موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النَّصُّ الإنْجيلي (مَتّى 10: 37-42)
37 ((مَن كانَ أَبوه أو أُمُّه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي. ومَن كانَ ابنُه أَوِ ابنَتُه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي. 38ومَن لم يَحمِلْ صَليبَه ويَتبَعْني، فلَيسَ أَهْلاً لي. 39مَن حَفِظَ حياتَه يَفقِدُها، ومَن فَقَدَ حَياتَه في سبيلي يَحفَظُها. 40مَن قَبِلَكم قَبِلَني أَنا، ومَن قَبِلَني قَبِلَ الَّذي أَرسَلَني. 41مَن قَبِلَ نَبِيّاً لأَنَّه نَبيٌّ فَأَجرَ نَبِيٍّ يَنال، ومَن قَبِلَ صِدِّيقاً لأَنَّه صِدِّيقٌ فَأَجرَ صِدِّيقٍ يَنال 42ومَن سَقى أَحَدَ هَؤلاءِ الصِّغارِ، وَلَو كَأسَ ماءٍ باردٍ لأَنَّه تِلميذ، فالحَقَّ أَقولُ لَكم إِنَّ أَجرَه لن يَضيع)).
مُقَدِّمَة
يُسَلِّطُ إِنجيلُ الأَحَدِ الثَّالِثِ عَشَرَ مِنَ السَّنَةِ الضَّوءَ عَلى أَحَدِ أَعمَقِ شُروطِ التَّلمَذَةِ المَسيحيَّةِ، أَلَا وَهُوَ حَمْلُ الصَّليبِ وَاتِّباعُ المَسيحِ (مَتّى 10: 37-42). فَبَعدَ أَنْ أَعَدَّ يَسوعُ تَلاميذَهُ لِمُواجَهَةِ الرَّفضِ وَالاضطِهادِ مِن أَجلِ الإِنجيلِ، يَنتَقِلُ هُنا إِلى مُستَوًى أَعمَقَ مِنَ الجِهادِ، وَهُوَ الجِهادُ الدّاخِلِيُّ الَّذي يَمسُّ القَلبَ وَالعَلاقاتِ وَالأَولَوِيّاتِ الشَّخصِيَّةَ.
وَيُعَدُّ حَمْلُ الصَّليبِ رَمْزًا لِلجِهادِ الرُّوحيِّ الدّاخِلِيِّ الَّذي يَتَوَجَّبُ عَلى كُلِّ تِلْميذٍ أَنْ يَخوضَهُ في أَمانَتِهِ لِلْمَسيحِ وَشَهادَتِهِ لَهُ أَمامَ العالَمِ. فَالصَّليبُ لَيسَ مُجَرَّدَ آلامٍ أَو تَجارِبَ يَحتَمِلُها الإِنسانُ، بَل هُوَ قَرارٌ يَوميٌّ بِاتِّباعِ المَسيحِ وَالثَّباتِ في مَحبَّتِهِ وَحَقِّهِ، مَهْما كَلَّفَ الأَمْرُ مِن تَضْحِيَةٍ أَو إِنكارِ ذاتٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: "لَم يَدعُ المَسيحُ تَلاميذَهُ إِلى المَوتِ فَحَسْب، بَل إِلى أَنْ يُفَضِّلوهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ، لِكَي يَكونَ هُوَ الكَنزَ الأَعظَمَ في قُلوبِهِم" (PG 57, 412).
لِذٰلِكَ يَضَعُ يَسوعُ شَرْطًا أَساسِيًّا لِلتَّلْمَذَةِ قائِلًا: "مَن لا يَحمِلُ صَليبَهُ وَيَتْبَعُني فَلا يَستَحِقُّني" (مَتّى 10: 38). فَحَمْلُ الصَّليبِ لَيسَ أَمْرًا اخْتِياريًّا، بَل هُوَ الطَّريقُ الَّذي سَلَكَهُ المَسيحُ نَفْسُهُ وَيَدْعو أَتْباعَهُ إِلى السَّيْرِ فيهِ. وَمِن خِلالِ هٰذا الطَّريقِ يَكْتَشِفُ التِّلْميذُ أَنَّ خَسارَةَ الحَياةِ مِن أَجْلِ المَسيحِ هِيَ في الحَقيقَةِ الطَّريقُ إِلى رِبْحِها، كَما يُؤَكِّدُ الرَّبُّ: "مَن حَفِظَ حياتَه يَفقِدُها، ومَن فَقَدَ حَياتَه في سبيلي يَحفَظُها. مَن وَجَدَ حَياتَهُ أَضاعَها، وَمَن أَضاعَ حَياتَهُ مِن أَجْلي وَجَدَها" (مَتّى 10: 39). وَمِن هُنا تَكمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحْثِ في وَقائِعِ هٰذا النَّصِّ الإِنْجيليِّ وَتَحْليلِهِ، لِنَكْتَشِفَ مَعاني التَّلْمَذَةِ الحَقيقيَّةِ، وَمُقَوِّماتِ اتِّباعِ المَسيحِ، وَكَيْفَ يَدْعونا الرَّبُّ اليَومَ أَنْ نَحمِلَ صَليبَنا بِإِيمانٍ وَمَحَبَّةٍ وَثِقَةٍ، فَنُصْبِحَ شُهودًا أُمَناءَ لَهُ في العالَم.
أولا: وَقَائِع النَّص الإنْجيلي (متى 10: 37-42)
37 مَن كانَ أَبوه أو أُمُّه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي. ومَن كانَ ابنُه أَوِ ابنَتُه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي.
تُشيرُ عِبارَةُ "مَن كانَ أَبوهُ أَو أُمُّهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنّي" (مَتّى 10: 37) إِلى تَعْبيرٍ يَبدو لِلوَهْلَةِ الأُولى وكَأَنَّهُ يَضَعُ تَعارُضًا بَيْنَ الرَّوابِطِ العائِلِيَّةِ وَاتِّباعِ يَسوع. غَيْرَ أَنَّ المَسيحَ لا يَدعو هُنا إِلى إِهمالِ الوالِدَيْنِ أَوِ التَّقْليلِ مِن شَأْنِ العائِلَةِ، فَهُوَ نَفْسُهُ أَكَّدَ أَهَمِّيَّةَ الوَصِيَّةِ الرّابِعَةِ: "أَكرِمْ أَباكَ وَأُمَّكَ" (خُروج 20: 12؛ مَرقُس 7: 9-13؛ لوقا 18: 20). وَإِنَّما يُريدُ أَنْ يُبَيِّنَ أَوْلَوِيَّةَ اللهِ في حَياةِ المُؤمِنِ، فَعِنْدَما يَتَعَارَضُ طَلَبُ اللهِ مَعَ أَيِّ وَلاءٍ بَشَرِيٍّ، يَجِبُ أَنْ يَكونَ المَسيحُ في المَقامِ الأَوَّل. والجَديرُ بِالذِّكرِ أَنَّ يَسوعَ يُوَجِّهُ كَلِماتِهِ في هٰذا النَّصِّ بِصِيغَةِ المُفرَدِ، مِمَّا يُبرِزُ الطَّابِعَ الشَّخصِيَّ لِدَعوَتِهِ. فَهُوَ لا يُخاطِبُ الجَماعَةَ فَحَسب، بَل يُخاطِبُ كُلَّ مُؤمِنٍ عَلَى حِدَةٍ. فَهِيَ دَعوَةٌ شَخصِيَّةٌ مُوَجَّهَةٌ إِلَيَّ وَإِلَيكَ، لِيَجِدَ كُلُّ واحِدٍ راحَتَهُ وَخَلاصَهُ في شَخصِ المَسيحِ.
إِنَّ لَفْظَ "مَن" الَّذي يَتَكَرَّرُ في كَلِماتِ يَسوعَ ("مَن كانَ أَبوهُ..."، "مَن لَم يَحمِلْ صَليبَه..."، "مَن حَفِظَ حَياتَه...") يُؤَكِّدُ أَنَّ الدَّعوَةَ شَخصِيَّةٌ وَمُباشِرَةٌ، وَيَضَعُ كُلَّ إِنسانٍ أَمامَ مَفترَقِ طُرُقٍ يَستَدعي اتِّخاذَ قَرارٍ حاسِمٍ بِرُوحِ التَّمييزِ الرُّوحيِّ. فَلَيسَ هُناكَ مَن يَستَطيعُ أَنْ يَختارَ عَن غَيرِهِ، بَل يَلتَزِمُ كُلُّ واحِدٍ بِأَنْ يُحَدِّدَ مَوقِفَهُ مِنَ المَسيحِ، وَأَنْ يَجعَلَ "أَوْلَوِيَّةَ الرَّبِّ" في مُقَدِّمَةِ كُلِّ اختِياراتِهِ وَقَراراتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قائلًا: "إِنَّ اللهَ الَّذي خَلَقَكَ مِن دونِكَ، لا يُخَلِّصُكَ مِن دونِكَ"، فَهُوَ يَدعو الإِنسانَ إِلى التَّجاوُبِ الحُرِّ مَعَ نِعمَتِهِ (PL 38, 923). وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم أَنَّ المَسيحَ يَدعو كُلَّ إِنسانٍ إِلى الاِختِيارِ الواضِحِ، قائِلًا: "لَم يُكرِهْ أَحَدًا عَلى اتِّباعِهِ، بَل جَعَلَ الأَمرَ رَهْنَ إِرادَةِ الإِنسانِ، لِتَكونَ الطّاعَةُ ثَمَرَةَ المَحبَّةِ لا الإِكراهِ" (PG 57, 409). وَيَقولُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "لا يَكفي أَنْ نَعرِفَ الطَّريقَ، بَل يَجِبُ أَنْ نَختارَ السَّيرَ فيهِ، فَالمَعْرِفَةُ بِلا قَرارٍ لا تُؤَدِّي إِلى الخَلاصِ" (PL 76, 1230). لِذٰلِكَ، فَإِنَّ تِكرارَ "مَن" في هٰذا المَقطَعِ الإِنجيليِّ يَدعو كُلَّ مُؤمِنٍ إِلى وَقفَةِ ضَميرٍ، لِيَسأَلَ نَفسَهُ: هَل يَحتَلُّ المَسيحُ المَرتَبَةَ الأُولى في حَياتي؟ وَهَل أُخضِعُ اختِياراتي وَعَلاقاتي وَمَصالِحي كُلَّها لِسُلطانِ مَحبَّتِهِ؟ فَالتَّلمَذَةُ الحَقيقيَّةُ تَبدَأُ حِينَ يَصيرُ المَسيحُ المِعيارَ الأَوَّلَ وَالأَخيرَ لِكُلِّ قَرارٍ يَتَّخِذُهُ الإِنسانُ.
أَمَّا عِبارَةُ "أَحَبَّ" فَتَرِدُ في النَّصِّ اليونانيِّ بِالفِعْلِ φιλεῖ مِن φιλέω وَهُوَ يَدُلُّ عَلى مَحَبَّةِ القَرابَةِ وَالعَلاقَاتِ العائِلِيَّةِ. وَالمَعْنى هُنا أَنَّ مَن يُفَضِّلُ وَالِدَيْهِ أَو أَبْناءَهُ عَلى المَسيحِ لا يَسْتَطيعُ أَنْ يَكونَ تِلْميذًا حَقًّا. وَيُوضِّحُ إِنجيلُ لوقا الفِكْرَةَ بِأُسلوبٍ سَامِيٍّ قائِلًا: "إِن كانَ أَحَدٌ يَأْتي إِلَيَّ وَلا يُبْغِضْ أَباهُ وَأُمَّهُ..." (لوقا 14: 26). وَكَلمَةُ "يُبْغِضْ" لا تَعني الكَراهِيَةَ بِالمَعْنى الحَرْفيِّ، بَلِ التَّفْضيلَ، لأَنَّ اللُّغَةَ السَّامِيَّةَ لا تَعْرِفُ صِيغَةَ التَّفْضيلِ المُباشِرَةَ كَما في اللُّغَةِ اليونانِيَّةِ. وَقَد استُعْمِلَ هٰذا الأُسلوبُ نَفْسُهُ في العَهْدِ القَديمِ (تَكوين 29: 30-31). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: "لَم يَأمُرِ المَسيحُ بِكُرْهِ الوالِدَيْنِ، بَل أَرادَ أَلّا نُفَضِّلَ أَحَدًا عَلَيْهِ، حَتّى أَقْرَبَ النّاسِ إِلَيْنا، لأَنَّهُ هُوَ سَيِّدُ الجَميعِ وَواهِبُ كُلِّ خَيْرٍ" (PG 57, 414). وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ هيلاري أُسْقُف بواتييه أَنَّ المَسيحَ "لا يَطلُبُ إِلغاءَ المَحَبَّةِ الطَّبيعِيَّةِ، بَل تَنْظيمَها، حَتّى تَكونَ مَحَبَّةُ اللهِ هِيَ الأَساسَ الَّذي تَنْبَنِي عَلَيْهِ سائِرُ أَنواعِ المَحَبَّةِ" (PL 9, 979).
أَمَّا عِبارَةُ "لَيسَ أَهْلًا لي" فَتُشيرُ إِلى عَدَمِ الاِسْتِحْقاقِ أَو عَدَمِ الجَدارَةِ بِالتَّلْمَذَةِ. فَالكَلِمَةُ اليونانِيَّةُ ἄξιος تَعني "مُسْتَحِقًّا" أَو "جَديرًا". وَالمَعْنى أَنَّ مَن يَضَعُ أَيَّ عَلاقَةٍ بَشَرِيَّةٍ فَوْقَ عَلاقَتِهِ بِالمَسيحِ لا يَسْتَطيعُ أَنْ يَكونَ تِلْميذًا كامِلًا. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ ايرونيموس قائِلًا: "لا يَصيرُ الإِنسانُ جَديرًا بِالمَسيحِ إِذا فَضَّلَ أُمورَ الدُّنيا عَلَى خالِقِها، أَو المَوْهوبَ عَلَى الواهِبِ" (PL 26, 73).
وَتُتابِعُ الآيَةُ نَفْسَها المَعْنى قائِلَةً: "وَمَن كانَ ابنُهُ أَوِ ابنَتُهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنّي فَلَيسَ أَهْلًا لي". فَيَسوعُ يَنْتَقِلُ مِن مَحَبَّةِ الوالِدَيْنِ إِلى مَحَبَّةِ الأَبْناءِ، وَهُم أَعَزُّ ما يَمْلِكُ الإِنسانُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "إِنَّ المَسيحَ لا يَنْتَزِعُ مِنَّا مَحَبَّةَ أَهْلِنا، بَل يُعَلِّمُنا أَنْ نُحِبَّهُمْ في اللهِ وَمِن أَجْلِ اللهِ، لا بَدَلًا مِنَ اللهِ" (PL 39, 1513). وَيَرى القِدِّيسُ غريغوريوس الكَبير أَنَّ "المَحَبَّةَ الَّتي لا تَنْطَلِقُ مِنَ اللهِ تَبْقى مَحَبَّةً ناقِصَةً، أَمَّا المَحَبَّةُ الَّتي تَجِدُ مَرْكَزَها في المَسيحِ فَإِنَّها تَتَّسِعُ لِتَشْمَلَ الجَميعَ بِصُورَةٍ أَعْمَقَ وَأَنْقَى" (PL 76, 1287). لِذٰلِكَ فَإِنَّ يَسوعَ لا يُلْغِي في هٰذِهِ الآيَةِ الوَصِيَّةَ الرّابِعَةَ، وَلا يُقَلِّلُ مِن قِيمَةِ العائِلَةِ، بَل يُؤَكِّدُ أَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ هِيَ المَرْجِعُ الأَوَّلُ وَالمِعْيارُ الأَسْمَى لِكُلِّ مَحَبَّةٍ أُخْرى. فَمِن خِلالِ المَسيحِ نُحِبُّ والِدِينا وَأَبْناءَنا وَإِخْوَتَنا مَحَبَّةً أَصْدَقَ وَأَعْمَقَ. وَفي هٰذا السِّياقِ يُعَلِّقُ البابا فرنسيس: "إِنَّ الرَّوابِطَ العائِلِيَّةَ، عِندما تُعاشُ في ضَوءِ مَحَبَّةِ اللهِ، تَكْتَسِبُ مَعنى أَعْمَقَ وَتَصيرُ قادِرَةً عَلى تَجاوُزِ ذَواتِها لِتَخْلُقَ أُخُوَّةً أَوْسَعَ وَأَشْمَلَ" (المُقابَلَةُ العامَّة، 2 أيلول 2015). إِذًا يَدْعو يَسوعُ تَلاميذَهُ في هٰذِهِ الآيَةِ إِلى أَنْ يَجْعَلوا المَسيحَ في المَقامِ الأَوَّلِ، وَأَنْ يُفَضِّلوهُ عَلى أَعَزِّ الأَقارِبِ، لا لِكَي يَفْقِدوا مَحَبَّةَ العائِلَةِ، بَل لِكَي يَكْتَشِفوا في اللهِ المَصْدَرَ الحَقيقِيَّ لِكُلِّ مَحَبَّةٍ أَمينةٍ وَدائِمَةٍ.
38وَمَن لَم يَحمِلْ صَليبَهُ وَيَتبَعْني، فَلَيسَ أَهْلًا لي
تُشيرُ عِبارَةُ "وَمَن لَم يَحمِلْ صَليبَهُ" إلى أَوَّلِ ذِكرٍ لِلصَّليبِ في إِنجيلِ مَتّى، وَفيها إِشارَةٌ نَبَوِيَّةٌ إِلى آلامِ المَسيحِ وَصَلبِهِ. فَقَد كانَ مِن عاداتِ الرُّومانِ أَنْ يَحمِلَ المَحكومُ عَلَيهِ صَليبَهُ إِلى مَكانِ الإِعدامِ، وَكانَ ذٰلِكَ يَدُلُّ عَلى الخِزيِ وَالعارِ وَقَبولِ الحُكمِ حَتّى المَوت. وَمِن هُنا أَصبَحَ "حَملُ الصَّليبِ" صُورَةً لِقَبولِ الآلامِ وَالاضطِهاداتِ وَالتَّضْحِيَةِ في سَبيلِ اللهِ. ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: "لَم يَقُلِ الرَّبُّ: لِيَحمِلْ صَليبِي، بَل صَليبَهُ، لِيُبَيِّنَ أَنَّ كُلَّ واحِدٍ مَدعُوٌّ إِلى جِهادِهِ الخَاصِّ وَإِلى احتِمالِ ما يُصادِفُهُ مِن مَشَقّاتٍ مِن أَجلِ المَسيحِ" (PG 57, 416).
أَمَّا عِبارَةُ "صَليبَهُ" فَتَرِدُ بِمَعنى مَجازِيٍّ يَدُلُّ عَلى الآلامِ وَالإِهاناتِ وَالتَّجَرُّدِ وَالمَوتِ الَّذي قَد يَتَعَرَّضُ لَهُ المُؤمِنُ بِسَبَبِ إِيمانِهِ. وَلا يَعني الصَّليبُ مُجَرَّدَ التَّحَمُّلِ السَّلبيِّ لِلصُّعوباتِ، بَلِ الاشتِراكَ الفَعليَّ في مَسيرَةِ المَسيحِ الفِدائِيَّةِ. ويُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس أَنَّ "حَملَ الصَّليبِ هُوَ قَبولُ ما يُعاكِسُ إِرادَتَكَ مِن أَجلِ إِرادَةِ اللهِ، وَاحتمالُ الآلامِ بِالمَحَبَّةِ لا بِالتَّذَمُّرِ" (PL 38, 584).
أَمَّا عِبارَةُ "يَحمِلْ صَليبَهُ" فَتُشيرُ إِلى مُشارَكَةِ المَسيحِ في الإِهانَةِ وَالآلامِ وَالتَّجَرُّدِ وَالتَّضْحِيَةِ بِالذّاتِ. فَالصَّليبُ لَيسَ رَمزًا لِلأَلَمِ فَحَسب، بَل هُوَ رَمزُ المَحبَّةِ الَّتي تَبذُلُ نَفسَها. وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ يُصبِحُ حَملُ الصَّليبِ تَقدِمَةً لِلذّاتِ لِلهِ كَما يُعَلِّمُ بولُسُ الرَّسولُ: "أَن تُقَرِّبوا أَشخاصَكُم ذَبيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرضِيَّةً عِندَ الله" (رومة 12: 1). ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكَبير: "الصَّليبُ الَّذي يَحمِلُهُ المُؤمِنُ هُوَ مَوتُ الإِنسانِ العَتيقِ فيهِ، لِكَي يَحيا فيهِ الإِنسانُ الجَديدُ بِالمَسيحِ" (PL 76, 1229). وَمِن هُنا يُصبِحُ حَملُ الصَّليبِ شَرطًا أَساسِيًّا لِلتَّلْمَذَةِ. فَمَن يَتْبَعُ المَسيحَ يَقبَلُ كُلَّ نَتائِجِ الطّاعَةِ لَهُ، حَتّى وَإِن قادَتْهُ إِلى الاضطِهادِ أَوِ المَوتِ. وَهٰذا ما سَيُطَوِّرُهُ بولُسُ الرَّسولُ لاحِقًا في لاهوتِهِ عَنِ الاتِّحادِ بِصَليبِ المَسيحِ قائِلًا: "فَما أَنا أَحيا بَعدَ ذٰلِكَ، بَلِ المَسيحُ يَحيا فيَّ" (غلاطية 2: 20).
أَمَّا عِبارَةُ "وَيَتبَعْني" فَلا تَعني مُجَرَّدَ الاقتِداءِ بِتَعاليمِ يَسوعَ الأَخلاقِيَّةِ، بَلِ السَّيرَ وَراءَهُ في طَريقِ الآلامِ وَالخِدمَةِ وَالبَذلِ، لِلوُصولِ مَعَهُ إِلى المَجدِ. فَالتِّلمِيذُ الحَقيقِيُّ لا يَسيرُ أَمامَ مُعَلِّمِهِ وَلا بِعيدًا عَنهُ، بَل يَسيرُ خَلفَهُ حَيثُما يَقودُهُ. ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ قائِلًا: "إِنَّ اتِّباعَ المَسيحِ يَعني أَنْ نُشارِكَهُ في أَتعابِهِ وَصَبرِهِ، لِنُشارِكَهُ أَيضًا في مَجدِهِ وَمَلَكوتِهِ" (PG 72, 432).
أَمَّا عِبارَةُ "فَلَيسَ أَهْلًا لي" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ مَن يَرفُضُ الصَّليبَ يَرفُضُ طَريقَ المَسيحِ نَفسِهِ. وَالكَلِمَةُ اليونانِيَّةُ ἄξιος (أَهْلًا) تَعني "مُستَحِقًّا" أَو "جَديرًا". وَالمَعنى أَنَّ التِّلمِيذَ لا يَستَطيعُ أَنْ يَنالَ شَرَفَ الانتماءِ إِلى المَسيحِ ما لَم يَكُن مُستَعِدًّا لِحَملِ الصَّليبِ مَعَهُ. ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: "إِنَّ المَسيحَ لا يَرفُضُ الإِنسانَ لِضَعفِهِ، بَل لِرَفضِهِ أَنْ يَسيرَ في الطَّريقِ الَّذي سَلَكَهُ الرَّبُّ أَوَّلًا" (PL 9, 980). وَقَد ظَهَرَ هٰذا المَعنى في حَياةِ الرُّسُلِ الأَوائِلِ، فَبَعدَ أَنْ ضُرِبوا وَأُهينوا "انصَرَفوا مِنَ المَجلِسِ فَرِحينَ بِأَنَّهُم وُجِدوا أَهلًا لأَنْ يُهانوا مِن أَجلِ الاِسم" (أعمال الرُّسُل 5: 41). فَمَن يَقبَلُ الصَّليبَ يَنَلْ فَرَحًا في الأَرضِ وَمَجدًا في السَّماءِ، لأَنَّهُ "إِذا شارَكْناهُ في آلامِهِ نُشارِكُهُ في مَجدِهِ أَيضًا" (رومة 8: 17). لِذٰلِكَ يَدعو يَسوعُ تَلاميذَهُ في هٰذِهِ الآيَةِ إِلى أَنْ يُفَضِّلوهُ عَلى الرّاحَةِ وَالسُّمْعَةِ وَالمَصالِحِ الشَّخصِيَّةِ، وَأَنْ يَقبَلوا طَريقَ الصَّليبِ كَطَريقٍ إِلى القِيامَةِ وَالمَجدِ. وَكَما يُعَلِّمُ التَّعليمُ المَسيحيُّ لِلكَنيسَةِ الكاثوليكيَّة: "يَمُرُّ طَريقُ القَداسَةِ عَبرَ الصَّليبِ، وَلا قَداسَةَ مِن دونِ تَجَرُّدٍ وَجِهادٍ رُوحِيّ" (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 2015). تُؤكِّدُ هٰذِهِ الآياتُ الأُولى (مَتّى 10: 37-38) أَوْلَوِيَّةَ اللهِ وَالمَسيحِ في حَياةِ التِّلميذ، فَلا يَجوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيهِ أَيُّ شَخصٍ أَو عَلاقَةٍ أَو مَصلَحَةٍ. هٰذِهِ الأَوْلَوِيَّةُ لَيسَت مُجرَّدَ مَبدأٍ نَظَرِيٍّ، بَل هِيَ قَرارٌ يَوميٌّ يَجِبُ أَنْ يَعِيشَهُ كُلُّ تِلميذٍ. لِذٰلِكَ يَدعونا يَسوعُ، أَنا وَأَنتَ، إِلى أَنْ نُراجِعَ سُلَّمَ قِيَمِنا بِاستِمرارٍ، لِئَلّا نُضيِّعَ رِسالَتَنا، وَلا نَجعَلَ أَيَّ مَحبَّةٍ أَو تَعَلُّقٍ بَشَرِيٍّ يَتَقَدَّمُ عَلَى مَحبَّةِ اللهِ وَخِدمَةِ مَلَكوتِهِ".
39 مَن حَفِظَ حَياتَهُ يَفقِدُها، وَمَن فَقَدَ حَياتَهُ في سَبيلي يَجِدُها
تُشيرُ عِبارَةُ "مَن حَفِظَ حَياتَهُ" إلى مَفارَقَةٍ إِنجيليَّةٍ عَميقَةٍ تُعبِّرُ عَن جَوهَرِ التَّلمَذَةِ المَسيحيَّةِ. فالفِعلُ اليونانيُّ εὑρών يَعني: "وَجَدَ" أَو "رَبِحَ"، لا مُجَرَّد "حَفِظَ". والمَعنى أَنَّ مَن يَسعى إِلى الاِحتِفاظِ بِحَياتِهِ لِنَفسِهِ وَيَجعَلُ مِن ذَاتِهِ المَركَزَ الأَوَّلَ لِوُجودِهِ، ظانًّا أَنَّهُ يَربَحُ نَفسَهُ، سَيَخسَرُها في النِّهايَةِ.
أَمَّا كَلِمَةُ "الحَياة" ففي الأَصلِ اليونانيِّ ψυχή ، وَهِيَ تُقابِلُ الكَلِمَةَ العِبرِيَّةَ נֶפֶשׁ (نِفِش)، وَتَدُلُّ عَلى الشَّخصِ بِكُلِّيَّتِهِ، أَي على ذاتِ الإِنسانِ وَكِيانِهِ الدّاخِليِّ وَحَياتِهِ. لِذٰلِكَ فَالكَلامُ لا يَتَعَلَّقُ بِالحَياةِ الجَسَدِيَّةِ فَحَسب، بَل بِمَصيرِ الإِنسانِ الأَبَدِيِّ أَيضًا. ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: "إِنَّ الَّذي يَتَمَسَّكُ بِحَياتِهِ الحاضِرَةِ خَوفًا مِنَ الآلامِ يَخسَرُ الحَياةَ الحَقِيقِيَّةَ، أَمَّا الَّذي يَبذُلُها مِن أَجلِ المَسيحِ فَيَربَحُها إِلى الأَبَدِ" (PG 57, 418).
أَمَّا عِبارَةُ "يَفقِدُها" فَتُشيرُ إِلى الخَسارَةِ النِّهائِيَّةِ الَّتي تَلحَقُ بِمَن يُفَضِّلُ المَصالِحَ الزَّمَنِيَّةَ عَلى الأَمانَةِ لِلمَسيحِ. فَمَن يُنكِرُ إِيمانَهُ أَو يَرفُضُ الصَّليبَ لِيَحفَظَ حَياتَهُ الأَرضِيَّةَ يَخسَرُ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ. ويُشيرُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس إِلى هٰذِهِ المُفارَقَةِ قائِلًا: "إِنَّكَ إِذا أَحبَبتَ حَياتَكَ الزَّمَنِيَّةَ أَكثَرَ مِنَ المَسيحِ خَسِرتَها، وَإِذا بَذَلتَها مِن أَجلِ المَسيحِ وَجَدتَها في الأَبَدِيَّةِ" (PL 38, 585).
أَمَّا عِبارَةُ "وَمَن فَقَدَ حَياتَهُ في سَبيلي" فَتُشيرُ إِلى نُكرانِ الذّاتِ وَبَذلِ النَّفسِ مِن أَجلِ المَسيحِ وَالإِنجيلِ. فَالتِّلميذُ الحَقيقيُّ لا يَجعَلُ نَفسَهُ مَركَزَ حَياتِهِ، بَل يَجعَلُ المَسيحَ هُوَ المَركَزَ وَالغايَةَ. وَهٰذا الفَقدانُ لا يَعني الاِنتِحارَ أَو اِحتِقارَ الحَياةِ، بَل التَّخَلِّي عَنِ الأَنانِيَّةِ وَالمَصالِحِ الشَّخصِيَّةِ وَقَبولَ التَّضْحِيَةِ في سَبيلِ اللهِ. وَقَد وَضَّحَ يوحنّا الإِنجيليُّ هٰذا المَعنى بِقَولِهِ: "مَن أَحَبَّ حَياتَهُ فَقَدَها، وَمَن أَبغَضَ حَياتَهُ في هٰذا العالَمِ حَفِظَها لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ" (يوحنّا 12: 25).
أَمَّا عِبارَةُ "في سَبيلي" فَتُشيرُ إِلى العَلاقَةِ الشَّخصِيَّةِ الَّتي تَربِطُ التِّلميذَ بِالمَسيحِ. فَالتَّضْحِيَةُ المَطلوبَةُ لَيسَت مِن أَجلِ فِكرَةٍ مُجَرَّدَةٍ أَو مَبدَأٍ أَخلاقِيٍّ، بَل مِن أَجلِ شَخصِ يَسوعَ نَفسِهِ. وَهٰذا التَّعبيرُ يَتَكَرَّرُ في هٰذا الخِطابِ الرَّسوليِّ (متّى 10: 18، 22، 39)، مُؤَكِّدًا أَنَّ التَّلمَذَةَ تَقومُ عَلى شَرِكَةِ حَياةٍ مَعَ المَسيحِ. ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ قائِلًا: "إِنَّ مَن يَترُكُ كُلَّ شَيءٍ مِن أَجلِ المَسيحِ لا يَفقِدُ شَيئًا، بَل يَنتَقِلُ مِنَ الأُمورِ الزَّمَنِيَّةِ إِلى الخَيراتِ الَّتي لا تَزولُ" (PG 72, 436).
أَمَّا عِبارَةُ "يَجِدُها" εὑρήσει فَتُشيرُ إِلى الحَياةِ الجَديدَةِ الَّتي يَنالُها المُؤمِنُ في المَسيحِ، وَإِلى الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتي تُكمِلُ هٰذِهِ الحَياةَ. فَما يَبذُلُهُ الإِنسانُ مِن أَجلِ المَسيحِ لا يَضيعُ، بَل يَعودُ عَلَيهِ بِصُورَةٍ أَعظَمَ وَأَغنى. ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكَبير قائِلًا: "يَبدو أَنَّ المُؤمِنَ يَخسَرُ عِندَما يَبذُلُ نَفسَهُ مِن أَجلِ اللهِ، غَيرَ أَنَّهُ في الحَقيقَةِ يَجِدُ الحَياةَ الَّتي لا يَستَطيعُ المَوتُ أَنْ يَسلُبَها" (PL 76, 1231). وَتُقَدِّمُ هٰذِهِ الآيَةُ الحَقيقَةَ نَفسَها مِن وَجهَينِ مُتَكامِلَينِ: الوَجهِ السَّلبيِّ: "مَن حَفِظَ حَياتَهُ يَفقِدُها"، وَالوَجهِ الإِيجابِيِّ: "وَمَن فَقَدَ حَياتَهُ في سَبيلي يَجِدُها". فَالتَّمَسُّكُ بِالأَرضِيّاتِ وَالأَمانِ الزَّمَنِيِّ يُمكِنُ أَنْ يَجعَلَ الإِنسانَ يَخسَرُ المَسيحَ، أَمَّا التَّخَلِّي عَنها مِن أَجلِهِ فَيُدخِلُهُ في حُرِّيَّةِ أَبناءِ اللهِ وَيُوصِلُهُ إِلى الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ إيرونيموس قائِلًا: "إِنَّ مَن يَترُكُ العالَمَ مِن أَجلِ المَسيحِ لا يَفقِدُ حَياتَهُ، بَل يَستَبدِلُ الحَياةَ الفانِيَةَ بِالحَياةِ الخالِدَةِ" (PL 26, 74). لِذٰلِكَ يَدعو يَسوعُ تَلاميذَهُ في هٰذِهِ الآيَةِ إِلى أَنْ يُفَضِّلوهُ عَلى الحَياةِ نَفسِها. فَمَحبَّةُ الحَياةِ أَقوى مِن مَحبَّةِ الأَقارِبِ، لٰكِنَّ مَحبَّةَ المَسيحِ يَجِبُ أَنْ تَسموَ فَوقَ كُلِّ مَحبَّةٍ، لأَنَّهُ وَحدَهُ يَهبُ الحَياةَ الَّتي لا تَزولُ. فالآيةُ (مَتّى 10: 39) لا تَدعونا إلى "إِنكارِ الحَياةِ" بِمَعنى ازدراءِ الحَياةِ الحاضِرَةِ أَو الهُروبِ مِنها، بَل إلى أَنْ نَحياها حَقًّا في حُرِّيَّةِ أَبناءِ اللهِ وَفي مَحبَّةٍ باذِلَةٍ. فالحُرِّيَّةُ والمَحبَّةُ هُما اللَّتانِ تُضفِيانِ على الحَياةِ قِيمَتَها وَعُمقَها الحَقيقيَّ. أَمَّا الإِنسانُ الَّذي يَنغَلِقُ على ذاتِهِ، وَيَجعَلُ نَفسَهُ مِحورَ وُجودِهِ، أَو يَتَعَلَّقُ تَعَلُّقًا مُطلَقًا بِالأَشخاصِ وَالأَشياءِ، فَإِنَّهُ يَحرِمُ نَفسَهُ مِن مَلءِ الحَياةِ الَّتي وَهَبَها اللهُ لَهُ، لأَنَّهُ يَستَبدِلُ حُرِّيَّةَ أَبناءِ اللهِ بِعُبودِيَّةِ الأَنانِيَّةِ وَالتَّعَلُّقِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "مَن يُريدُ أَنْ يَحفَظَ حَياتَهُ لِنَفسِهِ يَفقِدُها، أَمَّا مَن يَبذُلُها مِن أَجلِ المَسيحِ فَيَجِدُها، لأَنَّ المَحبَّةَ لا تَخسَرُ أَبَدًا ما تُقَدِّمُهُ للهِ" (PL 38, 923).
40 مَن قَبِلَكُم قَبِلَني أَنا، وَمَن قَبِلَني قَبِلَ الَّذي أَرسَلَني (متّى 10: 40)
تُشيرُ عِبارَةُ "مَن قَبِلَكُم" إلى أَنَّ القَبولَ لا يَعني مُجَرَّدَ الضِّيافَةِ أَوِ التَّرحيبِ الخارِجيِّ بِالرُّسُلِ، بَل يَعني الاِنفِتاحَ عَلى رِسالَتِهِم وَالإِصغاءَ إِلى بُشارَتِهِم وَالإِيمانَ بِالكَلِمَةِ الَّتي يَحمِلونَها. فالرُّسُلُ لَيسوا مُبَلِّغينَ لِرِسالَةٍ بَشَرِيَّةٍ، بَل حَمَلَةُ كَلِمَةِ اللهِ وَشُهودُ المَسيحِ في العالَم. وَالفِعلُ اليونانيُّ δέχομαι المُستَعمَلُ هُنا يَعني "يَستَقبِلُ" أَو "يَقبَلُ بِانفِتاحٍ وَإِيمانٍ". لِذٰلِكَ فَالقَبولُ المَقصودُ هُوَ قَبولُ الرِّسالَةِ وَالتَّجاوُبُ مَعَها، لا مُجَرَّدُ اِستِقبالِ الرَّسولِ في البَيت. ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: "لَم يَقُلِ الرَّبُّ مَن يُكْرِمُكُم فَقَط، بَل مَن يَقبَلُكُم، أَي مَن يَقبَلُ كَلامَكُم وَرِسالَتَكُم، لأَنَّ الرَّسولَ لا يَحمِلُ مِن نَفسِهِ شَيئًا، بَل ما تَسَلَّمَهُ مِنَ المَسيحِ" (PG 57, 421).
أَمَّا عِبارَةُ "قَبِلَني أَنا" فَتُشيرُ إِلى وَحدَةِ الرَّسولِ مَعَ مُرسِلِهِ، وَإِلى الشَّرِكَةِ العَميقَةِ الَّتي تَربِطُ التِّلميذَ بِالمَسيحِ. فالرَّسولُ لَيسَ مُجرَّدَ ناقِلٍ لِرِسالَةٍ، بَل هُوَ شاهِدٌ حَيٌّ لِشَخصِ المَسيحِ، يَعتَمِدُ عَلَيهِ اعتِمادًا كامِلًا، وَيَتَكَلَّمُ بِاسمِهِ، وَيَحمِلُ حُضورَهُ وَسُلطانَهُ. وَمِن ثَمَّ، فَمَن يَستَقبِلُ التِّلميذَ بِصِفَتِهِ مُرسَلًا مِن قِبَلِ المَسيحِ، إِنَّما يَستَقبِلُ المَسيحَ نَفسَهُ، لا لِفَضلِ شَخصِ التِّلميذِ، بَل لِأَنَّهُ يَحمِلُ رِسالَةَ مَن أَرسَلَهُ. وَبِذٰلِكَ تَرتَفِعُ الرِّسالَةُ الرَّسوليَّةُ إِلى أَسمى مَقامٍ، إِذ يَجعَلُ المَسيحُ مِن رُسُلِهِ أَدَواتٍ لِحُضورِهِ وَعَمَلِهِ الخَلاصيِّ في العالَمِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: " إِنَّ المَسيحَ يَجعَلُ نَفسَهُ حاضِرًا في رُسُلِهِ، حَتّى إِنَّ قَبولَهُم يُصبِحُ قَبولًا لِشَخصِهِ هُوَ" (PL 9, 982). ويُضيفُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "إِنَّ المَسيحَ لَم يَقُلْ: مَن يَقبَلُكُم يُكرِمُكُم، بَل: يَقبَلُني أَنا، لِيُظهِرَ أَنَّ كَرامَةَ الرُّسُلِ مُستَمَدَّةٌ مِن وَحدَتِهِم بِهِ، وَأَنَّ إِكرامَهُم يَرتَدُّ إِلَيهِ شَخصِيًّا" (PG 57, 414). وبِناءً عَلَى ذٰلِكَ، فَإِنَّ قَبولَ الرَّسولِ لا يَقِفُ عِندَ حُدودِ الضِّيافَةِ أَوِ التَّقديرِ الإِنسانيِّ، بَل يَصيرُ عَمَلًا إِيمانيًّا وَكَنَسِيًّا، لأَنَّهُ يَعني قَبولَ المَسيحِ الَّذي أَرسَلَهُ، وَمِن خِلالِ المَسيحِ قَبولَ الآبِ السَّماويِّ الَّذي أَرسَلَ الابنَ لِخَلاصِ العالَمِ. إِنَّهَا كَرامَةٌ لا تَنبَعُ مِنِ استِحقاقاتِ التِّلميذِ الشَّخصِيَّةِ، وَلا مِن قُدُراتِهِ البَشَرِيَّةِ أَو نَجاحاتِهِ الرَّعَوِيَّةِ، بَل مِن شَرِكَتِهِ الحَيَّةِ مَعَ الابنِ، وَاتِّحادِهِ بِالمَسيحِ الَّذي أَرسَلَهُ الآبُ إِلى العالَمِ. فَمِن هٰذِهِ الشَّرِكَةِ يَستَمِدُّ التِّلميذُ هُوِيَّتَهُ وَرِسالَتَهُ وَسُلطانَهُ، وَيُصبِحُ مَدعُوًّا إِلى أَنْ يَقتَسِمَ أُسلوبَ اللهِ في التَّفكيرِ وَالمَحبَّةِ وَالخِدمَةِ. وَهٰذا الأُسلوبُ الإِلٰهِيُّ لا يَبقى مُجرَّدَ مَبدأٍ لاهوتِيٍّ، بَل يَتَجَسَّدُ في حَياةِ التِّلميذِ اليَومِيَّةِ، فَيُصبِحُ حُضورُهُ وَكَلامُهُ وَأَعمالُهُ شَهادَةً حَيَّةً لِحُضورِ المَسيحِ في العالَمِ، حَتّى يَرى النّاسُ مِن خِلالِهِ وَجهَ المَسيحِ وَيُمَجِّدوا الآبَ الَّذي في السَّماواتِ (مَتّى 5: 16).
أَمَّا عِبارَةُ "وَمَن قَبِلَني قَبِلَ الَّذي أَرسَلَني" فَتُشيرُ إِلى سِلسِلَةِ الإِرساليَّةِ الإِلٰهِيَّةِ: الآبُ أَرسَلَ الاِبنَ، وَالاِبنُ أَرسَلَ الرُّسُلَ. فَقَبولُ الرَّسولِ يَقودُ إِلى قَبولِ المَسيحِ، وَقَبولُ المَسيحِ يَقودُ إِلى قَبولِ الآبِ السَّماويِّ. وَتَستَنِدُ هٰذِهِ الفِكرَةُ إِلى المَبدَأِ اليَهودِيِّ المَعروفِ بِاسم שָׁלִיחַ، أَي "المُرسَل"، حَيثُ كانَ يُنظَرُ إِلى المُرسَلِ عَلَى أَنَّهُ يُمَثِّلُ مُرسِلَهُ تَمثيلًا كامِلًا. وَقَد أَخذَ يَسوعُ هٰذا المَفهومَ وَأَعطاهُ بُعدًا خَلاصيًّا جَديدًا. ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ قائِلًا: "مَن يَقبَلُ الرُّسُلَ بِإِيمانٍ يَقبَلُ المَسيحَ الَّذي أَرسَلَهُم، وَمَن يَقبَلُ المَسيحَ يَدخُلُ في شَرِكَةٍ مَعَ الآبِ الَّذي أَرسَلَ الاِبنَ لِخَلاصِ العالَم" (PG 72, 440). وَتُذَكِّرُنا هٰذِهِ الآيَةُ بِحادِثَةِ استِقبالِ المَرأَةِ الشُّونَمِّيَّةِ لِلنَّبِيِّ أَليشَعَ، الَّتي أَدرَكَت أَنَّهُ "رَجُلُ اللهِ المُقَدَّسُ" (2 مُلوك 4: 8-10)، فَأَكرَمَتهُ وَهَيَّأَت لَهُ مَكانًا لِلإِقامَةِ، فَنالَت بِرَكَةَ اللهِ وَعَطيَّتَهُ. وَيُظهِرُ هٰذا المَقطَعُ أَنَّ الضِّيافَةَ لَيسَت مُجرَّدَ عَمَلٍ إِنسانيٍّ، بَل هِيَ استِقبالٌ لِرَجُلِ اللهِ وَإِيمانٌ بِالرِّسالَةِ الَّتي يَحمِلُها. وَعَلى ضَوءِ هٰذِهِ الخَلفِيَّةِ الكِتابِيَّةِ، يُؤَكِّدُ يَسوعُ أَنَّ استِقبالَ تَلاميذِهِ المُرسَلينَ يُصبِحُ عَلامَةً لِلإِيمانِ وَمَصدَرًا لِلبَرَكَةِ، لأَنَّهُم لا يَحمِلونَ رِسالَتَهُمُ الخاصَّةَ، بَل رِسالَةَ المَسيحِ نَفسِهِ. فَهُوِيَّتُهُم تَستَمِدُّ قِيمَتَها مِنِ ارتِباطِهِم بِمَن أَرسَلَهُم، وَقَبولُهُم يَعني قَبولَ المَسيحِ، وَقَبولُ المَسيحِ يَعني قَبولَ الآبِ الَّذي أَرسَلَهُ. وَبِذٰلِكَ تَتَجاوَزُ الضِّيافَةُ بُعدَها الإِنسانيَّ لِتُصبِحَ عَمَلًا إِيمانيًّا وَمُشارَكَةً في عَمَلِ اللهِ الخَلاصيِّ. فَالعَلاقَةُ بَينَ الآبِ وَالاِبنِ وَالرُّسُلِ عَلاقَةُ وَحدَةٍ في الرِّسالَةِ وَالشَّهادَةِ. ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "لَم يَشَأِ المَسيحُ أَنْ يُفصَلَ عَن جَسَدِهِ الَّذي هُوَ الكَنيسَةُ، فَجَعَلَ ما يُفعَلُ لِرُسُلِهِ وَخُدّامِهِ كَأَنَّهُ يُفعَلُ لَهُ شَخصِيًّا" (PL 38, 288). وَتُظهِرُ الآيَةُ أَنَّ قَبولَ الآخَرِ هُوَ وَجهُ المَحبَّةِ المُشرِقُ. فَحينَ يَستَقبِلُ المُؤمِنُ الرَّسولَ أَوِ الخادِمَ أَوِ الشّاهِدَ لِلمَسيحِ، فَهُوَ في الواقِعِ يَستَقبِلُ المَسيحَ نَفسَهُ. وَهٰذا ما سَيُعَلِّمُهُ يَسوعُ بِوُضوحٍ في مَشهَدِ الدَّينونَةِ الأَخيرَةِ: "كُلَّما صَنَعتُم شَيئًا مِن ذٰلِكَ لِواحِدٍ مِن إِخوَتي هٰؤُلاءِ الصِّغارِ فَلي قَد صَنَعتُموهُ" (متّى 25: 40). ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكَبير: "يُكافِئُ الرَّبُّ الَّذينَ يَستَقبِلونَ خُدّامَهُ، لأَنَّهُ يَعتَبِرُ الإِكرامَ المُقَدَّمَ لَهُم إِكرامًا لِشَخصِهِ" (PL 76, 1148). لِذٰلِكَ تَحمِلُ هٰذِهِ الآيَةُ رِسالَةَ تَعزِيَةٍ كَبيرةٍ لِلتَّلاميذِ. فَبَعدَ أَنْ تَحَدَّثَ يَسوعُ عَنِ الرَّفضِ وَالاضطِهادِ وَالصَّليبِ، يُؤَكِّدُ لَهُم أَنَّ خِدمَتَهُم لَيسَت عَمَلًا بَشَرِيًّا مَحضًا، بَل هِيَ امتِدادٌ لِرِسالَتِهِ هُوَ. وَمَن يَرفُضُهُم يَرفُضُهُ، وَمَن يَقبَلُهُم يَقبَلُهُ، وَمَن يَقبَلُهُ يَدخُلُ في شَرِكَةِ الحَياةِ مَعَ الآبِ السَّماويِّ. وَمِن هُنا تَكمُنُ قُوَّةُ الرِّسالَةِ الرَّسوليَّةِ وَكَرَامَتُها: فَالرَّسولُ يَحمِلُ المَسيحَ، وَالمَسيحُ يَقودُ إِلى الآبِ، وَبِذٰلِكَ تُصبِحُ ضِيافَةُ الرَّسولِ وَقَبولُهُ طَريقًا إِلى اللِّقاءِ بِاللهِ نَفسِهِ.
41 مَن قَبِلَ نَبِيًّا لأَنَّهُ نَبِيٌّ فَأَجْرُ نَبِيٍّ يَنالُ، وَمَن قَبِلَ صِدِّيقًا لأَنَّهُ صِدِّيقٌ فَأَجْرُ صِدِّيقٍ يَنالُ
تُشيرُ عِبارَةُ "مَن قَبِلَ نَبِيًّا لأَنَّهُ نَبِيٌّ» إِلى استِقبالِ المُرسَلِ الإِلهيِّ لا لاعتِباراتٍ شَخصيَّةٍ أَو مَصالِحَ بَشَرِيَّةٍ، بَل بِسَبَبِ رِسالَتِهِ وَمُهِمَّتِهِ الَّتي أَوْكَلَها اللهُ إِلَيهِ. فَالْقَبولُ هُنا لا يَقتَصِرُ عَلى الضِّيافَةِ المادِّيَّةِ، بَل يَشمَلُ الإِصغاءَ إِلى كَلِمَةِ اللهِ الَّتي يَحمِلُها النَّبِيُّ، وَالإِيمانَ بِها، وَالطّاعَةَ لِمُقتَضَياتِها.
أَمَّا عِبارَةُ "لأَنَّهُ نَبِيٌّ" فَفِي الأَصلِ اليونانيِّ εἰς ὄνομα προφήτου، وَمَعناها الحَرفِيُّ: "بِاسْمِ نَبِيٍّ" أَو "لأَنَّهُ نَبِيٌّ". وَهِيَ تُشيرُ إِلى قَبولِ الشَّخصِ بِسَبَبِ صِفَتِهِ الإرسالية لا بِسَبَبِ مَكانَتِهِ الاجتِماعِيَّةِ أَو صِفاتِهِ الشَّخصِيَّةِ. فَالمُؤمِنُ يَستَقبِلُ النَّبِيَّ لأَنَّهُ يَرى فيهِ رَسولَ اللهِ وَحامِلَ كَلِمَتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: "إِنَّ الرَّبَّ لا يَتَحَدَّثُ عَن كَرامَةِ الشَّخصِ بِقَدرِ ما يَتَحَدَّثُ عَن كَرامَةِ الرِّسالَةِ؛ فَالَّذي يُكرِمُ النَّبِيَّ لأَنَّهُ نَبِيٌّ إِنَّما يُكرِمُ اللهَ الَّذي أَرسَلَهُ" (PG 57, 422). وَالنَّبِيُّ فِي الكِتابِ المُقَدَّسِ هُوَ الَّذي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ اللهِ وَبِقُوَّةِ رُوحِهِ. وَقَد عَرَفَ العَهدُ القَديمُ سِلسِلَةً طَويلَةً مِنَ الأَنبِياءِ الَّذينَ دَعاهُمُ اللهُ وَأَرسَلَهُم إِلى شَعبِهِ (عاموس 2: 11؛ إِرميا 1: 5). وَكانَت حَياتُهُم غالِبًا حَياةَ بَساطَةٍ وَتَقَشُّفٍ وَاعتمادٍ كامِلٍ عَلَى العِنايَةِ الإِلهِيَّةِ، كَما نَرى فِي حَياةِ إِيليَّا النَّبِيِّ (1 مُلوك 17: 5-16).
أَمَّا عِبارَةُ "فَأَجْرُ نَبِيٍّ يَنالُ" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ مَن يُشارِكُ النَّبِيَّ فِي رِسالَتِهِ يُشارِكُ أَيضًا فِي مُكافَأَتِهِ. فَاللهُ لا يُكافِئُ النَّبِيَّ وَحدَهُ، بَل يُكافِئُ أَيضًا الَّذينَ سانَدوهُ وَاستَقبَلوهُ وَساعَدوهُ عَلَى أَداءِ رِسالَتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ ايرونيموس قائِلًا: "لا يَنالُ أَجْرَ النَّبِيِّ لأَنَّهُ صارَ نَبِيًّا، بَل لأَنَّهُ أَحَبَّ النَّبِيَّ وَأَكرَمَهُ مِن أَجْلِ اللهِ الَّذي أَرسَلَهُ" (PL 26, 78). وَيَجِدُ هٰذا التَّعليمُ مِثالًا واضِحًا فِي امرَأَةِ صَرفَةِ صَيدا الَّتي استَقبَلَت إِيليَّا النَّبِيَّ فِي بَيتِها، فَاشتَرَكَت فِي بَرَكَتِهِ وَنالَت مُعجِزَةَ الدَّقيقِ وَالزَّيتِ (1 مُلوك 17: 8-16).
أَمَّا عِبارَةُ "وَمَن قَبِلَ صِدِّيقًا لأَنَّهُ صِدِّيقٌ" فَتُشيرُ إِلى استِقبالِ الإِنسانِ البارِّ بِسَبَبِ حَياتِهِ المُستَقيمَةِ وَأَمانَتِهِ للهِ. فَالصِّدِّيقُ فِي الأَصلِ اليونانيِّ δίκαιος، يَعني "البارَّ" أَو "العادِلَ". وَفِي إِنجيلِ مَتّى يَرتَبِطُ البِرُّ ارتِباطًا وَثيقًا بِعَيشِ مَشيئَةِ اللهِ وَمُمارَسَةِ الرَّحمَةِ وَالمَحبَّةِ وَالصَّدَقَةِ (مَتّى 5: 6؛ 6: 1؛ 25: 37-40). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُفُ بواتييه قائِلًا: "الصِّدِّيقُ هُوَ الَّذي يَحمِلُ صورَةَ المَسيحِ فِي حَياتِهِ، وَمَن يَستَقبِلْهُ بِمَحبَّةٍ يَستَقبِلْ فِي الواقِعِ بِرَّ المَسيحِ نَفسِهِ" (PL 9, 984).
أَمَّا عِبارَةُ "فَأَجْرُ صِدِّيقٍ يَنالُ" فَتُشيرُ إِلى الاشتِراكِ فِي الجَزاءِ الَّذي أَعَدَّهُ اللهُ لِلأَبرارِ. فَالَّذي يُسانِدُ البارَّ وَيُشَجِّعُهُ وَيُشارِكُهُ فِي عَمَلِ الخَيرِ يَدخُلُ فِي شَرِكَةِ بَرَكاتِهِ وَمُكافَأَتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس قائِلًا: "إِنَّ اللهَ لا يَنظُرُ فَقَط إِلى أَعمالِ الأَبرارِ، بَل أَيضًا إِلى مَحبَّةِ الَّذينَ يَعْضُدونَهُم، لأَنَّ المَحبَّةَ تَجعَلُهُم شُرَكاءَ فِي العَمَلِ وَفِي الأَجْرِ" (PL 38, 603). وَتُظهِرُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ اللهَ يُكافِئُ حَتّى أَصغَرَ أَشكالِ التَّعاوُنِ مَعَ رِسالَتِهِ الخَلاصِيَّةِ. فَلَيسَ الجَميعُ أَنبِياءَ أَو مُعَلِّمينَ أَو مُرسَلينَ، لٰكِنَّ الجَميعَ يَستَطيعونَ أَن يُشارِكوا فِي الرِّسالَةِ بِاستِقبالِ شُهودِ الإِنجيلِ وَمُسانَدَتِهِم. وَيُلاحِظُ مَتّى الإِنجيليُّ أَنَّ "النَّبِيَّ" وَ"الصِّدِّيقَ" كانا مِنَ الأَلقابِ الَّتي أَطلَقَتها الجَماعَةُ المَسيحيَّةُ الأُولى عَلَى الرُّسُلِ وَخُدّامِ الإِنجيلِ، إِذ كانوا يُنظَرُ إِلَيهِم بِوَصفِهِم امتِدادًا لِسِلسِلَةِ الأَنبِياءِ وَالأَبرارِ الَّذينَ سَبَقوا مَجيءَ المَسيحِ. وَلِذٰلِكَ قالَ الرَّبُّ: "الحَقَّ أَقولُ لَكُم إِنَّ كَثيرًا مِنَ الأَنبِياءِ وَالصِّدِّيقينَ تَمَنَّوا أَن يَرَوا ما تُبصِرونَ فَلَم يَرَوا"(مَتّى 13: 17). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ قائِلًا: "إِنَّ قَبولَ خُدّامِ المَسيحِ لا يَقِفُ عِندَ حُدودِ الضِّيافَةِ البَشَرِيَّةِ، بَل يَدخُلُ فِي سِرِّ الشَّرِكَةِ مَعَ عَمَلِ اللهِ نَفسِهِ" (PG 72, 441). وَبَعدَ أَن تَحَدَّثَ يَسوعُ عَنِ الاضطِهاداتِ وَالرَّفضِ وَالصَّليبِ، يَعودُ هُنا لِيُعَزِّي تَلاميذَهُ بِإِعلانٍ مَملوءٍ رَجاءً: فَكُلُّ مَن يَفتَحُ قَلبَهُ لَهُم وَلِرِسالَتِهِم لَن يَفقِدَ أَجرَهُ. وَهٰكَذا تَتَحَوَّلُ الضِّيافَةُ وَالمَحبَّةُ وَالاستِقبالُ إِلى مُشارَكَةٍ فِعلِيَّةٍ فِي رِسالَةِ الخَلاصِ. وَيَختِمُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكَبيرُ هٰذا المَعنى قائِلًا: "إِنَّ الَّذينَ لا يَستَطيعونَ الكِرازَةَ بِأَلسِنَتِهِم يَستَطيعونَ أَن يُشارِكوا الكارِزينَ بِأَعمالِ المَحبَّةِ، فَيَنالوا مَعَهُم نَصيبًا مِنَ المُكافَأَةِ السَّماوِيَّةِ" (PL 76, 1149). وَمِن ثَمَّ، فَإِنَّ هٰذِهِ الآيَةَ تَدعو المُؤمِنينَ إِلى تَقديرِ خُدّامِ الإِنجيلِ وَالوُقوفِ إِلى جانِبِهِم، لأَنَّ مَن يُشارِكُهُم فِي الرِّسالَةِ يُشارِكُهُم أَيضًا فِي البَرَكَةِ وَالمَجدِ وَالأَجرِ الَّذي أَعَدَّهُ اللهُ لِلأُمَناءِ.
42 وَمَن سَقَى أَحَدَ هٰؤُلاءِ الصِّغارِ، وَلَو كَأْسَ ماءٍ بارِدٍ، لأَنَّهُ تِلميذٌ، فَالحَقَّ أَقولُ لَكُم: إِنَّ أَجْرَهُ لَنْ يَضيعَ (مَتّى 10: 42)
تُشيرُ عِبارَةُ "هٰؤُلاءِ الصِّغارِ" إلى تلاميذِ المَسيحِ وَأَتباعِهِ، وَلا سِيَّما الضُّعفاءَ وَالفُقَراءَ وَالمُضطَهَدينَ مِن أَجلِ الإِنجيل المذكورين في التطويبات (راجع مت 5: 3؛ 18: 6، 10، 14). فهم يسلّمون أنفسهم كليًا لله، ولا يملكون ما يفتخرون به. وَيُؤَيِّدُ ذٰلِكَ ما وَرَدَ في إِنجيلِ مَرقُس: "مَن سَقاكُم كَأْسَ ماءٍ على أَنَّكُم لِلمَسيحِ، فَالحَقَّ أَقولُ لَكُم: إِنَّ أَجْرَهُ لَنْ يَضيعَ" (مَرقُس 9: 41). وَقَد دَعاهم يَسوعُ "صِغارًا" لا لِقِلَّةِ شَأنِهِم، بَل لِتواضُعِهِم في أَعيُنِ أَنفُسِهِم وَفي أَعيُنِ العالَمِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ إلى أَنَّ المَسيحَ "يُسَمِّي تَلاميذَهُ صِغارًا لِيُعَلِّمَهم فَضيلَةَ التَّواضُعِ، وَلِيُظهِرَ أَنَّ الكَرامَةَ الحَقيقِيَّةَ لا تَقومُ على المَجدِ البَشَرِيِّ بَل على النِّعمَةِ الإِلهِيَّةِ" (PG 57, 423).
أَمَّا عِبارَةُ "وَلَو كَأْسَ ماءٍ بارِدٍ" فَتُشيرُ إلى أَبسَطِ أَعمالِ الرَّحمَةِ وَأَصغَرِها. فَالكَأْسُ في الكِتابِ المُقَدَّسِ إِناءٌ لِلشُّربِ (تَكوين 40: 11)، وَالماءُ البارِدُ كانَ مِن أَبسَطِ ما يُقَدَّمُ لِلضَّيفِ أَو لِلمُتعَبِ. وَيُريدُ يَسوعُ أَن يُؤَكِّدَ أَنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلى عِظَمِ العَطيَّةِ بَل إلى المَحبَّةِ الَّتي تَدفعُ إِلَيها. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ ايرونيموس قائِلًا: "لَم يَقُلِ الرَّبُّ ذَهَبًا أَو فِضَّةً، بَل كَأْسَ ماءٍ بارِدٍ، لِكَي لا يَعتَذِرَ أَحَدٌ بِفَقرِهِ عَن صُنعِ الخَيرِ" (PL 26, 79). وَيُلاحِظُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس أَنَّ المَسيحَ "لا يَزِنُ العَطيَّةَ بِمِقدارِها بَل بِالمَحبَّةِ الَّتي تُقَدَّمُ بِها، فَقَد يَكونُ كَأْسُ ماءٍ أَعظَمَ أَجرًا مِن كُنوزٍ كَثيرَةٍ إِذا خَرَجَ مِن قَلبٍ مُحِبٍّ" (PL 38, 289).
أَمَّا عِبارَةُ "لأَنَّهُ تِلميذٌ" فَفِي الأَصلِ اليونانيِّ εἰς ὄνομα μαθητοῦ، وَمَعناها: "بِاسْمِ تِلميذٍط أَو "لأَنَّهُ تِلميذٌ". وَهِيَ تُشيرُ إلى أَنَّ الخِدمَةَ المُقَدَّمَةَ لِلتِّلميذِ إِنَّما تُقَدَّمُ لِلمَسيحِ نَفسِهِ، لأَنَّ التِّلميذَ يَحمِلُ صُورَةَ مُعَلِّمِهِ وَرِسالَتَهُ. وَهٰذا ما يُوَضِّحُهُ الرَّبُّ في مَوضعٍ آخَرَ: "مَن قَبِلَكُم قَبِلَني أَنا" (مَتّى 10: 40). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُفُ بواتييه قائِلًا: "إِنَّ الكَرامَةَ الَّتي تُعطى لِلتِّلميذِ تَصِلُ إلى المَسيحِ الَّذي أَرسَلَهُ، وَمِن ثَمَّ إِلى الآبِ الَّذي أَرسَلَ الابنَ" (PL 9, 986).
أَمَّا عِبارَةُ "إِنَّ أَجْرَهُ لَنْ يَضيعَ" فَتُشيرُ إِلى يَقينِ المُكافَأَةِ الإِلٰهِيَّةِ، لأَنَّ اللهَ، في عَدالَتِهِ وَمَحبَّتِهِ، لا يَنسى أَيَّ عَمَلِ خَيرٍ يُقدَّمُ بِإِيمانٍ وَمَحبَّةٍ، وَإِن بَدا صَغيرًا في أَعيُنِ النّاس. فَقيمَةُ العَطِيَّةِ لا تُقاسُ بِحَجمِها المادِّيِّ، بَل بِالمَحبَّةِ الَّتي تُقدَّمُ بِها، وَبِالنِّيَّةِ الَّتي تَنبَعُ مِنها. فَكَأسُ ماءٍ بارِدٍ، إِذا قُدِّمَ "بِاسمِ التِّلميذِ" وَمِن أَجلِ المَسيحِ، يَكتَسِبُ قِيمَةً أَبَدِيَّةً، لأَنَّهُ يَصيرُ عَمَلًا مَوجَّهًا إِلى المَسيحِ نَفسِهِ. وَبِذٰلِكَ يُؤَكِّدُ يَسوعُ أَنَّ مَلَكوتَ اللهِ يَقومُ عَلَى أَمانَةِ المَحبَّةِ في الأُمورِ الصَّغيرَةِ قَبلَ الكَبيرَةِ، وَأَنَّ كُلَّ خِدمَةٍ تُؤَدَّى بِرُوحِ الإِيمانِ تَدخُلُ في ذاكِرَةِ اللهِ، وَتَنالُ جَزاءَها الَّذي لا يَزولُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "إِنَّ المَسيحَ لَم يَجعَلِ المُكافَأَةَ مُرتَبِطَةً بِعِظَمِ العَطِيَّةِ، بَل بِحَرارَةِ المَحبَّةِ الَّتي تُقَدَّمُ بِها، لِذٰلِكَ لَم يُهمِلْ حَتّى كَأسَ ماءٍ بارِدٍ" (PG 57, 417). وَيُضيفُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "إِنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إِلى قِلَّةِ العَطِيَّةِ، بَل إِلى عِظَمِ المَحبَّةِ الَّتي تَدفَعُ الإِنسانَ إِلى العَطاءِ" (PL 38, 529).
وَيُشَدِّدُ يَسوعُ بِقَولِهِ "الحَقَّ أَقولُ لَكُم" على ضَمانِ هٰذِهِ المُكافَأَةِ وَحَتميَّتِها. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكَبيرُ قائِلًا: "إِنَّ اللهَ يَحفَظُ في ذاكِرَةِ مَحبَّتِهِ حَتّى أَصغَرَ أَعمالِ الرَّحمَةِ، وَما يُعطى لِخادِمِ المَسيحِ بِمَحبَّةٍ لا يَبقى بِلا ثَمَرٍ أَبَدًا" (PL 76, 1150). وَيُلاحِظُ المُفَسِّرونَ أَنَّ يَسوعَ يَذكُرُ هُنا ثَلاثَ فِئاتٍ في الجَماعَةِ الكَنَسِيَّةِ: الأَنبِياءَ الَّذينَ يَحمِلونَ مَسؤوليَّةَ التَّعليمِ وَالكِرازَةِ، وَالأَبرارَ الَّذينَ تُشَكِّلُ حَياتُهُم مِثالًا لِلإِيمانِ، وَالصِّغارَ الَّذينَ لا يَملِكونَ مَكانَةً أَو سُلطَةً ظاهِرَةً. وَمَعَ ذٰلِكَ فَإِنَّ الجَميعَ يَحظَونَ بِالعِنايَةِ نَفسِها وَبِالقيمَةِ نَفسِها أَمامَ اللهِ. وَيَختِمُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ هٰذا المَعنى قائِلًا: "إِنَّ المَسيحَ يَربُطُ الخَلاصَ أَيضًا بِأَعمالِ الرَّحمَةِ الصَّغيرَةِ، لِكَي يَعلَمَ المُؤمِنونَ أَنَّ المَحبَّةَ الصّادِقَةَ لا يَحتَقِرُ اللهُ أَصغَرَ مَظاهِرِها" (PG 72, 442). وَهٰكَذا تُعَلِّمُنا هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ كُلَّ عَمَلِ مَحبَّةٍ، وَلَو كانَ بَسيطًا كَكَأْسِ ماءٍ بارِدٍ، يَكتَسِبُ قِيمَةً أَبَدِيَّةً عِندَما يُقَدَّمُ بِإِيمانٍ وَمَحبَّةٍ لِلمَسيحِ الحاضِرِ في تَلاميذِهِ وَفُقَرائِهِ وَصِغارِهِ.
ثانياً: تَطبيقاتُ النَّصِّ الإِنجيليِّ (متى 10: 37-42)
بَعدَ دِراسَةِ وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَحليلِها (متى 10: 37-42)، يَتَبَيَّنُ أَنَّ مِحوَرَ تَعليمِ يَسوعَ يَتمَحْوَرُ حَولَ شُروطِ التَّلمَذَةِ الحَقيقيَّةِ، وَلا سِيَّما حَملِ الصَّليبِ وَاتِّباعِهِ دُونَ تَرَدُّدٍ. فَالمَسيحُ لا يَكتَفي بِدَعْوَةِ الإِنسانِ إِلى الإِيمانِ النَّظَرِيِّ بِهِ، بَل يَدعوهُ إِلى التِزامٍ وُجوديٍّ كامِلٍ يَجعَلُ اللهَ في المَرتَبَةِ الأُولى فَوقَ كُلِّ الرَّوابِطِ وَالمَصالِحِ وَالمَكاسِبِ الزَّمَنِيَّةِ. وَمِن هُنا يَبرُزُ الصَّليبُ لا كَأَداةِ أَلَمٍ وَعَذابٍ فَحَسب، بَل كَعَلامَةٍ لِلمَحَبَّةِ الكامِلَةِ وَالطّاعَةِ المُطلَقَةِ لِمَشيئَةِ الله. وَمِن هُنا تَنطَلِقُ أَسئِلَةٌ أَساسِيَّةٌ لِفَهمِ هٰذا النَّصِّ وَتَطبيقِهِ في الحَياةِ المَسيحيَّةِ: ما مَعنى أَنْ يَحمِلَ يَسوعُ صَليبَهُ؟ وَما مَعنى أَنْ يَحمِلَ تِلميذُ المَسيحِ صَليبَهُ؟ وَكَيفَ يَتَحَوَّلُ الصَّليبُ مِن عَلامَةٍ لِلمَوتِ إِلى طَريقٍ لِلحَياةِ وَالمَجدِ وَالخَلاصِ؟ لِذٰلِكَ سَنَتَأَمَّلُ في المَحاوِرِ التّالِيَةِ:
1) ما مَعنى حَمْلِ يَسوعَ صَليبَه؟
نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ يَسوعَ ماتَ مَصلوبًا، وَأَصبَحَ الصَّليبُ أَحَدَ الأَركانِ الأَساسِيَّةِ الَّتي تُذَكِّرُنا بِسِرِّ خَلاصِنا. فَكَمَا نُرَدِّدُ في قانونِ الإِيمان: "مِن أَجلِنا نَحنُ البَشَرَ وَمِن أَجلِ خَلاصِنا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ... وَصُلِبَ عَنَّا على عَهْدِ بيلاطُسَ البُنطيِّ، وَتَأَلَّمَ". لِذٰلِكَ لَم يَعُدِ الصَّليبُ عارًا وَهَوانًا، بَل أَصبَحَ أَداةَ الفِداءِ وَعُنوانَ المَجدِ، أَوَّلًا لِلمَسيحِ ثُمَّ لِلمَسيحيِّينَ مِن بَعدِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الأُورُشَليميُّ قائِلًا: "لَم يَكُنِ الصَّليبُ خِدعَةً بَل حَقيقَةً، وَإِلَّا لَكانَ الفِداءُ أَيضًا خِدعَةً. صُلِبَ المَسيحُ فِعلًا، وَعَلَينا أَلَّا نَخجَلَ مِن ذٰلِكَ، بَل أَن نُعلِنَهُ بِكُلِّ جُرأَةٍ، لأَنَّنا نَعتَرِفُ بِالصَّليبِ لأَنَّنا اختَبَرْنا القِيامَةَ" PG 33, 772)). ويؤكِّد القِدِّيسُ كيرِلُّس الأُورُشَليميُّ قائِلًا: "لا تَخجَلوا مِنَ الصَّليبِ، فَبِهِ صارَ العالَمُ مَفتوحًا أَمامَ النِّعمَةِ، وَبِهِ انتَقَلنا مِنَ المَوتِ إِلى الحَياةِ" (PG 33, 813).
إِنَّ حَمْلَ يَسوعَ صَليبَهُ يَحمِلُ في طَيّاتِهِ الإِعلانَ الكامِلَ عَن عَطِيَّةِ اللهِ العُظمى لِلبَشَرِيَّةِ، أَلَا وَهِيَ شَخصُ ابنِهِ الوَحيدِ، الَّذي بَذَلَهُ مَحبَّةً لِخَلاصِ العالَمِ، كَما يَقولُ الإِنجيليُّ: "فإِنَّ اللهَ أَحَبَّ العالَمَ حتّى إِنَّهُ جادَ بِابنِهِ الوَحيدِ، لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِهِ، بَل تَكونُ لَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنّا 3: 16). فَالصَّليبُ لَيسَ مُجرَّدَ أَداةِ أَلَمٍ، بَل هُوَ أَسمى إِعلانٍ عَن مَحبَّةِ الآبِ، وَذِروَةُ تَدبيرِ الخَلاصِ، وَالمَوضِعُ الَّذي التَقَت فيه العَدالَةُ الإِلٰهِيَّةُ بِالرَّحمَةِ، وَتَجلَّت فيه مَحبَّةُ اللهِ الَّتي "َلَغَتِ الغايَةَ" (يوحنّا 13: 1).
وَقَد أَكَّدَ يَسوعُ ضَرورَةَ الصَّليبِ تَحقيقًا لِمَشيئَةِ الآبِ، إِذ "بَدأَ يُظهِرُ لِتَلاميذِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيهِ أَن يَذهَبَ إِلى أُورَشَليمَ وَيُعانِيَ آلامًا شَديدَةً... وَيُقتَلَ وَيَقومَ في اليَومِ الثّالِثِ" (مَتّى 16: 21). ثُمَّ أَوضَحَ لِتِلميذَي عِمواسَ أَنَّ الطَّريقَ إِلى المَجدِ يَمُرُّ عَبرَ الآلامِ: "أَما كانَ يَجِبُ عَلَى المَسيحِ أَن يُعانِيَ تِلكَ الآلامَ فَيَدخُلَ في مَجدِهِ؟" (لوقا 24: 26). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: "لَم يَأتِ المَسيحُ إِلى المَجدِ بِغَيرِ الصَّليبِ، بَل جَعَلَ الصَّليبَ سُلَّمًا يَصعَدُ بِهِ إِلى المَجدِ، لِيُعَلِّمَنا أَنَّ الطَّريقَ إِلى المَلَكوتِ يَمُرُّ عَبرَ الاحتمالِ وَالمَحبَّةِ).
وَبَعدَ العَنصَرَةِ أَعلَنَ الرُّسُلُ أَنَّ صَلبَ المَسيحِ وَمَوتَهُ كانا جُزءًا مِن مُخطَّطِ اللهِ الخَلاصيِّ، وَأَنَّهُ "أَتَمُّوا كُلَّ ما كُتِبَ في شَأنِهِ" (أَعمال 13: 29). وَكَذٰلِكَ شَهِدَ بولُسُ الرَّسولُ: "إِنَّ المَسيحَ ماتَ مِن أَجلِ خَطايانا كَما وَرَدَ في الكُتُبِ" (1 قورنتس 15: 3).
وَلِماذا الصَّليبُ؟ لأَنَّ المَسيحَ حَمَلَ عَلى عاتِقِهِ خَطيئَةَ العالَمِ وَشَرَّهُ وَرَجاسَتَهُ، وَقَدَّمَ نَفسَهُ ذَبيحَةً لِفِداءِ البَشَرِيَّةِ. وَكَما يَقُولُ يوحنّا المَعمدان: "هٰذا هُوَ حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَمِ" (يوحنّا 1: 29). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أَثناسيوس الرَّسوليُّ: "قَبِلَ الكَلِمَةُ المَوتَ عَنِ الجَميعِ، لِكَي يُبطِلَ المَوتَ بِمَوتِهِ، وَيُعِيدَ الإِنسانَ إِلى الحَياةِ" PG 25, 132)).
فَالصَّليبُ هُوَ أَعظَمُ إِعلانٍ لِمَحبَّةِ اللهِ. إِنَّهُ لَيسَ عَلامَةَ هَزيمَةٍ بَل عَلامَةُ انتِصارٍ، وَلَيسَ رَمزَ مَوتٍ بَل مَنبَعُ حَياةٍ. وَفي هٰذا السِّياقِ يَقُولُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "الصَّليبُ كانَ مِنصَّةَ عَذابٍ في نَظَرِ العالَمِ، أَمَّا في نَظَرِ الإِيمانِ فَهُوَ مَنصَّةُ مَحبَّةٍ عَلَّقَ عَلَيها المَسيحُ قَلبَهُ مِن أَجلِ البَشَرِ" PL 38, 1088)).
وَيُعَبِّرُ التَّقليدُ الرَّسوليُّ عَن هٰذا المَعنى في الكَلِماتِ المَنسوبَةِ إِلى القِدِّيسِ أَندراوسَ الرَّسولِ عِندَ استِشهادِهِ: "أَيُّها الصَّليبُ المَرغوبُ فيهِ مُنذُ زَمَنٍ بَعيدٍ، أَنا آتٍ إِلَيكَ مَملوءًا فَرَحًا وَثِقَةً، فَاقبَلني بِسُرورٍ أَنا تِلميذُ ذاكَ الَّذي تَعَلَّقَ عَلَيكَ" (PG 2, 1217).
لِذٰلِكَ فَإِنَّ حَمْلَ يَسوعَ لِلصَّليبِ يَعني طاعَتَهُ الكامِلَةَ لِلآبِ، وَبَذلَهُ الذّاتِيَّ مِن أَجلِ خَلاصِ البَشَرِ، وَإِعلانَهُ الأَسمى لِمَحبَّةِ اللهِ وَرَحمَتِهِ. وَالصَّليبُ لَيسَ مُجرَّدَ حَدَثٍ تاريخيٍّ، بَل هُوَ قَلْبُ الإِنجيلِ وَسِرُّ الخَلاصِ وَمِحوَرُ الحَياةِ المَسيحيَّةِ. وَكَما يُؤَكِّدُ البابا فَرنسيس: "إِنَّ صَليبَ المَسيحِ هُوَ خَشَبَةٌ تُحَدِّثُنا عَنِ المَحبَّةِ وَالرَّحمَةِ وَالغُفرانِ، وَتُعلِنُ أَنَّ اللهَ لَم يَتخَلَّ عَنِ الإِنسانِ قَطُّ" (عِظَةُ الجُمُعَةِ العَظيمَةِ، 2016).
2) ما مَعنى حَملِ تِلميذِ المَسيحِ صَليبَهُ؟
ا) حَمْلُ الصَّليب: الزُّهدُ في الذّات
يُعَلِّمُنا يَسوعُ أَنَّ صَليبَهُ يُوَحِّدُ بَينَ مَصيرِهِ وَمَصيرِ تِلميذِهِ، إِذ يَقولُ: "مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيُنكِرْ نَفسَهُ وَيَحمِلْ صَليبَهُ وَيَتبَعْني" (متّى 16: 24). فَحَمْلُ الصَّليبِ يَتَطَلَّبُ التَّسليمَ الكامِلَ للهِ، وَالاستِعدادَ لِمُواجَهَةِ الأَلَمِ وَالرَّفضِ وَحَتّى المَوتِ مِن أَجلِ المَسيحِ، بِحَيثُ يُصبِحُ هُوَ مَركَزَ الحَياةِ وَغايَتَها. وَمِن هُنا يَقولُ الرَّبُّ: "مَن حَفِظَ حَياتَهُ يَفقِدُها، وَمَن فَقَدَ حَياتَهُ في سَبيلي يَجِدُها" (متّى 10: 39). فَالتَّمَسُّكُ الأَنانيُّ بِالحَياةِ الزَّمَنِيَّةِ يُؤَدِّي إِلى خَسارَةِ المَسيحِ، أَمَّا بَذلُ الذّاتِ مِن أَجلِهِ فَيَقودُ إِلى الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ ثيودورُس المِصِّيصيُّ قائِلًا: "لا تَدَعوا الصَّليبَ يُخيفُكُم، يَقولُ الرَّبُّ، وَلا تَدَعوهُ يُشَكِّكُكُم في أَقوالي، فَإِنَّ ما يَبدو خَسارَةً في نَظَرِ العالَمِ هُوَ طَريقُ الخَلاصِ وَالمَجدِ".
إِنَّ حَمْلَ الصَّليبِ يَعني أَوَّلًا الزُّهدَ في الذّاتِ وَالمَوتَ عَنِ الإِنسانِ القَديمِ. فَالتِّلميذُ لا يَصيرُ تِلميذًا لِلمَسيحِ بِفَضلِ مَعمودِيَّتِهِ فَحَسب، بَل بِشَهادَةِ حَياتِهِ أَيضًا. فَالتَّقَرُّبُ مِنَ اللهِ لا يَتِمُّ بِالتَّشَبُّثِ بِالذّاتِ، بَل بِالتَّجَرُّدِ وَالتَّخَلِّي. وَهٰذا ما رَمَزَ إِلَيهِ اللهُ لِموسى قائِلًا: "اِخلَعْ نَعلَيكَ مِن رِجلَيكَ" (خروج 3: 5)، أَي تَخَلَّ عَمّا يُقيِّدُكَ لِتَدخُلَ في حَضورِ اللهِ.
وَيَبلُغُ الزُّهدُ ذِروَتَهُ في تَسليمِ الذّاتِ بِيَدَيِ اللهِ، كَما فَعَلَ يَسوعُ عَلى الصَّليبِ: "يا أَبَتِ، في يَدَيكَ أَستَودِعُ روحي" (لوقا 23: 46). وَفي هٰذا السِّياقِ كَتَبَتِ القِدِّيسَةُ تيريزا بِنِديكتا الصَّليب (إيديث شتاين): "إِنَّ طَريقَ جَميعِ المَدعُوِّينَ إِلى وَلِيمَةِ الحَمَلِ يَمُرُّ عَبرَ الآلامِ وَالصَّليبِ؛ فَالَّذينَ يُريدونَ الاِتِّحادَ بِالحَمَلِ يَجِبُ أَن يَترُكوا أَنفُسَهُم لِيُصلَبوا مَعَهُ" (Das Kreuzeswissenschaft, 1940).
وَيُعَدُّ الصَّليبُ عَلامَةَ الإِيمانِ الحَيِّ الحَقيقيِّ، لأَنَّ الإِيمانَ هُوَ التَّسليمُ الكامِلُ للهِ. وَفي هٰذا المَعنى يَقولُ القِدِّيسُ رافاييل أَرناييز بارون: "إِنَّ المَسيحَ مَوجودٌ عَلى الصَّليبِ، وَطالَما نَحنُ لا نُحِبُّ الصَّليبَ فَلَن نَراهُ وَلَن نَشعُرَ بِحُضورِهِ" (Escritos Espirituales, 4/3/1938).
وَيَبدأُ التِّلميذُ بِالزُّهدِ في ذَاتِهِ عِندما يَطرَحُ عَنهُ كُلَّ هُمومِهِ وَأَولَوِيّاتِهِ الأُخرى لِيَجعَلَ المَسيحَ أَوَّلًا في حَياتِهِ. وَهٰذا ما عَبَّرَ عَنهُ بولُسُ الرَّسولُ قائِلًا: "أُقْمِعُ جَسَدي وَأَستَعبِدُهُ، مَخافَةَ أَن أَكونَ مَرفوضًا بَعدَما بَشَّرتُ الآخَرين" (1 قورنتس 9: 27). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِسحاقُ السُّريانيُّ: "طَريقُ اللهِ هُوَ صَليبٌ يَوميٌّ، وَلَم يَصعَدْ أَحَدٌ قَطُّ إِلى السَّماءِ عَلى سَريرِ الرّاحَةِ" (المقالات النُّسكيّة، السِّلسلة الأُولى، المقالة 4).
كَما يَبدأُ التِّلميذُ بِالزُّهدِ في مَعرِفَتِهِ عِندما يَتَخَلّى عَنِ الاِفتِخارِ بِحِكمَتِهِ البَشَرِيَّةِ، لِيَكتَشِفَ حِكمَةَ الصَّليبِ، كَما يَقولُ بولُسُ: "لَم أُرِدْ أَن أَعرِفَ بَينَكُم شَيئًا إِلَّا يَسوعَ المَسيحَ وَإِيّاهُ مَصلوبًا" (1 قورنتس 2: 2).
وَيَبدأُ أَيضًا بِالزُّهدِ في قُوَّتِهِ، لِأَنَّهُ يَكتَشِفُ أَنَّ القُوَّةَ الحَقيقيَّةَ تَكمُنُ في الصَّليبِ: "إِنَّ كَلِمَةَ الصَّليبِ عِندَنا نَحنُ المُخَلَّصينَ هِيَ قُدرَةُ اللهِ" (1 قورنتس 1: 18).
وَيَبلُغُ الزُّهدُ كَمالَهُ في التَّواضُعِ وَالطّاعَةِ عَلى مِثالِ المَسيحِ الَّذي "تَجَرَّدَ مِن ذاتِهِ... وَأَطاعَ حَتّى المَوتِ، مَوتَ الصَّليبِ" (فيلبّي 2: 7-8). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "لَم يَكُنِ الصَّليبُ مَدرَسَةَ أَلَمٍ فَحَسب، بَل مَدرَسَةَ تَواضُعٍ أَيضًا، فَمَن أَرادَ أَن يَرتَفِعَ مَعَ المَسيحِ فَليَتَّضِعْ مَعَهُ" (PL 38, 584).
وَيَزْهَدُ التِّلميذُ أَيضًا عَن ذَاتِهِ عِندما يَقبَلُ وَضعَهُ كَمُضطَهَدٍ مِن أَجلِ المَسيحِ، إِذ يَقولُ الرَّبُّ: "ما مِن تِلميذٍ أَسمى مِن مُعَلِّمِهِ" (متّى 10: 24). وَيُعَلِّقُ البابا فرنسيس: "المَسيحيُّ لَيسَ مُضطَهِدًا بَل مُضطَهَدًا، لأَنَّهُ يَتبَعُ الرَّبَّ الَّذي سَبَقَهُ في طَريقِ الصَّليبِ".
وَخُلاصَةُ القَولِ أَنَّ حَمْلَ الصَّليبِ هُوَ مَسيرَةُ تَجَرُّدٍ مُستَمِرٍّ مِنَ الذّاتِ لِكَي يَملِكَ المَسيحُ عَلى القَلبِ كُلِّهِ. وَمَن يُعانِقُ الصَّليبَ بِسَخاءٍ يَتَحَوَّلُ أَلَمُهُ إِلى مَنبَعِ فَرَحٍ وَخُصوبَةٍ رُوحِيَّةٍ وَرَعَوِيَّةٍ. لِذٰلِكَ هَتَفَ بولُسُ الرَّسولُ: "أَمَّا أَنا فَمَعاذَ اللهِ أَن أَفتَخِرَ إِلَّا بِصَليبِ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ، الَّذي بِهِ صُلِبَ العالَمُ عِندي وَأَنا لِلعالَمِ» (غلاطية 6: 14).
ب) حَمْلُ الصَّليب: الزُّهدُ في الدُّنيا
إِنَّ الصَّليبَ الَّذي يَنبَغي عَلى تِلميذِ المَسيحِ أَنْ يَحمِلَهُ لَيسَ عَلامَةً لِزُهدِهِ في ذاتِهِ فَحَسب، بَل أَيضًا لِزُهدِهِ في الدُّنيا. وَلا نَقصِدُ بِالزُّهدِ هُنا مُجَرَّدَ التَّخَلِّي عَنِ الخَطايا وَالعاداتِ السَّيِّئَةِ، فَهٰذا أَمرٌ بَديهيٌّ تَدعو إِلَيهِ الوَصايا الإِلٰهِيَّةُ، بَل نَعني التَّجَرُّدَ مِنَ التَّعَلُّقِ المُفرِطِ بِالأَرضِيّاتِ وَالمُقتَنَياتِ وَالمَكانَةِ وَكُلِّ ما يَستَعبِدُ القَلبَ وَيَجعَلُهُ أَسيرًا لِهٰذا العالَمِ. فَالتِّلميذُ مَدعُوٌّ أَنْ يَجعَلَ المَسيحَ كَنزَهُ الأَعظَمَ، وَأَلَّا يَتَّكِلَ عَلى المالِ أَوِ المُمتَلَكاتِ، بَل عَلى قُوَّةِ اللهِ وَعِنايَتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: "لَيسَ الشَّرُّ في امتِلاكِ الأَموالِ، بَل في أَنْ تَمتَلِكَ الأَموالُ القَلبَ؛ فَحيثُ يَكونُ الكَنزُ يَكونُ القَلبُ أَيضًا" (PG 58, 605).
إِنَّ التَّخَلِّي عَن كُلِّ خَيرٍ خَارِجيٍّ أَو داخِليٍّ يُمكِنُ أَنْ يُصبِحَ صَليبًا مُؤلِمًا، وَيَزدادُ أَلَمُهُ بِقَدرِ ما يَكونُ التَّعَلُّقُ بِهِ شَديدًا. وَمِن هُنا يَفصِلُ صَليبُ المَسيحِ بَينَ عالَمِ الرُّوحِ وَعالَمِ الأَهواءِ الزَّمَنِيَّةِ، لأَنَّ المُؤمِنَ قَد صُلِبَ مَعَ المَسيحِ في المَعمودِيَّةِ لِيَحيا للهِ. وَيُعَبِّرُ بولُسُ الرَّسولُ عَن هٰذا السِّرِّ قائِلًا: "أَمَّا أَنا فَمَعاذَ اللهِ أَنْ أَفتَخِرَ إِلَّا بِصَليبِ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ، الَّذي بِهِ أَصبَحَ العالَمُ مَصلوبًا عِندي وَأَصبَحتُ أَنا مَصلوبًا لِلعالَمِ" (غلاطية 6: 14). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "إِنَّ الَّذي يَتَعَلَّقُ بِالعالَمِ يُصبِحُ عَبدًا لَهُ، أَمَّا الَّذي يَتَعَلَّقُ بِالمَسيحِ فَيَملِكُ العالَمَ كُلَّهُ دُونَ أَنْ يَملِكَهُ العالَمُ" (PL 36, 733).
وَيَتَطَلَّبُ حَمْلُ الصَّليبِ تَركَ مَلَذّاتِ العالَمِ وَالانفِصالَ عَن رُوحِ الاِستِهلاكِ وَالتَّمَلُّكِ. فَالمَسيحُ لا يَطلُبُ مِن تِلميذِهِ أَنْ يَرفُضَ خَيراتِ الخَليقَةِ، بَل أَلَّا يَجعَلَها غايَةَ حَياتِهِ. وَهٰذا ما عَبَّرَ عَنهُ بولُسُ الرَّسولُ بِقَولِهِ: "فَما أَنا أَحيا بَعدَ ذٰلِكَ، بَلِ المَسيحُ يَحيا فِيَّ" (غلاطية 2: 20). فَالتِّلميذُ الحَقيقيُّ يَجِدُ غِناهُ في المَسيحِ لا في المُقتَنَياتِ، وَيُقَدِّمُ ذاتَهُ "ذَبيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرضِيَّةً عِندَ اللهِ" (رومة 12: 1). وَيُعَلِّمُ القِدِّيسُ باسيليوسُ الكَبيرُ أَنَّ الزُّهدَ الحَقيقيَّ لَيسَ احْتِقارَ الخَليقَةِ، بَل حُسنَ استِعمالِها لِمَجدِ اللهِ، قائِلًا: "إِنَّ الغِنى الَّذي لا يُشارَكُ مَعَ الفُقَراءِ يَتحَوَّلُ إِلى سَرقَةٍ لِحُقوقِهِم" (PG 31, 281).
وَنَتيجَةُ هٰذا التَّجَرُّدِ أَنَّ المُؤمِنَ يَنالُ تَعزِيَةً رُوحِيَّةً في الأَرضِ وَمَجدًا أَبَدِيًّا في السَّماءِ. وَهٰذا ما وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ قائِلًا: "مَن فَقَدَ حَياتَهُ في سَبيلي يَجِدُها" (متّى 10: 39). فَمَن يَقبَلُ صَليبَ التَّجَرُّدِ يَكتَشِفُ أَنَّ المَسيحَ يَحيا فيهِ وَيَملأُ قَلبَهُ فَرَحًا وَسَلامًا.
أَمَّا الَّذي يَظُنُّ أَنَّهُ يَجِدُ حَياتَهُ في مَلَذّاتِ العالَمِ وَغِناهِ وَمَجدِهِ، فَإِنَّهُ يُخاطِرُ بِخَسارَةِ نَفسِهِ، كَما يُحَذِّرُ يَسوعُ: "ماذا يَنفَعُ الإِنسانَ لَو رَبِحَ العالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفسَهُ؟" (متّى 16: 26). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوسُ النِّيصصيُّ قائلًا: "إِنَّ مَن يَترُكُ الأَرضِيّاتِ مِن أَجلِ اللهِ لا يَفقِدُ شَيئًا، بَل يَستَبدِلُ الزَّمَنِيَّ بِالأَبَدِيِّ، وَالفانيَ بِالباقي" (PG 44, 1201)
لِذٰلِكَ فَإِنَّ حَمْلَ الصَّليبِ يَعني أَنْ يَعيشَ التِّلميذُ في العالَمِ دُونَ أَنْ يَكونَ مِنَ العالَمِ، وَأَنْ يَستَعمِلَ خَيراتِهِ دُونَ أَنْ يَستَعبِدَهُ حُبُّها، وَأَنْ يَجعَلَ المَسيحَ الكَنزَ الأَعظَمَ الَّذي مِن أَجلِهِ يَترُكُ كُلَّ شَيءٍ بِفَرَحٍ، مُردِّدًا مَعَ الرَّسولِ: "إِنِّي أَحسِبُ كُلَّ شَيءٍ خَسارَةً بِسَبَبِ فَضلِ مَعرِفَةِ المَسيحِ يَسوعَ رَبِّي" (فيلبّي 3: 8).
ج) حَمْلُ الصَّليب: الزُّهدُ في العَلاقاتِ الطَّبيعيَّة
إِنَّ مَنِ اعتَمَدَ بِالمَسيحِ أَصبَحَ مَسيحيًّا، وَالمَسيحيُّ يُصبِحُ تِلميذًا حَقيقيًّا لِلمَسيحِ عِندما يَتَّخِذُهُ مُعَلِّمًا وَمِحوَرًا لِحَياتِهِ. وَلا يَكفي أَنْ يَكونَ التِّلميذُ مَسيحيًّا بِشَهادَةِ المَعموديَّةِ فَحَسب، بَل يَجِبُ أَنْ يُتَرْجِمَ إِيمانَهُ بِشَهادَةِ الحَياةِ وَالالتِزامِ. وَالالتِزامُ يَستَلزِمُ قَرارًا جَذريًّا، هُوَ أَنْ يَضَعَ الإِنسانُ المَسيحَ في المَرتَبَةِ الأُولى مِن قَلبِهِ وَحَياتِهِ.
وَكَثيرًا ما يَكونُ الإِيمانُ بِالمَسيحِ سَبَبًا لِلانقِسامِ وَسُوءِ الفَهمِ حَتّى بَينَ الأَقارِبِ وَالأَحبَّاءِ، فَيَجِدُ الإِنسانُ نَفسَهُ أَمامَ خِيارٍ صَعبٍ: إِمَّا أَنْ يَبقى أَمينًا لِلمَسيحِ، وَإِمَّا أَنْ يُساوِمَ عَلى إِيمانِهِ إِرضاءً لِلنّاسِ. وَمِن هُنا تَتَجَلّى قُوَّةُ كَلامِ الرَّبِّ: "مَن كانَ أَبوهُ أَو أُمُّهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنّي فَلَيسَ أَهْلًا لي، وَمَن كانَ ابنُهُ أَوِ ابنَتُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنّي فَلَيسَ أَهْلًا لي" (متّى 10: 37). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: "إِن أَحْبَبْنا الرَّبَّ مِن كُلِّ القَلبِ، فَلا يَنبَغي أَنْ نُفَضِّلَ عَلَيهِ لا الآباءَ وَلا الأَبناءَ، لأَنَّهُ مَصدَرُ كُلِّ مَحبَّةٍ وَأَصلُها" (PG 57, 412).
إِنَّ اللهَ خَلَقَ الوالِدَينِ وَالأَولادَ لِيُحِبَّ بَعضُهُم بَعضًا، وَأَوصى بِإِكرامِ الوالِدَينِ قائلًا: "أَكرِمْ أَباكَ وَأُمَّكَ" (خروج 20: 12؛ متّى 15: 4). لِذٰلِكَ فَإِنَّ يَسوعَ لا يُلغي الوَصيَّةَ الرّابِعَةَ وَلا يَدعو إِلى قَطيعَةِ العائِلَةِ، بَل يُؤَكِّدُ أَوْلَوِيَّةَ اللهِ فَوقَ كُلِّ شَيءٍ. فَإِذا أَصبَحَتِ الرَّوابِطُ العائِلِيَّةُ عائِقًا أَمامَ الأَمانَةِ لِلمَسيحِ، وَجَبَ أَنْ يَبقى المَسيحُ هُوَ الاخْتِيارَ الأَوَّلَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إيرونيموس قائِلًا: "يَأمُرُنا الكِتابُ المُقَدَّسُ بِطاعَةِ الوالِدَينِ، نَعَم، لَكِن مَن يُحِبُّهُما أَكثَرَ مِنَ المَسيحِ يَخسَرُ نَفسَهُ" (PL 22, 355).
وَقَد يَصِلُ الاِمتِحانُ إِلى أَنْ يُطالِبَ الأَهلُ أَوِ الأَصدِقاءُ المُؤمِنَ بِالتَّراجُعِ عَن إِيمانِهِ تَجَنُّبًا لِلاضطِهادِ أَوِ المَوتِ. وَفي هٰذِهِ الحالَةِ يُصبِحُ التَّخَلِّي عَنِ المَسيحِ مِن أَجلِ إِرضاءِ الآخَرينَ إِنكارًا لَهُ. وَمِن هُنا تَرتَبِطُ شَهادَةُ الحَياةِ بِحَمْلِ الصَّليبِ وَاتِّباعِ المَسيحِ، لا بِإِهمالِ العائِلَةِ، بَل بِوَضْعِ اللهِ فَوقَ كُلِّ رِباطٍ بَشَريٍّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "إِنَّ المَسيحَ لا يَأمُرُكَ أَنْ تَكرَهَ والِدَيكَ، بَل أَنْ تُحِبَّهُ هُوَ أَوَّلًا، فَعِندَئِذٍ تُحِبُّ والِدَيكَ حُبًّا أَصدَقَ وَأَنقَى" (PL 39, 1513).
وَلِهٰذا فَإِنَّ مَحبَّةَ المَسيحِ لا تُلغِي مَحبَّةَ العائِلَةِ، بَل تُنَقِّيها وَتُقَدِّسُها. فَبِقَدرِ ما يَقتَرِبُ الإِنسانُ مِنَ اللهِ، يَصبِحُ أَقدَرَ عَلى مَحبَّةِ أَهلِهِ بِإِخلاصٍ وَتَضحِيَةٍ وَأَمانَةٍ. وَقَد أَشارَ البابا فرنسيس إِلى هٰذا المَعنى قائِلًا: "مِن خِلالِ مَحبَّةِ اللهِ تَمتَلِئُ الرَّوابِطُ العائِلِيَّةُ بِمَعنى أَعمَق، وَتُصبِحُ قادِرَةً عَلى تَجاوُزِ ذَواتِها لِتَخلُقَ أُخوَّةً أَوسَعَ" (المُقابَلَةُ العامَّة، 2 أيلول 2015).
وَيُوصَفُ اللهُ في الكِتابِ المُقَدَّسِ بِأَنَّهُ "إِلٰهٌ غَيورٌ" (خروج 20: 5)، لا بِمَعنى الغَيرَةِ البَشَرِيَّةِ، بَل بِمَعنى أَنَّهُ يَطلُبُ القَلبَ بِكَمالِهِ، وَلا يَقبَلُ أَنْ يُشارِكَهُ أَحَدٌ المَكانَةَ الأُولى في حَياةِ المُؤمِن. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "اللهُ الَّذي أَحَبَّنا حُبًّا لا يُوصَفُ، يُريدُ أَنْ يُحَبَّ مِنّا بِالقَدرِ نَفسِهِ" (PG 57, 413).
وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ حَمْلَ الصَّليبِ في العَلاقاتِ الطَّبيعيَّةِ يَعني أَنْ يَكونَ المَسيحُ هُوَ المِعيارَ الأَوَّلَ لِكُلِّ اخْتِيارٍ. فَعِندَما يَكونُ التِّلميذُ مُستَعِدًّا لِخَسارَةِ كُلِّ شَيءٍ مِن أَجلِ المَسيحِ، عِندَئِذٍ يَربَحُ كُلَّ شَيءٍ. لِذٰلِكَ يَدعو يَسوعُ تَلاميذَهُ إِلى تَفضيلِهِ عَلى أَعَزِّ الأَقارِبِ (متّى 10: 37)، وَعَلى الرّاحَةِ وَالصِّيتِ (متّى 10: 38)، وَأَخيرًا عَلى الحَياةِ نَفسِها (متّى 10: 39). فَالقَضيَّةُ في النِّهايَةِ هِيَ قَضيَّةُ اخْتِيارٍ: مَن يَختَرِ المَسيحَ أَوَّلًا، يَجِدُ فيهِ كُلَّ شَيءٍ.
نَستَنتج مِمَّا سَبق، أِنَّ رِسالَةَ تِلميذِ يَسوعَ لَيسَت مُجرَّدَ مُهِمَّةٍ يُؤَدِّيها، وَلا وَظيفَةٍ يُنجِزُها، وَلا خُطَّةٍ رَعَوِيَّةٍ أَوِ استِراتيجيَّةٍ يُنَفِّذُها، بَل هِيَ، في جَوهَرِها، شَرِكَةُ حَياةٍ وَمَحبَّةٍ مَعَ المَسيحِ. فَالتِّلميذُ لا يَنطَلِقُ مِن أَفكارِهِ الخاصَّةِ، بَل مِن خِبرَةِ لِقاءٍ شَخصِيٍّ بِرَبِّهِ، وَمِنَ الاتِّحادِ بِهِ وَالثَّباتِ فيه. وَمِن هٰذِهِ الشَّرِكَةِ الحَيَّةِ يَستَمِدُّ نَظرَةَ المَسيحِ الرَّحيمَةَ المُنحَنِيَةَ عَلَى البَشَرِ، فَيُشارِكُهُ شَفَقَتَهُ عَلَى المُتعَبينَ وَالمُنطَرِحينَ "كَغَنَمٍ لا راعِيَ لَها" (مَتّى 9: 36)، وَيُواصِلُ رِسالَتَهُ في إِعلانِ مَلَكوتِ اللهِ وَنَقلِ بِشارَةِ الخَلاصِ إِلى جَميعِ النّاسِ. فَالرِّسالَةُ لَيسَت نَشاطًا يَصدُرُ عَنِ الإِنسانِ، بَل هِيَ فَيضُ الحَياةِ الَّتي يَنالُها مِنَ المَسيحِ وَيَنقُلُها إِلى الآخَرينَ.
د) مَكافَأَةُ حَمْلِ الصَّليب
يَطلُبُ يَسوعُ مِن تَلاميذِهِ أَنْ يَحمِلوا الصَّليبَ بِالزُّهدِ في الذّاتِ وَالدُّنيا وَالعَلاقاتِ الطَّبيعيَّةِ مِن أَجلِ اتِّباعِهِ، لَكِنَّهُ في المُقابِلِ يَعِدُهُم بِمَكافَأَةٍ عَظيمَةٍ. فَالصَّليبُ الَّذي كانَ في الماضِي رَمزًا لِلعِقابِ وَالعارِ، أَصبَحَ في المَسيحِ رَمزًا لِلشَّرَفِ وَالمَجدِ. وَالصَّليبُ الَّذي كانَ عِندَ البَشَرِ جَهالَةً، أَصبَحَ "قُدرَةَ اللهِ" (1 قورنتس 1: 18). وَقَد تَحَوَّلَ مِن أَداةِ إِدانَةٍ إِلى وَسيلَةِ خَلاصٍ، لأَنَّهُ مَصدَرُ خَيراتٍ لا تُحصى: فَبِهِ تَصَالَحَ الإِنسانُ مَعَ اللهِ، وَتَحَرَّرَ مِن عُبودِيَّةِ الخَطيئَةِ، وَأُضيءَ لَهُ طَريقُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. وَفي هٰذا السِّياقِ يَقولُ النّاسِكُ الإِنكليزيُّ ريتشارد رول (1300-1349): "إِنَّ الرَّبَّ يَسوعَ المَسيحَ يُنادِي مِن عَلَى الصَّليبِ بِأَعلى صَوتِهِ، وَيُقَدِّمُ السَّلامَ لِكُلِّ مَن يَقبَلُ مَحبَّتَهُ" (The Fire of Love).
وَقَد صالَحَ الصَّليبُ البَشَرَ مَعَ اللهِ، وَهَدَمَ سُلطانَ الخَطيئَةِ وَالمَوتِ، وَأَقامَ الكَنيسَةَ كَعَلامَةِ الخَلاصِ في العالَمِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أفرامُ السُّريانيُّ قائِلًا: "المَجدُ لَكَ أَيُّها المَسيحُ، فَقَد أَلْقَيتَ صَليبَكَ جِسرًا فَوقَ المَوتِ، فَعَبَرَ البَشَرُ مِن بِلادِ المَوتِ إِلى بِلادِ الحَياةِ" (Sermo de Domino).
وَمَن يَقبَلُ هٰذا الصَّليبَ يَكتَشِفُ أَنَّهُ لَيسَ طَريقًا لِلأَلَمِ فَحَسب، بَل طَريقٌ إِلى الفَرَحِ العَميقِ وَالمَجدِ الحَقيقيِّ. فَالصَّليبُ هُوَ عَلامَةُ مَجدِ التِّلميذِ وَكَرَامَتِهِ. لِذٰلِكَ يَقولُ الرَّبُّ: "مَن أَرادَ أَنْ يَخدُمَني فَليَتبَعْني، وَحَيثُ أَكونُ أَنا يَكونُ خادِمي، وَمَن خَدَمَني أَكرَمَهُ أَبي" (يوحنّا 12: 26). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "إِنَّ المَلكوتَ الَّذي أُغلِقَ بِسَبَبِ الخَطيئَةِ فُتِحَ بِالصَّليبِ، وَبِهِ سَمِعَ اللِّصُّ التّائِبُ الوَعدَ: سَتَكونُ اليَومَ مَعي في الفِردَوسِ" (PG 49, 403).
وَإِكرامُ اللهِ لِحامِلي الصَّليبِ لا يَقتَصِرُ عَلى الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ فَحَسب، بَل يَبدَأُ مِن هٰذِهِ الحَياةِ أَيضًا. فَالمُؤمِنُ يَختَبِرُ فَرَحَ الحُضورِ الإِلٰهيِّ وَسَلامَهُ حَتّى وَسْطَ الآلامِ. وَيَقولُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الأُورَشَليميُّ: "سَيَكونُ الخَوفُ نَصيبَ أَعداءِ الصَّليبِ، أَمَّا الفَرَحُ فَهُوَ عَلامَةُ أَصدِقائِهِ الَّذينَ آمَنوا بِهِ وَتَأَلَّموا مِن أَجلِهِ" (PG 33, 812.
وَيُكْرِمُ المَسيحُ تَلاميذَهُ وَرُسُلَهُ الَّذينَ يَحمِلونَ صَليبَهُ، حَتّى إِنَّهُ يَعتَبِرُ أَنَّ قَبولَهُم هُوَ قَبولٌ لَهُ شَخصِيًّا، فَيَقولُ: "مَن قَبِلَكُم قَبِلَني أَنا، وَمَن قَبِلَني قَبِلَ الَّذي أَرسَلَني" (متّى 10: 40). وَهُنا تَظهَرُ وَحدَةُ الرَّسولِ مَعَ مُرسِلِهِ، فَيَصبِحُ التِّلميذُ أَداةً حَيَّةً لِحُضورِ المَسيحِ في العالَمِ.
وَيُقاسُ حُبُّ الإِنسانِ لِلمَسيحِ بِكَيْفِيَّةِ مُعامَلَتِهِ لِتَلاميذِهِ وَشُهودِهِ. لِذٰلِكَ يَقولُ الرَّبُّ: "مَن قَبِلَ نَبِيًّا لأَنَّهُ نَبِيٌّ فَأَجرُ نَبِيٍّ يَنالُ، وَمَن قَبِلَ صِدِّيقًا لأَنَّهُ صِدِّيقٌ فَأَجرُ صِدِّيقٍ يَنالُ" (متّى 10: 41). وَحَتّى أَبسَطُ أَعمالِ المَحبَّةِ لا تَضيعُ عِندَ اللهِ، كَما يُؤَكِّدُ يَسوعُ: "وَمَن سَقى أَحَدَ هٰؤُلاءِ الصِّغارِ وَلَو كَأسَ ماءٍ بارِدٍ لأَنَّهُ تِلميذٌ، فَالحَقَّ أَقولُ لَكُم: إِنَّ أَجرَهُ لَن يَضيعَ" (متّى 10: 42). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوسُ الكَبيرُ قائِلًا: "إِنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إِلى عِظَمِ العَطيَّةِ، بَل إِلى المَحبَّةِ الَّتي تُقَدَّمُ بِها" (PL 76, 1094).
وَبِكَلِمَةٍ أُخرى، فَإِنَّ التِّلميذَ الحَقيقيَّ هُوَ مَنِ اختارَ أَنْ يَكونَ لِلمَسيحِ كُلِّيًّا، وَأَنْ يَجعَلَهُ الأَوَّلَ في حَياتِهِ وَفِي جَميعِ اخْتِياراتِهِ. فَتَأتي مَكانَةُ المَسيحِ فَوقَ الذّاتِ وَالأَهلِ وَالمُقتَنَياتِ وَحَتّى الحَياةِ نَفسِها. وَمَن يَحمِلُ صَليبَهُ كُلَّ يَومٍ وَيَتبَعُ سَيِّدَهُ بِأَمانَةٍ، يَختَبِرُ أَنَّ الرَّبَّ يُكَرِّمُهُ في الدُّنيا وَالآخِرَةِ. وَخَيرُ مِثالٍ عَلى ذٰلِكَ الرَّسولُ بُطرُسُ الَّذي حَمَلَ صَليبَهُ وَشَهِدَ لِلمَسيحِ حَتّى المَوتِ، فَكانَ الصَّليبُ طَريقَهُ إِلى المَجدِ السَّماويِّ. وَيُخَتِمُ البابا فرنسيسُ قائِلًا: "إِنَّ المَسيحيَّةَ بِدونِ الصَّليبِ تَصبِحُ مَسيرَةً تَتَوَقَّفُ في مُنتَصَفِ الطَّريقِ، أَمَّا الصَّليبُ فَهُوَ الطَّريقُ الَّذي يَقودُ إِلى القِيامَةِ وَالحَياةِ". وَيُخَتِّمُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير هٰذا المَعنى بِقَولِهِ: "إِنَّ الصَّليبَ الَّذي يَحمِلُهُ البارُّ زَمَنًا قَصيرًا، يَتَحَوَّلُ في الأَبَدِيَّةِ إِلى إِكليلِ مَجدٍ لا يَفنى" (PL 76, 1237).
الخُلاصَة
في عِظته الثَّانية "العِظة الإرسَاليّة أو التبْشيريّة" (متى 9: 23 - 11: 1)، بَعدَ أَنْ تَحَدَّثَ يَسوعُ مَعَ تَلاميذِهِ عَنِ الجِهادِ في الشَّهادَةِ لَهُ أَمامَ العالَمِ، وَجَّهَ أَنظارَهُم إِلى نَوعٍ آخَرَ مِنَ الجِهادِ، أَعْمَقَ وَأَشَدَّ صُعوبَةً، أَلَا وَهُوَ الجِهادُ الدّاخِلِيُّ الَّذي يَتَمَثَّلُ في حَمْلِ الصَّليبِ وَاتِّباعِهِ. فَالتِّلميذُ لا يُواجِهُ المُقاوَمَةَ مِنَ العالَمِ الخارِجِيِّ فَحَسْب، بَل مِن داخِلِ نَفسِهِ أَيضًا، وَمِن عَواطِفِهِ وَمَيولِهِ وَتَعَلُّقِهِ، وَأَحيانًا مِن أَقْرَبِ النّاسِ إِلَيهِ. إِنَّهُ جِهادٌ عَنيفٌ لأَنَّهُ يَدورُ في أَعْماقِ القَلْبِ، وَيُثيرُهُ العَدُوُّ لِيُحاوِلَ تَقسيمَ الإِنسانِ عَلى نَفْسِهِ، أَو إِحداثَ الانقِسامِ داخِلَ بَيتِهِ وَعائِلَتِهِ.
وَمِن أَجْلِ ذٰلِكَ يَطلُبُ يَسوعُ مِن تَلاميذِهِ مَحَبَّةً شامِلَةً وَمُطلَقَةً تَفوقُ كُلَّ مَحبَّةٍ أُخرى، حَتّى مَحبَّةَ الوالِدَينِ وَالأَولادِ وَالأَقارِبِ. فَلا يَدعو المَسيحُ إِلى إِلغاءِ الرَّوابِطِ العائِلِيَّةِ، بَل إِلى وَضْعِها في مَكانِها الصَّحيحِ في ضَوءِ مَحبَّةِ اللهِ. فَالمَسيحُ يَجِبُ أَنْ يَكونَ الأَوَّلَ في حَياةِ التِّلميذِ، وَمِن خِلالِهِ تُصبِحُ كُلُّ مَحَبّةٍ اُخْرى أَكثَرَ نُضجًا وَنَقاءً وَأَمانَةً.
إِنَّ حَمْلَ الصَّليبِ يَعني الزُّهدَ في الذّاتِ، وَالتَّجَرُّدَ مِن تَعَلُّقِ العالَمِ، وَتَقديمَ اللهِ عَلى كُلِّ شَيءٍ، حَتّى عَلى الحَياةِ نَفسِها. وَمَن يَخسَرُ حَياتَهُ مِن أَجْلِ المَسيحِ يَجِدُها، وَمَن يَجعَلُ المَسيحَ كَنزَهُ الأَوَّلَ يَربَحُ كُلَّ شَيءٍ. وَهٰذا هُوَ الشَّرطُ الأَساسِيُّ لِلتَّلمَذَةِ الحَقِيقِيَّةِ: أَنْ يَكونَ المَسيحُ أَوَّلًا وَفَوقَ الجَميعِ.
وَفي المُقابِلِ لا يَترُكُ الرَّبُّ تَلاميذَهُ مِن دُونِ مُكافَأَةٍ، بَل يَعِدُهُم بِأَنَّ كُلَّ ما يَبذُلونَهُ مِن أَجْلِهِ لَن يَضيعَ. فَمَن يَحمِلُ صَليبَهُ مَعَ المَسيحِ يَشْتَرِكُ أَيضًا في مَجدِهِ، وَمَن يَقبَلُ رُسُلَهُ يَقبَلُهُ هُوَ، وَمَن يَخدُمُ أَصغَرَ تَلاميذِهِ يَنالُ أَجرَهُ عِندَ اللهِ. وَهٰكَذا يَبقى الصَّليبُ، الَّذي كانَ عَلامَةَ عارٍ وَمَوتٍ، طَريقَ الحَياةِ وَالمَجدِ وَالقِيامَةِ.
فَيَدعونا يَسوعُ اليَومَ أَنْ نَختارَهُ فَوقَ كُلِّ شَيءٍ، وَأَنْ نَحمِلَ صَليبَنا كُلَّ يَومٍ بِأَمانَةٍ وَفَرَحٍ، وَاثِقينَ أَنَّ مَن يَسيرُ وَراءَ المَسيحِ المَصلوبِ لَن يَصِلَ إِلّا إِلى مَجدِ المَسيحِ القائِمِ.
دُعاء
أَيُّها الآبُ السَّماوِيُّ، نَسأَلُكَ بِاسمِ ابنِكَ يَسوعَ المَسيحِ، أَنْ تَمنَحَنا القُوَّةَ لِنُحِبَّكَ فَوقَ كُلِّ شَيءٍ، وَأَنْ نُفَضِّلَكَ عَلى كُلِّ ما في العالَمِ مِن خَيراتٍ وَعَلاقاتٍ وَمَصالِحَ، حَتّى نَحمِلَ صَليبَنا كُلَّ يَومٍ وَنَتبَعَ ابنَكَ بِأَمانَةٍ وَفَرَحٍ.
أَعطِنا يا رَبُّ نِعمَةَ الزُّهدِ في الذّاتِ، وَالقُدرَةَ عَلى التَّجَرُّدِ مِن كُلِّ ما يُبعِدُنا عَنكَ، لِنَكونَ عَلى مِثالِ مُعَلِّمِنا الإِلٰهيِّ يَسوعَ المَسيحِ، نُورًا لِمَن يَعيشونَ في الظُّلْمَةِ، وَبَلسَمًا لِلجُروحِ الَّتي لا تُحصى وَالَّتي تُمَزِّقُ البَشَرِيَّةَ اليَومَ.
هَبْ لَنا أَنْ نَفقِدَ حَياتَنا في سَبيلِ المَسيحِ عَلى هٰذِهِ الأَرضِ، لِكَي نَحفَظَها لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ، وَأَنْ نَثبُتَ في الإِيمانِ وَالرَّجاءِ وَالمَحَبَّةِ حَتّى النِّهايَةِ.
نَسجُدُ لَكَ أَيُّها المَسيحُ وَنُبارِكُكَ، لأَنَّكَ بِصَليبِكَ المُقَدَّسِ قَد خَلَّصتَ العالَمَ، وَفَتَحتَ لَنا أَبوابَ الحَياةِ وَالمَجدِ. لَكَ المَجدُ وَالحَمدُ وَالشُّكرُ مَعَ الآبِ وَالرُّوحِ القُدُسِ، الآنَ وَكُلَّ أَوانٍ وَإِلى دَهرِ الدُّهورِ. آمين.
القِصَّةُ الأولى: الأَرمَلَةِ وَصَليبِها
كانَت أَرمَلَةٌ شابَّةٌ جَميلَةٌ تُعيلُ ثَلاثَةَ أَطفالٍ صِغارٍ بَعدَ أَنْ خَطَفَ المَوتُ زَوجَها الحَبيبَ وَهِيَ في رَيعانِ شَبابِها. وَكانَت تَخرُجُ كُلَّ يَومٍ إِلى العَمَلِ مُبَكِّرًا، وَتَعودُ في المَساءِ مُرهَقَةً مُتعَبَةً، تَحمِلُ هُمومَ الحَياةِ وَأَثقالَ المَسؤوليَّةِ وَحدَها.
وَكانَت تُلاحِظُ أَنَّ أَطفالَها يَهرُبونَ مِن أَمامِها عِندَ عَودَتِها إِلى البَيتِ، لأَنَّ التَّعَبَ وَالحُزنَ جَعَلا العُبوسَ لا يُفارِقُ وَجهَها. فَقالَت في نَفسِها: "لِماذا أَحمِلُ هٰذا الصَّليبَ الثَّقيلَ؟ لِماذا تَرَكَني اللهُ وَحدي؟ إِنَّ صَليبي أَثقَلُ مِن أَنْ يُحتَمَلَ!".
وَفي إِحدى اللَّيالي، رَكَعَت تُصَلِّي بِدُموعٍ وَقالَت:"يا رَبّ، خُذْ نَفسي، فَإِنَّ هٰذا الصَّليبَ لا أَستَطيعُ حَملَهُ بَعدُ". وَبَعدَ أَنْ غَلَبَها النُّعاسُ، رَأَت في حُلمٍ أَنَّها دَخَلَت قاعَةً واسِعَةً مَملوءَةً بِالصُّلبانِ. كانَ بَعضُها كَبيرًا وَبَعضُها صَغيرًا، بَعضُها أَبيَضَ وَبَعضُها أَسوَدَ. وَرَأَتِ الرَّبَّ يَسوعَ واقِفًا بِجانِبِها، يَنظُرُ إِلَيها بِحُبٍّ وَحَنانٍ، وَقالَ لَها: "يا ابنتي، لِماذا تَتَذَمَّرينَ؟ أَعطيني صَليبَكِ الَّذي تَرينَهُ ثَقيلًا، وَاختاري لِنَفسِكِ أَيَّ صَليبٍ مِن هٰذِهِ الصُّلبانِ". فَفَرِحَتِ الأَرمَلَةُ، وَوَضَعَت صَليبَها بَينَ يَدَيِ المَسيحِ، ثُمَّ مَدَّت يَدَها نَحوَ صَليبٍ صَغيرٍ جَميلٍ ظَنَّت أَنَّهُ خَفيفٌ. لٰكِنَّها ما إِن رَفَعَتهُ حَتّى وَجَدَتهُ ثَقيلًا جِدًّا.
فَسَأَلَت: "لِمَن هٰذا الصَّليبُ يا رَبّ؟". َأَجابَها:"هٰذا صَليبُ فَتاةٍ أُصيبَت بِالشَّلَلِ وَهِيَ في مُقتَبَلِ العُمرِ، وَسَتَقضي بَقِيَّةَ حَياتِها عاجِزَةً عَنِ السَّيرِ. وَمَعَ ذٰلِكَ فَهِيَ تَحمِلُهُ بِشُكرٍ وَفَرَحٍ". فَقالَتِ الأَرمَلَةُ: "وَلِماذا يَبدو صَغيرًا وَخَفيفًا؟" فَقالَ الرَّبُّ:"لأَنَّ صاحِبَتَهُ تَحمِلُهُ مَعِي، وَتَقبَلُهُ بِالمَحَبَّةِ".
ثُمَّ تَوَجَّهَت إِلى صَليبٍ آخَرَ يَبدو خَفيفًا، فَلَمّا أَمسَكَتهُ شَعَرَت كَأَنَّهُ قِطعَةُ حَديدٍ مُلتَهِبَةٌ بِالنّارِ. فَصَرَخَت:
"وَلِمَن هٰذا الصَّليبُ؟" فَقالَ الرَّبُّ: "هٰذا صَليبُ امْرَأَةٍ يَعيشُ مَعَها زَوجٌ عَنيفٌ وَقاسٍ، وَمَعَ ذٰلِكَ تُصَلِّي مِن أَجلِهِ كُلَّ يَومٍ وَتُقابِلُ الشَّرَّ بِالمَحَبَّةِ".
ثُمَّ رَأَت صَليبًا ثالِثًا يَبدو أَصغَرَ مِن غَيرِهِ، فَلَمّا لَمَسَتهُ شَعَرَت كَأَنَّهُ قِطعَةُ جَليدٍ تَنفُذُ بُرودَتُها إِلى أَعماقِها. فَسَأَلَت:
"لِمَن هٰذا الصَّليبُ يا سَيِّدي؟" فَأَجابَ:"هٰذا صَليبُ أُمٍّ فَقَدَت سِتَّةً مِن أَولادِها. وَكُلَّما فَقَدَت واحِدًا مِنهم رَفَعَت قَلبَها إِلَيَّ، وَعاشَت عَلى رَجاءِ اللِّقاءِ بِهِم في فِردَوسِ النَّعيمِ".
عِندَئِذٍ انطَرَحَتِ الأَرمَلَةُ عَلى رُكبَتَيها أَمامَ الرَّبِّ يَسوعَ وَقالَت: "يا رَبّ، الآنَ فَهِمتُ. أُريدُ صَليبي الَّذي سَمَحتَ لي أَنْ أَحمِلَهُ. لَقَد ظَنَنتُهُ أَثقَلَ الصُّلبانِ، فَإِذا بِهِ أَخَفُّها. لٰكِن أَعِنِّي أَنْ أَحمِلَهُ مَعَكَ. أَنْتَ الَّذي تُحَوِّلُ الأَلَمَ إِلى رَجاءٍ، وَالمَرارَةَ إِلى حَلاوَةٍ، وَالصَّليبَ إِلى طَريقِ مَجدٍ؟ فَابتَسَمَ الرَّبُّ وَقالَ لَها: "يا ابنتي، لَستِ أَنْتِ مَن يَحمِلُ الصَّليبَ وَحدَكِ، بَل أَنا أَحمِلُهُ مَعَكِ". فَاستَيقَظَت مِن نَومِها وَقَلبُها مَملوءٌ سَلامًا، وَمُنذُ ذٰلِكَ اليَومِ تَعَلَّمَت أَنْ تَحمِلَ صَليبَها بِالشُّكرِ وَالرَّجاءِ، وَأَنْ تَرَى في كُلِّ تَجرِبَةٍ يَدَ المَسيحِ الَّذي يَسيرُ مَعَها.
العِبرَة
إِنَّ اللهَ لا يُعطينا صَليبًا أَكبَرَ مِن قُدرتِنا، وَلا يَترُكُنا وَحدَنا في حَملِهِ. فَالصَّليبُ الَّذي نَقبَلُهُ بِالإِيمانِ وَالمَحَبَّةِ يَصيرُ طَريقًا لِلنِّعمَةِ وَالتَّقَدُّمِ الرُّوحيِّ وَالمَجدِ الأَبَدِيِّ. "مَن لَم يَحمِلْ صَليبَهُ وَيَتبَعْني، فَلَيسَ أَهلًا لي" (متّى 10: 38).
القِصَّةٌ الأخْرى: واقِعِيَّةٌ الصَّليبُ الَّذي فَتَحَ القَلْبَ
في إِحدى القُرى الصَّغيرَةِ في أَوروبّا الشَّرقيَّةِ خِلالَ الحُكمِ الشُّيوعيِّ، كانَ يَعيشُ شابٌّ يُدعى "إيفان". نَشَأَ في عائِلَةٍ مُؤمِنَةٍ، وَكانَ يُحِبُّ المَسيحَ وَيُشارِكُ بِأَمانَةٍ في الصَّلاةِ وَحَياةِ الكَنيسَةِ. عِندَما بَلَغَ سِنَّ الشَّبابِ، عُرِضَت عَلَيهِ وَظيفَةٌ مَرموقَةٌ في إِحدى الدَّوائِرِ الحُكومِيَّةِ، وَكانَت فُرصَةً تَحمِلُ لَهُ المالَ وَالمَكانَةَ وَالمُستَقبَلَ المُريحَ. لٰكِنَّ المَسؤولينَ وَضَعوا شَرطًا واحِدًا: أَنْ يَتَخَلّى عَن مُمارَسَةِ إِيمانِهِ، وَأَنْ يَقطَعَ عَلاقتَهُ بِالكَنيسَةِ.
عادَ إيفانُ إِلى البَيتِ مُضطَرِبًا. وَحاوَلَ أَبوهُ أَنْ يُقنِعَهُ بِقَبولِ العَرضِ قائِلًا: "يا بُنَيَّ، المُستَقبَلُ أَمامَكَ، لا تُضَيِّعْ حَياتَكَ مِن أَجلِ أُمورٍ دِينِيَّةٍ!". وَبَكَت أُمُّهُ قائِلَةً: "إِنَّنا نُريدُ مَصلَحَتَكَ وَسَعادتَكَ". وَجَدَ الشّابُّ نَفسَهُ أَمامَ الاِختِيارِ الصَّعبِ الَّذي تَحَدَّثَ عَنهُ يَسوعُ: "مَن كانَ أَبوهُ أَو أُمُّهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنِّي فَلَيسَ أَهلًا لي" (متّى 10: 37).
قَضى اللَّيلَةَ كُلَّها في الصَّلاةِ أَمامَ الصَّليبِ، ثُمَّ اتَّخَذَ قَرارَهُ. وَفي اليَومِ التّالي رَفَضَ الوَظيفَةَ وَقالَ لِلمَسؤولينَ:
"أَستَطيعُ أَنْ أَخسَرَ المَنصِبَ وَالمالَ، لٰكِنِّي لا أَستَطيعُ أَنْ أَخسَرَ المَسيحَ". فَفَقَدَ الوَظيفَةَ، وَتَعَرَّضَ لِلسُّخرِيَّةِ وَالتَّهميشِ، وَعاشَ سَنَواتٍ طَويلَةً في الفَقرِ وَالصُّعوبَةِ.
وبَعدَ عِدَّةِ سَنَواتٍ، مَرِضَ أَبوهُ مَرَضًا شَديدًا. وَكانَ إيفانُ هُوَ الَّذي يَعتَني بِهِ نَهارًا وَلَيلًا بِكُلِّ مَحبَّةٍ وَصَبرٍ. فَنَظَرَ الأَبُ إِلَيهِ يَومًا وَقالَ بِالدُّموعِ: "يا بُنَيَّ، الآنَ فَهِمتُ. لَم تَكُن تُحِبُّ المَسيحَ عَلَى حِسابِنا، بَل أَحبَبتَنا أَكثَرَ بِفَضلِ المَسيحِ". وَقَبلَ وَفاتِهِ طَلَبَ الأَبُ أَنْ يَعتَرِفَ وَيُصالِحَ اللهَ. عِندَها تَذَكَّرَ إيفانُ كَلامَ الرَّبِّ: "مَن فَقَدَ حَياتَهُ في سَبيلي يَجِدُها"(متّى 10: 39). فَقَد خَسِرَ الشّابُّ مَكانَةً أَرضِيَّةً، لٰكِنَّهُ رَبِحَ نَفسَهُ، وَرَبِحَ أَباهُ، وَرَبِحَ السَّلامَ الَّذي لا يَستَطيعُ العالَمُ أَنْ يَمنَحَهُ.
العِبرَة
إِنَّ حَملَ الصَّليبِ لا يَعني رَفضَ العائِلَةِ أَو اِحتِقارَ خَيراتِ العالَمِ، بَل يَعني أَنْ يَكونَ المَسيحُ الأَوَّلَ في حَياتِنا. وَعِندَما نَضَعُهُ في المَرتَبَةِ الأُولى، تَستَنيرُ كُلُّ عَلاقاتِنا وَتَكتَسِبُ مَعناها الحَقيقيَّ. فَمَن يَجعَلُ المَسيحَ كَنزَهُ الأَوَّلَ، لا يَخسَرُ شَيئًا في النِّهايَةِ، بَل يَربَحُ كُلَّ شَيءٍ.