِمَةِ، لا سامِعِينَ فَقَطْ، خادِعِينَ أَنْفُسَكُمْ" (يعقوب 1: 22). فَالإِيمانُ الحَقُّ يَظهَرُ فِي الأَعْمالِ، وَالثَّمَرُ هُوَ البُرهانُ عَلَى أَنَّ البِذارَ وَقَعَتْ فِي أَرْضٍ صالِحَةٍ.
لِذٰلِكَ يَدْعُونا يَسوعُ إِلَى أَنْ نَنْظُرَ أَوَّلًا إِلَى دَاخِلِ قُلُوبِنا، وَأَنْ نَسأَلَ ذَواتِنا: هَلْ نَحْنُ مُستَعِدُّونَ لِقَبولِ كَلِمَةِ اللهِ بِإِيمانٍ؟ وَهَلْ ما زالَتْ حِجارَةُ الكَسَلِ وَأَشْواكُ الهُمومِ وَالتَّعَلُّقِ بِالعالَمِ تَمْنَعُ الكَلِمَةَ مِنَ النُّمُوِّ فِينا؟ وَهَلْ لَدَيْنا الشَّجاعَةُ لِنَنْقِيَ قُلُوبَنا بِالتَّوبَةِ وَالاعْتِرافِ وَالصَّلاةِ، حَتّى تُصبِحَ أَرْضًا طَيِّبَةً تُؤْتِي ثَمَرًا يَبْقَى لِمَجْدِ اللهِ وَخَيْرِ الإِنسانِ؟
الخلاصة
نَبدَأُ مع مَثَلَ الزَّارِعِ (متّى 13: 1-23)، قِراءَةَ الخِطابِ الثّالِثِ في إِنجيلِ مَتّى، المَعروفِ بِـ"خِطابِ الأَمثالِ"، الَّذي يَضُمُّ سَبعَةَ أَمثالٍ لِيَسوعَ، تَتمَحورُ جَميعُها حَولَ مَوضوعٍ واحِدٍ، أَلَا وَهُوَ مَلَكوتُ السَّماواتِ. ولا يُقَدِّمُ يَسوعُ تَعريفًا نَظَرِيًّا أَو مُباشِرًا لِلمَلَكوتِ، بَل يَكشِفُ حَقيقَتَهُ مِن خِلالِ أَمثالٍ مُتَنَوِّعَةٍ، يُظهِرُ كُلُّ واحِدٍ مِنها بُعدًا مِن أَبعادِهِ، وَيُعلِنُ شَيئًا مِن سِرِّهِ وَدينامِيَّةِ نُموِّهِ في التّاريخِ وَفي قُلوبِ المُؤمِنينَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: "إِنَّ المَسيحَ يَستَعمِلُ الأَمثالَ لِيَجذِبَ السّامِعينَ إِلى البَحثِ عَنِ الحَقيقَةِ، فَيَكونُ التَّعلِيمُ أَرسَخَ في قُلوبِهِم"(472، PG 57). وهٰكَذا تَغدو الأَمثالُ دَعوَةً إِلى الإِيمانِ وَالتَّأَمُّلِ، وَسَبيلًا لِلدُّخولِ في سِرِّ مَلَكوتِ اللهِ، لا مُجرَّدَ قِصَصٍ أَدَبِيَّةٍ أَو تَشابيهَ تَعليميَّةٍ.
يضربُ يسوعُ مَثَلَ الزَّارِعِ ثُمَّ يُفَسِّرُهُ لِتَلاميذِهِ، كاشِفًا لَهُم سِرَّ مَلَكوتِ اللهِ. فَالزَّارِعُ هُوَ يَسوعُ نَفسُهُ، الَّذي خَرَجَ لِيَبذُرَ كَلِمَةَ اللهِ في قُلوبِ البَشَرِ دُونَ تَمييزٍ، وَما زالَ يَبذُرُها اليَومَ بِمُختَلِفِ الوَسائِلِ: بِالكِرازَةِ، وَالكِتابِ المُقَدَّسِ، وَاللِّيتورجِيّا، وَشَهادَةِ الكَنيسَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "الزَّارِعُ لا يَكُفُّ عَنْ بَذْرِ الكَلِمَةِ، فَإِنْ لَمْ تُثمِرِ اليَومَ، فَقَدْ تُثمِرُ غَدًا"(472، PL 38). فَالكَلِمَةُ وَاحِدَةٌ، أَمَّا الثَّمَرُ فَيَختَلِفُ بِحَسَبِ نَوعِيَّةِ الأَرضِ، أَي بِحَسَبِ اسْتِعْدادِ القَلْبِ الإِنْسانِيِّ.
وَقَدِ اهْتَمَّ الإِنْجِيلُ بِحَسَبِ كُلِّ إِنْجِيلِيٍّ بِجانِبٍ مُعَيَّنٍ مِنْ تَطْبيقِ المَثَلِ. فَقَدْ شَدَّدَ مَتّى الإِنْجِيلِيُّ (13: 1-23) عَلَى ضَرورَةِ فَهْمِ كَلِمَةِ اللهِ فَهْمًا رُوحِيًّا يَقودُ إِلَى العَمَلِ بِها، وَعَلَى التَّمييزِ بَيْنَ مَنْ قَبِلُوا سِرَّ المَلَكوتِ وَمَنْ رَفَضُوهُ (متى 13: 10-17). أَمَّا مَرقُسُ الإِنْجِيلِيُّ فَيُبْرِزُ أَنَّ اضْطِهاداتِ زَمَنِ الكَنيسَةِ الأُولى كانَتْ سَبَبًا فِي تَراجُعِ كَثيرِينَ عَنِ الإِيمانِ. وَأَمَّا لوقا الإِنْجِيلِيُّ فَيُؤَكِّدُ أَنَّ قَبولَ الكَلِمَةِ يَفتَرِضُ إِيمانًا ثابِتًا وَمُثابَرَةً فِي وَسَطِ التَّجارِبِ (لوقا 8: 9-15). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيُّ: "الثَّمَرُ لا يَتَوَقَّفُ عَلَى البِذارِ، بَلْ عَلَى القَلْبِ الَّذِي يَحفَظُها"("712 ، PG 72).
وَأَرادَ يَسوعُ أَنْ يُعَلِّمَ تَلاميذَهُ أَنَّ كِرازَةَ الإِنْجيلِ لا بُدَّ أَنْ تُواجِهَ رَفضًا وَعَثَراتٍ وَإِخفاقاتٍ. فَأَنْواعُ التُّرْبَةِ الأَرْبَعَةُ تُمَثِّلُ رُدودَ الفِعْلِ المُختَلِفَةَ تِجاهَ كَلِمَةِ اللهِ: فَمِنَ النّاسِ مَنْ يُقَسِّي قَلْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقبَلُها بِحَماسٍ عابِرٍ دُونَ جُذورٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَخنُقُها هُمومُ الحَياةِ وَفِتْنَةُ الغِنَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحفَظُها فِي قَلْبٍ صالِحٍ فَتُؤْتِي ثَمَرًا وَفيرًا. وَمَعَ ذٰلِكَ، لا يَترُكُنا المَثَلُ عِنْدَ مَشْهَدِ الفَشَلِ، بَلْ يُوَجِّهُ أَنظارَنا إِلَى الثَّمَرِ الغَزيرِ الَّذِي تُنتِجُهُ الأَرضُ الطَّيِّبَةُ، وَهُوَ ثَمَرٌ يَفوقُ كُلَّ تَوَقُّعٍ بَشَرِيٍّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لا تَنظُرْ إِلَى ما هَلَكَ مِنَ البِذارِ، بَلْ إِلَى الغَلَّةِ العَظيمَةِ الَّتِي سَتُكَلِّلُ عَمَلَ الزَّارِعِ"(466 ، ،).لِذٰلِكَ يُهَيِّئُ يَسوعُ تَلاميذَهُ، وَيُهَيِّئُنا مَعَهُمْ، لِئَلَّا نَيْأَسَ أَمامَ الصُّعوباتِ أَوِ الفَشَلِ الظّاهِرِ، بَلْ لِنُواصِلَ الكِرازَةَ وَالشَّهادَةَ بِإِيمانٍ وَصَبْرٍ، وَاثِقِينَ بِأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ لا تَرجِعُ إِلَيْهِ فارِغَةً (أشعيا 55: 11).
إِنَّ دَعوَتَنا اليَومَ هِيَ أَنْ نُصبِحَ أَرضًا طَيِّبَةً، خالِيَةً مِن صُخورِ القَساوَةِ، وَأَشواكِ الهُمومِ، وَسَطْحِيَّةِ الإِيمانِ، مُهَيَّأَةً بِالتَّوبَةِ وَالصَّلاةِ وَالإِصغاءِ لِتَستَقبِلَ كَلِمَةَ اللهِ بِفَرَحٍ وَأَمانَةٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "إِنَّ القَلْبَ الَّذِي يَحفَظُ الكَلِمَةَ بِالمَحَبَّةِ يُصبِحُ حَقلًا لِلَّهِ يُثمِرُ فِي كُلِّ زَمانٍ"("1139 ، PL 76). وَلِنَسأَلْ أَنْفُسَنا أَخيرًا: أَيُّ نَوعٍ مِنَ التُّرْبَةِ نَحْنُ؟ وَإِلى أَيِّ مَدًى تَجَذَّرَتْ كَلِمَةُ اللهِ فِي قُلُوبِنا وَأَصبَحَتْ تُؤْتِي ثَمَرًا لِمَجْدِ اللهِ وَخَيْرِ الإِنسانِ؟
دُعَاء
أيُّها الآبُ السَّماويُّ، نَشكُرُكَ لأنَّكَ أَرسَلتَ ابنَكَ الحبيبَ يسوعَ المسيحَ، الزَّارِعَ الصّالِحَ، لِيَبذُرَ كَلِمَتَكَ الحَيَّةَ في حُقولِ قُلوبِنا. نَسأَلُكَ أَنْ تُهَيِّئَ أَرضَ نُفوسِنا لِتَكونَ أَرضًا طَيِّبَةً تُثمِرُ لِمَجدِكَ.
أَزِلْ، يا رَبُّ، مِن قُلوبِنا حِجارَةَ القَساوَةِ وَالسَّطْحِيَّةِ، وَنَقِّها مِن أَشواكِ الهُمومِ وَمَحبَّةِ العالَمِ، وَاحمِها مِن طُيورِ الشِّرِّيرِ الَّذي يَسعى إِلى خَطفِ كَلِمَتِكَ مِنَّا.
هَبْ لَنا قُلوبًا مُتواضِعَةً، وَعُيونًا تُبصِرُ نُورَ الحَقِّ، وَآذانًا تُصغي إِلى صَوتِكَ، لِنَحفَظَ كَلِمَتَكَ، وَنَعمَلَ بِها، وَتَتَجَذَّرَ في حَياتِنا، فَتُؤتي ثَمَرًا وَفيرًا يَبقى لِلْحَياةِ الأَبَدِيَّةِ.
واجعَلْنا، يا رَبُّ، تَلاميذَكَ الحَقيقيِّينَ، نَثبُتُ فيكَ وَتَثبُتُ أَنتَ فينا، لِنُشارِكَكَ في بَذرِ كَلِمَةِ اللهِ بِشَهادَةِ حَياتِنا، حتّى يَتَمَجَّدَ الآبُ السَّماويُّ بِثِمارِنا الكَثيرَةِ. لَكَ المَجدُ وَالشُّكرُ إِلى الأَبَد. آمين.
قِصَّةٌ حَقيقيَّةٌ: الأَرضُ الطَّيِّبَةُ الَّتي غَيَّرَتْ قَرْيَةً بِأَكمَلِها
يَروي المُؤَرِّخونَ أَنَّ القِدِّيسَ يُوحَنّا ماري فيانّي، المَعروفَ بِخوري بَلدةِ آرس في فَرَنسا، أُرسِلَ سَنَةَ 1818 إِلى قَرْيَةٍ صَغيرَةٍ كانَتْ تَعيشُ فُتورًا دينيًّا شَديدًا. كانَ عَدَدُ سُكّانِها قَليلًا، لٰكِنَّ الكَنيسَةَ كانَتْ شِبهَ خالِيَةٍ، وَكَثيرونَ ابتَعَدوا عَنِ الصَّلاةِ وَالأَسرارِ، وَانشَغَلوا بِالعَمَلِ وَاللَّهوِ أَكثَرَ مِنِ انشِغالِهِم بِاللهِ.
لَمْ يَبدَأِ الكاهِنُ الجَديدُ بِخُطَطٍ مُعَقَّدَةٍ وَلا بِبَرامِجَ جَذّابَةٍ، بَلْ بَدَأَ بِما يُشبِهُ الزَّارِعَ في مَثَلِ يَسوعَ. فَكانَ يَركَعُ كُلَّ صَباحٍ ساعَاتٍ طَويلَةً أَمامَ القُربانِ المُقَدَّسِ، ثُمَّ يَكرِزُ بِكَلِمَةِ اللهِ بِبَساطَةٍ، وَيَزورُ المَرضى وَالفُقَراءَ، وَيُصغي إِلى النّاسِ بِمَحبَّةٍ، وَيَعيشُ ما يُبَشِّرُ بِهِ.
في البِدايَةِ لَمْ يَظهَرْ أَيُّ ثَمَرٍ. بَلْ سَخِرَ بَعضُ أَهلِ القَريَةِ مِنهُ، وَاتَّهَمَهُ آخَرونَ بِالمُبالَغَةِ في التَّقوى. وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَنْ بَذرِ كَلِمَةِ اللهِ، لأَنَّهُ كانَ يُؤمِنُ أَنَّ المُشكِلَةَ لَيسَتْ في البِذارِ، بَلْ في الأَرضِ الَّتي تَحتاجُ إِلى وَقتٍ حَتّى تُهَيَّأَ.
وَمَعَ مُرورِ السَّنواتِ، بَدَأَتِ القُلوبُ تَتَغَيَّرُ. فَعادَ النّاسُ إِلى سِرِّ الاِعتِرافِ، وَامتَلَأَتِ الكَنيسَةُ بِالمُصَلِّينَ، وَأَصبَحَتْ بَلدةُ آرس مَقصِدًا لِلحُجّاجِ مِن أَنحاءِ فَرَنسا وَأوروبّا. وَكانَ آلافُ الأَشخاصِ يَنتَظِرونَ ساعَاتٍ طَويلَةً لِيَعتَرِفوا عِندَ هٰذا الكاهِنِ، حَتّى قيلَ إِنَّهُ كانَ يَقضي ما بَينَ عَشرٍ وَسِتَّ عَشرَةَ ساعَةً يَوميًّا في كُرسِيِّ الاِعتِرافِ.
وكانَ القِدِّيسُ يُرَدِّدُ دَوْمًا: "لَيسَتِ المُشكِلَةُ أَنَّ كَلِمَةَ اللهِ ضَعيفَةٌ، بَلْ أَنَّ قُلوبَنا كَثيرًا ما تَكونُ مَملوءةً بِالحِجارَةِ وَالأَشواكِ"
العِبْرَةُ
تُجَسِّدُ هٰذِهِ القِصَّةُ مَثَلَ الزَّارِعِ بِأَكمَلِهِ. فَلَمْ يُغَيِّرِ القِدِّيسُ يُوحَنّا ماري فيانّي النّاسَ بِقُوَّةِ شَخصِيَّتِهِ، وَلا بِبَلاغَةِ كَلامِهِ، بَلْ بِثِقَتِهِ المُطلَقَةِ في قُوَّةِ كَلِمَةِ اللهِ. أَدْرَكَ أَنَّ دَورَ الزَّارِعِ هُوَ أَنْ يَبذُرَ، أَمَّا الإِنْباتُ فَهُوَ عَمَلُ اللهِ. وَعِندَما انْفَتَحَتِ القُلوبُ لِلنِّعْمَةِ، أَثمَرَتِ الكَلِمَةُ ثَلاثينَ وَسِتِّينَ وَمِئَةً.
وَهٰكَذا يَدْعونا يَسوعُ اليَومَ أَلّا نَسأَلَ عَنْ نَوعِيَّةِ البِذارِ، فَهِيَ دَوْمًا صالِحَةٌ وَقَوِيَّةٌ، بَلْ عَنْ نَوعِيَّةِ أَرضِ قُلوبِنا: هَلْ هِيَ طَريقٌ قاسٍ؟ أَمْ أَرضٌ سَطحِيَّةٌ؟ أَمْ أَرضٌ تَختَنِقُ بِأَشواكِ هُمومِ العالَمِ؟ أَمْ هِيَ أَرضٌ طَيِّبَةٌ تَحفَظُ كَلِمَةَ اللهِ وَتُؤتِي ثَمَرًا لِمَجدِ اللهِ وَخَيرِ الإِنسانِ؟